أدونيس

أدونيس
الشاعر السوري أدونيس خلال المقابلة

فاجئتني حياتي كثيراً.. وها هي تشرف تمضي لأبعد مما توقعت.. سارت أمامي في شكل نهرٍ.. أتنصت أسمع صوتاً يجيء من الماء.. قال السفينة مرت تأخرت خذ موعداً آخر وخذ مقعداً وانتظر.. انتظر ربما بعد وقت قصيرٍ تمر السفينة.. هذه السفينة أو ربما تمر سواها.. أتنصت لا صوت.. ما قيل لي لا أراه ما أرى لا يقال.. وهذه حياتي تجري كنهر وجسمي لا ينتظر.. انحدر أيها النهر.. خذني في مائك المنحدر..

ويأخذنا علي في ماءه يصعد بنا عالياً إلى النبع حيث أبجدية الماء، غيم وبستان وصبي معثر بتراب الحقل يبني بيتاً غامضاً، يرفع سقفه بالألف ويحني الحاء حصاناً يمتطيه نحو معرة النعمان، حيث المعري كتاب وعقل وسؤال ورؤيا، أو يغرّب والساحل السوري نداءٌ غاوٍ للمضي بعيداً في الكتاب أو للسفر إلى حيث يبتعد الوصول، ويطيب الترحال ولو في الخيال إلى الكوفة حيث يترجل المتنبي عائداً من مصر ليستريح من المديح والهجاء في بستان النخيل على قلقٍ وريح علي، ويهب النسيم مشبعاً بغناء وعطر ويصعد في البال حزن غريب، هي الرغبة ربما هي الرغبة الجامحة في تغيير المصير وهدم الجدار، هي الرغبة في التمرد في الجريان كالنهر أو في التجديف بعكس التيار، في الصعود نحو القمة العالية ليوقد النار للرعاة والليل. ويأخذنا علي يأخذنا إلى المطارح الأولى إلى الولادات الأولى إلى بيت عتيق في القرية، هو الحنين إلى طيف أنثوي إلى شيخ جليل يعلمه فك الحرف إلى دمشق إلى بيروت حيث الانبثاق ومخاضات وولادات وجنون وحب وشعر لا يمكن وصفه كما ينبغي أو كما تراه، فهو متعدد يسكن غابة الشعر تلمحه بين الظلال يعشب من الكتب القديمة النوافل، ويعثر على الذهب يلمعه ثم يذهب إلى ماءه ويواصل التدفق. يصعد إلى جبله ويوقد النار ويتأمل في هذا الليل العربي الطويل. أدونيس كلما هب نسيم يذكره وصلاً فيضيء على حافة الليل قصيدة ويرمي عصا الشك في كل يقين.

خلاّق لا يستكين ولا يطمئن إلى يقين، يزاول طرح الأسئلة والتنقيب عن أجوبة لها، فالشاعر الكبير لا يمكن إلا أن يكون مثقفاً كبيراً ومفكراً وسجالياً ومحللاً يتأمل دائماً في حركة التاريخ والزمان.

تراه يشير في أجوبته إلى مواضع الأعطاب، يضيء طريقاً نحوها للعلاج أو للتخفيف من الألم، فهو يعرف تماماً أن الشحوب الذي يصيب هذه الأمة وهذه المجتمعات والضمور الفكري والعجز هو نابع من موروثاتها وتأويلات تطمح إلى ترسيخ المؤسسات الرسمية التي لا دعام لها سوى الغيبيات، وما تنتجه من وسائل للاستبداد والقهر والظلم.

علي أحمد سعيد هذا اسمه في الهوية، وأدونيس اسم اختاره لنفسه خيار آخر وولادة أخرى في المسافات والمدن التي شهدت انبثاقات له وولادات في الرؤى وفي القصيدة.

ولد علي في قصابين قرية في الشمال السوري في شتاء ليل من عام 1930 ومن أبوين فقيرين، كان والده أحمد سعيد شوقاً بالمعرفة واللغة والشعر، وهذا كان الحجر الأساس في عمارة أدونيس لاحقاً.

نشأ بداية وسط هذه البيئة تعلم في كتّابها لحوالي عشر سنوات، ثم تابع دراسته في مدن الساحل في طرطوس واللاذقية، ثم إلى دمشق حيث نال إجازته في الفلسفة سنة 1954، ومنذ بداية الخمسينات بدأ يرسل قصائده إلى مجلة الآداب البيروتية.

وهكذا دارت عجلة أيامه وفق رغبته في تغيير مصيره كما كان يقول، ليحط فيما بعد ترحاله في بيروت على أواسط خمسينات القرن الماضي، حيث بدأ يشعل ناره وحرائقه في مسائلة الموروث فكراً وشعراً ونصاً وأنساقاً، فكان من بين أوائل الدعاة الحداثيين الذين صرفوا أعمارهم من أجل تهديم جدران السجن الكبير للخروج إلى المدينة الإنسان المدينة الحرية المدينة العدالة.

من قصابين إلى باريس حيث ولادته الكونية كما يسميها بعد بيروت التي كانت الولادة الثقافية، 77 عاماً يضيء أدونيس عند كل ليل منها قصيدة وشمعة للأيام الآتية.

حين تجالسه يذهب بك في شعاب المعرفة والتاريخ والشعر، ليس من حرج أن تطرق أي باب شئت، فباب الحب رحب يفضي إلى حكايات وحدائق، وباب الشعر عالٍ خلفه ألف قصيدة، وباب الفكر يفتح دائماً على الحرية، لكأن مسار حياته أبواب تفضي إلى أبواب يفتحها على الضوء، وكلما تعثر أمام جدار ما يفتح في قلبه كوة، وكلما علا جدار السجن كما يقول تصبح الخطيئة مقدسة.

القصابين وشقاء الطفولة في مدن الساحل في القرية، ثم دمشق حيث هب هوى العشق مع خالده رفيقة العمر صديقة وحبيبة وزوجة ومبدعة قرأته بهوى الفكر، ثم بيروت بيروت مجلة شعر مع يوسف الخال سنة 1957 كانت مجلة شعر حجر الزاوية في بناء القصيدة الحديثة، ثم مواقف مجلة أخرى أو منبر آخر لموقفه من الثورة من الحياة من الوجود ومن التراث، حيث يقول في افتتاحية العدد الثالث عام 1969 "الثوري العربي يحاصره عدوان خارجي مستعمر ومتطور، وداخلي متخلف وطاغية". لكأنه في كل مرة صاغ افتتاحية أو مقالاً أو دراسة أو معالجة للموروث أو للمعاصر، كان يضمّن كلامه بياناً من نوع آخر بياناً من أجل الحداثة بمفهومها الشامل وليس المقتصر على الشعر فقط.

بيروت ولادتي الثانية، ولادتي الثقافية والشعرية، بيروت أتاحت لي الانطلاق والاتصال والتواصل مع العالم. خمس دقائق، خمس دقائق فقط غيرت مسار حياتي يوم عبرت الحدود إليها قادماً من دمشق، وكان ذلك إبان العدوان الثلاثي على مصر، لولاها لما كنت ما أنا عليه اليوم على الإطلاق. هكذا قال أدونيس. إلى هذا الحد كانت بيروت مهيأة في خصوبتها لانبثاق القامات المعرفية وفي احتضان من بهم مسّ من شعر وجمال؟ في هذا الحي البيروتي، الحي الجامعي سابقاً، الحي المتواضع، حيث كانت كلية الآداب، عاش أدونيس وعلّم أجيالاً أسماء كثيرة تغير مصيرها في هذا المربع، المربع الثقافي والأكاديمي ما بين كلية التربية وكلية الآداب، أسماء كثيرة أصبحت لامعة لاحقاً، مفكرون وأدباء وسياسيون وشعراء وثوار وحالمون، كلهم عبروا من هنا حيث كانت المنازلات أفكاراً تقارع أفكاراً، وقصائد تعلو وعشق يعلو، وهواء الحرية يهب ويطيّر الأحلام قبل أن تأتي الحروب والطوائف وتطحن كل شيء وتهدم عمارات من الأحلام والرؤى. عندما سألته تسكن جسدياً في أكثر من مكان؟ فأين يسكن الهوى؟ وأين تسكن الروح؟ فقال لي: بيروت أرجو أن لا تفقد هذه المدينة سحرها وعطرها وماءها الحي.

كتب كثيراً شعراً ونقداً وفكراً وكان مسكوناً دائماً بخلخلة الثابت، شاغله دائماً الآتي من الأيام، ليس على المستوى الشخصي، بل على مستوى أمته التي يخشى زوالها بالمعنى الحضاري، يخشى زوالها لافتقادها ما يؤكد حضورها على مستوى الإسهام في صياغة وجودها فعلاً ودوراً وإنجازات، وللنقصان الفادح في العدالة والحرية. كتب كثيراً وترجم إلى معظم اللغات المعاصرة، ونال جوائز عديدة، وكرم في أكثر من عاصمة ومدينة عربية وعالمية. وتراه شكاكاً غير راضٍ تماماً عما قام به، وأظن هذا من خصال المبدعين الكبار.

أدونيس هذا الرحالة في الأمكنة والأزمنة، هذا الطفل المتخفي بهيئة رجل سبعيني، لا يشبع شغباً ولا حباً ولا شعراً ولا نثراً ولا يتعب من سفر، فكلما طوى مسافة في عمره، طوى كتاباً، وكلما حط في مدينة يولد ليبدأ من جديد مساءلة ما يراه وما يقرؤه. هذا الشريد المنفي في اللغة تركته يزاول توسيع الكوة في الجدار وحياكة قصيدة على عباءة الليل.