برهان غليون

حكماً كلما حطت بك الرحال في واحدة من هذه المدن ستقع في فخ المقارنة، وتصاب بالحسرة إن فطنت إلى مصدرك والبلاد التي تركتها خلفك حيث مطاحن الحروب وحطام التاريخ، وركام من أجوبة جاهزة وتكرار قاتل في مجانيته واجترار للرداءات من الموروث، وأشكال مختلفة من الاستبداد، عالم مفتقد لشرطه الإنساني مصاب بعقم فكري، ومن به توق لفتح نوافذ للعقل قد يجد نفسه خارج مكانه الأول أو قد يجد نفسه في وطنين وغربتين، وكما العادة في هذه الفضاءات والمدن قد يلتقي المرء برجل من هذا الطراز، اختار المتن بدل الهوامش الضيقة المتاحة في وطنه، اختار الفضاء الرحب حيث أن الحرس هنا لا يتدخل في أسئلة العقل ولا بحرية التفكير، ولا يملي شروطاً أو ينصب شركاً، برهان غليون واحد من المفكرين العرب يقيم في هذه المدينة باريس، جاءها طالباً في السبعينات وعاد إليها باحثاً وأستاذاً في السوربون.بداية ماذا يفعل الدكتور برهان غليون اليوم، يعني فينا نقول إنه الهموم الراهنة سرقتك من الفعل الحقيقي اللي هو البحث والاشتغال بقضايا الفكر والفلسفة؟

هكذا يرى برهان غليون إلى أن عدم قيام الدولة الحديثة في عالمنا يعود إلى إساءة استخدام الحداثة التي بقيت شكلية وسطحية ولم تنفذ إلى المضمون الإنساني، ولا يرى في الموروث عائقاً بل شعاراً ليس أكثر ترفعه بعض التيارات لأغراض سياسية، فلا أحد عملياً كما يقول يعيش في الماضي أو في التراث، هذه وجهة نظره التي يعتبرها إضافة على قراءات سابقة وجدت في الموروث الثقافي سبباً في عدم تطور المجتمعات وجداراً منيعاً في وجه التغيير، أعتقد أن البعض قد يوافق الدكتور غليون على الشق الأول المتعلق بإساءة استخدام الحداثة، لكنه قد يعارضه على تبرئته للموروث في بعض وجوهه السكونية من جعل هذه المجتمعات تراوح في دائرة مغلقة، ولكن دائماً كما يقال تراكم وجهات النظر بحد ذاته ضرباً من ضروب الإبداع والحرية ويؤدي في النهاية إلى نتائج مجدية.

هنا في باريس راكم الدكتور برهان غليون تجربته أستاذاًَ وكاتباً وباحثاً وناشطاً في أكثر من حقل سياسي واجتماعي، كتب عشرات الكتب والمؤلفات التي تُرجمت إلى أكثر من لغة وكلها تدور في فلك الأسئلة التي تشغل مجتمعاتنا العربية، هنا في هذا الحي الباريسي يقيم وتشغله هموم دمشق، ويشغله أيضاً ربيعان، ربيع البلاد وربيع ابنته التي توازن بين عقل الأب وعقل المفكر، وتضفي على شيبه بعض الفرح وبعض الأمل، أما لربيع دمشق حصة وافرة في وجدانه، بل هو واحد من شاتلي حدائقه إذا صح التعبير أي من قادة المعارضة، فأين هو في نهايات خريفه من ربيع لم يأتِ بعد.

ربيع آخر في باريس قضاه برهان غليون حالماً بربيع دمشق، وهو القادم من مدينة حمص مواليد سنة 1945، نشأ في بيئة متواضعة كان والده يهتم بتربية الخيول، تفتح على عالم كان يغلي بالأفكار أواسط الستينات، درس في جامعة دمشق ثم غادر إلى باريس إلى السوربون متأثراً بالفلسفة الوجودية وبسارتر، إذ كان يجد في المركسية وفي الفلسفة بشكل عام ملاذاً للتعبير عن تمرده، اختار باريس كما يقول عن وعي لكونها معبرة عن الحرية، وقد جذبته ثورة الطلاب سنة 1968 ولكون الفلسفة الفرنسية أيضاً مرتبطة أكثر بالمجتمع وبشكل أعمق، لم يكن يخطط للبقاء في فرنسا بل العودة إلى دمشق، ولكن غالباً قد لا تتسع المطارح الأولى لأبنائها، ثلاثون سنة بدأها ببيان من أجل الديمقراطية وما زال يتلوا أشكال بياناته في قراءات لمجتمعه عبر عشرات الكتب والمقالات والأبحاث.