يوسف العاني

الطحان يوسف هو يوسف العاني ابن أرض السواد، وحسب ما يُروى في العراق ولد سنة 1927، جاء من مصدر تواشج أعراق النخيل والشجر، وهذا فعلٌ سمّاه المؤرخون العراق، مثلما سمى يوسف نفسه في حكايته الأولى الطحان يوسف، والتي توالدت حكايات وحكايات ودار رحى الطحان الصغير لأكثر من 70 سنة، كم أنت جميلٌ أيها الطحان الذي على ما يبدو ما استطاع رحى الدهر والحروب والأيام أن يغلب قامة المبدع الذي فيك، بل نما.. نما كبذرةٍ زُرعت في أرض البيت العتيق، ونمت نخلةً باسقة تظللت لاحقاً بسعفها، هناك.. هناك يروى أنك ولدت ذات صيف على سطح تلك الدار بعد أن حملت فيك الوالدة 11 شهراً، هناك وسط مدينة الفلوجة التي يجرشها رحى الحروب، وفي بيتٍ متواضعٍ بسيطٍ ولدت ذات صيفٍ من عام 1927 مهيّأً لولادات أخرى ربما لانتباهك إلى اختلافٍ أصابك أو رغبة غامضة ألا وهي الموهبة التي سيّجتها وحميتها وسقيتها سنةً سنة وحصنتها بالمعرفة لتسعفك على الاحتجاج وربما على الخلاص من التيه، فخشبة المسرح فضاءٌ آخر للحرية، وربما أدركت ذلك مبكراً فذهبت إلى الناس في أحيائهم البائسة لتسعفهم على الفرح قليلاً وتخفّف من شقائهم وبؤسهم قليلاً.

لقد ذهبتْ الحرب بأشياء كثيرة بالبشر والحجر ولم تُبقِ على شيء حتى على الذاكرة أحياناً، وعندما سألت يوسف العاني عن صرخة احتجاجه اليوم ضد هذا الموت، روى لي أنه خلال الحرب فقد من جملة الأشياء الحميمة دفتر يومياته والذي بدأ بتدوينه منذ عام 1948 سنة نكبة فلسطين، لقد احترقت، هكذا قيل له في دائرة السينما والمسرح حيث كان مديراً لها، احترقت الدائرة كما الكثير من المؤسسات الرسمية وسواها وضاع دفتر اليوميات، وذات يوم بعد سقوط بغداد جاءه مخرج شاب، وطلب منه المشاركة في فيلمٍ وثائقي عن الحرب ليلعب فيه دور الراوي أبو شاكر، وخلال تصوير الدمار كانت تجول الكاميرا هنا وهناك لتلتقط مشاهد الخراب، فبان في زاويةٍ من زاويا مكتب يوسف العاني وفي بقايا الخراب دفترٌ أسود كتب عليه: أيامي يوسف العاني 1948، كان ذلك بالنسبة ليوسف أثمن من كنز، أو هو الكنز المفقود الذي عَثر عليه، أما صرخة احتجاجه كما قال كانت في الفيلم الذي وثّق للهمجية والخراب والقتل.

يقول (حميد المطبعي) في موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين وفي جزءٍ خصصه عن يوسف العاني يقول: حينما وقف يوسف العاني في مهرجان قرطاج المسرحي سنة 1985 ليتوّج رائداً من رواد المسرح العربي والأفريقي بكى من فرح ماضيه، إذ تداعت أمامه وفي لحظةٍ عابرة صور الماضي كلها، كيف نسج من ماضي الشعب قصة كفاحه الطويل، قصةً بدأها منذ منتصف الأربعينات من مسرح الأزقة إلى مسرح القاعة فإلى مسرح الإذاعة والتلفزيون حتى غدا يوسف نفسه دراما شعبية تُذكرنا بتاريخنا كله في الأربعينيات والخمسينات، وهو في نظر المنصف من النقاد فنانٌ يحترم ماضيه وحاضره، وفي نظر جمهوره إنسانٌ وطنيٌّ، فنانٌ وإنسانٌ يحترم سيرته وتراثه وكل عطائه، عرفوه فمنحوه لقب الرائد، كان هو وقليلون يبنون مسرحاً نظيفاً في شوارع مكتظة بالبؤساء، وفي مدارس وكليات تزدحم بشعارات الوطن والتحرير والمقاومة، يحرّضون وينتقدون ويعرضون صور الحال، وكان مسرحهم ينبض بالفعل والحركة، وبينهم يوسف يمدّ عنقه إلى أمام دون وجل، لأنه كان مؤمناً بقضيةٍ كان عليه أن يؤدي دوراً مزدوجاً ورائعاً، دور الممثل الفنان ودور السياسي الفنان، وفي مهمةٍ واحدة أن يكون دمه ثمن الحرية.

هذا الرجل المكلل بالشيب والسنين، قد يكون من أكثر الفنانين غزارةً وعطاءً والأكثر التصاقاً بهموم الناس وحياتهم والأكثر وفاءً، وربما انحيازه المبكر إلى الطبقات البائسة في الحياة جعله يفكر بدايةً أن يصبح طبيباً لتخفيف آلام الآخرين وأحزانهم، فالتحق بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، لكنه فشل في ذلك فذهب إلى الحقوق وبالهاجس نفسه برغبة المرافعة عن المظلومين والمضطهدين في الحياة وتجريم الظالم، نجح في القانون لكنه لم يمضِ في طريق المحاماة كخيار وحيد وأخير للمرافعة ضد الظلم وربما المنصة الأكثر عمقاً في التأثير والفعل وجدها في المسرح حيث كانت بالنسبة له المختبر الحيوي الأكيد فاختار هذه المنصة لمرافعات من نوع خاص جداً تجسدت في عشرات الأعمال الإبداعية وكانت أكثر فعالية وأكثر تأثيراً وعلى ما يبدو فاز بها بامتياز مما جعله جزءاً من ذاكرة العراق وواحداً من أبرز الممثلين والمسرحيين العرب.

المحامي الشاب في مطلع الخمسينات عرف أنه خُلق لمهمة المرافعة وعلى طريقته الخاصة فقط، وهي: محاولة إسعاد الناس وتطوير وعيهم عن طريق المسرح، فأن تُضحك الناس وأنت تدلّهم على سبب الجرح، يكون ذلك أفضل علاج يقوم به المرء وربما أجمل مرافعة، وهكذا منذ عام 1944 وحتى سنة 2004 ستون سنة لم يترجل العاني عن خشبته ولم يغبْ مرة عن دوره الذي يعتبره من المهام النبيلة التي يقوم بها الإنسان، فإن غادرها لوقت ذهب إلى الكتابة بشقّيها الإبداعي والنقدي، وله في هذا السياق حوالي 40 نصاً مسرحياً والعديد العديد الآخر من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، والكثير من الزوايا في الصحف اليومية فمن لا يعثر على العاني على خشبته أو على الشاشة يقرؤه كتاباً أو مقالاً أو ذاكرة، ويوسف العاني الذي وقف على الخشبة منذ عام: 1944م شغل بالإضافة إلى مهمته في المسرح مواقع إدارية منها: مدير عام مؤسسة السينما والمسرح، فكيف أجرى تلك المصالحة بين المبدع الذي فيه وبين الموظف؟

من غير الممكن اختزال حياة وتجربة يوسف العاني بهذه العجالة، فحياته بمستوىً من مستوياتها هي فصل من رواية ملحمية كبرى اسمها: "العراق" بين ثلاثينات القرن العشرين وبدايات هذا القرن، فإذا أردنا تبيان سيرة هذا المكلّل بالسنين والشيب والعاثر دائماً على الطريق المؤدي إلى عراقه يلزمنا الكثير من الوقت، لقد تُوّج رائداً للمسرح العربي والأفريقي منذ عشرين سنة، لكنه حتى الآن ما زال يُتوّج بنفسه المسرح العراقي والعربي بحضوره الدفّاق وثراء شخصيته وحبه ووفائه.

اكتشف المزيد عن سيرة يوسف العاني في الملف "حوار مع يوسف العاني"