أدونيس

أدونيس
الشاعر السوري أدونيس خلال المقابلة

فاجئتني حياتي كثيراً.. وها هي تشرف تمضي لأبعد مما توقعت.. سارت أمامي في شكل نهرٍ.. أتنصت أسمع صوتاً يجيء من الماء.. قال السفينة مرت تأخرت خذ موعداً آخر وخذ مقعداً وانتظر.. انتظر ربما بعد وقت قصيرٍ تمر السفينة.. هذه السفينة أو ربما تمر سواها.. أتنصت لا صوت.. ما قيل لي لا أراه ما أرى لا يقال.. وهذه حياتي تجري كنهر وجسمي لا ينتظر.. انحدر أيها النهر.. خذني في مائك المنحدر..

ويأخذنا علي في ماءه يصعد بنا عالياً إلى النبع حيث أبجدية الماء، غيم وبستان وصبي معثر بتراب الحقل يبني بيتاً غامضاً، يرفع سقفه بالألف ويحني الحاء حصاناً يمتطيه نحو معرة النعمان، حيث المعري كتاب وعقل وسؤال ورؤيا، أو يغرّب والساحل السوري نداءٌ غاوٍ للمضي بعيداً في الكتاب أو للسفر إلى حيث يبتعد الوصول، ويطيب الترحال ولو في الخيال إلى الكوفة حيث يترجل المتنبي عائداً من مصر ليستريح من المديح والهجاء في بستان النخيل على قلقٍ وريح علي، ويهب النسيم مشبعاً بغناء وعطر ويصعد في البال حزن غريب، هي الرغبة ربما هي الرغبة الجامحة في تغيير المصير وهدم الجدار، هي الرغبة في التمرد في الجريان كالنهر أو في التجديف بعكس التيار، في الصعود نحو القمة العالية ليوقد النار للرعاة والليل. ويأخذنا علي يأخذنا إلى المطارح الأولى إلى الولادات الأولى إلى بيت عتيق في القرية، هو الحنين إلى طيف أنثوي إلى شيخ جليل يعلمه فك الحرف إلى دمشق إلى بيروت حيث الانبثاق ومخاضات وولادات وجنون وحب وشعر لا يمكن وصفه كما ينبغي أو كما تراه، فهو متعدد يسكن غابة الشعر تلمحه بين الظلال يعشب من الكتب القديمة النوافل، ويعثر على الذهب يلمعه ثم يذهب إلى ماءه ويواصل التدفق. يصعد إلى جبله ويوقد النار ويتأمل في هذا الليل العربي الطويل. أدونيس كلما هب نسيم يذكره وصلاً فيضيء على حافة الليل قصيدة ويرمي عصا الشك في كل يقين.

خلاّق لا يستكين ولا يطمئن إلى يقين، يزاول طرح الأسئلة والتنقيب عن أجوبة لها، فالشاعر الكبير لا يمكن إلا أن يكون مثقفاً كبيراً ومفكراً وسجالياً ومحللاً يتأمل دائماً في حركة التاريخ والزمان.

تراه يشير في أجوبته إلى مواضع الأعطاب، يضيء طريقاً نحوها للعلاج أو للتخفيف من الألم، فهو يعرف تماماً أن الشحوب الذي يصيب هذه الأمة وهذه المجتمعات والضمور الفكري والعجز هو نابع من موروثاتها وتأويلات تطمح إلى ترسيخ المؤسسات الرسمية التي لا دعام لها سوى الغيبيات، وما تنتجه من وسائل للاستبداد والقهر والظلم.

علي أحمد سعيد هذا اسمه في الهوية، وأدونيس اسم اختاره لنفسه خيار آخر وولادة أخرى في المسافات والمدن التي شهدت انبثاقات له وولادات في الرؤى وفي القصيدة.

ولد علي في قصابين قرية في الشمال السوري في شتاء ليل من عام 1930 ومن أبوين فقيرين، كان والده أحمد سعيد شوقاً بالمعرفة واللغة والشعر، وهذا كان الحجر الأساس في عمارة أدونيس لاحقاً.

نشأ بداية وسط هذه البيئة تعلم في كتّابها لحوالي عشر سنوات، ثم تابع دراسته في مدن الساحل في طرطوس واللاذقية، ثم إلى دمشق حيث نال إجازته في الفلسفة سنة 1954، ومنذ بداية الخمسينات بدأ يرسل قصائده إلى مجلة الآداب البيروتية.

وهكذا دارت عجلة أيامه وفق رغبته في تغيير مصيره كما كان يقول، ليحط فيما بعد ترحاله في بيروت على أواسط خمسينات القرن الماضي، حيث بدأ يشعل ناره وحرائقه في مسائلة الموروث فكراً وشعراً ونصاً وأنساقاً، فكان من بين أوائل الدعاة الحداثيين الذين صرفوا أعمارهم من أجل تهديم جدران السجن الكبير للخروج إلى المدينة الإنسان المدينة الحرية المدينة العدالة.

من قصابين إلى باريس حيث ولادته الكونية كما يسميها بعد بيروت التي كانت الولادة الثقافية، 77 عاماً يضيء أدونيس عند كل ليل منها قصيدة وشمعة للأيام الآتية.

حين تجالسه يذهب بك في شعاب المعرفة والتاريخ والشعر، ليس من حرج أن تطرق أي باب شئت، فباب الحب رحب يفضي إلى حكايات وحدائق، وباب الشعر عالٍ خلفه ألف قصيدة، وباب الفكر يفتح دائماً على الحرية، لكأن مسار حياته أبواب تفضي إلى أبواب يفتحها على الضوء، وكلما تعثر أمام جدار ما يفتح في قلبه كوة، وكلما علا جدار السجن كما يقول تصبح الخطيئة مقدسة.

القصابين وشقاء الطفولة في مدن الساحل في القرية، ثم دمشق حيث هب هوى العشق مع خالده رفيقة العمر صديقة وحبيبة وزوجة ومبدعة قرأته بهوى الفكر، ثم بيروت بيروت مجلة شعر مع يوسف الخال سنة 1957 كانت مجلة شعر حجر الزاوية في بناء القصيدة الحديثة، ثم مواقف مجلة أخرى أو منبر آخر لموقفه من الثورة من الحياة من الوجود ومن التراث، حيث يقول في افتتاحية العدد الثالث عام 1969 "الثوري العربي يحاصره عدوان خارجي مستعمر ومتطور، وداخلي متخلف وطاغية". لكأنه في كل مرة صاغ افتتاحية أو مقالاً أو دراسة أو معالجة للموروث أو للمعاصر، كان يضمّن كلامه بياناً من نوع آخر بياناً من أجل الحداثة بمفهومها الشامل وليس المقتصر على الشعر فقط.

بيروت ولادتي الثانية، ولادتي الثقافية والشعرية، بيروت أتاحت لي الانطلاق والاتصال والتواصل مع العالم. خمس دقائق، خمس دقائق فقط غيرت مسار حياتي يوم عبرت الحدود إليها قادماً من دمشق، وكان ذلك إبان العدوان الثلاثي على مصر، لولاها لما كنت ما أنا عليه اليوم على الإطلاق. هكذا قال أدونيس. إلى هذا الحد كانت بيروت مهيأة في خصوبتها لانبثاق القامات المعرفية وفي احتضان من بهم مسّ من شعر وجمال؟ في هذا الحي البيروتي، الحي الجامعي سابقاً، الحي المتواضع، حيث كانت كلية الآداب، عاش أدونيس وعلّم أجيالاً أسماء كثيرة تغير مصيرها في هذا المربع، المربع الثقافي والأكاديمي ما بين كلية التربية وكلية الآداب، أسماء كثيرة أصبحت لامعة لاحقاً، مفكرون وأدباء وسياسيون وشعراء وثوار وحالمون، كلهم عبروا من هنا حيث كانت المنازلات أفكاراً تقارع أفكاراً، وقصائد تعلو وعشق يعلو، وهواء الحرية يهب ويطيّر الأحلام قبل أن تأتي الحروب والطوائف وتطحن كل شيء وتهدم عمارات من الأحلام والرؤى. عندما سألته تسكن جسدياً في أكثر من مكان؟ فأين يسكن الهوى؟ وأين تسكن الروح؟ فقال لي: بيروت أرجو أن لا تفقد هذه المدينة سحرها وعطرها وماءها الحي.

كتب كثيراً شعراً ونقداً وفكراً وكان مسكوناً دائماً بخلخلة الثابت، شاغله دائماً الآتي من الأيام، ليس على المستوى الشخصي، بل على مستوى أمته التي يخشى زوالها بالمعنى الحضاري، يخشى زوالها لافتقادها ما يؤكد حضورها على مستوى الإسهام في صياغة وجودها فعلاً ودوراً وإنجازات، وللنقصان الفادح في العدالة والحرية. كتب كثيراً وترجم إلى معظم اللغات المعاصرة، ونال جوائز عديدة، وكرم في أكثر من عاصمة ومدينة عربية وعالمية. وتراه شكاكاً غير راضٍ تماماً عما قام به، وأظن هذا من خصال المبدعين الكبار.

أدونيس هذا الرحالة في الأمكنة والأزمنة، هذا الطفل المتخفي بهيئة رجل سبعيني، لا يشبع شغباً ولا حباً ولا شعراً ولا نثراً ولا يتعب من سفر، فكلما طوى مسافة في عمره، طوى كتاباً، وكلما حط في مدينة يولد ليبدأ من جديد مساءلة ما يراه وما يقرؤه. هذا الشريد المنفي في اللغة تركته يزاول توسيع الكوة في الجدار وحياكة قصيدة على عباءة الليل.

برهان غليون

حكماً كلما حطت بك الرحال في واحدة من هذه المدن ستقع في فخ المقارنة، وتصاب بالحسرة إن فطنت إلى مصدرك والبلاد التي تركتها خلفك حيث مطاحن الحروب وحطام التاريخ، وركام من أجوبة جاهزة وتكرار قاتل في مجانيته واجترار للرداءات من الموروث، وأشكال مختلفة من الاستبداد، عالم مفتقد لشرطه الإنساني مصاب بعقم فكري، ومن به توق لفتح نوافذ للعقل قد يجد نفسه خارج مكانه الأول أو قد يجد نفسه في وطنين وغربتين، وكما العادة في هذه الفضاءات والمدن قد يلتقي المرء برجل من هذا الطراز، اختار المتن بدل الهوامش الضيقة المتاحة في وطنه، اختار الفضاء الرحب حيث أن الحرس هنا لا يتدخل في أسئلة العقل ولا بحرية التفكير، ولا يملي شروطاً أو ينصب شركاً، برهان غليون واحد من المفكرين العرب يقيم في هذه المدينة باريس، جاءها طالباً في السبعينات وعاد إليها باحثاً وأستاذاً في السوربون.بداية ماذا يفعل الدكتور برهان غليون اليوم، يعني فينا نقول إنه الهموم الراهنة سرقتك من الفعل الحقيقي اللي هو البحث والاشتغال بقضايا الفكر والفلسفة؟

هكذا يرى برهان غليون إلى أن عدم قيام الدولة الحديثة في عالمنا يعود إلى إساءة استخدام الحداثة التي بقيت شكلية وسطحية ولم تنفذ إلى المضمون الإنساني، ولا يرى في الموروث عائقاً بل شعاراً ليس أكثر ترفعه بعض التيارات لأغراض سياسية، فلا أحد عملياً كما يقول يعيش في الماضي أو في التراث، هذه وجهة نظره التي يعتبرها إضافة على قراءات سابقة وجدت في الموروث الثقافي سبباً في عدم تطور المجتمعات وجداراً منيعاً في وجه التغيير، أعتقد أن البعض قد يوافق الدكتور غليون على الشق الأول المتعلق بإساءة استخدام الحداثة، لكنه قد يعارضه على تبرئته للموروث في بعض وجوهه السكونية من جعل هذه المجتمعات تراوح في دائرة مغلقة، ولكن دائماً كما يقال تراكم وجهات النظر بحد ذاته ضرباً من ضروب الإبداع والحرية ويؤدي في النهاية إلى نتائج مجدية.

هنا في باريس راكم الدكتور برهان غليون تجربته أستاذاًَ وكاتباً وباحثاً وناشطاً في أكثر من حقل سياسي واجتماعي، كتب عشرات الكتب والمؤلفات التي تُرجمت إلى أكثر من لغة وكلها تدور في فلك الأسئلة التي تشغل مجتمعاتنا العربية، هنا في هذا الحي الباريسي يقيم وتشغله هموم دمشق، ويشغله أيضاً ربيعان، ربيع البلاد وربيع ابنته التي توازن بين عقل الأب وعقل المفكر، وتضفي على شيبه بعض الفرح وبعض الأمل، أما لربيع دمشق حصة وافرة في وجدانه، بل هو واحد من شاتلي حدائقه إذا صح التعبير أي من قادة المعارضة، فأين هو في نهايات خريفه من ربيع لم يأتِ بعد.

ربيع آخر في باريس قضاه برهان غليون حالماً بربيع دمشق، وهو القادم من مدينة حمص مواليد سنة 1945، نشأ في بيئة متواضعة كان والده يهتم بتربية الخيول، تفتح على عالم كان يغلي بالأفكار أواسط الستينات، درس في جامعة دمشق ثم غادر إلى باريس إلى السوربون متأثراً بالفلسفة الوجودية وبسارتر، إذ كان يجد في المركسية وفي الفلسفة بشكل عام ملاذاً للتعبير عن تمرده، اختار باريس كما يقول عن وعي لكونها معبرة عن الحرية، وقد جذبته ثورة الطلاب سنة 1968 ولكون الفلسفة الفرنسية أيضاً مرتبطة أكثر بالمجتمع وبشكل أعمق، لم يكن يخطط للبقاء في فرنسا بل العودة إلى دمشق، ولكن غالباً قد لا تتسع المطارح الأولى لأبنائها، ثلاثون سنة بدأها ببيان من أجل الديمقراطية وما زال يتلوا أشكال بياناته في قراءات لمجتمعه عبر عشرات الكتب والمقالات والأبحاث.

ميشال خليفي

كلما أتيت أو عبرت في هذه المدن تقع في فخ المقارنة وتُصاب بالحسرة إن كنت قادماً من بلاد وأوطان مزقتها الحروب وهدمها الاستبداد وفقدان العدالة لتبقى على هامش التاريخ في سكونيتها القاتلة، تجتّر ماض لم يبقى من إشراقاته سوى التحسر، وشعارات تعددت تحت بريقها الواهي أشكال السجون والقمع، هذا إذا كنت تمتلك حساً نقدياً حالماً بالحرية، أما إذا كنت تسعى في الوقت نفسه لتقديم أو صياغة صورة عن بلادك تشبه حلمك عنها وفيها عليك أن تمشي في حقل ألغام، كما هذا الرجل القادم من الناصرة فلسطين إلى بروكسل لصياغة صورته المشتهاة عن وطنه، عن إنسان حر يبني مجتمعاً حراً، فعلى قوله لا يمكن أن يبني المجتمعات الحرة سوى أفراد أحرار.

الفلسطيني المصدر والهوى والانتماء والبلجيكي الجنسية والإقامة، وجد جواز سفر آخر لعبور الحدود بين وطنه الأم والعالم، وهو فيلم طويل صاغه عن فلسطين بوجوه مختلفة وبأجزاء متعددة يربط بينها عشقه للبلاد، فهو يرى أن خطأ تاريخياً ارتُكب في حق وطنه وعليه الإسهام في تصحيحه ولو بمقدار "قل كلمتك الحق وامش" في هذه المدينة بروكسل التقيته فقام بدور الدليل ليس للتعرف على معالم المدينة وحسب بل القيام بجولة في الذاكرة، فاصطحبني إلى شعاب وبيوت الناصرة المكان الذي يسكنه إنساناً وقضية وإلى حكاياته مع الصورة.

إذاً السنوات الأولى من عمره مرّت في الناصرة، حيث كان يمنى عليه أن يغادر كما كل أهلها إلا بتصريح من الاحتلال، وربما هذا ما دفعه للبحث عن نافذة أخرى أو عن طريق تحمله إلى ما هو أبعد من جغرافية البلاد فكان الكتاب ممكناً للقيام في رحلة في أرجاء الأرض والمدن دون إذن أو تصريح، وكانت الصورة بسحرها الفائق نافذة أخرى، أو مطرحاً يقيم به ولو لحين مع رجل مسن كان يصطحبه وحفيدته وشلة من أطفال الحي الناصري إلى السينما لمشاهدة أفلام ذلك الزمن، وكما يروي ميشال خليفي كان يريد الخروج إلى مطارح قد يعثر فيها على إمكانات تحقيق بعض حلمه، وهو العامل الصغير في كراج لتصليح السيارات في بلدة الناصرة، ويوم قرأ ذلك الإعلان في الصحف عن طلب عمال لشركة الفولس فاكن في ألمانيا تفتّح خياله على عالم بعيد، وكما يروي أيضاً كان لديه أحد الأقرباء يقيم في بروكسل فجاءها كمحطة نحو ألمانيا، لكنها أصبحت محطة لإقامة طويلة، ولوطن ثانٍ ولحكاية مع الصورة ومع السينما.

منذ الذاكرة الخصبة الفيلم الوثائقي الأول الذي حققه عام 1980والذي اعتبره النقاد فتحاً في تاريخ السينما الوثائقية، وضع ميشال خليفي حجر الزاوية في تجربة وصفت بالجرأة والتمايز، مزج فيها ما بين الوثائقي والروائي، وكانت فلسطين هي محور أعماله، لكأنه أراد أن يوثق لذاكرة بلاده للناس وللأمكنة التي أزالها الاحتلال، ولعادات وثقافات تكاد تذهب إلى النسيان، وللذين تسنى لهم متابعة أعماله التي بعضها ممنوع من الرقابة في الكثير من البلدان العربية، يكتشف مدى خصوبة ذاكرة ميشال خليفي، ذلك الشاب الناصري الذي وظّف موهبته وثقافته في خدمة قضيته عبر سلسلة من الأفلام التي قدمت للمشاهد الغربي خاصة شهادة الحق، وصورة عن الظلم الجائر في معالجات إبداعية لحياة أهله في فلسطين أو للحياة الفلسطينية تحت رحى الاحتلال.

على أواخر الثمانينات التقيته في هذه المدينة بروكسل، المدينة لم تتغير كثيراً ولم تبدّل ملامحها حتى في إضافاتها وهذه ميزة المدن العريقة التي أنجزت حريتها، وهو أيضاً لم يتغير ولم يبدّل من رؤاه وإن بدّلت السنوات العشرين من بعض الملامح، فالزمن بالنسبة له حين يفكر به أيضاً هو فلسطين كما قال، واحتفاله الدائم بالحياة جعله أكثر قناعة بضرورة تبيان الصورة الحق، أو الإسهام في تصحيح الخطأ على قدر المستطاع، ميشال خليفي سألته آنذاك أي قبل عشرين سنة في إطار حوار صحفي هذا السؤال، إذا كان شرط الإبداع الحرية، فكيف إذا كان نص المبدع يتعلق مباشرة بالحياة اليومية للناس وتحديداً عبر السينما وفي وطن محتل وفي مناخات القمع والاضطهاد والإبعاد، قال لي آنذاك: أعمل كالذي يمشي في حقل من الألغام، وهو كذلك فقد تابع ميشال خليفي هذا المسار في حقل ألغام تعددت مصادره بعد حصار فكري آخر وتكفيري يطال المبدعين عامة، وفي كل مرة ينجو بعمل وربما كان عرس الجليل الأكثر جرأة والذاكرة الخصبة الأكثر تحدياً ومعلولا صورة على جدار المسنين وصورته دائماً هي فلسطين وطن أكثر بهاءً وحرية، هذا مشروع الحياة الذي عبّر عنه ميشال خليفي.

أعماله هي هوية بالنسبة له وجواز سفر وبطاقات بريد وعناوين ورسائل حب ومواقف وشهادات سمها ما شئت، ولكن على أرض الواقع لا بد من وثيقة تسمح للمرء أن يعبر الحدود، لا بد من جواز يبرزه على المعابر ولدى السلطات، لكن جواز السفر لا يعبر دائماً عن الهوية ولا عن الانتماء ولا عن رغبات المهاجرين والعائدين ولا عن أحلامهم، جواز السفر الحقيقي هو إنسانيتك كما قال ميشال خليفي.

كثرٌ الذين تمر أعمارهم خارج أمكنتهم الأولى ويبقى حنينهم بوصلة سلوكهم طيفاً يلاحقهم وكأن مطارحهم الأولى تسكنهم إلى الأبد وشعورهم بالغربة لا يمحوه مرور السنين، بروكسل وطن ثاني بالنسبة لميشال خليفي لكنها لم تكن البديل الدائم أبداً فلا بديل عن مطارح البدايات مهما كانت الإغراءات ومهما اتسع الفضاء، الأمر هكذا بالنسبة للكثيرين حتى لو كان الشقاء سمة الطفولة، ميشال خليفي رغم كل هذه السنوات تلتقيه مرة أخرى عابراً في هذه المدينة.

هذه الهواجس قد يستشفها المشاهد في أعمال ميشال خليفي الذي تزداد قناعاته يوماً بعد آخر بضرورة التفكر بجدوى العنف في مواجهة العنف، بين بروكسل وفلسطين تركتُ ميشال يجوجل بعض أفكاره لتكريم الناصرة بعمل يليق بالذاكرة وبالوطن فلسطين.

نضال الأشقر

كانت ملكة ثم جارية من نيسابور، وكانت شقية ومتمردة وعاشقة، لها أسماء كثيرة وشخصيات متعددة تطل بها عليك. شجرة الدر، تمارا، زنوبيا، وسيدة فرنسية، هي بكل أحوالها امرأة من هذا الزمان.

نضال الأشقر لا بد أن اسمها من اختيار الوالد أسد الأشقر زعيم ومناضل قديم في الحزب القومي، من الواضح أن نضال لم تخرج من معنى ودلالة الاسم ولا من عباءة الوالد، إذ أنها ورثت منه فكره وأحلامه، واستمرت مناضلة على طريقتها الخاصة تشاغب وتصنع مشهدها.

نضال الأشقر هي ابنة عائلة فكرية وسياسية، والدها أسد الأشقر كان ركناً أساساً من أركان الحزب السوري القومي، يبدو أنه طبع نضال بفكره وبحياته وبحكاياته حراً وسجيناً، كذلك إخوتها سلكوا الدرب نفسه. وإذا كان الولد سر أبيه كما يقال فالبنت أيضاً سر أبيها، فلقد اكتسبت منه خصال الحرية والاختلاف والجرأة والتمرد كما تقول، كذلك العناد والمثابرة. وكان من أوائل المشجعين لها على دراسة التمثيل والمسرح، فكيف بدأت تلك الرحلة؟

وربحت عمتها الرهان وطلع كتير أشياء من نضال ابنة ديك المحدي التي تعني بالسرياني التلة الجميلة، ولكن هناك حكاية أخرى عن اسم القرية. تقول: إن امرأة كانت تقتني ديكاً مشاكساً كان يقضي في كل صيف على موسم العنب في العريشة اليتيمة، فقررت المرأة حدي الديك وحدته كي لا يستطيع التسلق ثانية فربحت رهانها، وصارت تسمى القرية باسم ديكها المحدي، من هذه الحكايات جاءت نضال، جاءت من حياة عائلة تشتت في المهاجر، ومن حكاية الأب والعائلة التي كان لها أيضاً رهانات وأحلام.

على مدار ما يقارب النصف قرن راكمت نضال الأشقر تجربة غنية في المسرح والسينما والتلفزيون، وأيضاً في المهرجانات محلياً وعربياً، ارتبط اسمها في الستينات في محترف بيروت، حيث قدمت مع روجيه عساف العديد من الأعمال نذكر منها: المفتش العام، مجدلون، كارت بلوج، وإضراب الحرمية. وقد شكلت تلك المرحلة نقطة انطلاق أساسية لمسيرة تنوّعت وتشعبت على عشرات الأعمال تمثيلاً وإخراجاً وإعداداً. وإذا جاز اختصار تلك التجربة بمحطات أساسية يمكن البدء بمحترف بيروت، ثم بالإطلالة العربية عبر فرقة "الممثلون العرب" مع الطيب الصديقي وذلك بافتتاح مسرح المدينة بصيغتيه القديمة عام 1995 في كلمنصو والجديدة في السرولا عبر نصوص لسعد الله ونوس وأمين معلوف، وكان مسرح المدينة نقطة ضوء ساطعة على مدار خمسة عشر سنة صاخبة بالعمل والإنتاج. بالطبع إضافة إلى أعمال أخرى هامة منها تحت إدارة فؤاد نعيم مخرجاً في البكرة والمتمردة والحلبة، ومع ريمون جبارة وشكيب خوري وعشرات الأعمال التلفزيونية نذكر منها: نساء عاشقات، وتمارا، وزنوبيا، وشجرة الدر، والمعتمد بن عباد، وحرب البسوس وأعمال أخرى عديدة. نضال الأشقر في كل أحوالها وإنتاجها هي ابنة جيل أثرى الحياة المسرحية والثقافية في لبنان، مناخ الستينات، زمن الصعود، والأحلام، والأمل.

نضال الأشقر صنعت صورتها بمهارة ومثابرة وعناد. يبدو أنها كانت تعرف ماذا تريد وساهم المناخ والعائلة والحزب والأصدقاء في شحذ همتها ودفعها نحو الهدف، عندما يذكر اسمها تحضر صورتها صبية مشاكسة على أواسط ستينات القرن العشرين على خشبة مسرح بيروت في المحترف الذي أسسته روجيه عساف وشلة من أصدقاء ذلك الزمان، ثم ويكر شريط طويل من حضورها في شخصيات عديدة لعبتها. قد يختلف الرأي حول شخصيتها وأعمالها، ولكن لهذه السيدة تاريخ طويل وتجربة غنية مرفودة دائماً بالأمل وبالحيوية هي نضال الأشقر.

يوسف العاني

الطحان يوسف هو يوسف العاني ابن أرض السواد، وحسب ما يُروى في العراق ولد سنة 1927، جاء من مصدر تواشج أعراق النخيل والشجر، وهذا فعلٌ سمّاه المؤرخون العراق، مثلما سمى يوسف نفسه في حكايته الأولى الطحان يوسف، والتي توالدت حكايات وحكايات ودار رحى الطحان الصغير لأكثر من 70 سنة، كم أنت جميلٌ أيها الطحان الذي على ما يبدو ما استطاع رحى الدهر والحروب والأيام أن يغلب قامة المبدع الذي فيك، بل نما.. نما كبذرةٍ زُرعت في أرض البيت العتيق، ونمت نخلةً باسقة تظللت لاحقاً بسعفها، هناك.. هناك يروى أنك ولدت ذات صيف على سطح تلك الدار بعد أن حملت فيك الوالدة 11 شهراً، هناك وسط مدينة الفلوجة التي يجرشها رحى الحروب، وفي بيتٍ متواضعٍ بسيطٍ ولدت ذات صيفٍ من عام 1927 مهيّأً لولادات أخرى ربما لانتباهك إلى اختلافٍ أصابك أو رغبة غامضة ألا وهي الموهبة التي سيّجتها وحميتها وسقيتها سنةً سنة وحصنتها بالمعرفة لتسعفك على الاحتجاج وربما على الخلاص من التيه، فخشبة المسرح فضاءٌ آخر للحرية، وربما أدركت ذلك مبكراً فذهبت إلى الناس في أحيائهم البائسة لتسعفهم على الفرح قليلاً وتخفّف من شقائهم وبؤسهم قليلاً.

لقد ذهبتْ الحرب بأشياء كثيرة بالبشر والحجر ولم تُبقِ على شيء حتى على الذاكرة أحياناً، وعندما سألت يوسف العاني عن صرخة احتجاجه اليوم ضد هذا الموت، روى لي أنه خلال الحرب فقد من جملة الأشياء الحميمة دفتر يومياته والذي بدأ بتدوينه منذ عام 1948 سنة نكبة فلسطين، لقد احترقت، هكذا قيل له في دائرة السينما والمسرح حيث كان مديراً لها، احترقت الدائرة كما الكثير من المؤسسات الرسمية وسواها وضاع دفتر اليوميات، وذات يوم بعد سقوط بغداد جاءه مخرج شاب، وطلب منه المشاركة في فيلمٍ وثائقي عن الحرب ليلعب فيه دور الراوي أبو شاكر، وخلال تصوير الدمار كانت تجول الكاميرا هنا وهناك لتلتقط مشاهد الخراب، فبان في زاويةٍ من زاويا مكتب يوسف العاني وفي بقايا الخراب دفترٌ أسود كتب عليه: أيامي يوسف العاني 1948، كان ذلك بالنسبة ليوسف أثمن من كنز، أو هو الكنز المفقود الذي عَثر عليه، أما صرخة احتجاجه كما قال كانت في الفيلم الذي وثّق للهمجية والخراب والقتل.

يقول (حميد المطبعي) في موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين وفي جزءٍ خصصه عن يوسف العاني يقول: حينما وقف يوسف العاني في مهرجان قرطاج المسرحي سنة 1985 ليتوّج رائداً من رواد المسرح العربي والأفريقي بكى من فرح ماضيه، إذ تداعت أمامه وفي لحظةٍ عابرة صور الماضي كلها، كيف نسج من ماضي الشعب قصة كفاحه الطويل، قصةً بدأها منذ منتصف الأربعينات من مسرح الأزقة إلى مسرح القاعة فإلى مسرح الإذاعة والتلفزيون حتى غدا يوسف نفسه دراما شعبية تُذكرنا بتاريخنا كله في الأربعينيات والخمسينات، وهو في نظر المنصف من النقاد فنانٌ يحترم ماضيه وحاضره، وفي نظر جمهوره إنسانٌ وطنيٌّ، فنانٌ وإنسانٌ يحترم سيرته وتراثه وكل عطائه، عرفوه فمنحوه لقب الرائد، كان هو وقليلون يبنون مسرحاً نظيفاً في شوارع مكتظة بالبؤساء، وفي مدارس وكليات تزدحم بشعارات الوطن والتحرير والمقاومة، يحرّضون وينتقدون ويعرضون صور الحال، وكان مسرحهم ينبض بالفعل والحركة، وبينهم يوسف يمدّ عنقه إلى أمام دون وجل، لأنه كان مؤمناً بقضيةٍ كان عليه أن يؤدي دوراً مزدوجاً ورائعاً، دور الممثل الفنان ودور السياسي الفنان، وفي مهمةٍ واحدة أن يكون دمه ثمن الحرية.

هذا الرجل المكلل بالشيب والسنين، قد يكون من أكثر الفنانين غزارةً وعطاءً والأكثر التصاقاً بهموم الناس وحياتهم والأكثر وفاءً، وربما انحيازه المبكر إلى الطبقات البائسة في الحياة جعله يفكر بدايةً أن يصبح طبيباً لتخفيف آلام الآخرين وأحزانهم، فالتحق بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، لكنه فشل في ذلك فذهب إلى الحقوق وبالهاجس نفسه برغبة المرافعة عن المظلومين والمضطهدين في الحياة وتجريم الظالم، نجح في القانون لكنه لم يمضِ في طريق المحاماة كخيار وحيد وأخير للمرافعة ضد الظلم وربما المنصة الأكثر عمقاً في التأثير والفعل وجدها في المسرح حيث كانت بالنسبة له المختبر الحيوي الأكيد فاختار هذه المنصة لمرافعات من نوع خاص جداً تجسدت في عشرات الأعمال الإبداعية وكانت أكثر فعالية وأكثر تأثيراً وعلى ما يبدو فاز بها بامتياز مما جعله جزءاً من ذاكرة العراق وواحداً من أبرز الممثلين والمسرحيين العرب.

المحامي الشاب في مطلع الخمسينات عرف أنه خُلق لمهمة المرافعة وعلى طريقته الخاصة فقط، وهي: محاولة إسعاد الناس وتطوير وعيهم عن طريق المسرح، فأن تُضحك الناس وأنت تدلّهم على سبب الجرح، يكون ذلك أفضل علاج يقوم به المرء وربما أجمل مرافعة، وهكذا منذ عام 1944 وحتى سنة 2004 ستون سنة لم يترجل العاني عن خشبته ولم يغبْ مرة عن دوره الذي يعتبره من المهام النبيلة التي يقوم بها الإنسان، فإن غادرها لوقت ذهب إلى الكتابة بشقّيها الإبداعي والنقدي، وله في هذا السياق حوالي 40 نصاً مسرحياً والعديد العديد الآخر من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، والكثير من الزوايا في الصحف اليومية فمن لا يعثر على العاني على خشبته أو على الشاشة يقرؤه كتاباً أو مقالاً أو ذاكرة، ويوسف العاني الذي وقف على الخشبة منذ عام: 1944م شغل بالإضافة إلى مهمته في المسرح مواقع إدارية منها: مدير عام مؤسسة السينما والمسرح، فكيف أجرى تلك المصالحة بين المبدع الذي فيه وبين الموظف؟

من غير الممكن اختزال حياة وتجربة يوسف العاني بهذه العجالة، فحياته بمستوىً من مستوياتها هي فصل من رواية ملحمية كبرى اسمها: "العراق" بين ثلاثينات القرن العشرين وبدايات هذا القرن، فإذا أردنا تبيان سيرة هذا المكلّل بالسنين والشيب والعاثر دائماً على الطريق المؤدي إلى عراقه يلزمنا الكثير من الوقت، لقد تُوّج رائداً للمسرح العربي والأفريقي منذ عشرين سنة، لكنه حتى الآن ما زال يُتوّج بنفسه المسرح العراقي والعربي بحضوره الدفّاق وثراء شخصيته وحبه ووفائه.

اكتشف المزيد عن سيرة يوسف العاني في الملف "حوار مع يوسف العاني"

جان شمعون

[مشهد من فيلم "أرض النساء"]

امرأة [حزينة شاكية]: هادي الأوضة (الغرفة) اللي قعدت فيها وصلت لمرحلة الموت فيها، يعني هلأ عم فوت فيها بس بحس بألم بداخلي غريب، بهيدي الأوضة مائة موتة كنت موتها باليوم، يعني تصور أنو كنت نام على فرشة مليانة مي، نقطة المي تنزل بألب دينتك، خلص قلت أن نهايتي بدها تكون هون، ما بنسى هاللحظة، فرشتي هون المي عم تدرج هيك فوق اللمبة نقط المي اللي عم تنزل عليك، تصور أنو أجت شرطية وفتحت وعم تغير لي على جرحي بيجي أبو نبيل مو حامل سيجارة؟ طفا السيجارة بقلب الكلية.. بقلب كليتي مطرح ما مجروحة وحمل حاله وفات.

هذا المشهد من "أرض النساء" واحد من أفلام هذا السينمائي المنحاز تاريخياً لهذه الأرض ولقضايا أهلها، والقادم من مدى شبيه بهذا المدى وهو مجبول من تربة الواقع ومن إرهاف شفّ في مساءات سعين بلدته البقاعية، شغلته الصورة كحالة تغلب النسيان وشغله التناقض في بلد أو في عالم شحيح العدالة، الظلم فيه وعدم الرحمة أفعالٌ تحرّض على التدخل ولو بالاحتجاج أو بالتدليل على الآلام التي يسببها.

جون شمعون صديق سبعينات القرن الماضي، كان لا بد من زيارته بعد هذه السنوات هنا في بيته في حي من أحياء بيروت كي نستعيد معه بعض مشاهد الذاكرة مشاهد مؤلمة في غالبها لكن مقدار التهكم والسخرية عنده يخفف.. يخفف من وطأة الوجع، بدا جورج شمعون منهمكاً مع شريكته مايا المصري في التحضير لفيلم جديد، وكعادته يحتفل بمَِن يحب على طريقته خبريات متناثرة، شيء من الماضي، وآخر من الراهن، وفنجان قهوة، وأرشيف.. أرشيف من الصور والمشاهد والكلام منذ بدايته بالتلفزيون اللبناني عبر برنامج "الناس والأحداث" ولقائه مع زياد الرحباني عبر البرنامج الإذاعي "بعدنا طيبين" وصولاً إلى فيلمه طيف المدينة فيلمه الروائي.

وحين يدور الحديث عن الأهل والبيئة يتذكر والده ولا يذكر والده، الوالد المهاجر الذي رحل مبكراً والشقاوات الأولى والصداقات الأولى والتأثرات الأولى. ابن سرعين البلدة البقاعية جاء بيروت كما كل عشاقها الباحثين في مرآتها عن صورتهم وأحلامهم، هنا في هذا المبنى التاريخي قرب السراي انعقد شمل من بهم لوثة الاختلاف، معهد الفنون الجميلة قبل وقوع الحرب هنا اعتلى وشلة زمانه منصة شكسبير وتشاوروا مع هامليت حول مصائرهم ووقفوا تحت شرفات جولييت عشاقاً وذهبوا إلى اليونان عبر نصوص أريستوفانيس ثم عادوا إلى أرواحهم هنا نزلوا هذه السلالم إلى وسط المدينة كانت على هذا النحو قبل أن يبدأ الخراب العظيم لتعود لاحقاً خارجة من الرماد، في هذا المقهى جلسوا وجلسنا، الحياة أقوى من الموت قال جورج شمعون: نعم الحقد يخرب ويدمر والحب يبني والاشتغال على صورة الحرب كي لا ننسى وكي لا تتكرر.

كي لا ننسى، كي لا ننسى نستعيد هذا المشهد مع جون شمعون، ونستعيد احتمالاتٍ عدة لصورٍ أقل قسوة وأخرى ممتلئة بالأمل والحب، هو عندما حمل آلة التصوير ونزل إلى الشارع ربما كان يبحث عن صورةٍ أخرى أو كان ينوي القيام بفعلٍ آخر غير الذي صار عليه، لكأنه وجد نفسه دفعةً واحدة في وسط المشهد الذي يستحيل تخطيه، وليس بالإمكان الخروج منه أو من إطاره إلى قصةٍ صنعها الخيال أو إلى حكايةٍ تحاكي الواقع، فالواقع بمرارته وقسوته وسخط تداعياته أكثر هولاً مما يظنه مؤلف السيناريو، وأبعد من الخيال فيما لو أراد تأليف فيلمٍ من هذا النوع، ولأجل ذلك ذهب جون شمعون إلى الناس، إلى حياتهم، دخل بيوتهم ورافقهم في دروبهم ليتحدثوا عن تجاربهم وحياتهم في الأزمنة القاسية، في زمن الحروب، في زمن الاحتلال، وليتذكروا أيام الهناءة المفتقدة ومطارح الحنين.

زهرة القندول حكاية من حكايات الجنوبيين، قصة حب وقصة مقاومة وقصة انتظار ومطارح.. مطارح تُشعل الحنين بالعودة إليها وأيام لا يمكن أن تزول من الذاكرة بحلوها ومرّها، زهرة القندول وأفلام أخرى عديدة كلها تناولت نماذج من الواقع، نماذج عاشت أحلامها ومآسيها، شخصيات عجنتها الحياة بالقسوة تروي عن نفسها وتروي عن بعض حياتنا.

لا بد حين تلتقي بجون شمعون إلا أن تعود بالذاكرة إلى تلك المحطات التي أرّخ لها بالصورة وهي بغالبها مؤلمة، عشرات الأفلام حقق بعضها بمفرده والبعض الآخر مع مي المصري شريكته بالحياة وبالعمل، ومعظم نتاجهما تناول حكايات أناس كافحوا في ظروفٍ شديدة القسوة، إن كان مثلاً داخل المعتقلات والسجون الإسرائيلية كأرض النساء أو في المخيمات المنتشرة بين فلسطين وبيروت ومدن أخرى كأحلام المنفى أو سوى ذلك من تجارب إنسانية أيضاً شكّلت أو تشكّلت على نقيضي الحياة والموت وعلى حافة المجهول أحياناً، مقاتلون، وحالمون، ومناضلون، أطيافٌ مختلفة من المجتمع تابع سيرتها جون شمعون وجعل من حياتها وثيقةً صارخة، وبالتالي شهادة على مرحلةٍ من تاريخنا المعاصر، وقد عُرضت هذه الأفلام في أكثر من 30 دولة ونالت عشرات الجوائز الدولية، فالموضوعات التي أثارها فيلم جون شمعون ومي المصري كانت تستحق التأمل وبالتالي تستحق قراءة مختلفة من لجان التحكيم التي منحتهما العديد من الجوائز.

جون شمعون تعرفه أيضاً من لهجته البقاعية، فهو من مواليد بلدة سرعين سهل البقاع، درس المسرح في معهد الفنون الجميلة الجامعة اللبنانية وحصل على دبلوم دراسات عليا في الدراسات المسرحية، ثم على شهادة المتريز في السينما من جامعة باريس الثامنة وعلى الـ BTS من مدرسة لوي لومير، طبعاً تلك الشهادة كانت في الإخراج والتصوير والمونتاج، عمل أستاذاً لمادة السينما في الجامعة اللبنانية بين عامي 1976 و1983، ثم أسس مع زوجته مي المصري شركة ميديا للتلفزيون والسينما ونور للإنتاج، منذ عودته من باريس على أبواب عام 1975 بدأ شريط إنتاجه في الدوران، وكما علمنا وعرفناه واحداً من بين أهم مخرجي الفيلم الوثائقي مع زوجته مي مصري، ونجم من نجوم المهرجانات السنمائية جال في ذاكرة الناس للتوثيق وجال العالم ليروي عن ذلك.

عمر أميرلاي

عمر أميرلاي: أصلي عثماني من خليط قومي شركسي كردي تركي وعربي، وُلدت في الشام عام 1944 على مرمى حجر من مقام شيخنا الأكبر محيي الدين بن عربي، معطّراً بروحانيته مباركاً باسمه وكنيته، وقد عاهدت نفسي مذ صرت مخرجاً أن أنذر له ذبيحتين على روحه الطاهرة كلما رزقت فيلماً. واليوم في رصيدي نحو 20 فلماً حققتهم على مدى 35 عاماً في ممارستي مهنة السينما، طفولتي فيما بعد أمضيتها في حي الشعلان على بعد خطوات من المقرّ التاريخي لحزب البعث الذي صار اليوم دكاناً لبيع الألبسة الجاهزة، وفي بيت عربي متواضع كان أضخم ما فيه نوافذه العريضة المطلة على الشارع العام الصاخب بالحركة والناس، من خلال تلك النوافذ التي كان أخي الكبير يصلبني وراءها ليشغلني عن المطالبة بأمي الغائبة في الوظيفة تربيت على الفضول وعلى حب الملاحظة وعلى تشريح الناس والأشياء ورصد تفاصيل الحياة اليومية للحارة والجيران، وعلى وجه الخصوص صاحب صيدلية الانقلاب الذي صرعه استقرار البلاد بعد قيام الحركة التصحيحية، طفولة مسترخية بامتياز أتيح لها الانشغال بالآخرين ومراقبتهم والتفرغ لقصصهم ما يدحض القول المأثور السخيف: "من راقب الناس مات هماً"، أما والدي رجل الأمن النزيه الذي قضى نحبه شاباً على طريق دوما عام 1950 وهو يطارد المهرّب الأعور الشهير لورانس الشعلان، فقد أبى - رحمه الله - إلا أن يورثني صفارة الخدمة خاصته وشيئاً آخر أعتز به اليوم أكثر ألا وهو احتقار السلطة وأهلها من الساسة والعسكر من محترفي مهنة الأمر والنهي والتصرف بأحوال البلاد والعباد.

أحمد الزين : أستاذ عمر يعني السؤال الأول بيتبادر للذهن من موقعك كمثقف وسينمائي كنت تلتقط دائماً هيك لحظات إنسانية عالية وتوثّق لحوادث ولشخصيات ربما تكون نادرة بالحياة ولبيروت كان إلها حصة كبيرة بتجربتك كسينمائي عبر أكثر من فيلم، يعني الآن السؤال هو كيف ترى إلى تداعيات المشهد في بيروت وبالتالي في دمشق؟

عمر أميرلاي: أول شي أنا عندي رعب حقيقي من كلمة الجماهير، ومشهد الجموع لأني فيه عندي مخاوف حقيقية من كل شي اسمه ظاهرة جماهيرية، يعني الجماعة اللي بتتحرك..

أحمد الزين : اللي بتتحرك بـ Order من غيرها مش إنو بتلقائية..

عمر أميرلاي: هي غالباً هي غالباً يعني ما عدا الفوضى وما عدا الفَلَتان يعني كل عملية بتحرّك مجاميع من الناس أنا أحذر منها بصراحة، لأنّو في شي اسمه الغريزة الجماعية يلّي هيّ بينسحق فيها الفرد وبيصير الفرد بيفكّر بمنطق الجماعة، وبيرعبني فعلاً لأنّو أنا جاية من بلد بتتحرك فيه الجماهير بعصا، بفرمان سياسي، بقرار رئاسي، ومعلب ومؤطّر بالأجهزة، سواءً بالحزب، منظمات شعبية إلخ.. على غرار ما كان يجري بالجمهوريات الشمولية يعني..

أحمد الزين : بس يعني عمق السؤال أستاذ عمر هو أنا عم بسألك كسينمائي ومثقف إنّو أنت كيف بتشوف تداعيات هذا المشهد اللي حدث في بيروت في العمق العربي، العمق السوري وربما العمق العربي بشكل عام؟

عمر أميرلاي: هلأ إذا واحد قرأ الصورة من الخارج وقرأها بشكل ظاهري لا شك يعني تنتابه فرحة عميقة يعني إنّو هاي الشعوب اللي مغيبة دائماً وهيّ عبارة عن أرقام وهيّ عبارة عن كم بنظر حكّامهم وبنظر الأنظمة اللي شو اسمه.. عانوا تحتها، فلمرّة هذا الكم حرّك نفسه ولم يحرّكه الحاكم، لعلها يعني سابقة..

أحمد الزين : قد تؤسس لشيء يعني؟

عمر أميرلاي: قد تؤسس لشيء، بس أنا لا أبني عليها تفاؤلاً، لسبب بسيط إنّو بغياب آلية ديمقراطية، عملية ديمقراطية بمراحل توصّل لنضج قائم على وعي على مواقف سياسية واضحة إلخ.. أنا ترعبني الغرائز، وأنا اعتدت بسينمائي إنّو دائماً أشتغل على الإنسان يلّي إلو اسم، يلّي إلو هوية، يلّي إلو حكاية شخصية، أما لما بتصوّر جماهير ما بيعود فيه حكاية.

أحمد الزين : عمر أميرلاي دمشقي المنبت والهوى متعددٌ كما المصدر، وله جولات في التعبير عن هذا الانتماء في أبعاده الإنسانية وقد أرّخ عبر الصورة والتوثيق والفيلم التسجيلي شهادات إبداعية لا تحتمل التأويل أو التزوير، شقية مداعباته كما يروي، ومشاكس لغاية كسر الجمود وزعزعة اليقين، عاشقٌ على طريقته وشفاعته مقام ابن عربي العاشق الأكبر، نذر له مشاهد من حياة الناس والحقائق، وأوفى بـ 20 فيلماً، عمر على بدايات الستينات من عمره غير مسرف إلا في انشغالاته بحياة الناس وبشخصيات نادرة، كان أن التقيته على أواسط آذار من عام 2005 وكان المشهد العربي على مزيد من التداعي المأساوي والمشهد اللبناني في ذروة سخطه على اغتيال قائد يحب عمر أن يسميه "أبو بهاء" هو الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكان قد حقّق فيلماً عن حياته قبل سنوات قليلة من رحيله.

والدة عمر أميرلاي : وصيتك ماما إنّو يعني هيك إنسان بدّك تنتبه له، تنتبه كتير بتصويره وبحديثك معه وإنسان طيب ومعروف بالعالم كله خاصةً نحنا عنا ببلدي أنا.

[مشاهد من فيلم الرئيس رفيق الحريري]

[عمر أميرلاي:دولة الرئيس بيروت رح تكفيك؟

دولة الرئيس رفيق الحريري: ]هذا السؤال ملغوم يا عمر؟ بيروت أنا بشوفها مدينة كبيرة وعظيمة وفعلاً بشعر بالاعتزاز لأني بمثّلها.

أحمد الزين : شو هيّ الحوافز اللي خلتك تفكر تعمل فيلم عن رفيق الحريري؟

عمر أميرلاي: بصراحة ما في حافز شخصي لأنو إجا هذا نتيجة سلسلة أفلام حول علاقة السلطة بالمال، بعدة دول أنا يعني كوني اعتدت إني اشتغل على المنطقة دائماً لصالح التلفزيون الفرنسي فأكيد الاسم البارز اللي كان بتجتمع عنده.. ]

أحمد الزين : هذه الصفات..

عمر أميرلاي: هذه الصفات إنّو رجل جاية من الأعمال وملياردير وإلخ.. وبنفس الوقت صار رئيس وزراء وصاحب مشروع سياسي، فطبعاً بعتقد إذا يعني عملت أي عملية مسح سريعة للعالم العربي لا شك إنّو "أبو بهاء" كان النموذج البارز اللي بتجتمع عنده هالخصائص هاي.

أحمد الزين : صحيح، طيب أستاذ عمر يعني من خلال إنجازك لهذا العمل هذا من خلال مرحلة التصوير، طبعاً هوّ يبدو كثير تواطأ معك حتى تطلع نتيجة كويسة، شو هيّ الشي الجوهري اللي اكتشفته بهالشخصية شخصية رفيق الحريري؟

عمر أميرلاي: الشي اللي هيك اكتشفته عنده للوهلة الأولى إنك مَنَّك مضطر إنك تطلع لعنده، ولا هو ينزل لعندك..

أحمد الزين : تلتقوا..

عمر أميرلاي: تلتقى في مكان ما، فمباشرةً المخاوف اللي إنت بتكون جاية فيها لتقابل رجل سلطة ومال وإلخ..

أحمد الزين : بتزول..

عمر أميرلاي: بتزول نهائياً بتختفي بتتبخّر ومباشرةً بتشوف يعني أنا شبهتها متل رايح على مكان بتتوقع إنّو يطلع واحد لابس سموكينغ بتقوم بتلاقيه طالع بالبيجاما وحامل بإيده بفنجان قهوة وعم يقول لك: صباح الخير، فمباشرةً انقلاب الصورة بين ما هي موجودة في المخيّلة وكيف بتفاجئك بالواقع بتفقدك توازنك في لحظة ما.

أحمد الزين : وأثّرت يعني.. أثّر ذلك على يعني ازدياد تفكيرك بالسيناريو اللي حاطه على الورق ربما لمعالجة الفيلم أو لتصوير الفيلم..

عمر أميرلاي: هو أكثر منه سيناريو كان موقفاً وهذا الموقف ما تغير عندي يعني أنا يعني أنا شخص جاي من اليسار ولذلك في عندي حذر من موضوع المال وأصحاب المال..

أحمد الزين : وهذا الحذر ظل قائم يعني بعد انتهاء الفيلم وبعد ما تعرفت عليه مظبوط؟

عمر أميرلاي: لأ ما اختفى من ذهني من خلفية الدماغ عندي إلخ.. بس غلب عليه الحضور الإنساني حضور هذا الشخص، هوّ على كل حال يعني كل مواجهة من هذا النوع بين المثقف ورجل السلطة دائماً بتكون لمصلحة ما يمثل هذا الشخص من سلطة ومال.

[مشاهد من فيلم الرئيس رفيق الحريري]

[دولة الرئيس رفيق الحريري: أنا بعتبر حالي بعيد عن المثقفين، بأي معنى يعني إنت عم تحكي ومفترض الآتي: إنك إنت مثقف و..

عمر أميرلاي: وغيرك غير مثقف..

دولة الرئيس رفيق الحريري: وغيرك غير مثقف هذا مش صحيح، يعني كمان أنا يعني ما بحب قولها هي بس أنا كمان ثقافتي ما بتشكي من شي أبداً..

عمر أميرلاي: لأ هون مثقف كمهنة.

دولة الرئيس رفيق الحريري: معلش.. معلش وإلا بالأول أنا ما كان يمرق أسبوع بدون ما اقرأ كتاباً وكتابين أحياناً، فاحتكارك للثقافة يا أستاذ عمر هذا الأمر أنا يعني بعترف فيك كمثقف، بس ما بقبل تعترف فيّ إني أنا جاهل وإنت مثقف، أنا جاهل معي فلوس وإنت مثقف على باب الله..

عمر أميرلاي: أنا ما قلت هيك قلت من موقع العلاقة السلطوية..

دولة الرئيس رفيق الحريري: بعرف.. بعرف، هلأ، إنت عندك بعض التساؤلات شايفها بالمناقشة ما قدرت تضوّي عليها، أنا مش قاصد، رغم ذلك ما صار شي لسّه الفيلم ما خلص فينا نضوّي عليها..]

عمر أميرلاي: كان فعلاً من الشهامة بمكان إنّو لم يطلب لمرة واحدة أن يشاهد الفيلم..

أحمد الزين : قبل بثه يعني؟

عمر أميرلاي: قبل بثه، وقبل انتهائه يعني هذا غالباً هو الشرط اللي بيضعوه الشخصيات العامة اللي إلها يعني..

أحمد الزين : هذا يمكن نتيجة ثقته أو طيبته..

عمر أميرلاي: جداً بعتقد ثقة لأنو صار في بيناتنا عقد..

أحمد الزين : ود.

عمر أميرلاي: عقد ود وعقد هيك أخلاقي وفروسي.

[مشاهد من فيلم الرئيس رفيق الحريري]

عمر أميرلاي: كيف شايف بيروت من هون دولة الرئيس؟

دولة الرئيس رفيق الحريري: يعني هوّ الجمال فيها إنك تقدر تشوف البحر والجبل والبيوت بنفس الوقت.

عمر أميرلاي: والناس؟

دولة الرئيس رفيق الحريري: الناس ما بتشوفهن من هون، هيدي الشغلة المؤسفة ما فيك تشوف الناس، وهذا خطأ يلّي بيتطلّع من فوق دائماً للأمور بيبطّل يحسّ بالناس، منشان هيك بيسموه برج عاجي مش هيك؟ ليه بيقولوا له: عاجي مش عالي؟ بده يكون حدا بالزمان برجه عاجي.[يضحك]

عمر أميرلاي: لو علمت أن قول الحقيقة كاملة في صراع لم تُشفَ منه الجروح والحساسيات بعد، هو أبعد من أن يكون بديهياً ولو علمت أن التطرق لموضوع صراعنا مع إسرائيل سيقودني إلى مزيد من اليأس من واقعٍ تتلاشى فيه فرص السلام يوماً بعد يوم، لو علمت ذلك من قبل لكنت بالتأكيد جنّبت نفسي التورّط في هذا المشروع، ولكن الآن وقد مضيت فيه فإني لا أجد له مدخلاً آخر يعبّر عن جوهر سياسة إسرائيل سوى ما ارتكبه جيشها في القنيطرة عام 1974 حين قام بتدميرها عن بكرة أبيها وذلك لدى انسحابه منها بعد احتلال دام 7 أعوام، ولكي لا تغيب السينما عن هذا المشهد المروّع للصراع فقد نجا من بين هذا الدمار كله مبنى مدني واحد على بعد أمتار فقط من الشريط الحدودي وهو صالة عرض سينمائية، هذه المفاجأة طبعاً ما كانت لتمرّ دون أن تستحضر معها شريط التداعيات، وبالتالي ذكرى التماس الأول بهذا الصراع وكيف سمعت للمرة الأولى بإسرائيل؟ المكان هو بيت خالتي في حي من أحياء بيروت الفقيرة، والزمان يوم لاهب من أيام آب من عام 1950 يومها كنت في السادسة من

عمري وإسرائيل لم تكن قد جاوزت بعد عامها الثاني عن تلك الزيارة الأولى لبيت خالتي عدت اليوم أروي لها حكايتي، وأستجوبها عن صحة ما سجّلته عن معاناتها في تلك الأيام.الجولان وطن محتل بلا مشروع مقاومة

أحمد الزين : لننتقل من بيروت على القنيطرة، أيضاً القنيطرة أنجزت فيلماً من زمان عن القنيطرة ومنطقة الجولان يعني أين أصبحت القنيطرة في الذاكرة في الوجدان وأيضاً في السياسة؟ هذا سؤال وبالتالي بتقديرك ليش ما حدث في هذه المنطقة الجزء الكبير المحتل من الوطن أو ما تكررت التجربة تجربة المقاومة في لبنان؟

عمر أميرلاي: أول شي بعتقد فيه سبب مهم كتير هو قرب الجولان من دمشق ويعني هيّ دقائق ربما أقل من ساعة بيصير الخطر دائم على دمشق وعلى الدولة، فبعتقد ربما اللعب بالباحات الخارجية..

أحمد الزين : أكثر أماناً..

عمر أميرلاي: والمواجهة والمقاومة أكثر أماناً وأقل خطراً على الكيان الدولي.

أحمد الزين : آنذاك أنت من كم سنة..؟

عمر أميرلاي: شي مؤسف إنّو الناس بسوريا بيعرفوا مساحة شبعا بجوز صاروا يعرفوها حجرة حجرة وبحصة بحصة أو إلخ وهيّ لا تتجاوز بستاناً صغيراً من الجولان يلّي هوّ ربما مساحة الجولان قدّ مساحة الجنوب كاملاً، وهذا التغييب من ذاكرة الناس ومن وعيها لا أعتقد إنه كان عفوياً..

أحمد الزين : مقصود؟ بدّن يتخلّوا عن الجولان الجماعة؟ [يضحك]

عمر أميرلاي: لا ما بالضرورة هي الجولان ليست ورقة مقاومة لأن اللعب فيها خطر.

[مشهد من فيلم الجولان]

عائلتان تتبادلان التحيات بمكبرات الصوت على طرفي الأسلاك الشائكة الحدودية، وسارة عسكرية إسرائيلية تقوم بدورية

عمر أميرلاي: على ذكر أحوال البلاد أنا أعيش اليوم في بلد يؤلمني أن أقول عنه أنه يمضي إلى خرابه بظلفه، بعدما خذله حكّامه، وهجره عقلاؤه ونأى عنه مفكروه ومثقفوه وفنانوه، بلد يعيش منذ أكثر من نصف قرن في صراع مع إسرائيل، قضى النصف الأول منه في اضطراب سياسي وهو يتساءل: متى ينتهي الصراع على الحكم كي يبدأ الصراع مع إسرائيل؟ والنصف الثاني منه في استقرار سياسي وهو يتساءل: متى ينتهي الصراع مع إسرائيل كي يتحقق الحكم الوطني العادل؟ وضعٌ أظن أنه قد جنى عليّ وعلى الكثيرين من أمثالي عندما أملى علينا خيارات في الفن والحياة ما كنا نتمناها يوماً لأنفسنا وأحد هذه الخيارات هو انحيازي منذ بداية عهدي بالسينما إلى الفيلم التسجيلي الذي حوّلته مقاربة الناس ومحاكاة الواقع إلى قناعة راسخة عندي بأن التعامل السينمائي المباشر مع الحياة بقصصها وأبطالها الحقيقيين هو أغنى وأروع بكثير مما يسع على سبيل المثل تخيله أو إبداعه، وإن كنت أحرص دائماً في أفلامي على إقامة حوار ذاتي وندّيٍّ مع الحياة والناس لأُثيرَ من خلاله الأسئلة والشكوك وأؤرخ لأشخاص وأحداث وتحوّلات قد يطويها النسيان أو ينكرها الزمن.

عمر أميرلاي: مسألة أخرى تقلقني في عملي السينمائي وهي مسألة البحث عن الحقيقة التي برأيي من أركانها الظن، وأنا أمارس هذا الظن كفضيلة لا كإثم كما يريده المسلّمون بِمُنزَل الحقائق والكتب، فكل حقيقة بنظري مشتبه بها وملتبسة ونسبية ما لم يُخضعها الوعي الإنساني والتاريخ لقانون محاسبة ما، ولعل في ذلك ما يفسّر تماوج أفلامي بين التسجيلي والروائي، الذي أعزيه إلى نزعة متأصلة عندي لمماحكة الشك ومداعبة الالتباس.

أحمد الزين : في الحلقة السابقة ذهبنا مع عمر أميرلاي إلى مدينة القنيطرة في الجولان، حيث أعادنا إلى مشهد الفراق القسري بين أهل البلاد وروى لنا حكايةً من تلك الحكايات، وعبر انتقالنا من مطرح إلى آخر، من صورةٍ إلى صورة تعرفنا على بعض مواقفه وآرائه في قضايا السياسة والحياة وعلى كيفية معالجاته السينمائية لهذه القضايا، والآن في هذه الحلقة نعود معه بدايةً إلى بيروت ثمانينات القرن الماضي في يوم من أيام الحروب، كان عمر آنذاك ينجز فيلماً عن تلك المآسي، المكان: كورنيش الروشة مدينة بيروت ولمن يذكر أنه تحوّل إلى سوق شعبية ارتُجلت خلال الحرب، وخلال تصويره لفيلمه آنذاك "مصائب قوم" وقع انفجاران هائلان غيّرا معالم المكان الذي تناثر ركاماً وحريقاً، بالطبع تلك صدفة من الصدف المأساوية التي أضافها عمر إلى فيلمه، أما الشيء غير المتوقع على الإطلاق ولن يخطر ببال فهو أن الشخصية المحورية في ذلك الفيلم تكشّفت على حقيقتها بعد مرور سنوات وسنوات؛ فذلك الرجل الذي كان يعيش على نقيضَيْ الحياة والموت تكشّف لعمر أنه كان عميلاً لإسرائيل، يبدو هناك من يستطيع إخداع الكاميرا وإن كانت تنقل الحقيقة، فقناع "أبو علي" سائق التكسي المزدوجة الوظيفة، تكسي لنقل الأحياء وإسعاف لنقل الأموات وأيضاً مزدوج الدور وربما أكثر هو أيضاً كان يغسل الأموات وقناعه كثيف وشديد الخداع.

أحمد الزين : شو السؤال اللي هيك بيتبادر إلى ذهنك؟ السؤال هيك اللي طرحته على نفسك بس عرفت هذا الشخص إنو هوّ كان عميلاً لـ..؟

عمر أميرلاي: أول شي هذا دليل على إنه ما فيه حقيقة مطلقة سواء كنت مثقفاً أو كنت سينمائياً أو كنت شو ما كان وخاصة نحنا اللي مندّعي.. - السينمائيين التسجيليين - علاقتنا الوطيدة بالواقع، وعلاقتنا العضوية بالحياة وإلخ..، ولما أنت بتتشاطر وبتظنّ إنك إنت مَسَكْت مرةً أخرى مجاز بتقدر تبني عليه فيلمك باكتشافك لشخصية كانت عم تعبر من خلال الحياة اليومية في بيروت وبنفس الوقت لما لفت نظري هذا الشخص اكتشفت وطبعاً أنا لما لفت نظري إنو كيف هذا المجتمع اللي عايش على هذا الحدّ الفاصل بين الحياة والموت؟ كيف عم يقدر يواصل حياته ويعيش هالحالة الفلسفية من الاستمرار؟ وبالتالي لما شفت هذا الشخص مباشرةً كان ظهوره فاقعاً يعني وبالتالي لما تقرّبت منه..

أحمد الزين : عرفت شو بيشتغل..

عمر أميرلاي: وعرفت شو بيشتغل تبيّن إلي إنو هوّ شخص مزدوج، في علاقته كمان مع ازدواجية الحياة اللي هيّ الحياة والموت، ولم أكتشف في تلك اللحظة إنّو هذه الازدواجية اللي أنا ظنّيت نفسي إني بذكائي يعني إني..

أحمد الزين : عثرت عليها؟

عمر أميرلاي: عثرت عليها وسجّلتها كانت مو بس مزدوجة..

أحمد الزين : مثلثة.

عمر أميرلاي: مثلثة أو يعني متتالية الوجوه، وفعلاً هذا الشخص تبيّن فيما بعد إنّو من أهم عملاء إسرائيل واللي عايش اليوم في كيبوتس.

أحمد الزين : فظيع..

عمر أميرلاي: طبعاً فهذا هوّ.. هيّ هلأ الأفخاخ اللي ممكن ينصب لك إياها الواقع حول موضوع الحقيقة، ما فيه حقيقة مطلقة، وأنا..

أحمد الزين : إنت بتخاف من فخ يُنصب لإلك؟

عمر أميرلاي: يعني برفض عيش بعُصاب وبرفض عيش بالـ.. صحيح إني أمارس الظن وأمارسه كفضيلة مو كإثم يعني كما..

أحمد الزين : إن بعض الظن إثم.

عمر أميرلاي: تماماً كما.. بس يعني برفض إنّو أمارس هذا الظن مع الإنسان، مستحيل.

أحمد الزين : إنت ولا مرة يعني وقعت في فخ مع حدا حدّ لك من جرأتك من طموحك من رغباتك يعني كمثقف كسينمائي عم بحكي مش كفرد؟

عمر أميرلاي: ما حدا إلا نفسي..

أحمد الزين : أنت بتراقب نفسك عادةً؟

عمر أميرلاي: طبعاً وبكره نفسي لما..

أحمد الزين : بتمارس الرقابة عليها..

عمر أميرلاي: براقب نفسي.

أحمد الزين : طيب هي الرقابة منين ورثتها إنت؟ من المجتمع؟ من الخوف المتراكم؟

عمر أميرلاي: هلأ يعني لما بتشوف أفلامي بتقول..

أحمد الزين : جريء كتير..

عمر أميرلاي: إي طبعاً بس لا يكفيني هذا الشيء.

عمر أميرلاي: إذن سينمائي باختصار هي مجرد مداعبات شقية للحياة استدراجات لها إلى مطارح لا ينفك الكائن البشري يدهشني فيها بغموضه وتعقّده، ألبوم من الصور والانفعالات والشهادات التي تختزن مرارة يخفيها كبرياء وجرأة لا أساوِم عليها قط، أما السخرية عندي فهي شكل من أشكال تعويم اليأس بالمكابرة، بادعاء الترفع عن الجرح وإنكار الشعور بالعجز ورفض الاستسلام لألم الواقع والتمرّد عليه، إنها بعبارة أخرى تعبير عن امتعاض شخصي من عبث الحياة وظلمها ومن دور الإنسان في جعل هذه الحياة أكثر عبثاً وظلماً.[مقطع من فيلم]أنور السادات: السيد رئيس الكنيست، أيها السادات والسادة، اسمحوا لي أولاً أن أتوجه إلى السيد رئيس الكنيست بالشكر الخاص لإتاحته هذه الفرصة لي لكي أتحدث إليكم، وحين أبدأ حديثي أقول: السلام عليكم ورحمة الله، والسلام لنا جميعاً بإذن الله..سعد الله ونّوس: حين زار السادات إسرائيل لم أعرف كيف أصف شعوري، كان فيه شيء من الذهول، جلست وكتبت أن الجنازة والمشيّعين معاً، كان ذلك أعتقد آخر نص تلته فترة طويلة من الصمت، تناولت حبة منوّم وحاولت أن أخرج من حالتي بالنوم، بعد ساعتين أو أقل استيقظت أشد توتراً وضيقاً وكانت الظلمة شاملةً أمامي، في تلك الليلة أقدمت على محاولة الانتحار الجدّي.

أحمد الزين : سعد الله ونّوس - الله يرحمه - الكاتب والمثقف العربي السوري تناولته أنت أيضاً بفيلم عن حياته وخلال مرضه تحديداً لأنه عانى من مرض كتير صعب وتوفي، طبعاً هوّ يمكن إنت بدأت الفيلم بجملة له عم يقولها خلال زيارة السادات إلى القدس وكان يروي إنو أنا ما عشت بزماني مرارة أو ما شعر بمرارة بمقدار تلك المرارة التي أحس بها خلال زيارة السادات للقدس وأنت بتعرفه منيح لسعد الله وأنت تقريباً من هذا الجيل، هل أنت كنت تشعر بنفس المرارة خلال تصوير الفيلم؟

عمر أميرلاي: خلال تصوير الفيلم أكيد، لأني كنت عارف بقرب المصير يعني ولذلك..

أحمد الزين : بقرب المصير لسعد الله..

عمر أميرلاي: اللي رح يعني يغيّب سعد الله، وكان شعوراً يعني فعلاً مقبض تماماً لكن من وقت ما دارت الكاميرا.. فظيع سعد الله أنسانا هذا الغمّ وأنسانا أنه مريض لأنو كان بحالة وجدانية هيك يعني متألّقة لدرجة إنك إنت كنت عم تخاطب شخصاً كأنه ولدان جديد مو كأنه راحل..

أحمد الزين : جميل.. بدي يعني.. وكأنك أردت إنت في هذا الفيلم نوع من المزاوجة أو التزاوج بين مأساة عبد الله كشخص ذاهب إلى الموت يعني بمعرفته ومعرفة الآخرين أصدقاء غير أصدقاء، وبين مأساة هوّ عم يحكي عنها يعني مأساة الأمة من وجهة نظره هوّ..

عمر أميرلاي: سعد الله له شخصية كتير خاصة يلّي هيّ شخصية المثقف العضوي بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ويعني ليست علاقة عضوية ذهنية مع الواقع لكن أيضاً جسدية وفسيولوجية، وبدون طبعاً ما نركّب أساطير على الناس إنما كان إنساناً كُلّياً خاصةً في موضوع علاقته بالسياسة، وهذا الشيء أعتقد هوّ الفخ اللي كنا عم نحكي عنه قبل شوي فخ الإيمان بالحقائق المطلقة..

أحمد الزين : وبالعقائد..

عمر أميرلاي: وبالعقائد وبالأفكار يلّي هوّ أبداً ما بيشبه شخصيتي..

أحمد الزين : بس في ناس بيلاقوا فيها خلاص هيدي يعني مثلاً إنت بتلاقي فيها فخ مثلاً الانتماء إلى عقيدة أو حزب أو أيديولوجيا، هل هؤلاء الناس هم مضلّلين يعني؟

عمر أميرلاي: لا أبداً يعني أنا بحترم هؤلاء الأشخاص، بس طالما ما عم يصنعوا فنّاً فمسموح لهم يكونوا كُليين، أما اللي بيفوت لمحراب الثقافة والفن..

أحمد الزين : المفروض ياخذ هامش أو ياخذ مسافة..

عمر أميرلاي: ما بيمشي الحال لأن العملية الفنية هي عملية ظنية وليس..

أحمد الزين : فيها ريب..

عمر أميرلاي: وليس فيها مسلمات..

أحمد الزين : فيها أسئلة كتير وأجوبتها قليلة.

عمر أميرلاي: طبعاً..

أحمد الزين : ما فيها أجوبة جاهزة على فكرة..

عمر أميرلاي: هيّ.. دور الثقافة والفن إنو كل ما فتحت باباً..

أحمد الزين : ترى باباً آخر موصداً..

عمر أميرلاي: بتلاقي أمامك آلاف الأبواب..

أحمد الزين : أي باب وصلت هلأ إنت بفتح الأبواب؟

عمر أميرلاي: أنا شخص مثل ما بيقولوا بنطّ من الطاقة.. من النافذة ما بحب فوت من الأبواب وخاصة الأبواب المُشرَعة هيّ مباشرةً بتجنبها لأني أنا بطبيعتي الفنية لص، لص بأي معنى إنو أُغافل الحقيقة..

أحمد الزين : وتقولها..

عمر أميرلاي: وأقولها، بتكون ما عم تعمل شي نهائياً إذا يعني جئت أو قاربت الناس من الزاوية اللي هنّ عم ينظروا منها..

أحمد الزين : إلى أنفسهم..

عمر أميرلاي: إلى الواقع أو إلى أنفسهم وإلى أي موضوع، شايف كيف؟

أحمد الزين : جميل..

عمر أميرلاي: فأنا شخص..

أحمد الزين : بعجبك.

عمر أميرلاي: بعجبك.[يضحكان]

[مقطع من فيلم]

طفلة من أطفال المدرسة (تدير مسألة الإنشاد): انتبه.. استعد.. صيحة: "قادتنا أهلاً بكم". واحد.. اثنين.الأطفال (يرددون): قادتنا أهلاً بكم.. مرحب شرفتونا..مدير مدرسة في سوريا: هؤلاء الناشئة والأطفال عندما ننادي بمبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي تُغرس كالغرسة في الأرض الطيبة تُغرس هذه المبادئ في هذا الطفل ويتعوّد الطفل على حب الوطن وحب القومية العربية وينادي بالوحدة والحرية والاشتراكية وتعلّمه حب تراب هذا الوطن كما قال الرفيق القائد المناضل رحمه الله: لن نفرّط بذرة تراب واحدة من تراب هذا الوطن، هذه المبادئ تعلمنا على حب الوطن.

أحمد الزين : شو حكاية هذا الفيلم؟ ولماذا الطوفان يعني الآن من فترة أنت أنجزت هذا الفيلم تناولت فيه مسألة كتير دقيقة؟

عمر أميرلاي: الطوفان هوّ طوفان محلي سوري، أنا صوّرت سنة السبعين فيلماً قصيراً عن سد الفرات، لما أتيح لي إني أكتشف وجود سد الفرات وإلخ فكان قررت مباشرةً إني أعمل شهادة وهي عبارة أنشودة عن..

أحمد الزين : سد الفرات..

عمر أميرلاي: عن تشييد هذا السد ولو كان حزب البعث هوّ اللي عامله - اللي أنا ما بتفق معه نهائياً لا بأفكاره ولا بأيديولوجيته ولا بما صنعه في سوريا - فبعد ما رجعت إلى سوريا بعد غياب تقريباً عشرين سنة قرّرت أعمل فيلماً عن سوريا، فعلاً كنت يعني مرعوب كيف اليوم بقدر أعكس بفيلم ساعة ما جرى في سوريا خلال 25 سنة يعني من الـ 1977 لـ 2003، ولذلك وأنا بمرحلة الاستطلاع انهار سدّ بسوريا اسمه سد زيزون تزامنت مع اكتشاف تقرير قدّمه أكاديمي سوري خبير بالسدود للوزارات المختصة عم يحذر فيها..

أحمد الزين : عن احتمال انهيارات أخرى في الطوفان..

عمر أميرلاي: عن احتمال انهيار كل السدود اللي شُيّدت بفترة البعث.. 36 سدّاً..

أحمد الزين : هيدي ربما..

عمر أميرلاي: كلها إلها دلالات مجازية يعني وبالتالي من هذه الدلالة المجازية قرّرت أن أصنع هذا الفيلم.[مقطع من الفيلم]مدير مدرسة في سوريا: نعم توجد مادة تربية عسكرية ولكل صف من هؤلاء الصفوف حصتان تربية عسكرية في الأسبوع، الهدف من توحيد اللباس هناك إزالة الفوارق بين التلاميذ، يعني ما بدنا طالب مثلاً يكون هذا الطالب لابس لباساً جيداً من عائلة ثرية وهذا طالب لابس لباساً متواضعاً بما نسميه من عائلة فقيرة، والغاية كذلك النظام، مثل الجيش أبداً بالضبط نظام ضمن نظام داخلين مدارسنا ضمن نظام وهذا النظام استوحاه الرفيق المناضل الخالد حافظ الأسد أثناء زيارته لكوريا الديمقراطية.

أحمد الزين : طيب نحنا حكينا شوي عن التجربة بس ما حكينا ليش إنت اخترت أن تكون سينمائياً وتحديداً السينمائي ما بيتعاطى مع الدراما بصناعة الدراما بيتعاطى مع السينما من ناحية التوثيق يعني مع الديكيومنتري والتسجيل لحوادث وشخصيات أنت تراها يعني بعينك يعني ليش اخترت أن تكون سينمائياً ووثائقياً.

عمر أميرلاي: برجع لموضوع اللي هوّ منطلق يعني علاقتي بالحياة وبالواقع وبالتالي بالحقيقة اللي هو الالتباس اللي هو مشروعي إني خلخل عند الناس..

أحمد الزين : بعض اليقين؟

عمر أميرلاي: هذا اليقين الأعمى وبالتالي وأفضل وسيلة لتخلخل هذه القناعات إنك تنطلق من الواقع.

أحمد الزين : طيب إنت شو الدافع عندك أردت يعني تريد أن تزعزع هذا اليقين عند الناس يعني؟ أو تطرق الأبواب الموصدة؟ أو يعني تتجرأ حيث ربما الآخر يفكر قبل أن يذهب إلى..

عمر أميرلاي: مجرد رغبة في المشاكسة..

أحمد الزين : إنو هيدي رسالتك كمثقف!! رغبة في المشاكسة فقط!!

عمر أميرلاي: رغبة في المشاكسة يلّي لها هدف يعني هي ليست مشاكسة مجانية من أجل المشاكسة.

أحمد الزين : طيب هاي المشاكسة خلتك تدفع ثمناً شي يوم؟ أو دفعت ثمنها شي يوم؟

عمر أميرلاي: لا أبداً، بدفع ثمنها الحقيقي لما بفشل بالمشاكسة، لما بفشل بمسك يعني حقيقة ما، وخاصة لما بفشل فنياً أنا برأيي هاي ذروة..

أحمد الزين : العقاب.

عمر أميرلاي: العقاب، فعلاً بقول لك فيه عقاب إلهي، أنا بقول فيه عقاب فني.

أحمد الزين : تعاقب نفسك يعني..

عمر أميرلاي: تعاقب نفسك.. ويعاقبك الجمهور كمان.

أحمد الزين : طيب عمر يعني طبعاً أنت تتعامل مع الأمكنة والناس بكل شغلك، شو هوّ المكان يعني يلّي بتحسّه فعلاً هوّ حميم بالنسبة لك، قريب منك، يعني بتحب تقعد فيه، تلجأ له؟

عمر أميرلاي: العزلة.

أحمد الزين : العزلة، غريب مع إنو يعني إنت كثير إنسان تتعاطى مع الواقع بفجاجته حيناً، بظلمه حيناً، بمآسيه حيناً، يعني ما بتختار الموضوعات هيك اللي بتعمل متعة هيك فقط متعة يعني..

عمر أميرلاي: لأ فرح..

أحمد الزين : اختيارك للموضوعات اللي ربما فيه فرح فني وإبداعي بس مؤلمة.

عمر أميرلاي: مؤلمة صح.

أحمد الزين : يعني هيدي العزلة بتقديرك تخليك تشوف أكتر الواقع؟

عمر أميرلاي: المسافة هيّ يلّي.. لما قلت العزلة أعني المسافة، المسافة يلّي هي مسافة مو لإنقاذ الروح أو الذات، هيّ بالأحرى مسافة للابتعاد عن الألم عن هذا الانشغاف بهموم الناس ومشاكلها وعذاباتها ومظالمها..

أحمد الزين : نعم.. نعم..

عمر أميرلاي: فهي استراحة محارب بصراحة..

عمر أميرلاي: بالنهاية يجب أن أعترف أني لولا السينما لما كنت خضت في وحل واقعنا، ولما كنت عرفت الإنسان وأحببته، ولما كنت اكتشفت تلك الحقيقة البديهية من أنني جزء من الحياة وليس العكس، ولما كنت ربطت طبعي الأعتمي ونزقي قبل أن أعرف إلى السينما سبيلاً، ولما كانت انكسرت عندي مرآة الذات وأنانيتها. وأخيراً لولا السينما لما كنت تركت نفسي كل هذه السنين أنخدع بوهمها وبعجزها عن أن تغيّر شيئاً فينا وفي الحياة من حولنا.

علي أبو شادي

أحمد الزين: يبدو إن مصر ليست هي تماماً التي رأيناها في أفلام قديمة بالأسود والأبيض أو حتى في أفلامها الجديدة، ليست هي تماماً أو فقط تلك التي قرأناها في أولاد حارتنا لنجيب محفوظ أو التي سمعناها في أغاني أم كلثوم وعبد الحليم، وليست تماماً في قصائد أحمد فؤاد نجم أو نجيب السرور أو الابنودي أو في مقامات زكريا أحمد وصالة عبد الحي وهمسات نجاة الصغيرة، هي كل هذا تقريباً ولكن في الكتاب أو في الأغنية. أما في الواقع هي عالم لا يختصر بأي فيلم أو قصيدة أو كتاب. صورة حنين في فيلم قديم يشبهنا قديماً أو كل أغنية خاطبت وجدان الثوري أحياناً أما صورتها في الواقع تحتاج لمعايشة طويلة مقلقة في صخبها وفي صبرها وفي تصالحها وفي جمرها الدفين، وفي تعاظم شأن ما يسمى بالصحوات تبدو الأسهل عاطفياً بالنسبة لأجيال لم تجنِ سوى الانتظار.

طبعاً أنت هيك من وجهة نظرك ناقداً للسينما للصورة أكثر شعبية، وقت اللي بترجع بالذكراة متل ما شفنا مصر والقاهرة بالأسود والأبيض بفيلم الأسود والأبيض، وبين صورة الآن الصورة الملونة هي الفضاحة أكثر تفضح التفاصيل أكثر، كيف تقرأ الصورة؟ تخاف على مصر إذا بدك تقوم بهذه المقارنة؟

علي أبو شادي: مع الأسود والأبيض إلى حد كبير كان هناك خوف على مصر لما حصلت ثورة يوليو حصلت..

أحمد الزين: نحنا الأسود والأبيض بالمعنى المجازي..

علي أبو شادي: أيوه حصلت مع الأسود والأبيض كصورة، الأسود والأبيض ربما ربما لو استمعلنا التعبير المجازي الألوان كانت في فترة أخرى نحن الآن في فترة الأبيض الأسود وربما الأسود كثيراً يعني.

أحمد الزين: يعني كانت الفترة التي تبشر بشيء من الأمل، الفترة اللي أنت تمدحها قليلاً هي بفترة خلينا نقول الفترة الواقعة بين أواخر الخمسينات بداية السبعينات..

علي أبو شادي: بالتأكيد فترة النهوض فترة المشروع القومي، فترة الشعب عندما يصعد ويجد مكانه، لحظة الكرامة الوطنية يعني لحظات كثيرة جداً في هذه الفترة، اللي هي الفترة الناصرية من غير.. يعني نتكلم بدون مواربات يعني الفترة الناصرية كان فيها شيء من كل.. محاولة للعدالة محاولة..

أحمد الزين: محاولة للعدالة..

علي أبو شادي: محاولات كلها كانت محاولات ومشروع الثورة كلها كانت مشروع، مشروع في الصناعة في الزراعة في التعليم في الصحة مشروع لم يستكمل.

أحمد الزين: طبعاً نحن هلأ مش بصدد محاكمة هذه التجربة، ولكن الواحد بس يقعد مع صديق وضيف متلك لا بد أن يستذكرها بصفتك كنت يعني من الأشخاص المتعاطفين والمنتمين لهذا التيار لهذه الحالة.. الحالة الناصرية، بتقديرك لو كان السؤال شوي هيك هلأ بيجي على عجل أن الشخص الناقد هو مثقف بشكل عام يعني وقت اللي بيكون هو شوي متعاطف أو ينتمي إلى تيار فكري أو أيديولوجي، هذا الانتماء ما بيلعب دور سلبي في قراءته للتحولات للعلاقات للنتاج الإبداعي، تكون قراءته مستندة إلى فكره واللي هي مرتبط بهذا الفكر؟

علي أبو شادي: يعني أسأل سؤال عكسي يعني إذا كان هناك عمل إبداعي لا يستند إلى موقف كيف يكون؟ أنا أعتقد أن العمل إبداعي أصلاً لا يستند إلى موقف، ومن ثم نحن لا نحاكم العملية الإبداعية ولا نحاكم الحالة الجمالية، نحن نتعامل من وجهة نظري نتعامل مع الموقف الفكري الموقف الأيديولوجي، هل هو متسق مع أفكاري أو لأ؟ ممكن أحترم عمل فني كبير جداً مختلف معي وأنا مؤمن تماماً بحق الاختلاف، يعني هذه أول مبادئ الديمقراطية أنت تؤمن بالصوت الآخر تؤمن بالآخر وبحقه أن يعبر عن موقفه، لكن هل أنا مع هذا الموقف أم لا؟ هذا حقي أيضاً، من ثم أنا ممكن أبقى مختلف مع أعمال كبيرة فكرية لكن ليس اختلافي معها فنياً أو جمالياً.

أحمد الزين: قد يصح أن نختصر جملة من المهام والوظائف التي يقوم بها علي أبو شادي بصفة المؤرخ، المؤرخ للسينما المصرية، مؤرخ من موقع الناقد الذي أسس والذي واكب نتاج السينما المصرية لسنوات، ولكن المفارقة أنه أيضاً رئيس الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية، وهذا في مطرح ما لا يتفق مع كونه ناقداً، وليس في مصلحة العقل النقدي الحر إنما هناك حلول تجترح للتكييف، وأحياناً لا بد من دفع ثمن ما. وبالطبع هناك العديد من المسؤوليات الأخرى التي لا تقول حساسية أو أهمية يقوم به علي أبو شادي، أحدثها مثلاً الأمانة العامة للمجلس الأعلى للثقافة، ويزوال رئاسة المهرجان القومي للسينما ومهرجات أخرى إضافة إلى العديد الآخر من المهام والعضويات، هذا عدا كونه حكماً في لجان التحكيم العربية والدولية، أما السؤال كيف يوفق بين هذه المهام مجتمعة أو بالأصح كيف يكون عادلاً أو كيف يعدل من يكون في أكثر من موقع يبدو بعضها على طرفي نقيض؟

علي أبو شادي: أنا يعني وفق قناعاتي أحاول بقدر المستطاع أن أوفق بين هذه الأشياء من وجهة نظري اللي ممكن تكون شوية شايف الأشياء من وجهة نظر ناقد ومثقف يبحث عن وسيلة لتطبيق ما يراه يعني..

أحمد الزين: ما ينسجم مع أفكارك..

علي أبو شادي: ما ينسجم مع أفكاري..

أحمد الزين: يعني عم تستغل المناصب..

علي أبو شادي: أستغلها فعلاً ولا أنكر هذا، لكن أنا مؤمن بأن العمل العام والعمل الحكومي فيه بالنسبة لي نوع من الموائمة الشديدة جداً وعشان كده أنا ماليش بالتناقضات، لكن أحاول أن أطوع هذه الأشياء بقدر ما أستطيع طبعاً لأن تكون منسجمة، فلما تقول لي رقيباً وناقداً فيه نوع من المفارقة وبالتأكيد، لكن كيف وأنت تعلم ظروف العالم الثالث، ظروف هذا الوطن كيف تستطيع أن تطوع قانون الرقابة لمصلحة المبدع بقدر ما تستطيع؟

أحمد الزين: على سيرة الرقابة أنت مثلما ذكرنا تحاول أن توفق بين كونك رقيب بين هلالين يعني وبين كونك ناقداً، أنت كيف فيك يعني تعالج هذا المواضيع؟ وأديش تتعرض لمشاكل أحياناً وأديش هيدي على ود مع بعض الفنانين أو على خصام؟

علي أبو شادي: أنا أحاول بقدر المستطاع برضه أني أنا من خلال علاقاتي الطويلة قبل ذلك مع عالم الإبداع ومع عالم الثقافة، وثقة الأصدقاء المبدعين والفنانين فيّ وأيضاً يعني فهمهم لطبيعة المهمة بالنسبة لي وبالنسبة للآخرين الذين تولوها قبلي فده ييسر حاجات كتير بالنسبة لي، بالنسبة للأجهزة بالتأكيد يبقى فيه نوع من الخلاف، لكن أنا بشتغل من هذه الأشياء من موقع السياسي وليس من الموقع الحكومي أو الرقيب.

أحمد الزين: الموقع السياسي بأي معنى يعني؟

علي أبو شادي: بمعنى أنني أحاول أن أبحث عن مصلحة الوطن بنظرة علوية مش بنظرة ضيقة لعمل فني أو لعمل ثقافي، يعني في تصوري أن الحرية التي تتاح للمبدع هي في مصلحة هذا الوطن، أن تخفيف القيود عليه في مصلحة هذا الوطن، أن نوائم بين متطلبات الواقع نفسه ربما أحياناً متطلبات الأجهزة التي تراقبنا أنا يعني من راقب الناس مات هماً، فأنا أراقِب وأراقَب ولما رُوقبت عوقبت وفصلت..

أحمد الزين: مين فصلك وعاقبك؟

علي أبو شادي: يعني لا بد أن أذكرك طبعاً بحاجتين، المشكلة الكبيرة أو القضية الكبيرة أثيرت حول الرواية الشهيرة "ولمَ لأعشاب البحر؟"، وأنا كنت مسؤول عن هذا الجهاز اللي هو دور الثقافة التي أصدرت هذا الكتاب هذه الرواية، وقامت القيامة ومظاهرات وأشياء أخرى كثيرة حدت حتى بعد كده من قدرة هذا الجهاز على أنها.. بعد أنا ما مشيت يعني على أن يتابع رحلته مع الحرية يعني مع حرية الإبداع، بعدها بستة شهور صدرت روايات ثلاثة والبعض رأى فيها من جماعة الإخوان المسلمين عدم استجواب في مجلس الشعب، هم ثلاث روايات يعني أثاروا ضجة ضخمة جداً لورود بعض العبارات الرومانسية فيهم، ورأى البعض أن هذا يعني نوع من الإساءة لكل الأخلاقيات، والإساءة لكذا وكذا وكذا، وطبعاً أشياء مجتزأة من عمل فني كان شكلها الحقيقة مضحك جداً، لكن كانت نوع من التكئة عشان مرة أخرى لقهر الإبداع ولإبراز سيطرة وقوة الجماعات الأصولية في توجيه الرأي العام، ومن ثم كان على الحكومة أنها ترى..

أحمد الزين: حدا يطلع كبش محرقة يدفع ثمن.

علي أبو شادي: يعني يطلع خليها كبش محرقة كبش فداء كبش كذا، ولكن أنا من وجهة نظري كانت فرصة لمناقشة هذه مناقشة حرية الرأي، حرية الإبداع وكانت مثيرة جداً وما في مشكلة أنا ما دخلت السجن يعني، المشكلة ما كانت إنه علي أبو شادي خرج من موقعه.. لم يخرج، أنا عدت مرة ثانية وأنا الأمين العام للمجلس الأعلى الثقافي.

أحمد الزين: اللي فصلك أعادك؟

علي أبو شادي: بالتأكيد.

أحمد الزين: هو معالي الوزير..

علي أبو شادي: فاروق حسني.

أحمد الزين: كنت عم تتحدث إنه الأصوليات استغلت هذه الأعمال الإبداعية أو الرويات، كيف نشأت هذه الأصوليات؟ مَن ساهم في نشوئها وفي جعلها قوة يعني مؤثرة في المجتمع وقد تكون هي الأقوى حالياً والآخرين صاروا في موقع الدفاع عن النفس هي التيارات العلمانية والأحزاب الأخرى وحتى الحكومات يعني؟

علي أبو شادي: ما أصبحت النهار ده الحكومات زي ما بتقول حضرتك كلها رد فعل لهذه الهجمات المتتالية من هذه القوى الظلامية.

أحمد الزين: مين أسهم؟

علي أبو شادي: بالتأكيد فترة السبعينات مع الرئيس السادات عندما..

أحمد الزين: والناصرية ما أسست لها؟

علي أبو شادي: الناصرية؟ نرجع للفترة الناصرية كيف سمعت هذا الصوت في هذه الفترة؟ أين كان يعني؟

أحمد الزين: أسست لها بمعنى قمعها.

علي أبو شادي: القمع إذا اعتبرنا أن هذا نوع من القمع تعال نحسبها الذين لم يُقمعوا ماذا فعلوا بنا؟ فيه حاجات كتير طبعاً رغم إني أنا منتمي إلى هذا التيار أنا مش موافق على حاجات كتير جداً فيه، وده شيء طبيعي لأنه بعد ثلاثين سنة أو أربعين سنة لما تعيد تقييم التجربة تختلف المسائل، لكن أنا بقول لك أن هذا الوحش تم إخراجه من هذا القفص إذا حتى اعتبرنا أن عبد الناصر انحط في قفص خرج من هذا القفص ليكون أكثر شراسة حتى اغتال من أخرجه.

أحمد الزين: "ورثت هرماً أحاول أن أبني فوقه" هكذا يقول علي أبو شادي والهرم الذي قصده هو المجلس الأعلى للثقافة في مصر الذي راقب تجربة متنوعة وغنية، وأصبح واحداً من بين أهم المنارات الثقافية في العالم العربي، وكان لجابر عصفور الدور الأساسي في جعل هذا الصرح الثقافي مركز استقطاب للكتاب والمبدعين والمثقفين العرب والمصريين على السواء، وفي تحويله إلى خلية إنتاج إبداعي على مدار 15 سنة، منذ بدايات عام 2007 أصبح علي أبو شادي أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة، إرث يضع المسؤول أمام تحد جديد وأمام أفق محفزٍ على الإضافة والبناء.

علي أبو شادي: جابر عصفور بإمكانياته كناقد كبير وكمفكر كبير وكمثقف كبير استطاع أن يحوّل هذا المكان إلى شعلة قلعة للاستنارة، وأن يجمع حول كثير من المثقفين، لما يكون عندك إرث بهذا الحجم ترتكز عليه فأنت محظوظ بالتأكيد، فأنا محظوظ لما أنا أخلف قامة كبيرة جابر عصفور، هذا الإرث يجعلني أولاً لا بد أن أحافظ عليه تماماً تماماً، لأنه إرث يجب أن لا يفرط فيه على الإطلاق، اثنين أن أنميه بنفس الدرجة لأني أنا الدكتور جابر خلق مؤسسة يعني مؤسسة تستطيع أن تديرها، أنا واقف فوق هرم ببني فوقيه وبنفس الحماس..

أحمد الزين: وبنفس الرؤية طالما الهم مشترك.

علي أبو شادي: الهم مشترك..

أحمد الزين: هم التنوير ومحاربة الجهلة.

علي أبو شادي: الهم مشترك بالتأكيد وإلا ما كان بقى صاحبي أصلاً، لكن نحن أصحاب على المستوى الفكري، وعلى المستوى الثقافي، وعلى المستوى الإنساني.

أحمد الزين: تابع علي أبو شادي السينما مشاهداً منذ بداياتها في ثلاثينات القرن العشرين كان ذلك في البداية ثم واكبها بعد تخصصه ناقداً ومديراً لمهرجانات ومسؤولاً في مراكزها، وقد كتب الكثير في هذه الصناعة متوقفاً عند محطاتها وتحولاتها والأسماء التي تركت علامات فارقة، راصداً بخطها البياني أحياناً في صعوده وهبوطه، وقد يستنتج القارئ لأبحاثه أن السينما المصرية لم تكن دائماً مواكبة للواقع بل تقع غالباً في المجانية والمتاجرة، فهو يقول إن نسبة الأفلام الجيدة من بين 426 فيلماً بين عامي 63 و74 لا تشكل سوى 5% تقريباً، بتذكر أنت بفترة السبعينات إنه صار فيه نوع من المحاسبة عبر شاشة السينما للفترة الناصرية، صار فيه تهشيم بهالتجربة، مين فتح المجال؟

علي أبو شادي: الكرنك طبعاً.

أحمد الزين: فيلم كرنك للأستاذ نجيب محفوظ.

علي أبو شادي: الكرنك رواية نجيب محفوظ..

أحمد الزين: بس يبدو تقدمت بطريقة مشوهة ولا يعني ولا أكثر يعني هيك تمادياً؟

أحمد الزين: لأ يعني فيه نوع من التركيز على الاتهام، يمكن الرواية بتدين هذه الفترة وتدين الانتهاكات اللي تمت في فترة في الفترة الناصرية تجاه الإنسان المصري، وتدين مسألة الاعتقالات والتعذيب للمواطن المصري كل ده وارد في الرواية، لكن الصورة أكثر تأثيراًً وكان في رغبة لدى النظام إنه يدين هذه الفترة ويستخدم أضعف ما فيها..

أحمد الزين: النظام؟

علي أبو شادي: النظام الناصري زمن السادات كان يرغب في إدانة العهد الناصري، وكان يستخدم أضعف ما في هذه الفترة اللي هو فترة حقوق الإنسان أو فترة..

أحمد الزين: لتثبيت شو؟

علي أبو شادي: لتثبيت ما سمي بالديمقراطية في زمان، وأنه في تيار ديمقراطي قادم وهناك تيار ديكتاتوري..

أحمد الزين: ويستطيع أن يحاسب التاريخ.

علي أبو شادي: وبدأت ما يسمى بهوجة مراكز القوة وأفلام مراكز القوة، كان في فترة إدانة كاملة لهذه الفترة فترة عبد الناصر من هذه الزاوية.

أحمد الزين: عبر كتاباته الكثيرة علي أبو شادي لمحطات في السينما المصرية في بداياتها الكلاسيكية إلى أفلام الخمسينات ومرحلة الثورة مرحلة الواقعية كما يسميها، إلى السبعينات عبر بعض الأفلام التي تناولت التجربة الناصرية كفيلم الكرنك عن رواية نجيب محفوظ، وصولاً إلى الثمانينات عبر جيل جديد من المخرجين وواقعية جديدة، ولما كان للسينما من دور باعتبارها هي الأكثر شعبية وتأثيراً، وباعتبارها بدأت تواكب الحياة اليومية والاجتماعية والسياسية وتسهم في تحسين أو تشويش صورة زعيم أو قائد أو مرحلة أو تيار كان لا بد للرقابة أن تلعب دوراً أساسياً، كذلك على مستوى الرئاسة كانت الرئاسة تتدخل أحياناً رأياً ورقابة، وفي كتابه "سياسة وسينما" يروي علي أبو شادي عن الرئيس السادات رقيباً في فيلم الكرنك، كذلك عن عبد الناصر في فيلم ميرمار والفيلمان كلاهما عن روايات نجيب محفوظ، وكلاهما يحاكم التجربة النصرية. السينما المصرية بشكل عام يعني وخاصةً بالفترة اللي بدأ ت في مرحلة الخمسينات وصولاً حتى هذا التاريخ يعني حاولت تقارب مباشرةً الموضوعات الواقعية اليومية في حياة مصر يعني السياسية والاجتماعية إلى ما هنالك، ما بتظن إنه يعني هذه المقاربة وقعت غالباً في الثرثرة أو في الشعبوية في المتاجرة بهذه القضايا لغايات غير رسولية إذا صح الكلمة كلمة رسولية أو هيك تهدف إلى نوع من التوعية؟

علي أبو شادي: هناك الكثير من الأعمال حاولت إنها تلعب اللعبة دي، معظمها أيضاً يتعامل مع الواقع والوقائع بشكل فيه استخفاف وفيه استسهال وفيه عدم وضوح الرؤيا ده موجود، يعني مثلاً أكبر شيء ممكن نتكلم عنه في هذه المسألة هو حرب أكتوبر، كيف قُدمت حرب أكتوبر في السينما؟

أحمد الزين: كثير تعالجت نعم.

علي أبو شادي: بشكل ضعيف جداً وهش جداً، وفيه ابتزاز لعواطف المتفرج وفيه ابتزاز للموقف الوطني وفيه هشاشة في التناول، لكن طبعاً في أعمال زي أبناء الصمت مثلاً ولو إنه قبل 73 حاول أن يقدم نوع من التحليل، والنموذج الأمثل بتاعها سواق الأتوبيس اللي هو ما بعد أكتوبر، مَن الذي سرق هذه الحرب؟ مَن الذي سرق الانتصار؟ مَن الذي استفاد من هذه الحرب؟

أحمد الزين: بس بشكل عام يعني هذا بيودينا على سؤال آخر يعني الإرث المصري التاريخي اللي عمره سبع ثمان آلاف سنة، والحضور الفاعل أسماءً كان أم جماعات، يعني شخصيات كبيرة مرت بتاريخها، قدرت السينما توازيها مثلما فعلت الرواية أحياناً يعني مثلما الرواية قدرت السينما تكون على هذا المستوى من الحضور من التجلي التاريخي لبعض الشخصيات والأحداث؟

علي أبو شادي: إلى حدٍ ما، بمعنى أن السينما المصرية في فترة من الفترات كانت هي الرسول الوحيد لكل الأمة العربية من أقصاها إلى أقصاها.

أحمد الزين: طيب أستاذ علي لو بدنا نتحدث هيك عن بعض الطرائف في تجربتك لا بد أن يكون في كثير طرائف، أنا عثرت على بعضها في كتاباتك مثلاً..

علي أبو شادي: هي ضمن مفارقات المجتمع المصري في التعامل مع الفن، ونعاني منه إنه كل الفئات بعض الفئات تتصور عندما يكون هناك عندنا شخصية سينمائية أنها تبقى تعبير عن هذه الفئة، لو أنت عندك طبيب تبقى نقابة الأطباء..

أحمد الزين: الفرانين مرة عملوا مظاهرة لأنه في فران كان بيبيع حشيش بقلب الفيلم.

علي أبو شادي: الفرانين في الفرن خربتها ده اسم قرية وجاءت بالصدفة.

أحمد الزين: زعل العمدة تبعها.

علي أبو شادي: زعل العمدة تبعها ورفع قضية، دي الوقت إحنا كل يوم الصبح وهذه مفارقات جديدة الآن كان من الأول تبقى طرفة لما تقول..

أحمد الزين: هلأ صارت بشكل جدي.

علي أبو شادي: بقت جدية جداً، وممكن الناس تتحبس فيها، أنا أقول لك مفارقة بقى لطيفة بمناسبة الطرائف، لما جيت الرقابة سنة 96 أخذت الرقابة وكان في قضية مرفوعة من الرقابة على الفنانين، كان في محضر اتعمل للفنانين أنهم كان في مشاهد تم حذفها ووضعت..

أحمد الزين: مين اللي رفع دعوة؟

علي أبو شادي: الرقابة.

أحمد الزين: رفعت دعوى على الفنانين؟

علي أبو شادي: أيوا اعتبروا إنه في جريمة تمت بإضافة مشاهد تم حذفها إلى العمل الفني، وده جريمة فعلاً، أنا جيت لقيت المسألة تحولت إلى اتهام لأحمد زكي الله يرحمه الفنان الكبير أحمد زكي، وللفنانة معالي زايد ولممدوح وافي اللي هم أبطال الفيلم وبالتحديد المرحوم ممدوح وافي والأستاذة معالي زايد أصبحوا بيعملوا فعل فاضح، وهذه هي الكارثة، لك أن تتخيل أن الأطياف الحاجات اللي عالشاشة دي التمثيل ده تحول إلى واقع، المرة الثانية أنا رحت دافعت عن.. وأنا الرقيب بقى، وأنا الرقيب المسؤول عن الجهة التي أقامت الدعوى، رحت دافعت في المحكمة عن الفنانين، لأنه من المعيب مش رح أقول من غير اللائق إنك تعامل ما هو على الشاشة التمثيل على إنه حقيقة، فطلعت المظاهرات بدل ما تطلع مظاهرات ضد الرقيب لأنه يصادر، طلعت المظاهرات ضد الرقيب لأنه يسمح.

أحمد الزين: طيب بدي باختصار إنه أنت كناقد أفدت التجربة بشكل عملي، صوّبت بعض الأمور؟

علي أبو شادي: أنا وجيل، نقول إنه مثلاً إنه الواقعية الجديدة في مصر خرجت من معطف النقاد، السينما التسجيلية الحقيقية خرجت يعني الواقعية دي خرجت منها السينما التسجيلية التي وقف بجوارها النقاد، أي نقاد بقى اللي إحنا نتكلم عليهم؟ بعد كده نحن أنشأنا جمعية نقاد السينما المصريين، هذه الجمعية أيضاً اتهمت في فترات كثيرة وفترة حتى السبعينيات بإنه نحن جمعية مخربة وجمعية شيوعية وكل الأوصاف اللي ممكن تطلقها لأنه إحنا كنا فاعلين في السياسة وفي الفن بنفس الدرجة.

أحمد الزين: إذا بتستعرض شريط السينما المصرية بيرسخ بذهنك راسخ بذهنك هيك ممثل أو مخرج أو ممثلة بتحسها دائماً أول صورة بتطلع هذه الممثلة أو هذا الممثل؟ ما بدنا نوقعك بمشاكل.

علي أبو شادي: لا.. لا من حسن الحظ..

أحمد الزين: فيه ممثل بمستوى عالمي مصري؟

علي أبو شادي: الاثنين توفوا اللي أنا ليه عشق خاص..

أحمد الزين: خاص؟ ليه؟

علي أبو شادي: لأحمد زكي وسعاد حسني.

تركي الحمد

أحمد الزين: "كلما ارتفع السور ازدادت العزلة ربما شعرت أكثر بحريتك وهذا ليس بالأكيد". قال تركي الحمد وتابع الجولة في دارته في الرياض يعرفني على فضائه وأشيائه ومقتنياته ولوحاته، يبدو أن كل إضافةٍ هنا داخل البيت تعزز شروط الاحتمال وتمنح هذه العزلة بعض التنوع مكتبة، كتابٌ، لوحةٌ، منحوتةٌ، كلها بمثابة نوافذ على فضاءات تقع خلف حدود المكان.

ويبدو أن البيت هو محاولة لجنة صغيرة أو لحياةٍ ممكنة، هناك بعض الناس لا يشعرونك بمسافةٍ أو بجدارٍ يفصل بينك وبينهم، يقدمون أنفسهم لما هو عليه من شوق إلى عالم أكثر رحابة، تركي الحمد واحدٌ من هؤلاء يحاول النفاذ إلى هذا العالم من جدار العقل إذ كان قد بدأ يفتح نوافذ منذ وقت بعيد عبر الكتابة في الفكر والرواية، وإذا كانت الأمكنة تأخذك غالباً إلى أسئلتها الخاصة، تُرى هل هذه الأسوار المحيطة ببيوتنا وحياتنا هي انعكاس للسور الذي يعلو أمام العقل؟

تركي الحمد: يعني السور العالي يعكس حالة نفسية أو حالة حتى عقلية، بمعنى أنه الفرد يرتفع كلما ارتفع السور كلما عكس حبه للانعزال عن المجتمع، فبالتالي تختلف من بلد عربي إلى آخر من بلد إسلامي إلى آخر، ولكن مثلاً خليني أضرب مثال ببلدي هنا في السعودية، مثلاً لما تروح البيوت ستجد أنها في غالب الأحوال كبيرة وواسعة وجدرانها مرتفعة كثيراً، وهذا يدل على شيء معين أنه بيت الإنسان.. أتكلم عن السعودية بالذات.. بيت الإنسان هو مملكته الخاصة التي يستطيع أن يمارس فيها ما لا يستطيع أن يمارسه في الخارج، فبالتالي كلما ارتفع السور كلما هو تعبير عن طلب نوع من الفردية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يعكس شيء سلبي وهو أن المجتمع لم يعد مترابط بشكل أو بآخر كما كان في السابق، يعني في السابق لا تجد هذه الأسوار المرتفعة، يعني كلما أصبح المجتمع أكثر تعقيداً كلما تقدمنا مادياً.. لاحظ كلما تقدمنا مادياً حقيقةً انعزلنا اجتماعياً وانعزلنا نفسياً.. كمثال على ذلك أنا أتذكر أنا شخصياً عشت مثلاً في مرحلة لم تكن البيوت فيها بهذه العزلة، وكان الإنسان يعرف جاره وجار جاره إلى آخره.. الآن تعيش عشر سنوات عشرين سنة لا تعرف حتى بعض الأحيان اسم جارك، فالمجتمع يعني رغم أنه يبدو وكأنه متماسك إلا أنه حقيقةً عبارة عن لوحة فسيفسائية، عبارة عن مربعات متلاصقة ولكنها ليست مندمجة، وهذه مشكلة فعلاً يعني يجب أن نواجهها.

أحمد الزين: طيب تركي الحمد طبعاً روائي وتكتب أيضاً في شؤون الفكر والسياسة، وهذين النشاطين يعني يستوجبوا عدم وجود سور أمام العقل، يعني ببساطة أنه فيه شرط هو شرط الحرية، تعتقد أنك يعني تجاوزت هذا السور ونفذت؟

تركي الحمد: حاولت، لا أستطيع أن أقول نفذت ولا أستطيع أن أقول نجحت، ولكني أستطيع أن أقول حاولت بطبيعة الحال..

أحمد الزين: مرواح في محيطه يعني؟

تركي الحمد: طبعاً لما نتكلم عن بيئة معينة ومحيط معين، يعني لما تأخذ الروايات التي كتبتها أثارت ضجة هنا في السعودية...

أحمد الزين: بس أنت مرة كُفرّت أو على ما أعتقد أن رواياتك غير متوفرة في المكتبات؟

تركي الحمد: لا غير متوفرة، لا جميعها غير متوفرة، فأنا كلها قد تكون أثارت الضجة هنا، ولكن لو كانت في بلد عربي أخر أو في بلد آخر لكانت الروايات عادية جداً، فبالتالي المسألة نسبية. يعني التابوهات الموجودة في السعودية غير التابوه الموجود في لبنان غير اللي في مصر غير غير إلى آخره.. رغم أني الآن أشوف حركة إلى أن الجميع يتجهون إلى أن التابوه هو الأساس، يعني لم يكن هذا الوضع في الماضي، الآن يعني أرى أنه نحن نتقدم نحو أصبحت المحرم هو المسيطر، يعني أصبح كل شيء محرم ما لم يثبت أنه حلال، فهنا المشكلة هذه مشكلة المجتمع العربي، الثقافة العربية بدل أن نتقدم إلى الأمام نرى أننا يعني نرجع إلى الخلف، ويا ريتنا نرجع إلى الخلف بشكل عقلاني ولكن بشكل خرافي بشكل لا عقلاني حقيقةً للاسف.

أحمد الزين: يعني بتقديرك يعني هذه الأمة بشكل عام هي تعيش بالأسطورة بالخرافة أكثر ما بتعيش الواقع والحياة كما ينبغي أن تعاش؟

تركي الحمد: نحن ننتمي إلى عالم الآن يعيش بالعقل، يعيش على هذه الدنيا، يعيش وفق عقلانية معينة تنظر للمستقبل وفق مقايس معينة، وفق حسابات معينة. أما نحن فقد تركنا هذا المستقبل للأسطورة، نحن نعيش في عالم الغيب ولا نعيش في عالم الحاضر أهملناه تماماً، أنا أذكر الطرفه اللي سبق أني قلت لك أنه بالنسبة للغز أن هناك قطار يزن 1500 طن وسار على جسر 1000 طن ولكنه لم يقع..

أحمد الزين: جسر يحتمل ألف طن..

تركي الحمد: عقلانياً لا بد أن يقع القطار، ولكن الجواب كان يقولك الله ستر بكل بساطة.. بكل بساطة، لما نتكلم هذا الكلام سيأتيك من يقول أنت تشكك بالدين أنت تشكك بقدرات معينة، لكني أعتقد أنا أن لكل طرف منهج، يعني لا أستطيع أن أطبق المنهج الديني المنهج الغيبي في الحياة الدنيا، ولا أستطيع في ذات الوقت أن أطبق منهج الدنيا على المنهج الديني لأنك إذا خلطت المناهج لن تحصل على الحقيقة المطلوبة، لكلٍ حقيقته هناك حقيقة غيبية..

أحمد الزين: لا تحصل على الحقيقة ولا تحصل على الغيب.

تركي الحمد: ولا الغيب، هناك حقيقة غيبية منهجها هو الإيمان أما أن تؤمن أو لا تؤمن، وهناك الحقيقة الواقعية، هذه الحقيقة الواقعية لا نصل إليها إلا عن طريق العقل وعن طريق الواقع، إذا دمجت الاثنين وحاولت أن تحصل على حقيقة كلية فإنك تضيع بين الطرفين.

أحمد الزين: يعني أنت من دعاة محاولة فصل الدين عن الدولة..

تركي الحمد: شوف أنت حتى لو حاولت أن تفصل الدين عن الحياة لا تستطيع، لأن كل إنسان سلوكه.. ولكني أقول فصل المؤسسات الدينية عن الدولة، لأن الدين لما تتكلم عن الدين يختلف عن الكلام عن المؤسسات الدينية، لما تقول مؤسسة دينية تقدم تفسير معين تأويل معين هو الحقيقة المطلقة، إما أن تؤمن بها وإلا فأنت قد خرجت من الملة، أما الدين فهو شيء مختلف، الدين خبرات شخصية، إيمان فردي إيمان بالغيب هذا هو متروك لك أن تحدد سلوكك كما تشاء، وفق حقيقة دينية وفق حقيقة دنيوية هذا راجع لك، ولكن أن تفرض عليك حقيقة من قبل تفسير معين ومن قبل مؤسسة معينة أنا أعتقد هذا خطأ كبير.

أحمد الزين: ويصطحبنا تركي الحمد إلى الصحراء إلى بريته حيث يقيم طقسه الأسبوعي يفتح من خلاله على الماضي، يشعل ناره ويترك لحرائقه الصغيرة أن تسرقنا إلى وهجها وتسرقه إلى ماضيه، يحدثنا عن زمن غير بعيد عن طفولةٍ في الدمام، عن أهل ووالد كان يعمل في تجارة القوافل ما بين نجد ودمشق وعمان، وعن مجتمع كان أكثر انفتاحاً ورحابةً ورحمةً، وعن علاقات لا سور فيها إلا بحدودها الأخلاقي، عن أسفار هنا وهناك وعن تجربةٍ في السياسة قادته إلى السجن في زمن المد القومي، يبدو لكل زمنٍ مده حيث يكشف جذره لاحقاً أو انحساره عيوب هذا المد، والتجارب الخاسرة تبدو غالباً تؤسس لتجارب أخرى خاسرة لتبقى عربة التاريخ عالقة في فخاخ الايديولوجيات.

تركي الحمد: كان المجتمع أكثر انفتاح أكثر تقبل للرأي الآخر، أكثر تقبل للسلوك المختلف. ولكن جاء ما يسمى بالصحوة الدينية وأنا لا أسميها صحوة بل هي غفوة حقيقةً، وخاصةً مع الثورة الإيرانية ومع حركة جهيمان في الحرم الشريف عام 79 انقلبت الأمور رأساً على عقب، أصبح الموتى يفرضون سيطرتهم على الأحياء، يعني كمثال جهيمان كانت عنده أفكار متخلفة جداً قتل وقضي على حركته ولكن طُبقت أفكاره في النهاية، فكر جهيمان هذا والفكر السلفي بشكلٍ عام انتشر في العالم العربي ككل، وليس الفكر السلفي خلينا نقول المستنير الذي نجده مثلاً في أوائل القرن العشرين عند بعض مفكري الإسلام، ولكنه فكر سلفي يلتزم بمنهج معين بإطار معين بآثار معينة انتقائية لا أكثر ولا أقل فهذا انتشر، أنا باعتقادي السؤال هو لماذا؟ لماذا انتشر مثل هذا الفكر؟ هو نوع من آليات نفسية باعتقادي، لأنه مع كل الهزائم اللي حصلت للعالم العربي مع كل خيبات الأمل يعني كل ما مر في تاريخ القرن العشرين، لو تنظر لتاريخ العرب في القرن العشرين تجده من نكسة إلى نكسة من خيبة أمل إلى خيبة أمل، يعني المستقبل أصبح غير مضمون، المستقبل أصبح مظلماً وليس مستنيراً.

أحمد الزين: طبعاً كنا عم نحكي عن التردي والتخلف يعني أو التراجع اللي عم يصيب في مجتمعاتنا يوم بعد يوم بشكل أكثر، يعني إذا بدنا نسأل من أسهم؟ يعني لمين فينا نحمّل مسؤولية هذا التراجع يعني في مستوى الوعي والسماح للعقول التي تعيش في الكهوف الفكرية كما يقال أن تتحكم في مسارات هذه المجتمعات؟

تركي الحمد: لا تستطيع أن تقول طرف واحد، يعني إذا حددنا طرف واحد نكون مخطئين لأن الظواهر لها أسباب متعددة تتداخل وتنتج هذه الظاهرة، كمثال في حالتنا أنا ألوم السلطة السياسية، ألوم المثقف العربي، ألوم الثقافة السائدة، أشياء كثيرة كلها تداخلت. كمثال على ذلك عندما تكون الثقافة السائدة ثقافة متخلفة، وتأتي السلطة السياسية وتستغل هذه الثقافة لتجذير نفسها وهي لا تعلم أنها تدمر المستقبل هذا سبب، سبب آخر عندما يأتي مثقف مثلاً ويؤدلج كل شيء ويكون شعبوي يركب الموجة الشعبية يغازل الشعوب بدل أن ينورها يغازلها ويمشي وراءها، بدل أن تمشي هي ورائه هذا أنا ألومه بشكلٍ أو بآخر، الثقافة السائدة الراكدة التي لا تعترف بالآخر، التي لا تريد أن تعترف أنها ثقافة ضمن ثقافات أنها جزء من هذا العالم بل هي الثقافة هي العالم، وبالتالي يعني على رأي الشاعر الجاهلي وأنا أعتقد أننا ما زلنا نعيش هذه المرحلة، نحن قومٌ لنا الصدر دون العالمين أو القبر.. يعني إنما الصدر وأما القبر لا تستطيع أن تعيش بين الطرفين هذه المشكلة حين تأتي المشكلة.

أحمد الزين: فكرة هذا التصالح والقبول بالآخر يعني والخروج من هذه الأنا المضخمة كثير غير..

تركي الحمد: القبول بالآخر أنا أعطيك مثال على القبول بالآخر يعني دائماً نجد هذه المقولة سواء من بدايات القرن العشرين وحتى هذه اللحظة، نأخذ أفضل ما لديهم ونترك السيء منه، أنت لا تستطيع أن تفعل ذلك لما تنظر إلى منتجات الحداثة، تنظر إلى السيارة إلى الكمبيوتر إلى مش عارف، أيش كل هذه الأشياء هذه نتاج فلسفة معينة نتاج عقل معين، إذا تبينت المنتج وتركت المنتج هنا مشكلة لا تستطيع، لأن المنتج حديث ولكن العقل غير حديث نمشي وعيوننا إلى الخلف، إلى ما يقال لنا أنه السلف الصالح. أنا مسألة السلف الصالح هذه عندي موقف، من يحدد من هو السلف الصالح..

أحمد الزين: مين السلف الصالح؟

تركي الحمد: لا ندري هنالك وهنا لما نتكلم عن المؤسسة الدينية وعن خطاب ديني معين هو الذي يختار لنا، ينتقي من التاريخ هذا السلف الصالح، ولكن هل هذا هو فعلاً السلف الصالح؟ فيه مقاييس معينة وضعت، السلطة السياسية في غالب الأحيان هي التي تحدد الحقيقة الثقافية، والسلطة السياسية في تاريخنا كله لم تكن تقبل التعدد ولا القبول بالآخر.

أحمد الزين: طيب أستاذ تركي كنت عم تحكي أنه حملت مسؤولية لكذا طرف، يعني تحمّله مسؤولية هذا التردي التراجع التخلف إلى آخره.. ومن جملة اللي يتحملوا مسؤولية هم اللي ذكرتهم المثقفين أو بعضهم، طيب شو فيه يعمل المثقف بمواجهة يعني نوع من السلطات التي تستمد قوتها وسلطتها وقدرتها من أشياء مطلقة ما فيك تناقشها؟ يعني شو في يعمل.. أنت شو فيك تعمل كمثقف؟

تركي الحمد: المثقف العربي ضعيف ولا يستند إلى مؤسسة، وهو أضعف الأطراف حقيقةً في ظل ثقافة سائدة معينة تنبذ أي شيء يخرج عن الرأي الواحد والحقيقة الواحدة، ولا أستطيع أن أقارن المثقف العربي بالمثقف الأوروبي في بدايات عصر النهضة الذي كان فعلاً جريئاً، وكان.. يعني لا نستطيع أن أقول جريء ولكنه إما أو.. إما أن تستخدم العقل أو لا تستخدمه، أما أن تخلط بين الطرفين فهذا لا يمكن، لكن بالنسبة للمثقف العربي أنا لا ألومه على أنه أيش؟ على أنه يخاف مثلاً أو أنه يخشى الهجمة، ولكني ألومه على أنه يبرر في بعض الأحيان.. يبرر هذه الثقافة السائدة بشكلٍ أو بآخر، فعندما مثلاً تأتي تنظر إلى تاريخنا المعاصر الانقلابات العسكرية والايديولوجيات التي أدت بنا إلى الكوارث، سنجد أن المنظّر لها مثقف، فإذا لم تستطع أن تجابه إذن عليك أن تصمت على الأقل أو تذكر جزءاً من الحقيقة، ليس المطلوب أن تذكر كل الحقيقة، وليس من المطلوب أنك تكون يعني حاد في كل الأحوال، ولكن نحن كما قلنا في السابق أننا نسير فوق حقلٍ من الألغام، فعلى الأقل اطرح ما تؤمن به أو اصمت، أما أن تبرر وتشارك في كثير من الأحيان فهذه مشكلة، يعني نجد الكثير من الايديولوجيات التي قضت علينا كان المنظر لها مثقفين عرب كانوا ينادون بالديمقراطية والحرية وإلى آخره.. فهنا المشكلة، المشكلة ليست مسألة أنه يخشى المجابهة ولكنها مشكلة عملية التبرير هنا المشكلة.

أحمد الزين: يبدو أن تركي الحمد يحاول أن يحرك ما أمكن تحريكه دون معارك كبرى أو مجابهات من النوع الخاسر، وهو كما يصف شغله دائماً كالذي يمشي في حقلٍ من الجمر، يقول مثلاً أن الموتى يفرضون سيطرتهم على الحياة، هو يحاول أن يكون محاوراً وسطياً في كتاباته على مستوى الفكر السياسي والديني، ولكن رغم كل ذلك لم ينجو من المنع والتكفير أحياناً حتى في أعماله الروائية، وربما ما لم يستطع قوله في الكتابة السياسية قاله في الرواية أو أنه وجد في الرواية فضاءً أرحب للبوح عبر شخصيات وأحداث وأمكنة تتقاطع فيها التجارب الإنسانية التي تستحق أن تُروى. كيف جيت للكتابة الروائية وأنت طبعاً مثلما نعرف دراساتك وتجربتك بلشت في العلوم السياسية في المملكة وفي التخصص وفي التدريس؟

تركي الحمد: ليس هناك لحظة قلت فيها لنفسك أنا أريد أن أكتب رواية وبدأت تجهز، هكذا تكون عندك الفكرة وتترك القلم ينطلق بشكل أو بآخر، فمن ناحية الرواية أنا أساساً عاشق للرواية حتى وأنا أكتب في السياسة والفكر وهذه الأمور، ولكني عاشق للرواية. ومريت بتجربة هذه التجربة أحسست أنها تجربة إنسانية يجب أن أخرج منها بشيء.. يجب أن أخرج منها بشيء فكانت فكرة الرواية وخاصةً فكرة الرواية الأولى كانت يعني تدور في ذهني من أكثر من 18 سنة قبل كتابتها، وفي النهاية قررت أن أكتبها لأنه فعلاً اختمرت وأحسست أنه في شيء معين ممكن أخرج فيه من هذه التجربة الإنسانية، تقاعدت من الجامعة تقاعد مبكر وتفرغت لهذه الرواية، وطبعاً لأني كنت عارف لأني لو أكتب هذه الرواية وأنا ما زلت أستاذ جامعي سيكون هنالك متاعب سيكون هنالك أشياء معينة، فانتظرت حتى أتت اللحظة وتقاعدت مبكراً وتفرغت لهذه الأمور، فتسألني ما.. قرار الرواية يعني هكذا يعني لا أستطيع أن أفسر في أمور لا أستطيع تفسيرها.

أحمد الزين: نعم بهذه الثلاثية فيه هشام.. هشام اللي بجي من الدمام طبعاً هذا المتهم بقراءة النصوص المحرمة، يشبهك هذا هشام؟

تركي الحمد: قطعاً لابد كثيراً، طبعاً بصفة عامة بطل أي رواية لا بد أن يعكس شيء من كاتب الرواية، يعني عندما تنظر إلى كمال عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ أكيد يعكس من نجيب محفوظ أشياء كثيرة، وحتى في مقابلة مع نجيب محفوظ كمال عبد الجواد هو أنا، أنا لا أقول هشام العابر هو أنا، أقول فيه الكثير مني لأنه فعلاً.. يعني عندما تكتب رواية وعندما تكتب شيء أنت من أين تأتي بهذه المعلومات؟ من أين تأتي بهذه التجارب؟ أكيد أنك مررت بها، فهشام العابر بطل الرواية نعم فيه الشيء الكثير مني، فيه الكثير من صفاتي، ولكن هو أنا؟ لأ طبعاً.

أحمد الزين: آخر رواية لك.. ريح الجنة، هي تتناول فيها أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة، بتقديرك يعني وقت الكاتب أو الكتابة الروائية تتطرق لموضوع حديث يعني لحدث بهذا المستوى الدرامي يعني المأساوي، ما بتفقد شيء من التخيل، بتحدّ من النسبة الإبداعية عند الكاتب ومن قدرته على إعادة خلق الأشياء والأحداث، وبتخليه يوقع أكثر بالتقريرية؟

تركي الحمد: ليس بالضرورة أنا أقولك هنا متعة الرواية أنك تستطيع أن تدمج الخيال بالواقع، كمثال على ذلك الأحداث اللي صارت مثلاً في ريح الجنة كلنا نعرفها وهذا ممكن.. يعني وكلها مستمدة طبعاً من تقارير ومراجع، كيف حصل اللي حصل، ولكن الدافع محاولة أن تبحث عن الدافع، ما الذي يدفع شباب في مقتبل العمر إلى التضحية بشبابهم وحياتهم ومستقبلهم من أجل ماذا؟ طبعاً هنالك إجابات كثيرة في علم النفس في علم الاجتماع في في إلى آخره.. ممكن الكثيرون يكتبون، ولكن لما تكتب رواية عن التفاعلات في داخل النفس البشرية لما يأتي أحدهم ويفكر ويتكلم وأنه رايح للجنة إلى آخره.. هنا يأتي مجال الخيال، هنا يأتي مجال الإبداع. فبالتالي أنت تحاول أن تقدم صورة لماذا حدث ما حدث، من خلال قراءته من هنا، من خلال تخيلك من خلال طبعاً ليس بالضرورة تكون مصيباً، ولكنك قدمت صورة لما يمكن أن يكون تفسيراً.

أحمد الزين: يعني أنت وعم تكتب رواية يكون بذهنك أنه هذا العمل قد يفيد فيه هيك إسهام بتوعية الناس إلى حدٍ ما يعني؟

تركي الحمد: وهذا جزء من كتابة الرواية، أنا مرة سُئلت سؤال يعني لماذا لجأت إلى الرواية بشكل أو بآخر يعني تضع فيها أفكار معينة؟ بطبيعة الحال لأن الرواية هي الأكثر انتشاراً أكثر قراءةً، أنا لو أكتب بحث عن 11 سبتمبر لن يقرئه إلا مختصين وقلة قليلة، ولكن لما تكتب رواية سيقرأها عدد أكبر من الناس، وعندما يتحول هذا العمل إلى عمل سينمائي مثلاً يكون تأثيره أكبر، وعلى فكرة "ريح الجنة" رح تكون مسلسل رمضاني قادم إن شاء الله.

أحمد الزين: وكذا طبعة صار الرابعة أو الخامسة أو السادسة..

تركي الحمد: الطبعة الخامسة أيه..

أحمد الزين: الطبعة الخامسة، كل طبعة قديش تقريباً عم نحكي الآن عن شوية تفاصيل؟

تركي الحمد: تقريباً خمس آلاف نسخة..

أحمد الزين: والله : يعني رقم مهم بالنسبة..

تركي الحمد: بالنسبة للعالم العربي طبعاً..

أحمد الزين: يعني في قارئ بنقول دائماً ما فيش قارئ يبدو فيه قارئ؟

تركي الحمد: فيه قارئ لاشك، وخاصة أنت على فكرة في منطقة يعني معظم دور النشر الآن تعتمد على منطقة الخليج وعلى السعودية.. بالذات على السعودية بالذات طبعاً، هو فيه قارئ ولكن المشكلة في العالم العربي عموماً غلاء الكتابة، يعني في مصر مثلاً تجد هنالك قارئ ولكن الكتاب غالي ولا يستطيع.. فبالتالي فيه قارئ ولكن ضيق ذات اليد يجعلك لا تستطيع أن تقدرهم بالضبط.

أحمد الزين: طيب "ريح الجنة" طبعاً فيها هذه الجرأة أو الشجاعة في تناول الموضوعات، يعني في البوح يعني بما يفكر فيه هؤلاء الشباب اللي طبعاً معتمدين على نصوص دينية.. النص المقدس يعني تا يسهل أمرهم للوصول للجنة حتى.. ما واجهت بعض المتاعب على مستوى المملكة من بعض الأفراد؟

تركي الحمد: أنا واجهت متاعب من أول رواية.. منذ أول رواية فأصبح كل ما أكتب يعني يُقرأ بقراءة معينة تحاول أن تتصيد أشياء معينة، فبالتالي من أول رواية أنا واجهت متاعب، فمع "ريح الجنة" وهي الرواية السادسة يعني أصبح يقال هذا تركي الحمد يعني أكيد سيقول هكذا، فبالتالي أصبحت المسألة.. يعني لو كانت ريح الجنة أول رواية لي تخرج كان ممكن صادفت متاعب أكثر، ولكن ريح الجنة بعد أن ظهرت الروايات التي قبلها أصبح وقعها يعني أخف بكثير.

أحمد الزين: تعودوا عليك، تعودوا أنت مشاكس يعني..

تركي الحمد: أقولك شيء على تعودوا علي.. فيه عندي كتاب اسمه "السياسة بين الحلال والحرام" يعني هذا أول ما ظهر جاء انتقادات من الإسلامويين بشكل معين و.. وإلى آخره.. أحدهم صديق لي نزع الغلاف ونزع الاسم وقدم الكتاب لبعض الشباب المتحمس إسلامياً، فأعطاهم ياه وقرؤوه قالوا والله هذا كتاب طيب ويطرح أفكار جيدة وإلى آخره.. في النهاية جابهم قال هذا الكتاب لفلان الفلاني، قالوا إيش نقرئه مرة ثانية هذا يضع السم في الدسم.. فبالتالي شوف يعني المسألة.. مشكلتنا الآن نربط أي كلمة بالشخص نفسه، إذا اتُخذ موقف من شخص اتُخذ الموقف من كافة كتاباته وأقواله وهذا خطأ، علي بن أبي طالب يقول: (الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال) ولكن هذا غير مطبق عندنا للأسف.

أحمد الزين: اصطحبنا تركي الحمد في الحلقة السابقة إلى بريته وعرّفنا على بعض نواحي من مصادره وحياته، وحدثنا عن"شرق الوادي" واحدة من رواياته عن بطلها سميح الزاهل الذي يختفي ويظهر كأملٍ أو إشارةٍ أو يقين، وعن هواجسه مثقفاً متنوراً في مواجهة الثابت والمطلق، وعن واحات في الحياة الاجتماعية كانت فسيحةً في زمن الطفولة، وعن تجربةٍ في السياسة أرخ لها روايةً في ثلاثيته الأولى، ومواقف من الفكر السائد أفصح عنها في أكثر كتاب.

نتابع مع تركي الحمد رحلة التعرف هذه.. على هذه التجربة التي يجد فيها سبيلاً للإسهام في وضع حجرٍ في بناءٍ جديد يفتح على الآخر وعلى الذات بمقدارٍ من الرحابة والحرية والسؤال.

أحمد الزين: نلاحظ في بعض الروايات يعني ما تيسر أن قرأته يعني فيه نوع من الإسراف بالشرح وبالوصف بتقديرك كمان هذا الشيء مقصود عن قصد؟ لتسهيل الأمر أمام القارئ اللي أنت يمكن يكون في بالك أن هذا القارئ مش..

تركي الحمد: أقولك شيء.. أنا أقولك من ناحية فنية هذا يمثل ضعف صحيح في الرواية ولكن أنا قصدت هذا الشيء، لماذا؟ أنا لاحظت مثلاً أن الشباب في المملكة هنا في المملكة الذين يشكلون أكثر من 60% من سكان المملكة لا يعلمون شيئاً عن تاريخ المملكة ما قبل مثلاً 1975، اللي هو العام الذي بدأت فيه الطفرة والذي بدأت فيه الثروة تتدفق على المملكة، والذي بدأ التغير الاجتماعي الكبير يحصل فيها، ما قبل هذه الفترة لا يعلموا عنها شيئاً.. لا يعلمون عنها شيئاً، لا يعلمون عن العادات التي كانت ممارسة تلك الأيام، لا يعلمون عن كيف كنا نعيش تلك الأيام، لا يعلمون عن كيف كان الانفتاح الاجتماعي، يعني يعتقدون أن المملكة وجدت على هذا الشكل منذ الأزل، فبالتالي عملية الإسهاب في الوصف هي لإعطاء صورة بهؤلاء الشباب أننا لم نكون هكذا، أن الوضع لم يكن هكذا دائماً، أحاول أن يعني آخذ لهم التاريخ المهمش خلينا نقول وأعطيهم ياه، وأقول المملكة لم تكن هكذا ولن تستمر هكذا.

هل الروائي هو أيضاً مؤرخ ولكنه من نوع خاص؟

أحمد الزين: يعني تحس الروائي هو أيضاً مؤرخ ولكن نوع خاص؟

تركي الحمد: بشكل أو بآخر نعم، يعني لو مثلاً تأخذ الأدب الروسي، الأدب الروسي أنا أعتقد أني فهمت مثلاً التاريخ الروسي من خلال تولستوي و دوستويفسكي أكثر مما فهمت من قراءات معينة، التاريخ الاجتماعي الفرنسي فيكتور هوغو مثلاً بنزاك إلى آخره تفهم المجتمع الفرنسي في تلك الأونة، لو لم يسهب بالوصف والشرح لما فهمنا، الحياة في انجلترا يعني مع تشارلز ديكنز تستطيع أن تفهم كيف كانوا يعيشون بشكل معين إلى آخره، مع لورنس تعرف مثلاً كيف العهد الفكتوري مع كل العفة الموجودة فيه ولكن في المجتمع من.. في الأعماق كان يختلف تماماً، فبالتالي نعم أنا أعتقد أنه لولا هذه الأعمال لما فهمنا التاريخ الفعلي فأنا أحاول هذا الشيء.

أحمد الزين: يعني أنت تبدو بكل شغلك ترصد التحولات اللي عم تصير في المنطقة وتحاول عبر الشخصيات أنك تكتب نصك الروائي؟

تركي الحمد: هذا صحيح، ومحاولة إيصال هذه الصورة لأكبر عدد من من المجتمع يعني.

أحمد الزين: نعم. يحاول تركي الحمد كما يقول دائماً وفي كل ما يفعل أن يطرح سؤالاً يحرك سكونية الأشياء، فقد وجد في الرواية وسيلةً لإيصال سؤالٍ أو فكرةٍ أو فكرٍ أو رؤيةٍ ما عبر شخصياتها وأحداثها وأمكنتها لكأنه حملها ما لا يستطع أن يحمّله في الكتابة السياسية أو الفكرية، فالكتابة الإبداعية بالنسبة له وبمستوى ما هي نوع من التأسيس لوعي جديد، وعبرها يكون النفاذ أسهل وأكثر انتشاراً، فإلى أي مدى استطاع أن يخرق الجدار في بعض ما كتبه في الفكر. يعني إلى أي مدى كونك تعمل أو تكتب في هذه الموضوعات، يعني تستطيع أن تصل أو توصل صوتك أو تخرق هذا الجدار، خاصةً وأنت مثلما ذكرنا في البداية في كثير محرمات وتابوه.. والعمل بالفكر السياسي إذا ما كان شوي صدامي بتقديرك مجدي بيكون؟

تركي الحمد: ليس صدامي لمجرد الصدام يعني في الكثير.. وهنا مشكلة من مشكلات المثقفين..

أحمد الزين: لا أقصد صدامي يعني خالف تعرف لأ، بمعنى قول الحقيقة كما هي مش المراوحة كما يفعل الكثير من المفكرين؟

تركي الحمد: أنا أعتقد هذا صحيح، ولكن المشكلة زي ما تكلمنا مثلاً بعض المثقفين اللي هم سبب من أسباب أزماتنا، مثلاً يتخذون مواقف حادة إما مع السلطة مثلاً أو ضد السلطة بحيث أنه مثلاً لما السلطة تفعل أي شيء فهم ضده ليش؟ لأنه أتى من السلطة فهو عمل مشبوه.. فهو عمل مشبوه وهذا ليس بالضرورة. عملية أن يكون صدامي بمعنى أنه يطرح الحقيقة بعض الأحيان لا تستطيع أن تطرح الحقيقة كاملة، ولكن هذا لا يعني إعفائك من المسؤولية على الأقل حاول أن تطرح بعضاً منها، أو حاول أن تقدم تمهيداً لها على الأقل أنت تحاول أن تغير الصورة، وحقيقة أستاذ أحمد يعني خلني أقولك أنا بعد هذه الفترة من حياتي أنا متشائم جداً يعني من إمكانية تغير فعلية في ثقافاتنا وفي مجتمعاتنا، أرجو أن أكون مخطئ ولكن هذا لا يعني أنك لا تحاول، ستأتي الأجيال المقبلة وتتسائل ماذا فعلتم بهذا الشأن؟ على الأقل حاولنا على الأقل الإنسان طرح صوت طرح رأي، فهل.. هل استطعت أن أحقق نتيجة أو لا؟ هذا متروك للزمن، لكن أنا لست متفائلاً وكلما مرت الأيام أحس بتشائم أكثر في هذا المجال.

أحمد الزين: طيب هذا التشاؤم طبعاً ناتج مثلما بسياق الحوار نتيجة للتراكمات من الإحباطات والخيبات اللي عم يعيشها المثقف العربي والكتّاب والمبدعين، اللي بيحسوا أن الكتابة أحياناً يعني كأنه واحد عم بصرخ بوادي لا أحد يسمعه، ولكن لا بد ما أنه تؤسس لشيء.. مش معروف شو هو، طيب يعني إذا الواحد بده يساهم في تغير جذري مثلاً ويحط الأصبع على الجرح، مكممن الجرح وين؟ مبارح كنا عم ندردش تقول لي حتى نقدر نحدث تغيير وأنت بحكم تجربتك كأستاذ جامعي لابد من إعادة النظر بالمناهج مناهج التعليم بكل مراحلها، هل هذا مسموح إعادة النظر بالمناهج؟ بعدين بتكوين فكر جديد يعني عقل يطرح السؤال ولا يسمع الجواب دائماً؟

تركي الحمد: وهذا صحيح.. إذا أردنا أن نقفز للمستقبل فهذا ما يجب فعله..

أحمد الزين: أن ننقذ المستقبل..

تركي الحمد: أو ننقذ المستقبل، ولكن المشكلة أنه من الصعب إن لم يكن بعض الأحيان يقارب المستحيل أن تفعل هذا الشيء لماذا؟ لأن تغيير مناهج التعليم، إدخال المنهج العقلي بدل المنهج النقلي في هذه المواضيع، إنشاء عقول جديدة طبعاً يأخذ زمن إلى آخره.. المشكلة أن هناك أطراف غير مستفيدة من هذا الشيء، كمثال عندك المجتمع بثقافته السائدة التي بنيت خلال مئات السنين، يعني رُسخ هذا العقل أو جُمد هذا العقل على وضع معين فبالتالي أصبح المجتمع معادياً لك إذا أردت تغييراً، عندك السلطة السياسية التي تجد في مثل هذه الثقافة ركن من أركان الاستقرار لأن هذا ما يريده الناس، هذا ما يريده المجتمع والسلطة السياسية تريد الاستقرار، وبالتالي تسير وراء ما يعطيها هذا الاستقرار، فمن الصعب.. ولكن هنا النقطة إذا أردنا فعلاً على تعبيرك أن ننقذ المستقبل يجب البداية من الأطفال الصغار، وإعداد مناهج مختلفة تجعلهم متسامحين، قابلين للرأي الآخر، قابلين للآخر بشكل عام.. ثقافة السؤال وأن لا يكون هناك محاذير معينة، الآن كلها محاذير كلها تابوهات، فبالتالي كيف نستطيع أن نصنع مستقبلاً؟ لا نستطيع.

أحمد الزين: عدم الانتباه أو تأجيل الوعي أو السكوت الطويل والصمت ينمي الوحش، هذا السؤال تأسس على تجربةٍ امتدت من عمان حيث ولد إلى الدمام والتفتح في مناخات الستينات، وعبر ما كان يُحمل مع القوافل من كتب وأفكار، إلى الولايات المتحدة حيث تخصص في العلوم السياسية وأقام لحوالي عشر سنوات ليعود إلى المملكة أستاذاً في جامعاتها، ولكن تعاقد كما قال مبكراً لينصرف إلى الكتابة، مروحةٌ من الأمكنة والعلاقات تُرى ماذا شكّلت؟ وماذا أفادت أو ماذا أفاد هذا التنوع في الثقافات وفي الأمكنة؟ وماذا طرح عنده الآخر من سؤال؟

تركي الحمد: هذا التناوب اللي أستخلصه لما أفكر بكل هذا المرحلة من ميلادي في الأردن إلى حياتي في المنطقة الشرقية وانتقالي للرياض والدراسة في أميركا، والتجارب اللي مرت. كل هذه الفترة يعني تخرج منها بشيء معين أنه الاحترام الحياة، احترام الاختلاف، مرت فترة كنا قبل شوي نتكلم عن المثقف المؤدلج، مرت علينا فترات كنا فيها من المؤدلجين ومن لم يمر في هذه المرحلة.. ومرت علينا فترة..

أحمد الزين: بتكون عنده مشكلة إذا ما مر فيه..

تركي الحمد: إيه طبعاً، وهذه ذكرتني بمقولة أحدهم يقول: إذا في كنت عشرين ولم تكن شيوعياً فلا قلب لك، وإذا وصلت إلى الأربعين وما زلت شيوعياً فلا عقل لك. فبالتالي هذه تجارب يعني أحمد لله تجارب فيها السيء فيها الطيب فيها المر فيها الحلو، ولكن من خلال كل التوليفة هذه تخرج لك بنتيجة معينة هي التي تكون شخصيتك حالياً، لولا هذه التجارب لما وصلت إلى هذه الشخصية، أحدهم مرة سألني قال: ألا تندم على فترة السجن اللي مريت فيها؟ قلت له لا بل أنا أحمد الله على أني حصلت عليها، لماذا؟

أحمد الزين: خلينا نحكي شوي عن هالفترة، ليش سجنت أنت؟

تركي الحمد: كانت تنظيمات سرية في ذلك الوقت طبعاً، يعني في فترة الستينيات والخمسينات طبعاً كانت الفترة المد القومي مثلما هو المد الإسلامي..

أحمد الزين: كنت متهم بالشيوعية أم بالقومية؟

تركي الحمد: كان فيه تنظيمات سرية وكنت متهم بانتمائي للبعث، فطبعاً فأقولك يعني أتكلم عنها كتجربة إنسانية أنا نسيت كل هذه الأشياء من ناحية سياسية، ولكن كتجربة إنسانية لما تدخل السجن لسنة واحدة وتخرج فكأنك عشت سنوات خارجه، التجربة اللي تخرج فيها، تعاملك مع الأشخاص، معرفة أشياء كثيرة، يعني عندما أدركت أشياء كثيرة منها خرجت بعد سنة من السجن يعني وكأني كبرت عشرة خمسة عشر سنة من ناحية عقلية، أدركت أشياء كثيرة، فهمت أشياء كثيرة، فبالتالي لما سألني هذا السؤال قلت له أحمد الله على أنها حدثت لأنها لو لم تحدث لما حصلت هذه النقلة النوعية في شخصيتي وفي توجهاتي وفي أشياء كثيرة، يمكن لبقيت كما كنت عليه أو مثلاً أو حتى يمكن ذهبت إلى اتجاهات مختلفة، فبالتالي تقول لي هذه الحياة من.. إلى.. ماذا تنتج لنا؟ أقولك احترام الحياة، احترام الاختلاف، احترام التغير، احترام كافة الأراء لأنك خلال هذه الفترة مررت بأشياء كثيرة، صادمت أشياء كثيرة، أيقنت بأشياء كثيرة تبين بطلانها بعد ذلك، فبالتالي إذاً أحترم الجميع إذن هذه..

أحمد الزين: هذا الثراء اللي بيصير عليه الإنسان هو يتكون من السلب والإيجاب يعني بصير فيه عنده شوية معاير على الأقل.

تركي الحمد: ما فيه شك..

أحمد الزين: حلوة فكرة أنه يعني الواحد يكشف أديش مهمة الحياة احترام الآخر واحترام الاختلاف؟

تركي الحمد: بس المشكلة المشكلة أنك تدرك لا جمال الحياة وحب الحياة إلا بعدما تمر بكل هذه التجارب ولا يبقى من الحياة الشيء الكثير وهذه مشكلة.

أحمد الزين: أنت ندمان على شيء قلت يا ريت ما عملته؟

تركي الحمد: ندم بمعنى ندم لأ، يعني حتى الأخطاء التي فعلتها وما أكثرها.. حتى الأخطاء لا أندم عليها لأنه لولا هذه الأخطاء..

أحمد الزين: ارتكبت أخطاء كثير بحياتك؟ غير الخطأ الكبير أنك كنت بعثي..

تركي الحمد: من كان بلا خطيئة فليرجمها بحجر، فبالتالي كلنا الخطأ الأساسي.. شوف الحرية حتى حرية ارتكاب الخطأ هذا حق إنساني، وإذا ما أخطئت لن أصيب، ولن يأتيك أحدهم ويقول لك أنا فعلت الصواب بل حتى الصواب في نظره قد يكون خطأ في نظرك، فالقضية قضية تجربة إنسانية.

أحمد الزين: فكرة الصح والخطأ عندك..

أحمد الزين: كنا عم نحكي عن المروحة الرحلات والتجربة ما بين عمان والدمام وأميركا، يمكن وقت اللي رحت على أميركا صار هيك عندك ميل أو رغبة تبقى في تلك البلاد، يعني هروباً ربما ممن لا يعجبك. هيدي الرغبة بقيت قائمة لفترات أم خفتّ يعني مع الأيام مع الوقت؟

تركي الحمد: بصريح العبارة طبعاً أنه في ذاك الوقت كنت أعيش مثلاً في بلد زي الولايات المتحدة حيث تستطيع أن تفعل ما تشاء من ناحية فكرية ومن كافة النواحي، ورغد العيش وأشياء كثيرة، يعني طبعاً هذه كانت مغريات وخاصةً أن لما تخرجت كمان عرضوا علي عمل في الجامعة اللي تخرجت منها، فكان بالإمكان يعني تستمر وتجلس. لكن طبعاً رفضت ورجعت للبلد فكانت الرغبة هذه موجودة بين الخمسة إلى العشر سنوات الأولى، بعد ذلك خلاص انتهت أقدر أقولك خفت كثيراً لدرجة الانتهاء لأنك كونت نفسك واستقريت والأولاد كبروا، فصار لك ارتباط يعني بالمجتمع بشكل أو بآخر فبالتالي يعني انتهت هذه المرحلة.

أحمد الزين: يعني مع الوقت الواحد هيك بيحس بنوع من الرضا مع الواقع يتآلف معه يمكن تخف طموحاته؟

تركي الحمد: ليس الرضا ولكن خلينا نقول التوائم، التكيف.. التكيف مع الواقع، لكن ليس بالضرورة الرضا..

أحمد الزين: طيب على مستوى الكتابة ايمتى بتكتب أستاذ تركي؟ فيه عندك وقت محدد للكتابة مثلاً صباحاً مساءً؟

تركي الحمد: بشكل عام لأ ولكن دائماً أفضّل الكتابة بالليل في الساعات الأخيرة من الليل يعني يكون كل شيء هادي، ما شاء الله الأولاد يهدؤوا الحياة العائلية تهدأ، فبالتالي يبقى المجال لي أنا، أبقى أنا منفرداً مع ذاتي وأكتب فغالباً غالباً في الساعات الأخيرة من الليل.

أحمد الزين: طيب على مستوى النقد بتحس أنك نلت حقك أنت أو تناولك النقد كما ينبغي في العالم العربي، حكي عن تجربتك بشكل يرضيك؟

تركي الحمد: بشكل أساسي لأ، وحتى لما تناولوها وهنا أطرح قضية معينة يجب أن تُطرح، دائماً.. دائماً في العالم العربي لما يكون فيه إنتاج سعودي معين يُنظر له يعني نظرة المركز إلى الأطراف، بمعنى يعني من هؤلاء القادمون الجدد؟ فما يقرؤوها قراءة جادة، يعني لو تُقدم على أنها رواية لشخص مثلاً غير سعودي غير خليجي يمكن تُقرأ بشكل أفضل، ولكن لما يُؤخذ أن هذا الرجل سعودي أو خليجي تُقرأ بشكل معين وكأنك تفتش أو تنقب عن أخطاء معينة، ثغرات معينة إلى آخره.. ولكن ليس هذا حال الجميع، في الحقيقة في العالم العربي كتبت كتابات نقدية طيبة عن رواياتي وعن كتبي، فبالتالي لا أشكو من ذلك ولكن أتكلم بشكل عام، أن الانتاج الخليجي بشكل عام لا يُستقبل استقبال مثلاً الإنتاج المغاربي أو الإنتاج مثلاً اللبناني أو المصري أو.. فهنالك شيء معين بالنسبة للسعوديين والخليجيين..

أحمد الزين: مع أنه لازم يكون العكس لازم يكون فيه اهتمام أكبر بهذه التجربة، أنه كيف هذه التجربة عم تطلع من واقع ومن مطرح شوي فيه أسئلة؟

تركي الحمد: صحيح، هذا فعلاً الكثيرين استقبلوه بهذا الشكل، ولكن بصفة عامة دائماً نظرة الشك والريبة بالنسبة لأي إنتاج خليجي هذه موجودة عند المثقفين العرب بشكل عام، لماذا؟ يمكن تراكمات معينة، يعني طبعاً هذا ما أتكلم قبل شوي ما قبل خمسين سنة كنا انتقلنا من مرحلة الإبل مرحلة الجمال إلى مرحلة الشوارع الفسيحة اللي إحنا نشوفها، فبالتالي يمكن كان هذه أنه صار في ستيريو تايب، يعني كما في العالم أنه في سيتريو تاب عن العرب أنهم جمل وبئر بترول وجيمس، يمكن في ستيريو تاب عند العرب أنه الخليجيين هم بهذا الشكل وكذا.. وهذه المشكلة أعتقد أنها المفروض أن تعالج.

أحمد الزين: تأثراتك الأولى بالرواية مثلاً، يعني مين اللي لفتك من الكتاب قرأت كثير؟

تركي الحمد: بالنسبة للكتّاب السعوديين؟

أحمد الزين: سعوديين وعرب وغيرهم، يعني بمن تأثرت لابد للواحد أن يتأثر بأحد يعني؟

تركي الحمد: في بداياتي طبعاً الجميع تأثر بنجيب محفوظ، بس أكثر ما تأثرت طبعاً خلاف نجيب محفوظ عندك الأدب الروسي، الأدب الروسي أنا أعتقد أنه الأفضل رغم أني ما استطيع أن أقول.. لكن بشكل عام يعني الأدب الروسي هو الأفضل بالنسبة لي، يعني تربيت على الروايات الكلاسيكية خلينا نقول، يعني مثلاً نجيب محفوظ عندك الأدب الروسي دوفنسكي تولستوي بنزاك عندك تشارلز ديكنز الأدب الأنجليزي هذا اللي تأثرت فيها بشكل أساسي، هذا اللي تربيت عليها يعني قرائتي الأولية منذ زمن المراهقة كانت هذه القراءات الأولية وتأثرت فيها، وتجد هذا منعكس في رواياتي يعني رواياتي أقرب إلى الكلاسيكية منها إلى الرواية الحديثة.

أحمد الزين: صحيح، طيب لديك في الدمام طبعاً نافذة بحرية عندك بيت وطفولة يعني طبعاً يعني بتروح عليها أحياناً، وفي الرياض واحة بسور وعندك برية بتحب البرية، طبعاً أقمت لأميركا لسنوات طويلة وفي بيروت وفي أماكن مختلفة هنا وهناك، ولكن تبدو دائماً هيك غير راضي وقلق، بتقديرك كيف ممكن تحدث الطمأنينة؟ كيف الواحد ممكن يحصل على الطمأنينة ولو بمقدار وعلى بعض الرضا؟

تركي الحمد: إذا انتهى القلق أنت مثقف انتهى الإبداع، إذا أحس بالطمأنينة والسكينة أنا أتمناها أدعو الله أن يعطيني الطمأنينة والسكنية لا شك للراحة والسعادة، ولكن بعض الأحيان هذا لا يكون باليد. القلق شيء أنت لا تتحكم به، وهذا من طبيعة المثقف أنا باعتقادي لأن المثقف لا يرضى بحالٍ واحدة، لا يرضى بثبات مثلاً معين، يعني قد يحصل شيء مثلاً أنه مثلاً مطالب معينة أحلام معينة تحقق جزء منها ينظر إلى الأعلى وتستمر وهذه حياته، هذا هو قدره الذي كُتب عليه نقول ذلك.. فبالتالي من طبيعة المثقف، والقلق أنا أعتقد هو المحفز لأن ينتج، فبالتالي انظر إلى الجانب الإيجابي للقلق. جانبه السلبي أنك تخسر سعادتك النفسية سعادتك الخاصة سعادتك الذاتية، الجانب الإيجابي هو أنه محفز لأن تبدع لأن تعطي لأن تطرح رأيك في الحياة، لأن ترسم صورة الحياة كما تتصورها. فبالتالي أنا لست قلقاً من القلق.