عباس بيضون

أحمد الزين: إذا لم تصوب الحوار يصوبه عباس بيضون، وإذا جف المعنى تيبس يمطره بالتهكم فيولد الضحك، وينمو كشجر على شرفة يرخي أغصانه على شارعٍ وصبية وعابرين، وينمو الكلام يتدحرج الكلام كرات معدنية ترن على سفرة الدرج ثم على الرصيف أو تغور في رمل شاطئ صور تلمع مع ذهب المساء. وإن انتبه لفرادة ما واختزل يجعله قصيدة، أما إذا علا منسوب الاحتجاج على سخف وبزار وضحالة في سجالات مهما كان نوعها فكراً أوثقافة أو سياسة يكتب مقالاً طويلاً يفرشه من صور حتى مكتبه في الجريدة أو يريقه في المقهى على الطاولة ويضحك يضحك لشدة ما يرى من هشاشة.

أما حين نقرأ عباس لكأننا نسمع صوته ونرى تشكيلاته على المعنى في إيماءاته، وتدرك إن لم تعرفه فيزيائياً أنك في حضرة كاتب غير سهل، حفار نحات تشكيلي قاص بسيط ومركب مسالم ومشاغب وعميق مرح كثيراً وحزين، فإذا اجتمعت هذه الصفات وسواها تتكون معادلة شعرية فريدة تقول: من أنا حتى أقف بين المنشدين صانعي النعال الذين جاؤوا على خيول هزيلة من الوعر، حطابين الذين خنقوا بالكلس النيران الصغيرة، صبيان الفرانين الذين أشعلوا في الأحياء المستديرة أكياس القش والخيش وحشرات الجدران، الفلاحين الذين حملوا نساءهم وأطفالهم على أكتاف الحمير المسنة وعبروا بها تحت بدر الحقول ودياناً كالخدوش الجافة.

عباس بيضون يواصل سؤاله صاخباً حيناً وحيناً ساكناً خافتاً كنسيم صيف ليلٍ قروي مفتوناً بالأشياء والعناصر التي حوله، مزهواً كشجر ربيعي، متأملاً كخريف منكسراً ومكابراً يوزع ساخراً على الكلام نثراً وشعراً وروايةً، يجمع ويختزل، والسؤال الذي يخطر بالبال حين يلتقي المرء بعباس بيضون هو: ماذا يعني له أن يكون شاعراً ومثقفاً وسجالياً في وطن انحسرت فيه هذه الأدوار والمعاني والأفعال، وعمت فوضى الابتذال والإسفاف والضحالة والإرهاب الفكري والجسدي.

عباس بيضون: من فترة طويلة كنت فكر أن المثقف والشاعر مش مطلوب منه كثير أن يكون له دور، يعني بيكفي أن يكون شاعر بيكفي أن يكون مثقف، بس البلد بس يفوت بورطة ويصير فيه صراع حدّي هالقد يعني ما فيه واحد يقعد على جنب، ساعتها المثقف بيلعب دور بأن يقول كلمته، لأنه يعني بأحوال الفوضى بأحوال الصراع الكبيرة فيه نسبة هائلة من الكذب لأنه كل النقاش السياسي بيصير نقاش حربي، وبصير نقاش نكاية، بيصيروا الناس عملياً يعني يخترعوا يرتجلوا أكاذيب ليل نهار، بتصور المثقف دوره الأساسي أنه يقول كلمته وأنه شوي يبين أديه فيه كذب، وشوي يقول هو كيف بيشوف الحياة.

أحمد الزين: وبتقديرك يعني هذه الكلمة اللي يقولها المثقف تفيد بمقدار ما يعني في تصويب الأمور؟

عباس بيضون: ما عندي ثقة أنه باللحظة بتنحكى فيها الكلمة بتعمل شي، بس رأيي أن الأفكار مش بلا معنى، الأفكار تخصب الأفكار تنتج، تنتج هلأ تنتج بعدين بس أنه أخيراً يعني حياتنا بحاجة لأفكار ما فينا نبني حياة بلا أفكار، بتصور بوقت من الأوقات الأفكار رح تعني شي، رح تعني شي إذا عرفنا نقولها وإذا عرفنا ندافع عنها.

أحمد الزين: طيب أستاذ عباس بتقديرك رجال الدين ما بتشعر أنه يعني سلبوا المثقفين أدوارهم؟

عباس بيضون: برأيي رجال الدين يعني سلبوا المثقفين دورهم إذا جاز التعبير لأنهم مثقفين عضويين، لأنهم هم يعني مثقفين للمجتمع نفسه ولسبب كثير كبير، لأنه بعدنا لهلأ منفكر أنه الأفكار الجديدة لها محل بحياتنا ولا لأ، والأرجح أن الأفكار الجديدة والأفكار المستقلة والأفكار اللي ما بحاجة لدعم من عائلة من عشيرة من قبيلة من دين هذه الأفكار ما زالت هامشية مع مرور على الأقل 200 سنة على وصولها لبلادنا، وهذا مأزق مش عارفين نطلع منه.

أحمد الزين: طيب ربما قلت إن الكلام أو الأفكار اللي يقولها الواحد أحياناً هيك في أن يسجل موقف ويحكي رأيه بما يحدث أنه قد تفيد مش بالضرورة باللحظة يعني التراكم منها يمكن أصوات تتضافر من هنا وهناك يمكن تشكل شيء، والشعر ممكن يعني يفيد هذه الحياة أحياناً؟

عباس بيضون: يعني هيدا سؤال محير، برأيي أو بيتصور الواحد أنه الشعر صعب يلعب الدور كمان راهن دور حالي، بس بتصور أنه فيه أشعار من 200 سنة و300 سنة بعدها بتنحكى وبعدها تنقال، وما بتنقال لأنها بلا فائدة، هلأ ما بعرف شو هي فائدتها يمكن فائدتها الأساسية أنه تخلينا نشعر أنه فيه حدا عرف من زمان وضعنا، فيه حدا حكى عن حالنا عنا من زمان، وبالتالي أنه وقت اللي عم نشعر فيه اللي عم نعيشه هو مشروع وموجود هو منقال وبالتالي يمكن هذا لوحده بخلينا نحس أنه هالشي مش نهائي.

أحمد الزين: هذا الساحل تكون من طحن كلمات وطحن قصائد كما تكوّن غالباً صوت رملي وأصداف، لكن العبارة التي اخترقت رأسي هي بالتأكيد سفينة ضائعة، ضائعة على خط العرض الذي هو تقريباً منتصف عمري، إنها عالقة في خطوط يدي ووسط نبضاتي التي تسقط حولها أمواجاً والغيم المقبل الأسود من جبيني، إذا أعدت 18 أيار 1945 وجدت بالتأكيد سفينة جانحة، إذا أزلت الرمل عنها لن أفهم بالتأكيد تلك الكتابة المشكلة من خطوط يدي واسمي ورسائلي المفقودة وذلك التاريخ الغامض.

ربما فعل حسناً الناشر إن جمع أعمال عباس بيضون في مجلدين صدرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لأنها حمته قليلاً من التشتت والفقدان، ثم صار باستطاعته تبيان رسائله المفقودة أو التأمل قليلاً في عمره وفي أيامه، ترى هل يُختزل عمر الكاتب في كتاب أو مجلد؟ وماذا عن تلك السفينة الجانحة؟ طيب منذ أيام طبعاً نحن هلأ على أواسط تشرين أول العام 2007 منذ أيام صدرت أعمالك الكاملة في مجلدين حوالي 1000 صفحة، يعني إصدار هذه المجموعة يمكن مناسبة إنه الإنسان يلتفت قليلاً إلى الوراء ويفكر باللي عمله شو بيعني لك هذا الإنجاز على مستوى الزمن والعمر؟

عباس بيضون: يمكن كثير منيح أنك عم تفوت على الموضوع من المحل اللي أنا حاسس فيه الزمن، حاسس أن هذا الكتاب الكبير هو حياتي أنه يعني مكعب حياتي هي مكعب ورق، هذا مكعب الورق هو أنا، يعني أو على الأقل بعد وقت رح صير أنا، يعني يمكن أنا وياه قاعدين بعد وقت ما رح يصير لحاله، بتصور هلأ ما بيعني شي هالكلام أنا ما بشعر إطلاقاً أن هذا المكعب اللي شافه هو يدل على تكريس على أهمية ما، الحقيقة إحساسي هو التالي دائماً كتبي مطووشة، وغالباً بعد يعني كل الكتب اللي طلعتها دائماً فيه كتابين ما بشوفهن، أنا بحسّ أن هذا الكتاب صندوق حطيت فيه كل كتاباتي وهلأ فوراً بمد يدي بلاقي كل شيء كتبته.

أحمد الزين: نعم، على كل حال أنه ربما هذا مفيد في شيء إذا مديت يدك على نص على شيء كاتبه فيك تلاقيه دغري، لأنه أنت بطبيعتك فوضوي، يعني اللي بيقرأ شعرك وما بيعرفك بيفتكرك أنت كثير أنيق بسلوكك يعني وكثير صحيح، وكثير لا تخطئ يعني عرفت كيف ولا تنسى..

عباس بيضون: لأ هو القصة القصتين سوا، حسن داوود اللي هو صديق عزيز مرة أهداني كتاب وقال أنت.. كتب إلى عباس بيضون اللي هو "نقطة نظام في بحر الفوضى" ما بتقدر تتخيل الواحد هالقد ضايع بيقدر يكتب هالقد، وبيكتب معهم ثلاث روايات وبيكتب معهم مقالين في الأسبوع، فيك تتخيل أنه في حياتين موجودين فايتين ببعض، المسألة كلها أنه كيف بتقدر تلاقي نقطة النظام الدقيقة وأحياناً العسكرية في قلب بحر الفوضى، ما تنسى أنه أنا من ثلاثين سنة بشتغل مش ولا مرة مأخر عن شغلي، يعني ولا مرة مؤخر عن مقالي..

أحمد الزين: ما بتنسى أحياناً تروح عالشغل؟

عباس بيضون: كله ممكن ممكن إني روح على الشغل انسى، ممكن إني أوصل كثير متأخر على كل حال نظام حياتي حتى بالشغل غريب، يمكن ظله لفترة يخمنوا أني ما بشتغل لأنه بالأوقات اللي الناس بتشتغل فيها بكون مش موجود، بالأوقات اللي الناس بتكون مش موجودة فيها بروح بشتغل.

أحمد الزين: طيب هالخصلة إذا بدنا نسميها خصلة من وين اكتسبتها هيدي؟

عباس بيضون: ما اكتسبتها إطلاقاً من حدا وراثة، بيّ كان شخص كثير منظم وكل شي عملته أنه بعد وفاته أني خربت كل شيء نظمه، كان شخص منظم جداً كان بيّ وقت اللي توفى كنت عم شوف الصندوق اللي تركه كل حساباته كل تواريخه كل حياته منظمة على المسطرة، لا لا أنا ما بعرف، أنا بتصور أن النسيان الهائل بتاعي الأرجح أنه يعني مسألة كثير عضوية، يعني أحياناً بفترض أنه هي نوع من الشيزوفينيا تأخرت عن الظهور وأمكن لجمها يعني.

أحمد الزين: يا صور حين نزلنا إليكِ انتزعت من حناجرنا الوتر الفلاحي.. وها نحن بالكلمات التي تعلمناها منك لا نستطيع أن نصفك، في هذه المدينة تعلم عباس بيضون، ومن جملة ما تعلم تعلم الخروج من عباءات مختلفة، من عباءة الوالد أو العائلة من عباءة النص ومن عباءة النسب إلى الحيرة باحثاً عن طريقٍ غامضٍ ربما توصله إلى صوابٍ ما أو وضوح أو إلى معنى، كانت المدرسة عبئاً والتعلم شيئاً مضجراً، وكان البحر للهروب ولمغالبة الضجر غامضٌ، ولعل غموضه وامتداده أشار لحل ما هو غموض غاوٍ وفتّان يحرض على رحلة أو حلم.

ومن خروجٍ إلى آخر وصل عباس بيضون سنة 1966 إلى باريس، باريس محطة كان لا بد منها بالنسبة لمن به شغف الاكتشاف أو بذرة بحاجة للتخصيب في وقت كانت الأفكار تتقارع وتتخصب، اللغة حاجة وضرورة لمن يبحث عن خزين معرفي وإبداعي، وعن مرآة تعكس بعض ما في نفسه، وعن ملامح لكلام يشبه الغامض في باله.

عباس بيضون: أنا جيت على صور وعمري 9 سنين، وبعدني بحكي قصص كيف بيوم واحد من رعبي أنه يلقطوا أصلي الفلاحي تغيرت لهجتي بيوم واحد، ما حدا حس أني أنا جاية على ضيعة، بعدين بلشت أشترك مع رفقاتي بالصف بمضايقة كل واحد ريفي بيجي، فهيدا على كل حال في هديك الفترة كان شيء صوري، صوري لأنه بلد ريفية عملياً ودائماً الناس مرعوبين أنه ينكشف كلهم أصلهم الريفي..

أحمد الزين: بس لهجة أهل صور ما بتشبه لهجتك؟

عباس بيضون: لا.. لا.. أنا عندي لهجة ثانية تماماً، هيدي لهجة المثقفين لهجة بلمها من كل مكان ومنفكر أنه عم نعمل اللهجة المثالية، وبعدين منكتشف بس نسمع صوتنا لأول مرة.. وهذا حصل معي أول مرة سمعت صوتي بمسجل.. اكتشفت أديه صوتي لهجتي مفبركة أديش مفتعلة أديه لا تحتمل، بس كان فات الأوان وما عاد ممكن تغيير شيء.

أحمد الزين: حلو كتير، طيب عباس والدك كان معلمك الأول وأنت كنت معجب كثير بشخصيته حتى توصفها بالشخصية الأسطورية، يعني بظنك هل هو أو أنت هل كنت محظوظاً أنه عندك والد وشاعر وحر؟

عباس بيضون: تماماً الشيء المهم جداً ببيّ وبتذكره دائماً بحنين هو أمرين، هو أنه الشخص كان نادر أخلاقياً، أخلاقياً نادر من القلال اللي بيعرفوا الشعراء بين الصواب والغلط، من النادر هذا الشخص كان يغلط عملياً، وكان قادر أنه يتحمّل كثير وما يغلط، هيدا شخص ربي عملياً منشق خارج أي تكتل خارج أي تجمع، ما انتمى لحدا، كان شخص بيفكر لحاله وكان بغير أفكاره باستمرار..

أحمد الزين: يمكن هيدا الشيء اللي اكتسبته منه أنت؟

عباس بيضون: ما بعرف شو اكتسبت من بيّ أنا بقول اكتسبت الخجل بس.. اكتسبت الخجل لأنه بيّ مثلاً ما اكتشفت شكله بيّ عيونه زرق عملياً وشعره كستنائي، ومات 1958 بعد حادث بشهر كامل، بقصيدة من القصائد قال فيها أنه أنا ولدت من ذقن أبي المربع كان فيه إصرار على أن طلعت منه، يمكن ما بعرف ما بدي أعمل هي تحليل، بيّ بالنسبة إلي كان شخص أسطوري لأنه ظليت باستمرار ما عرفت لاقي علاقة معه، يعني ما تنسى أنه ما بصير الواحد أسطوري إلا إذا كان كثير بعيد، إذا كان مفقود اللغة بينك وبينه بيّ يعني شخص تربى تربية كلاسيكية، كان بيعرف كل الكتب القديمة قاري الطبري وابن الأثير و.. والكامل للمبرد وكانت جملهن كلهن براسه، ما كان شيء بقوله ما إله جملة موجودة بالكتب، يعني ما إله جملة شخصية يعني عشان هيك بيّ بيضحك دائماً.. بيّ كان مرض مرة مرض عصبي اسأله بيّ شو باك يقول لي: قلق الوضيم، فأنا لهلأ ما بفهم شو معنى..

أحمد الزين: قلق؟

عباس بيضون: قلق الوضيم لا أنت بتعرف ولا أنا بعرف وحتى بدي فتشه بالقاموس ما عملت هالشي..

أحمد الزين: بلكي هي قلق وضيم..

عباس بيضون: لا.. القلق الوضيم أنا متأكد منها، قلق الوضيم هي الوضيم نفسه قلق، بس شو الوضيم؟ الله أعلم.

أحمد الزين: فتش عليها بالقاموس. طيب عباس أنت مثل ما بتذكر هيك بلقاءاتك أنت ابن 13 سنة تقريباً أصبحت بعثياً.

عباس بيضون: بعثي صار هالشي كنت بمدرسة كلها بعثية، والمدرسة من المدير للحضانة كانوا بعثيين.. وحضانة كانوا بعثيين كانت مدرسة بعثية، وكانت تفوت على الاجتماعات صف صف، أنه اليوم الاجتماع الأول الثاني الاجتماع الثالث عملياً لقيت حالي بعثي بدون علمي، بحياتي السياسية حتى في 13 بلشت بالحزب الشيوعي اللي فتنا عليه كان بوقت ما فيه الحزب الشيوعي عنده شي يعمله إطلاقاً، بفوت على الاجتماع بسرية مفرطة ونقعد، بس نقعد نكتفي بالقعدة ما عنا شي نعمله، أنا رأيي أنه اللي بيبعث اللي بيدعي واحد مثلي لا نضال سياسي.. هو ولا مرة إذا بدك إيمان بالسياسة يعني نحنا كنا ناس منشقين بالأساس.. منشقين عن عشائرنا عن عيلتنا عن بلدنا عن طايفتنا عن جماعتنا بالتالي نحن يعني منشقين ومتروكين لحالنا بحاجة لاسم أكبر..

أحمد الزين: بدك لحماية يعني..

عباس بيضون: بدي اسم لإلنا ما عنا اسم، أنا يعني اسمي عباس بيضون بس بهاي الفترة كلمة بيضون ما بتعني لي شي، ما بيعني لي شي أنه وين خلقان بصور، ما بيعني لي شي أنه بيّ من بنت جبيل كلهم ما بيعني لي شي أنه أنا خلقان شيعي، كلهم تم الانسحاب منهم هيك بخفة هائلة يعني 15 سنة كان الواحد بلا اسم بلا شي..

أحمد الزين: استقريت فترة هيك من الزمن بين الدخول والخروج لهذه الأحزاب بمنظمة العمل يمكن ما أنت كنت تقريباً.. كنت قيادي..

عباس بيضون: كنت قيادي بدون ما تشد يدك، كنت قيادة بالصدفة، كنت قيادة ما بعرف كيف صرت قيادي لأنه الاجتماع اللي رحت فيه وصرت فيه قيادي كنت مقرر ما أعمل شي ما صير شي، وأظن أنه يعني ظليت فترة من الوقت منيّ عارف شو صرت.. هلأ غطسنا بعمل هائل لأنه بس فتنا على التنظيم وعملنا المؤتمر الأول بدا أول انشقاق لأن التنظيم كل ست شهور كان يعمل انشقاق، الانشقاقات كانت مسلية كانت تمتص كل وقتنا وكل شغلنا كنا نفكر عم نشتغل كثير، لأنه بالعمل الحزبي فيه خرافة كل ما عملت اجتماع بيتقدم التاريخ..

أحمد الزين: طيب أنت بهذه السياق ذاته بالفترة تقريباً ذاتها انسجنت لأكثر من مرة، وبتقول أنه السياسة هي وهم العمل، يعني بتقديرك أنت سجنت نتيجة وهم لعمل سياسي يعني دفعت ثمن نتيجة هذا الوهم؟

عباس بيضون: أنا برأيي لما بحكي عن وهم العمل، أنا برأيي أنه أنا ورفاقي اللي هم هلأ كلهم كتّاب، بالحقيقة ولا واحد فينا كان مصدق أنه هيدا البلد بصير اشتراكي، كنا بنعرف كلنا أنه هذا البلد يستحيل أن يصير اشتراكي، مش لأنه طائفي مش لأنه مقسوم لأنه بهديك الفترة كان معلم الابتدائي عنده بيت وسيارة ويعيش أحسن من الفرنسيين وبيقدر يسافر، هيدا ما خلانا نمتنع عن النضال خلانا نتحمس أكثر لأنه صار النضال فن، صار النضال يعني نوع من العمل الجمالي، بتعمل شي مستحيل بتلعب أنت والمستحيل هيدا تقريباً مبدأ الشاعر، عشان هيك كان العمل السياسي عمل فني، وقت صار سياسي سياسي وقتها صرت مضطر تقول مين نصوت ومين ننتخب وشو منعمل بالضيعة الفلانية شوي شوي بلشنا نهرهر، لأنه اكتشفنا أنه بالمطرح الفعلي العمل ما منعرف شي أو على الأقل ما متفقين على شي.

أحمد الزين: لكن منرجع لسنة 1966 أنت ذهبت إلى باريس، بتقديرك أنت اكتشفت عباس بيضون من خلال الآخر في باريس آنذاك، اكتشفت ما لم تكتشفه في نفسك هون؟

عباس بيضون: ما فيني قول هالشيء تماماً، ما بقدر احكي شو عنت لي اللغة الفرنسية كان بدي أتعلم فرنساوي، كانت اللغة الفرنسية أو اللغة أجنبية كثير ضرورية لتكوين مثقف لتكوين كاتب وأنا يعني عملت هالشيء، ما فيه عندنا تراث بالشعر الحديث خاصة وقت فتحت عيوني، أنا ما تنسى بيني وبين الجيل السابق شي عشر سنين أنا من الجيل الثاني، الجيل الأول ما كان مجمع شي وقت اللي بلشنا، الأدب الغربي كان هو الأدب الفعلي اللي موجود والمعاصر، وبدون يعني معرفته بدون الاحتكاك فيه ما منعمل شي، يعني هيدا باختصار هيك، هلأ بتقدر تسألني شو علاقتي بالأدب العربي؟ الحقيقة الأدب العربي جلدي، قلت لك أن بيّ كان يحكي مثل الكتب هذه أنا طول الوقت أنا ربيت وهالجمل عم يكونوا جلدي، ويمكن كنت أنزعج منهم لأنه بنزعج من جلدي أنه كان يروعني خلينا نستخدم هالشيء، بعدين أنا بعتبر أنه اللغة العربية اللي أنا بكتب فيها هي الماء بتاعتي وهيدي لغة موجود فيها كل شيء قيل بالعربي بوعي أو بدون وعي من القرآن لطه حسين، هدول كلهن موجودين، يعني إذا بدك وأنا برأيي بالتأكيد الأثر العربي غير الواعي أقوى بكثير.

كنت جزيرة وحصناً وخاناً للمسافرين.. لا يتسع نهارك للبناء ولا يكفي ليلك للأحلام.. لم تكن نجومك كبيرة ولا قمرك لامعاً.. لذا كان بحارتك يسقطون على السلالم وجنودك يجفون في الأبراج.

أحمد الزين: قصيدة صور يعني وقت حدا بيحكي عن عباس بيضون دغري هذه القصيدة تحضر، مطبوع فيها أكثر من سواها الآن هي الملحمة الأولى هيك مثل الفاتحة للأشياء، من خلال هذه القصيدة اكتشفت أنه المرء يستطيع أن يعثر على لغته الشعرية خارج إطار الموروث أو المتداول في حينه، يعني ما بتشبه الشعر شعر الآخرين، كيف عثرت على القصيدة التي لا تشبه الآخرين؟

عباس بيضون: رأيي أن الشعراء الرواد بهديك الفترة خاصة بالإنتاج بتاعهن، كان همهن الأكبر يبينوا مختلفين عن اللغة مختلفين داخل اللغة ومختلفين بالتصور، وأنه هذه الرغبة الهائلة بالاختلاف وأنه يفرجوا علاقتهن إذا بدك الملتبسة وسوء التفاهم بينهن وبين لغتهم، وبينهن وبين موروثهن خلى جزء من شعرهن نقد للشعر، خلى جزء من شعرهن استعراض، وخلى جزء من شعرهن إذا بدك هيك اختلاف بس اختلاف فيه كثير من التأمل فيه كثير من ادعاء الاختلاف..

أحمد الزين: هذا ينسحب على الجميع.

عباس بيضون: أنا رأيي انه وقت اللي كنت عم فكر بالشعر بصور، بصور مثلاً في باريس يعني فيه أصداء واضحة لشعراء آخرين، بس بإحساسي الشخصي أنه أنا كنت عم بكتب بدون كثير نية اختلاف، كان بالنسبة إلي فيه الشعر مثل ما شفت الشعر، بهذه القصائد كان بالنسبة إلي أنا فيه عندي مثال شعري، كان بالنسبة إلي إذا هالشيء بذكر ببيرس بذكر بفيتمان بذكر إذا بدك بالشي اللي أنا اعتبرته بهديك الفترة شعر، ما كان قادر أني أعتبر بنفس الطريقة..

أحمد الزين: اعتبرته شعر بمعيار شو؟

عباس بيضون: ما فيه معيار للشعر، يعني الحقيقة المؤسف بالأدب كله أنه ما فيه مثال مثاله التطبيق، يعني مش المبدأ اللي بيطلع الشعر، اللي بيطلع الشعر التطبيق، كل عمل شعري هو تطبيقي على مثال غامض على مثال مش واضح، هيدغر بيقول بشكل رائع إن التفكير ما بلش نحن ماثلين للتفكير، أنا أقول بنفس الطريقة الشعر ما بلش نحن ماثلين للشعر.

أحمد الزين: جميل وممتع أن تتسكع قليلاً مع هذا الرجل، أن تحاوره أو أن تقرأه نثراً وشعراً ومقالةً يسميها لضرورات أخلاقية، قد تجد في بعض شعره غرابةً أو خروجاً عن المألوف في تناوله للعادي أو للمهمل من العناصر والأشياء والأدوات، وهكذا مفتون بالأشياء المنفرة أو البسيطة أو تلك التي لا نرى فيها مادةً جمالية يجمعها بروح الفنان التشكيلي في قصيدة، والقصيدة عنده جزء من حياته هي لحظة تركيز استثنائية في بحر من الفوضى كما يقول أو كما يصفه حسن داوود.

لكن فوضى عباس يشبه فوضى ونظام البحر الذي أنشده والذي كان جاره ومداه وسره وغموضه ولهوه وهروبه وسهوه وتأملاته، وقد جعله انشادية عالية وخزيناً للقصيدة، لكأن عباس بيضون في خلاصة القول كان دائماً يبحث عن شيء أو خلاص أو مطرح أو بيتٍ إن كان في السياسة أو الكتابة ولكن على ما يبدو لا شيء أكيد ونهائي بالنسبة له، الوصول هو وهم أو ظن إذ سرعان ما يدرك أن القصيدة تولد عاجزة أو تكاد، ربما هذا الشك والحيرة وعدم اليقين خصال من صفات المبدع الحقيقي.

طيب قبل صور أنت تقول أنه خلال حرب 73 تشرين اكتشفت نفسك أنك شخص انفعالي وعاطفي، وكتبت حينها نص يا علي نحن أهل الجنوب اللي غناها مارسيل خليفة طبعاً، هل تفترض أن هذه القصيدة الآن ليست شعراً؟

عباس بيضون: مش هيك مش أنا اللي فيني حاكم لا شعر الآخرين ولا شعري، كان رأي أن القصيدة استنفدت، بس القصيدة بعد ما قرأت مرتين غناها مرسيل لأنه غناها مرسيل فعملياً أنا ما عندي احساس بعد أنه بدي انشرها، بس أنه ما عندي مشكل أني أنشرها، لا فيه ناس بيفكروا أنه فيه ندم عليها لأنها قصيدة سياسية، أنا بعدني بكتب قصيدة سياسية ولا مرة اعتبرت أنه فيه حيط بين السياسة والشعر، الناس اللي اعتبروه أن في حيط بين السياسة والشعر كانوا عم يعبروا حقيقةً عن سذاجتهم، كانوا يعبروا حقيقةً عن نخبوية كاذبة، عن شعور بأنهم رسل تاريخيين ورسل يعني كونيين بالآخر وأن وظيفتهم أن هن يعطوا روح للشعب، السياسة موجودة بجلدنا مثل الحب، ونعانيها مثل الحب، والسياسة حتى مش موجودة بالسياسة فقط موجودة فعلاً بكل شيء، وبالتالي السياسية شي ممكن يكون تماماً انتولوجي ممكن يكون حتى ميتافيزيقي.

الشق الصغير في جدار فيرمير قد يكون هو الذي يؤلمني الآن، إذ نهمل أنفسنا كثيراً لهذه الشقوق.

>

أحمد الزين: طيب عباس من هم الشعراء الذين يحرضونك على.. أولاً اللي بتقرأهم يحرضوك تكتب قصيدة؟

عباس بيضون: أولاً فيّ اعتراف وشي قلته مئة مرة، أنه قبل ما اكتب شعر اقرأ شعر، والشعراء بالتالي اللي كانوا يحرضوني، يحرضوني فعلاً على الكتابة وأقرأهم لحط حالي بالشعر، حط حالي بالشعر بخلاف كثير شعراء برأيهم ليضلوا مبدعين وخلاقين لازم يبطلوا يقرؤوا، أنا بالنسبة لي بعتبر أنه جزء من تحريضي على الشعر من شحذ الشعر عندي هو قراءة الشعر، وأنه وقت اقرأ شعر بحبه ببلش اتصالح أنا والشعر، وببلش عم عيط على الشعر ناتج شعر يجي وبجي شعر هيك مثل ما بعض العصافير منزقق لهم بينخدعوا بيجوا، فأنت وعم تقرأ شعر جيد كأنك عم تخدع الشعر عم تقزق له بجي، يعني عم تناديه ليجي، إنما يعني بكل فترة كان فيه شعراء بالنسبة لي مهمين والحقيقة أنه هذا مؤسف أني نستنفدهم، منستنفدهم مش لأنهم صاروا عاطلين، لأنه مستنفد كل شي، بس فيني قول أنه في شعراء مفصليين في حياتهم ..

أحمد الزين: مثل؟

عباس بيضون: أنا بقيت أربع سنين بعد ما صارت الحرب لا أكتب بعد صور وقفت عنه الكتابة، اعتبرت أن الحرب خلقت ظرف يستحيل فيّ أني أرجع أكتب صور، صور قصيدة إنشاد قصيدة فيها مدى زمني ومدى مكاني ومدى تاريخي، والحرب خلتنا برات الشي خلتنا بالمطبخ خلتنا بغرفنا الصغيرة قسمت حياتنا وفتتها، فتت زماننا عملياً وفتت كل مدانا، وبالتالي بطّل فيّ أكتب قصيدة مثل صور، وقفت عن الكتابة كان عندي مشكلة دائماً كيف أكتب عالم ممزق مبعثر مجزء مفتت، عالم لحظات عالم كسر عالم فتات..

أحمد الزين: بس كتبت هذه الأشياء لاحقاً أنت؟

عباس بيضون: تماماً لأني قرأت رتسورز، ذات يوم كنت بباريس، وبعرف كنت رتسورز بس صرت ناسيه، جبت كلام وبلشت.. فجأة شفت الشعر شفت اللي بدي ياه لقيت حل.. مش بس لقيت شعر جميل لقيت حل، لقيت واحد عمل بيني وبين الشعر جسر وقعدني للشعر، الحقيقة قصائدي الأولى فيها كثير من رتسورز..

أحمد الزين: تقول أن ليس هناك في العالم شعر مجرد هو دائماً محاولة تجسيد، تجسيد لشو؟

عباس بيضون: تجسيد يعني مثل ما بتعرف يعني هو جعل الشي بملموس أو بجسم، فعندي إحساس أنا أنه الشعر وهو شي بخلاف اللي بيفكروا بعض الناس الشعر هو أبسط لغة، وقت منكتب شعر منكتب اللغة اللي بتوحي أنه ما تفكر فيها، اللغة اللي طلعت فوراً من فمنا، أول ما طلعت من فمنا أول ما طلعت من عصبنا، مش معناها هي فعلاً هيك، بس لنلاقي الكلمة اللي بتبين فورية هيدا مثل ما مفتش كثير بيكاسو مفتش كتير ليلاقي الصورة اللي بتبين طفولية، لأنه الشعر هو أول كلام هو أبسط كلام حتى ولو كان صعب حتى لو كان غامض، وأشعر أن الشعر بالأساس هو بخليك قدام حدث، الشعر ما فيك تناقشه، الشعر هو حدث داخلي، شيء ما فيك تقول إذا لقينا أن هذا الكرسي تدمرت ما فيك تناقشها، بالفلسفة بتناقش، الفلسفة هي علاقة فرضيات، الشعر حدث، بتشوف فجأة قدامك شي ما فيك تقول لأ لأنه صار، والشي اللي بصير بده يكون له جسد، أنا بيني وبين نفسي أفتش تماماً عن هذه الدفقة الأولى عن هذا الكلام اللي ما بيبين أدبي، ما بيبين متفنن ما بيبين مسموع، وأظن أنه هذا الشعر بحبه وأظن تقريباً الشعر هيك.

أحمد الزين: طيب عباس تقول: أجلس محاطاً بكل هؤلاء الذين جعلوني وحيداً. وفي مكان آخر: كرسي وحيد متروك لمريضٍ هو الأمل. يعني الشاعر بتقديرك هو يكتب نفسه، يكتب أطياف حياة لم تُعاش ربما أو مثل ما بتقول خالدة السعيد ظني أن الشعر هو الحياة التي لم نعشها؟

عباس بيضون: أولاً يعني الشاعر بالنسبة لي برغم شعوري المتزايد أنه صعب الواحد يصير شاعر بدون ما يملك شي شخصي، يملك شي شخصي مختلف، بس ولا مرة أعتبر أنه الشاعر حقيقة فعلية، هناك شعر والشاعر مش جنس خاص فيه والشاعر مش بطل، والشعر مش يعني نموذج، الشاعر هو شاعر وقت اللي بيكتب، وبعدها يكون أي أحد هذا واحد، الشي الثاني الحقيقة أن الحياة التي لم تعشها، يعني خالدة عم تشير بالآخر عن حق أنه فيه حياة ثانية يعيشها الإنسان هي الشعر، أنا بالنسبة لي أختلف مع خالدة بشي صغير إلا أن الشعر هو جزء من الحياة، مش حياة ثانية الشعر، أنا لا أنفصل عن اللي أقرئه، أنا لا أنفصل عن اللي أكتبه، يعني إذا الشعر هو عملية تركيز كبيرة، عملية التركيز بتبلش من حالنا لنطلع من حالنا، ولنقول الكلام اللي ممكن يكون متقاسم نقول الكلام اللي ممكن يصير مشترك.

أحمد الزين: يعني بتصير القصيدة كأنه قالها شخص مش معروف مين؟

عباس بيضون: لحد كبير كل قصيدة مش مهم مين قالها، شعر الرواد كان كل شاعر يصنع من الأنا بتاعه بطل ونموذج، إما بطل نيتشوي بطل مصارع ومقاتل، وإما بطل إذا بدك كفكوي بطل انتحاري بطل عدمي.

أحمد الزين: تقول خالدة السعيد: تدريجياً قوض عباس بيضون نظام المرجعية وفجر الموضوع، فارق الصورة الأليفة وبالتالي فارق بالضرورة إيقاع جماليتها، النظام الجمالي هو ترجمة للصورة المورثة في العالم وهي هنا صورة مطعونة ومهتكة صورة مخللة ومهزومة، وكل نظام جمالي يحيل إليها ميت وفائت وخاوي.

أحمد الزين: تقول خالدة السعيد: واعياً أو لا واعياً يبنى عباس بيضون القصيدة بروح اللوحة، حيث الفنية تولد من السياق المخترق وحتى من بدائية العناصر وخشونتها، كما تولد جمالية لوحة من ضربات خشنة لفرشاة عملاقة أو كتلة سديمية فظة فوق مساحة هائلة تتوالى عليها المؤثرات، إذ إننا لا نقدر أن لا نرى بدهشة التراسل بين هذا الشعر وفن اللوحة التعبيرية.

طيب أستاذ عباس هيك منلاحظ بقاموسك الشعر إذا صح التعبير كلمة قاموس أو المفردات.. يجعلنا نرجع نفكر بالمعايير الجمالية لمفهوم الجمال اللي نحنا تربينا عليه، حيث نكتشف في القصائد عناصر غير مألوفة غالباً، هي عناصر مهملة متروكة لمصائب لا نفكر فيها ربما آنية أو منفضة أو لمبة أو شي هيك؟

عباس بيضون: أسوأ من هيك في كمية كبير من الإفرازات والفضلات ومن الوسخ.

أحمد الزين: أين تجد يعني المعايير الجمالية في هذه الاستخدامات للعناصر؟

عباس بيضون: يعني هلأ بدنا نوقف عند كلمة جمالية بطبيعة الحال، أنت تعرف خليني أنا شخص كثير مشغول بالفن التشكيلي وأمثلتي بالحياة ما بجيبها من الشعر بجيبها أكثر من الفن التشكيلي، بالفن التشكيلي أنت تعرف أن بالفن الحالي جزء من الفن ينعمل عملياً من مواد عادية مش بس مواد عادية نفايات، جزء من الفن بحيث يقول يعني إنه كل شيء تلمه من الشارع كل بحصة كل خرقة كل مسمار هي قابلة إذا عندك إرادة تعملها فن، يعني هي مرمية بالشارع أنت قررت أنك تحطها بإطار فني.

أحمد الزين: تغير لها مكانها.

عباس بيضون: إلى حد كبير هذا بالنسبة لي ملهم بالشعر بدون ما يكون مقصود، لأن الملهم الأول للشعر إذا بدك، الملهم أول لي شخصياً هو وقت كنا أطفال كنا عايشين ببيوت بتحوّر يعني بيوت رطبة والسقوف بتاعتها والحيطان ينفدوا الرطوبة لها، وهذه الرطوبة تحول تعمل أشكال، وهذه الأشكال اللي هي أشكال وسخة نسبياً أشكال ممكن يطلع عليها هيك طحالب، هذه الأشكال كانت بالنسبة لي موحية جداً.

إنها بقعة قوية..كلما غسلتها تجددت أكثر وانتشرت.. تعيش الأخطاء طويلاً هنا وتترك بقعاً أكبر.. ثم إنها طريقة سيئة لصناعة الذكريات أن ندس أيدينا في كل شيء.. ربما لن تفهم أيضاً أنك تركت بقعاً في كل مكان.. أن أفكارك تلطخ أكثر من نبيذك.. وعلى صدرك بقعة الجرح التي تمتد أكثر في جلدك ومهما ابتعدت فإن حياتك تستمر مكشوفة ومشبوهة هنا.

أحمد الزين: وأيضاً نعثر بالقصائد عندك على لوحة.. على مشروع لوحة أحياناً منشوف لوحة كاملة تحكيها باللغة، أنت شو علاقتك بالتشكيل يمكن أحيانا ًتخربش شوي؟

عباس بيضون: لا الحقيقة أنا بخربش كثير بس ولا مرة.. يعني ولا مرة أنا خربشت كثير لأني كنت طالب كسلان بالبروفيه والبكالوريا، وكنت ضجران ضجر بلا حدود من الصف، الحقيقة علاقتي بالفن التشكيلي هي علاقة بتصورها كثير عضوية، أنا أفرح بالفن التشكيلي أكثر مما بفرح بالشعر لأنه بكل بساطة الشعر محير، من شان تقرأ قصيدة بدها وقت أكثر وبدك تجمعها براسك، الفن التشكيلي لحاله بلحظة واحدة يجمع حاله، الفن التشكيلي هو فن للأطفال، فن يعني موجود لتتباهى فيه ولتتطلع ولتشوف اللوحة كلها مرة واحدة.

تقول الخادمة إذا لم ننتبه ولا يكفي أن تخاف من بقعة.. وسيكون قصدك أسوأ إذا حاولت أن تخفيها.. ستبقى ورائك في هذا المكان الذي يسامحونك فيه على كل شيء.. ولا يغسلون لك بقعة.

أحمد الزين: بالطبع من ميزات القصيدة عندك أيضا ًهو أسلوب النثر، يعني النثر العالي المكثف، يعني وقت الشاعر بيروح للرواية يكون عجزت القصيدة عن قول ما يريد قوله؟ يعني القصيدة أحيانا ًتعجز عن الحكاية مع أنه فيه بقصائدك بعض الحكايات؟

عباس بيضون: رأيي دائماً القصيدة عاجزة، والحقيقة لا يكتشف عجز القصيدة، من اللحظة الأولى تكتشف عجز القصيدة الشاعر هو شخص يرضى بفن مقيد، بفن لا يقول إلا اللمح، ما يقول إلا الإشارة البعيدة، فن قايم على الصمت، فن قايم على الكتمان، إذا بدنا نقول الشعر نقول منقول حالنا بشكل ممزق، كأنك جبت لوحة مزقتها وعملت منها قطع ونثرتها، ما عاد فيه شيء له علاقة بالثاني، نفسك منثورة ومتناثرة الشعر هيك، الكلمة بالشعر تنزل محلها، الفاصلة ملزمة، النقطة إلهية، كل حرف جر لا يمكن زحزحته، الشعر مش بس فن كبت للشعر الفن كبت للقارئ، هذا سبب من أسباب هرب الناس منه، أنا أحس في الروايات فيه شعر غالباً بالروايات الكبيرة شعر أكبر من شعر.

أحمد الزين: خليتني حس أنت عم تحكي وكأنه يعني فيه شخصية أخرى تكتب القصيدة أحياناً غير القصيدة اللي قاعدة قدامي؟

عباس بيضون: شوي صحيح، إذا كنا عم نحكي مازحين نقطة نظام بالفوضى هي نقطة تركيز بالشرود.

أحمد الزين: تركيز هائل.

عباس بيضون: تركيز هائل بالشرود، في كاتب فرنساوي اسمه بلانشو كان يقول مش عن الشعر بس، بس أنا أتبناه أكثر للشعر، يقول وقت نلاقي مقطع كثير قوي يتبعه مقطع سطحي، بتعرف ليش؟ لأنه يكون الواحد عم يركز وبعد شوي بيوصل للآخر وبيخاف لأنه بيجي ليضيع بيجي ليفقد حاله، بيطلع على السطح دغري وبيكتب شيء خفيف، رأيي بالشعر.. الشعر بصورة خاصة هيك، يعني أنت روائي وبتعرف هالشي.

أحمد الزين: فيها شيء من الصحة، بيخاف من نفسه الكاتب أحياناً؟

عباس بيضون: بيوصل لمحلات ما بيعود ييكّفي فيها فبيطلع يتنفس يطلع لياخذ هواء.

تقصين رموشاً طويلةً سوداء من الهواء والحجرة.. أو تحولين جبلاً من الكتب إلى خيطانٍ مخرمة.. رأسك مصففٌ مسرحٌ جيداً حيث لا يمكن لشعرةٍ أن تخون.. مدهونٌ بالزيت نفسه لمعتِ أظافرك ومقصاتك التي لا تزال لمعتها وشفراتها أيضاً مخفيةً في خصلك.. أصابعي تمشي فيها بخوف..

أحمد الزين: طيب ماذا عن العشق في دور القصيدة عند عباس بيضون وبحياتك؟ يعني هل هي محفز عن الإفصاح عن ما يجول في النفس أو لتحريك ما هو عميق في هيك أماكن غامضة؟

عباس بيضون: الحب بحرك وقت اللي هو الموضوع، يعني وقت بدنا نكتب قصيدة حب بيكون الحب هو المحرك، يعني عامل بحياتي..

أحمد الزين: بيكون فيه حادث حب حتى تكتب قصيدة حب؟

عباس بيضون: أنا بالنسبة إلي ما فيني أكتب حب هيك بالهواء بدون حادثة، الحب هو قصيدة نبعثها لشخص محدد، وغالباً ما بيكون حدنا وغالباً ما بيكون أول قارئ، وغالباً ما بالشعر منعمل تنازلات لإرضائه، فأنا بضحك وأقول الشعر قصيدة.. قصيدة الحب قصيدة ملتزمة.

أحمد الزين: أنت كنت رجل بيت أو ربيت عائلة شوي فاشل يعني زواجك ما دام.

عباس بيضون: أتصور أنه يعني ما لازم الناس اللي مثلي يتزوجوا، يعني هاي باختصار..

أحمد الزين: لأنه في عندك مقدار من السهو عن الأشياء ما حدا بيتحمله.

عباس بيضون: الحقيقة مش لأنه قصة سهو في الواقع ولا قصة النسيان والفوضى، يعني هي أمور ممكن معالجتها عملياً، لأ الشي اللي برأيي بخليني مش صالح للزواج هو شيء اكتشفته بالآخر، أنه أنا شخص متطلب كثير وأنا شخص بداخلي ساخر جداً، وأنه ما كثير أصدق الأشياء ولا كثير بؤمن فيها، تقريباً كل الأشياء.

أحمد الزين: حتى القصائد اللي بتكتبها ما بتصدقها؟

عباس بيضون: بطبيعة الحال. بطبيعة الحال القصائد اللي بكتبها ما عندي ولا شعور بأنها يعني عم بوهبها للحقيقة، ولا أنه هذه القصائد اللي عم بكتبها هي رح تتحول لأناجيل.

أحمد الزين: طيب خلينا ننقل شوي على النقد، أنت من موقعك الآخر ناقداً ومسؤولاً في جريدة السفير، كيف فيك تكون عادل كناقد تتناول بعض كتابات الشعراء قراءة، المعيار بيكون شعرك؟

عباس بيضون: لأ المعيار منّه شعري بالضرورة لسبب.

أحمد الزين: فيك تكون موضوعي.

عباس بيضون: ما عم أقول أني موضوعي.. انتبه بس منّه تماماً شعري، يعني أنا شخص أقرأ شعر مثل ما بيقرأ شخص روائي مثلاً بشوف سينما بيقدر بأنه يحب عدد من المخرجين مختلفين، بيتصور أنه لازم يوجد فينا شخص فوق الذاتي مش مش ذاتي فوق ذاتي، بمعنى بيقدر يحشد جوات حاله.. جوات حاله جوات ذاته يحشد أشياء متضاربة ويحشد تقاطعات.

أحمد الزين: طيب عباس أنت عندك مثل ما ذكرنا في جريدة السفير مقال أسبوعي سياسي إلى حد ما بلغتك الخاصة الجميلة، كيف فيك توازي أو كيف الجريدة فيها توازي بين المونشيت، يعني موقفها السياسي وبين كاتب بحجمك بيكتب ضد الجريدة بمعنى من المعاني؟

عباس بيضون: مش لهون.. يعني لحد هون بس فيني قول أني أنا مستقل، وأنه اللي أكتبه منّه بالضرورة متناسب مع خط الجريدة، هي الجريدة عم تتحملني، هي عم تتحمل رأي مختلف، للأسف بالحرب الأهلية اللبنانية السابقة والحرب المستترة الأهلية هلأ اللي ما بتخلي إمكانية سجال لأنه ما حدا سائل عن الثاني، كل واحد سائل عن تكتيل جماعته حوله، بهذه الحرب تقريباً ما عاد فيه جريدة بتقبل رأي آخر.

مؤجر الدراجات يقول إنها لن تختفي.. المرأة التي ترهن جسدها لرجل واحد تؤجره للآخرين بالنظرات العارمة، الرجل الذي يحمل مبدءاً ثقيلاً في رأسه يؤجره لخيانات لطيفة.. إذ نفكر أن الوجود البسيط للسعادة هو أيضاً دولاب.

أحمد الزين: بتقول أكتب لأشفى، من شو بدك تشفى؟

عباس بيضون: أنا شخص عملت انهيارات عصبية، دخلت بحالة سوداوية حالة اكتئاب وهذه الحالة ما بتخلص..

أحمد الزين: أفادت الكتابة هذه الحالة؟

عباس بيضون: لولا الكتابة كان الانتحار احتمال وارد، الكتابة تساعد على أنه نعطي مش طعمة لحياتنا وإنما نعطي نحول حياتنا لطاقة، بتحويل حياتنا لطاقة منكون عملنا شيء، هالشي كثير إذا بدك يحررنا من حالنا بس يرتفع عنك كعبء هالسوداوية المخيفة بطريقة من الطرق، وقت تنتصر عليها تبقى طبعاً آثارها تبقى ذيولها، تبقى هيك تهددك باستمرار بس بتكون صرت شوي براتها، وقت بتصير شوي براتها بتعرف شو متعة أنك.. متعة الحياة أكثر، بتعرف متعة الحياة أكثر.. بتعرف شو متعة أنك تكون عايش لحظة بفضاوة بال لحظة راحة، لحظة تشرب كاس.. لحظة تحب، لحظة تكتب لحظة تقرأ، لحظة تتمدد على الكنباية تتفرج على التلفزيون، لحظة بسيطة كثير، لحظة تتطلع بالسقف، لحظة تنام، لحظة تروح على البحر، ولحظة أحياناً تشوف شجرة تشوف وردة تشوف البحر نفسه مثل لاحظت بصور.

أحمد الزين: هذا شيء عن عباس بيضون عن تجربته في الحياة في السياسة وفي الكتابة، ما بين صور وبيروت صرف عباس بيضون أيامه، اختزل بعضها في قصيدة أخذت طريقها إلى العالمية عبر الترجمة، وبعضها الآخر أي بعض أيامه بددها لضرورة البحث عن الذات في الأفكار والسياسة، والبعض الآخر جعله روايةً، أما شهادته الآنية أو اليومية والمباشرة نقرؤها في مقالة أسبوعية في جريدة السفير، أما هو ما زال ينظر إلى مرآته ساخراً متفحصاً مما مضى وإلى كتابه يجوجل فكرةً تشبه سفينةً جانحةً ويعالج حزنه غالباً بالضحك والتهكم.