علي حرب

أحمد الزين: أنت على طول هيك عندك إحساس بالرهبة أمام الكاميرا؟

علي حرب: إيه بالفعل بحس كأنني آتٍ إلى المقصلة، بفقد البداهة بمعنى أنه قدراتي الفكرية تتناقص يمكن إلى أقل من النصف، هلأ طبعاً يعني لا يمكن على الشاشة أن تقول ما تريد قوله وبالطريقة التي تريد قولها كما تكتب.

أحمد الزين: يفضّل هذا الرجل أن تعفيه من حوار متلفز خشية أن تضيع الفكرة ويتعثر الجواب، فالكلام حين يقال على الهواء يفلت من الرقابة الذاتية ولا يمكن تصويبه أو تصحيحه، أظن هذه حال معظم المفكرين خاصةً منهم من يعالج المسائل الخطرة التي تصنف في باب التابوه، وبالتأكيد عندما يكون الكاتب أمام ورقته البيضاء لديه الوقت في التعديل في الحذف والإضافة والتحسين والتأمل وإعادة النظر، وحين نقرأ كتاباً أو نصاً لمفكر فد نعثر ربما على أسباب المخاوف من إطلالةٍ متلفزة، ولكن علي حرب لم يكن أقل إسهاباً أو دقة في حواره مما يكتبه، وخشيته من تعثر ضياع الجوهر لم يكن في مطرحه، أظن أنه وضع الإصبع على الجرح وأصاب في التهديف.

أحمد الزين:يعني عادةً اللي بيشتغلوا بالفكر دائماً هم عندهم أسلحة ملحاحة هيك دائماً بيحملوها، يعني هلأ إذا بدنا نسأل عن السؤال الأكثر إلحاح اللي هو مطروح أو أنت بتطرحه على نفسك أمام هذا المشهد الإنساني والعالمي شو هو؟

علي حرب: المشهد العالمي اليوم يمكن أن نصفه بأنه هو الأزمة لقد تعدى الأمر الأزمة، إذا أخذنا الأمن ثمة تدهور على المستوى الكوني، إفلاس الأمن عما كان عليه يعني في عقود، إلى حد يمكن الحديث عن نوع من الحرب الأهلية الكونية، فالعالم في أزمة، عدا عن المستويات الأخرى يعني فيما يتعلق بتلوث البيئة وهي مسألة ليست قليلة الأهمية، اليوم البشرية تدمر الإنسان بمركزيته البشرية، وتسخيره كل شيء لما يعتبره من مصلحته سواء من منطلق ديني أو من منطلق ديكارتي، منطلق ديني وسخرنا للإنسان كل ما في البر والبحر أو ديكارت الإنسان سيد الطبيعة ومالكها، هذا المنطق يؤدي يعني إلى تلويث البيئة وتدمير.. أما العنف العنف هو ثمرات النرجسية البشرية النرجسية الثقافية، والآن الصراع يعني بين القوى والكتل المساحة الكونية وخاصةً بين الأصوليتين الأصولية الجهادية والأصولية الإنجيلية، العلة هي المعتقد الاصطفائي، أن يعتقد أناس أنهم يمتلكون الحقيقة أنهم الأحق والأفضل والأرقى من غيرهم، يعني مجرد ما يعتبر الواحد أنه مالك الحقيقة معنى ذلك أنه استبعد سواه، مجرد ما يعتبر أن معتقده هو الأصح والأقوم والأفضل معنى ذلك أنه اعتدى رمزياً على الأقل على سواه مقدمةً لاستئصاله إذا أمكن، أما في العالم العربي هنا المشكلة..

أحمد الزين: المأزق مضاعف طبعاً..

علي حرب: مضاعف لأننا نهرب لا نسلط الضوء على المشكلات نهرب أو نتهم الغير بأنه مسؤول عن مشكلاتنا لكي..

أحمد الزين: طيب أنت ألا ترى أو تؤكد مش ترى فقط أنه هذا القرن القرن الواحد والعشرين أن الإنسانية أو العالم دخل بنفق جداً معتم، والمجتمع الإنساني أو الكون كما تصفه أنت في كتابك الإنسان الأدنى يعيش حالة طوارئ حالة طوارئ كونية، السؤال هو بتقديرك هل فشل العقل في اجتراح الحلول على الأقل يعني لتخفيف المأساة وليس لإلغاء المأساة؟

علي حرب: أما أنها حالة طوارئ فهذه المدينة تشهد، تكاد بيروت تتحول إلى ثكنة، برأيي أن بيروت ستكون هي نموذج لمدينة المستقبل المرعبة، يعني الفرق بيني وبين الحداثيين يعني يعتبرون أن المشكلة.. يعني يطرحون علاج للمشكلة بمفردات الحداثة أنهم يتباكون عن الإنسانية، أنا أعتقد العكس ما يحصل هو ثمرة إنسانيتنا، ما يحصل.. طيب لماذا..

أحمد الزين: ثمرة ثقافتنا مش إنسانيتنا.

علي حرب: يعني إنسانيتنا بنماذجها الثقافية وقيمها الخلقية وكل يعني ترسانتها الرمزية، ولذلك يعني العقل الحديث يعني لم يعد برشده، العقلانية الحديثة هي يعني العقلانية الحديثة أحلت نفسها محل الدين، بمعنى أنه تعاطينا مع ألهنا العقل حولنا الحداثة إلى ديانة حولنا التقدم أيضاً إلى ديانة..

أحمد الزين: وأنت واحد منهم؟

علي حرب: أنا طبعاً انخرطت في هذا، ولكن فيما بعد إزاء ما يحدث ولعل الحرب اللبنانية.. الحرب اللبنانية يعني كوني عانيت الحرب، إن هذه الحرب بالفعل يعني تركت الأثر الأكبر في تغيير قناعاتي وقيمي، ماذا فعلت بي الحرب؟ ارتديت على ذاتي، وهذا هو النقض الأساسي، النقض الأساسي النقض الفلسفي هو نقض الذات وليس نقض الآخر، الحرب علمتني بأن الطاغية والإرهابي والفاشي والعنصري يتغذى من الذات، ولذلك أنا كتبت في الحرب في الثمانينات كلما قتل إنسان نظيره فزعت من نفسي.

أحمد الزين: الحوار مع المشتغلين بالفكر والفلسفة دائماً يحرض العقل على التأمل وعلى طرح الأسئلة، وإذا كان المشتغل في هذا الميدان حراً وغير أسير لمنظومة أيديولوجية، ومرجعيته هي عقله النقضي الفاحص المدرب على المقاربات والمجتهد في تجديد المفاهيم والمنفتح على السؤال والتطور، عند ذلك يتسع فضاء النقاش، ويطال الحوار عمق المسائل الشائكة، وكلما كان الفكر حياً كلما ازدادت حرارة الكلام الدال على مواضع الأعطاب والأزمات والمآزق الإنسانية والخراب البشري.

أحمد الزين: تقول في مكان ما من شغلك أن القرن 21 سوف يكون قرناً دينياً بامتياز، أنت أو ما بعرف استعرت من أحد، طبعاً هذا يتجلى بنشوء الأصوليات يعني إن كان في العالم الإسلامي أو في الغرب يعني بأميركا أنه فيه كمان هذه الموجة الردة الإنجيلية الأصولية إن صح التعبير، السؤال هو هل فشل العقل الوضعي أو الفكر الوضعي؟

علي حرب: الأصولية هي احتمال القائم، يعني ولذلك اليوم الأصولية بالولايات المتحدة يعني ناشطة، والمثال على ذلك نظرية التطور، يعني ثمة من يطالب الآن ليس فقط بأن يعلموا نظرية الخلق الدينية أو عقيدة الخلق على قدم المساواة مع نظير.. ثمة ولايات يطالب أهلها بإلغاء نظرية التطور العلمية والاكتفاء على نظريات.. صاحب القول هو الكاتب الكبير أندريه مارو اللي كان أيضاً وزير ثقافة في أيام شارل، هو قال أنه سيكون القرن 21 دينياً، أنا في الحقيقة يعني عندي تعليق، وبهذا التعليق خليني إرجع لماركس ولرجيسدوا بريه، لأن ماركس بالنسبة له الدين أفيون الشعوب..

أحمد الزين: وجيسيدوا بيريه بقول فيتامين الشعوب.

علي حرب: فيتامين الضعفاء، رد عليه وقال له فيتامين الضعفاء، أنا برأيي أن الدين لم يعد لا أفيون ولا حتى فيتامين أصبح فيروس قاتل إنها الجرثومة الأصولية، طيب وأنت تسألني عن الحل الديني، يعني طبعاً الأصولية استفادت من انهيار المشروع القومي ومن فشل المشروع..

أحمد الزين: شو اللي فشّل المشروع القومي؟ خلينا نقطة نقطة شو اللي فشل المشروع القومي لأنه استمد عناصر بقاؤه من الفكر الديني؟ أو طرح شعارات يعني كان عاجز عن تنفيذها؟

علي حرب: لماذا اشتغل.. هيدا سؤال طبعاً مهم لماذا اشتغل العقل القومي كمصنع للفرقة؟ يعني أتى إلى الفكر القومي بالأحزاب القومية، أتت الأحزاب القومية حسب ادعائها وطرحها يمكن تكون صادقة لتوحيد المنقسم، فإذا بالأحزاب القومية نفسها تتشرذم باختلاف اتجاهاتها لماذا؟ لأنها تعاملت مع فكرة الوحدة بطريقة أحادية عنصرية مغلقة، بطريقة لا تتسع سوى أحياناً يعني فكرة الوحدة لا تتسع إلا للزعيم الأوحد.

أحمد الزين: بتقديرك ليش العالم الإسلامي أكثر استعداداً من سواه في العالم يعني في الغرق بالسكونية المطلقة وأكثر جهوزية بالسير عكس التاريخ عكس حركة الزمن؟

علي حرب: مهو لأنه يسير عكس.. أنا أعتقد لا توجد أمة على وجه الأرض قد قرر أهلها الاستقالة من التفكير الحي الخلاق المبتكر أكثر من العرب، للاشتغال بشو بعبادات الأصول والنصوص، كل الأمم عندها تراثات وتعتز فيه من اليابان إلى جنوب أفريقيا إلى دول.. ولكن هذا التراث الحي تراث يعني يحولوه إلى عملة حضارية إلى إبداع ثقافي أو فكري أو إلى مخترعات تقنية، نحن بالعكس نحول نحن نملك تراثاً ولا أغنى تراث هائل نحوله..

أحمد الزين: شو السبب فيه سر ما؟

علي حرب: سر ثقافي، يعني السر هيدا العبادة عبادة النصوص التعلق..

أحمد الزين: أدونيس بيجاوب تقريباً على السؤال بقول ما بأنه يعني هذه الشعوب إذا بقيت هيك هي في طور الانقراض، إذا بقيت بهالطريقة مثل ما انقرضوا البابليين والسومريين كمان ممكن تنقرض هذه الشعوب..

علي حرب: ما هي ميزة الإنسان؟ الإنسان هو كائن يمتلك أهم ميزة له مش أنه يمتلك ثروات طبيعية، يمكن أن يمتلك ثروات طبيعية ويهدر هذه الثروات الطبيعية، وممكن أن لا يمتلك ثروات طبيعية مثلاً ولكن رأس ماله الفكري والعقلي يوظفه كما اليابان وكما ماليزيا يعني فيه دول لا تمتلك نفس الثروات التي تمتلكها الدول العربية، يعني يتذرعون بالخارج بالصراع وبأنه نحن مستنفرون ولكن هذا لا يكفي، أنا برأيي العلة هي فكرية، العلة في الفكر، طريقة التفكير عبادة، أنت تتخلى عن رأس مالك الأساسي اللي هو الفكر، تصور مثقفي هذه الأمة يا سيدي شو شغلتهم؟ يخافون المتغيرات، فيه فريق كبير من المثقفين في العالم العربي وفي العالم الغربي.. وفي العالم الغربي يعني من تشومسكي إلى طارق علي إلى الفيلسوف زيزك الذين.. يعني زيزك فيلسوف سلافي يتحدث عن بيل غيتس بأن عدو التقدم، لما عدو التقدم؟ بيل غيتس كان مبتكر، بيل غيت برأيي يعني على صعيد علاقته بالحقيقة مبتكر إذ أنه فتح فتحاً في عالم الكمبيوتر والمعلوماتية، هذا عطل كبير، أن المثقفين وإذا شئنا هون حتى الحداثيين والفلاسفة منهم بعض الفلاسفة يؤسف أنهم مثلاً يعادون الفهم، ماذا أقصد بالفهم؟ يعادون الموجات الحديثة من الحداثة، وأنا تعرضت للنقد أنه أنا أُعد من تيار ما بعد الحداثة، يا أخي ما هي ما بعد الحداثة؟ ما بعد الحداثة هي موجة من موجات شو الحداثة، ولو عدنا إلى أكبر مؤسس للحداثة أو أحد مؤسسيها لا أقول أكبر كان هو نقض العقل مش نقض الآخرين.

أحمد الزين: علي حرب فحاص لأعطال الحداثة وأمراض الدين وأزمات الهوية ونشوء الأصوليات وبواعث الإرهاب ومرجعياته، ومُسائل للأسباب المؤدية إلى الاستبداد والفساد وغياب الحرية وفقدان العدالة وغياب العقل السجالي أو التناظري كما يسميه محمد أركون، فالوحش الإرهابي كما يقول يتغذى من ثقافتنا، فهناك علبة سوداء تعشش في العقول بعقدها ومتحجراتها وتهويماتها وخرافاتها وتصنيفاتها العنصرية.

ولعل علي حرب هو واحد من بين الذين تجرؤوا على وضع هذه المضامين التي تحتويها العلبة السوداء تحت مجهر الفحص متحققاً من أمراضها التي تفتك بإنسانيتنا وعقولنا.

تقول أيضاً بكتابك "الإنسان الأدنى" تقول إن الثقافة الإسلامية هي المؤسسة بما معناه ليس يعني حرف حرف للتطرف عبر الدعاة وعبر المرجعيات والأحكام والفتاوى، يعني بتقديرك الفقر الاستبداد فقدان العدالة والحرية أيضاً هي ما بتساهم في خلق هذا التطرف والأصوليات؟

علي حرب: يعني هلأ الإرهاب والعنف له طبعاً ما فينا نحصره بسبب واحد، الفقر طبعاً الفقر دافع لشو؟ للعنف والإرهاب، والمثل القديم مشهور عجبت لمن لا يجد خبزاً في بيته كيف لا يخرج شاهراً سيفه.. هلأ ممكن الواحد يدافع.. ما يكون فقير بس يدافع عن هويته أو عن كرامته أو عن يعني يكون مثلاً محل إقصاء..

أحمد الزين: يعني التطرف الأصولياتي شكل من أشكال التعبير عن الهوية أو عن أزمة الهوية؟

علي حرب: آه ممكن.. اللي بدي قوله أنا ممكن يكون فيه أسباب يعني.. دفاع عن الهوية عن الكرامة عن العدالة ولكن أنا برأيي هذه الأسباب ليست كافية، لأن الأصوليين يعني في.. أكثر زعماء الأصوليين هم أثرياء، طيب إذا كان الأمر كذلك دفاع في مواجهة الغرب، كيف نفسر الاقتتال الداخلي؟ كيف نفسر الاقتتال الداخلي في العالم..

أحمد الزين: هم عندهم تفسير لهالشيء.

علي حرب: التفسير أنه هو مالك الحقيقة وأن إسلامه هو الإسلام الوحيد الصحيح طبعاً هذا هو التفسير، ما الذي يؤدي إلى.. ولذلك أنا أقول العلة ليست فقط في الجيوب وإنما في العقول، أن تعتقد أن إسلامك هو الإسلام الوحيد الصحيح يعني وهذا وهم كبير مزدوج، الوهم الأول هو أنك تدّعي أنك أنت فهمت الإسلام الفهم الأصولي الصحيح، مع أن الإسلام وأنا لا أريد أن أتحدث عن الإسلام، الإسلام متعدد ولكن القرآن واحد، والقرآن يتسع لما ضيقته المذاهب الإسلامية، يتسع لما ضيقته.. فالوهم المزدوج أنه يعني يتطابق يقبض على معاني النصوص بحرفيتها وحذافيرها وهذا شيء مستحيل، لأن النص كل نص هو مجال للتأويل، أي نص ليس فقط القرآن فكيف إذا كان نصاً دينياً، من شان هيك أنا أقول أنه يعني الكرة في ملعب الأصوليين، يعني هلأ الأصوليين وبقول شغلة ثانية الخطر ليس الصراع بين الأصوليين والحداثيين بين السلفيين والحداثيين، يعني الصراع الخطير هو الصراع بين مين؟ بين المذاهب الدينية أو الطوائف الدينية.

أحمد الزين: بس أنت عندك هيك بارقة أمل بنفس المكان تقول أنه ربما يعني ما يحدث.. أو تسأل أنت أيضاً تسأل هل ما يحدث من تطرف هو ما تبقى من رصيد أخير في جعبة الأصوليات؟

علي حرب: أعتقد أنا أن الفكرة الأصولية في طريقها إلى الاحتراق، ماذا أتى؟ لننظر حولينا أنتجت إمارات للجهاد تخرب المجتمعات العربية، طبعاً البعض بسميه نصر، كثيرون يعني يقولون أن هذا نصر ولكنه تخريب للمجتمعات العربية، أنا برأيي الديانات بعقائدها الاصطفائية الأحادية هي يعني تنتج ما نعاني منه، ولذلك عندنا يحتج أو يستنكر رجال الدين سلوك الإرهابيين وأعمالهم البربرية أو الهمجية، أقول طيب هم يستنكرون ما زرعوه في العقول، من أين أتى هؤلاء؟ هؤلاء نتيجة تعليم، الذي يعني احتل الدعاة الجدد الشاشة 25 سنة من بعد الثورة الإيرانية وأفغانستان احتلوا، وأنتجوا جيلاً مغلقاً نهائياً قوانين مقدسة ثوابت مطلقة، ولذلك أنا أقول أنه ممكن يكون الأمل وأقول أحلام لأنه ما عاد فيه أحلام يمكن أنا ما بحلم هلأ لا بحلم لا بالعالم العربي ولا عالمياً ولا في لبنان ما بحلم بحلول قصوى ونهائية انتهى زمن الحلول القصوى والنهائية، بحلم أنه على الأقل بتسويات واتفاقات.

أحمد الزين: لم أعد أحلم بحلول قصوى فزمن الحلول القصوى انتهى، والقبول بالتسويات والاتفاقات قد يكون هو الأجدى في هذه الأيام، ولكن ترى من يعترف بمن إذا كان الطرف الآخر مالكاً للحقيقة المطلقة كما يظن أو كما يدعي أو كما يمارس على الأرض، ومن هو الحكم في حال نشوء حوار بين الحداثيين والأصوليين؟ والسؤال الأدق: هل من جهة تحمي العقل المنفتح والحر مثلما هو متوفر للطرف النقيض المحاط بمحصنات دينية ودنيوية ومالك للسلطتين؟ ثم كيف يمكن السؤال لمن يملك جواباً مطلقاً ولا يحتمل حتى الشك؟

أحمد الزين:وأنت تدعي في كمان في بعض كتاباتك إلى إعادة ترتيب العلاقة مع الشأن الديني، كيف ترتيب العلاقة كيف بتفسر لي ياها؟

علي حرب: يعني بدنا نتعايش مع بعضنا البعض؟ بعقلية يعني بالعقلية الاصطفائية القديمة ما ممكن نتعايش، يعني إذا كانت الطوائف والمذاهب بلبنان مثلاً تعايشت مع بعضها البعض عندما خرجت من عقلها الطائفي، بسبب شو؟ بسبب الحداثة طبعاً، لما عاد المسلمون سنةً وشيعةً إلى فقههم وشرائعهم ثوابتهم القديمة اصطدموا ببعضهم البعض، مش ممكن نرجع.. أنا لست ضد الطوائف، يعني من العبث أنك تكون أنت ضد شو.. أنا ضد أن تُستخدم الطوائف أو يتم التعامل مع الهويات الطائفية بطريقة فاشية عنصرية، كما يعني نحولها إلى قطعان إلى حشود عمياء وراء زعمائها، يعني كمان هذه من العلل الكبرى ممارسات التقديس، ممارسات التقديس لأنه بتوقف عندها أن نمارس التقديس حتى مش ناس مثقفين الولاء الولاء للزعامات أياً كان السبب، كيف يمكن للواحد أن يخسر أن يفتقد استقلاليته وسلاحه الفكري ويعمل ولاء؟ لو كان أنا عندي ميول سياسية تجاه هذا الميول بس لا يمكن أن أسلم أوراقي.

أحمد الزين: بتقول أنت أيضاً أستاذ علي إن ادعاء البعض أن لديهم أو أنهم أصحاب مشاريع أو مهمات إلهية أو رسولية ينتج قطعان بشرية، وينتج عنصريات ومنظمات يؤسس لمنظمات إرهابية وسميت بعض الأسماء.

علي حرب: أن يكون الواحد أن يخلع على نفسه صفة إلهية أو نائب أو ممثل، فطبعاً هيدا المنطق يعني منطق التقديس إلى أين يصل؟ يصل طبعاً إلى.. منطق الفتوى منطق يعني الذي يرفض النقض، يرفض وجهة النظر الأخرى، يرفض المسائلة أن تكون أنت ذا صفة إلهية معنى ذلك.. وهذه مشكلة رجال الدين أنهم أحياناً يريدون أن يعملوا في الحقل السياسي أو في الحقل العسكري يعني يتصرفوا كساسة أو كإستراتيجيين ولا يقبلون النقض، لا أنت يعني عندما.. طبعاً ممكن أنت إذا كنت يعني فقط تشتغل كواعظ وكمرشد أوكيه، بس أن تشتغل في الحقل العام ولا تقبل النقض؟ فحكمك حكم الطبيب وحكم.. أنا أستمع إلى.. آخذ باستشارة الطبيب، ولكن عندما الطبيب يشتغل بالسياسة لا يصبح أنا حاكم عليه وليس هو الذي يحكم علي، هذه مشكلة رجال الدين يريدون الاحتفاظ بالحصانة الرمزية ويشتغلون في الشأن العام، لا على سبيل الوعظ أنا لا أتحدث عن رجال الدين الذين يمارسون مهماتهم التقليدية بالوعظ والإرشاد، أقصد رجل الدين عندما يشتغل بالسياسة يضم سلطتين، السلطة الرمزية والسلطة.. لأن رجال الدين السلطة الرمزية معهم وعنده السلطة المادية بصير عنده استبداد مزدوج مضاعف، يعني هم رجال الدين مثقفين بالنهاية.

أحمد الزين: أنت كمثقف ومفكر نقدي وحر شو فيك تعمل أمام هذه الموجة أو أمام رجل الدين.. أمام الداعية الذي يمتلك أكثر من منبر للتعبير عن نفسه؟ يمتلك شاشة التلفزيون وحر يقول ما يشاء لأنه يتحدث بتلك الصفة، ويمتلك أيضاً المسجد للتعبير أيضاً، أنت ماذا تمتلك؟ شو فيك تعمل يعني؟

علي حرب: أنا أمتلك الكلمة الكتابة، والكتابة لها تأثيرها، يعني أعتقد أنه..

أحمد الزين: مش تقليل من قيمتك؟

علي حرب: لأ أنا كواحد من القبيلة الثقافية اللي ننتمي لها، السؤال إي هلأ مربك أنه نحنا شو؟ يعني أنا مرات فيه ناس يقرؤوا لي مقالات ويتصلوا أنه عم تتعب كمان، يعني في البحرين قال لي واحد عم نحكي عن قضية العيش معاً، كيف بدنا نتعايش وكيف بدنا.. مش ضد الطوائف، كيف نخلي الطوائف يعني نخفف من مخاوف الطوائف تجاه بعضها البعض، ونوصل لصيغة تركيبية تتيح للكل أنه يكونوا.. فقال لي لا تتعب نفسك لن نصل إلى تسوية قبل مائة عام، بالفعل أخافني، يعني ولكن أنا لن أستسلم لهذا.

أحمد الزين: "فيما تغرق البشرية في معضلاتها وتعيد إنتاج مآزقها على غير صعيد، ومن غير مصدر تلوثاً متصاعداً وهدراً متزايداً وإرهاباً معمماً وتدميراً منهجياً لم تعد تجدي المقاربات والمعالجات بالعملة الفكرية السائدة، فالأزمة تتجاوز الثنائيات العامة على الجبهتين المتصادمتين الإسلام والغرب أو الدين والحداثة بقدر ما تطاول المجتمع البشري والعقل الكوني بمختلف أنماطه ونماذجه.

من هنا الحاجة الماسة إلى المسائلة والفحص كيف تتهدد إنسانية الإنسان فيما يتكاثر المدافعون عن حقوقه؟ وكيف يحصل ما يحصل من استباحة وفساد واستبداد وتراجع ما دامت المبادئ سامية والزعامات ملهمة، وما دام المصلحون أصحاب مهمات أو صفات إلهية، وما دام الدعاة يجسدون مثل الحرية والعدالة والتقدم". علي حرب.

حرب: الهوية هي بنية مركبة.

علي حرب: أنا لست مجرد مناضل مدافع عن هويتي وحريتي، أنا بعتبر حالي أنه منتج أولاً، يعني أغيّر أساهم بالتغيير بأدوات حقلي، بس لو توقفت أنا عند مثال أنه الهوية مثلاً فيه ناس بدهم ياني جريء بنقد هويتي، وفيه ناس بدهم ياني جريء بالدفاع عن شو؟ عن هويتي يعني أنخرط بالدفاع عن هويتي ضد الأمركة والعولمة وما يسمونه بطريقة عنصرية أو مغلقة، أنا أقول لأ مش وظيفتي هي الجرأة الفكرية وظيفتي هي الجدة المعرفية، إذا أنا لم أجدد في مفهوم الهوية لا أفعل شيء.

أحمد الزين: هو التجديد بحد ذاته جرأة يعني.

علي حرب: آه ممكن صح..

أحمد الزين: أنه إي بس بدك تجدد يعني معناته أنه أنت طرقت الباب الموصد أو رميت حجر في بركة ساكنة يعني حركت شيء.

علي حرب: بالزبط ولكن يعني أنا مثلاً لما بدي حلل الواقع اليوم والمآزق والأفخاخ اللي وصلنا لها بدي حلل هويتي، لماذا هويتي تفاجئني بما غير محسوب؟ مثل ما تفاجئوا رجال الدين لما بشوفوا الأعمال الإرهابية بقولوا كيف هول، ما إنتو علمتوهم شلون كيف! أنتم زرعتوهم، أنا أحلل أرتد على فكري وعلى هويتي ولذلك أنا أقول الهوية هويتنا ليست وراءنا، أنا بقول اليوم الهوية هي بنية مركبة هي ذات أبعاد متعددة، الهوية هجينة، هل هويتي أنا الآن كشخص أنتمي إلى الثقافة الإسلامية كهوية الناس في صدر الإسلام؟ مستحيل، فأنا يعني بعيد تشكيل هويتي وفهمها بصيرورتها وتوتراتها والتباساتها وألغازها وتداعياتها المفاجئة.

أحمد الزين: علي حرب هو من مواليد عام 1939 أمضى جانباً من حياته ومن طفولته في هذه البلدة الجنوبية في لبنان، حيث ألف إلى جانب أعماله الفكرية منزلاً وعائلةً وأحلاماً منها تحقق ومنها لم يزل في البال، في البداية أنهى دراساته العليا في الفلسفة في الجامعة اللبنانية، ثم مارس مهنة التدريس لمدة حوالي 25 سنة، ولعل هذه المهمة أسست عنده مشاريع للكتابة ونسقاً في التفكير وأسئلةً حول الموروث المنهجي، وكانت الحرب فيما بعد العامل الأساسي الآخر في خياراته ومواقفه وفي أسئلته أيضاً، الأسئلة المفصلية حول الأنا والآخر وهو القائل "كلما قتل إنسان نظيره خفت من نفسي". لأجل ذلك ارتد علي حرب على نفسه على ذاته وأعاد تصفية حساباته في مفهوم الهوية والانتماء والدين والطائفة، وأخذ زاويته البعيدة عن الأيديولوجيات والحشود والجماهير والشعارات، وتأمل في المشهد مقلباً في التراث وفي القراءات الحداثية لصياغة رؤيته ونظريته الخاصة. مارست مهنة التدريس وأنت أستاذ فلسفة لمدة حوالي 22 أو30 سنة على ما أظن..

علي حرب: ربع قرن.

كيف نربي أجيال قادرة على طرح الأسئلة؟

أحمد الزين: ربع قرن 25 سنة قسمناهن بالنصف 25 سنة بتقديرك هيدي كل الأشياء اللي عم نحكي فيها المشكلة الأساسية ما بترجع للتربية كيف نربي نشئ خاصةً في الثانوي على طرح السؤال؟ يعني على طرح السؤال على كيفية الشك حتى ما يظل غارق بيقينيات مطلقة؟

علي حرب: يعني برأيي سؤال مهم يعني يضيء جانب من مشكلاتنا ومآزقنا، بالطبع لأنه.. ولكن مما يؤسف له إن تدريس الفلسفة مو الفلسفة.. الفلسفة يعني من.. فينا نحكي شوي الفلسفة موقف نقدي في الأصل، الفلسفة أن يتصرف الواحد كذات مفكرة عاقلة راشدة مستقلة أن لا يكون تابعاً لأحد، قد يؤيد أحد قد يعني يعجبه آخر، يؤيد ممكن أنا أن أؤيد موقفاً اتجاهاً ما موقفاً ما..

أحمد الزين: ولكن غير تابع..

علي حرب: غير تابع، إنسان حر مستقل المرء من هو المرء؟ المرء مستقل، كائن يعني يملك سيادته على نفسه.. سيادته على نفسه، والآن لا يوجد سيادة على النفس، القطعان تؤله زعماءها الذين يتحولون بدورهم إلى عبيد لنزواتهم وألقابهم وما أشبه ذلك..

أحمد الزين: فالناس في تقديرك تساهم بتخريب قادتها..

علي حرب: طبعاً، فتحول عندنا الدرس الفلسفي تحول يعني إلى مقررات يعني معلومات مثل ما بدك فتاوى، لم يعد الدرس الفلسفي درساً يعني درس المسائلة والمناقشة وتكوين عقول مستقلة حتى لا نقول نقدية تكوين عقول مستقلة، وأنا برأيي أهم المشكلة وسط الاصطفاف والاحتشاد والتخندق في مجتمعاتنا هي بالفعل هي أكيد هي فقدان الاستقلالية.

أحمد الزين: طيب أستاذ علي حتى ما نستغرق كثير بهالموضوع، كمان أنت بتقول يمكن هيدا السؤال يطل على نفس السؤال السابق إن التراث أصبح شركاً وعبئاً وكهفاً، بالوقت نفسه منشوف معظم المفكرين العرب بيشتغلوا على التراث، بيرجعوا على التراث وبيشتغلوا عليه، وأنت واحد منهم يعني اشتغلت على ابن الرشد اشتغلت على ابن خلدون وعلى الكواكبي يعني 100 سنة، ليش عم توصف التراث أنه أصبح شركاً وعبئاً وكهفاً؟ وبالوقت نفسه نجد أن معظم المفكرين العرب من أركون اللي أنت معجب فيه وصولاً لعلي حرب بيرجعوا لهذا التراث؟

علي حرب: لأ أنا بكون قايل يعني بمحل ثاني أنه إذا تعاملنا مع التراث بهذه الطريقة.. يعني بطريقة نحن أسرى له أنه علينا أن نطبقه بحذافيره، يعني علينا أن نطبق ما عاشه السلف أو أن نطبق.. يعني أن أقول أن ابن رشد يا سيدي هو نموذج جليل اليوم، أنا بقول أنه ابن رشدي هو نموذج الحداثة اليوم ولا أهاجم ابن رشد، وأقول أنه مجرد شارح لأرسطو كما يقول أعداءه في العالم العربي من الفلاسفة، أنا أعتبر أنه التراث معطى علينا أن نشتغل عليه لنحوله من معرفة جامدة أو ميتة أو من احتياط هو احتياط التراث بما فيه حتى النصوص الدينية ذاتها، أنا لا أتعامل معها كسلطات مقدسة إنما أتعامل معها كرأس مال رمزي كمخزون كمساحة للتأويل، من الذي ينتهك التراث؟ حماته ينتهكونه لأنهم يتعاملون معه كسلطة مقدسة وعلى هذه الأرض لا يوجد سوى النسبي والمتعدد والمتحول وغير الكامل.

أحمد الزين: إذا بدنا نسأل عن الحداثة نحنا، أين نحن الآن من الحداثة؟ إذا كانت الحداثة في تجلياتها في الغرب على الأقل مضطرين نعمل هالمقاربة إنها هي في فصل الدين عن الدولة، يعني هي الانتقال من المرجعيات اللاهوتية إلى مرجعيات العقل، أين نحن؟

علي حرب: أحب أن أميز بين دعاة الحداثة ومفكريها ومنظريها من جهة وبين المجتمع العربي، المجتمع العربي طبعاً هناك أناس منخرطون في الحداثة، صاحب الشركة صاحب المصرف الشاعر الذي ينثر يعني قصيدته النثرية الروائي يعني كلها منتجات حداثية، الحداثيون تعاملوا مع الحداثة بطريقة تقليدية هي مش للحداثة، يعني الحداثيون يعتبرون أن مستقبلنا نحن مستقبل المجتمعات العربية كماضي فرنسا منذ مائتي عام، مستحيل، علي أن أنخرط علي أن أبتكر صيغي العقلانية، أن أبتكر صيغتي الديمقراطية، الحداثة الآن تشهد موجات جديدة وللأسف إن الحداثيين خافوا من الموجات الجديدة، بالعكس أنا أعتبر أن الموجات الجديدة هي فرصة لي يعني حتى الموجة الجديدة التي هي نقض للحداثة أنا أعتبرها فرصة عندي لكي أنخرط في نقد الحداثة وأجدد حداثتي وحداثة العالم.

أحمد الزين: أنت من شوي عن تحكي يعني انطلاقاً من مشروعك أو من شغلك وعم تعمل هالمقاربة بينك وبين هذه التجربة، يعني أنا عم احكي عن المجتمع العربي يعيش إذا بدك ذهنياً.. ذهنياً يعيش من ألف سنة بفكره، ولكن هو الآن يعني يستهلك الحداثة الحالية في وسائلها، بس هو مثل ما بتوصف أنت يعني هو عايش في كهف.

علي حرب: بس أنا بعتبر اللي عم قول عنهم منخرطون في بناء المجتمع الحديث ولا ينظّرون للحداثة يمكن يكونوا حداثيين أكثر مني، ولنأخذ ماليزيا لا يوجد في ماليزيا منظرين للحداثة كثيراً، ومع ذلك فإن ماليزيا قفزت مما قبل الحداثة إلى ما بعد قفزت، يعني من ما قبل الحداثة إلى ما بعد الحداثة صارت مجتمع يعني مجتمع طبعاً تعتمد على عصر المعلومة لماذا؟ لأن ماليزيا لم تقلد النماذج الحديثة، صنعت أيضاً نموذجاً لقد استفادت من كل النماذج.

أحمد الزين: في كتابه "العالم ومأزقه.. منطق الصدام ولغة التداول" يقوم علي حرب بقراءة للمشهد الإنساني والعالمي بتحولاته وانفجاراته التي تضع الإنسان أمام مأزقه، وفي توصيفاته وتشخصيه تحليلاً وكشفاً للرواسب والمطلقات والإدعاءات والتهويمات التي وضعت الإنسان أمام هذا المأزق يطرح علي حرب نوعاً ما من العلاج أو التدبير من أجل تجديد شبكات الفهم والتأويل أو منظومات القيم والمعايير، وبهذا السياق يطرح أداةً للعمل تسهم في تغيير الهندسة الاجتماعية كما يقول، وتحت عنوان "نحو عقول تداولي".

علي حرب: إن العقل التداولي ينتج مجتمع تداولي، والواقع الآن إن المجتمع لم يعد مجتمع نخبوي، هل أنا نخبة؟ المجتمع التداولي مجتمع حقول واختصاصات أياً كان، يعني مثلاً قال أحمد زويل: إن الجامعة يعني اللي هو بيشتغل فيها تتيح لرجال الأعمال الذين يتخرجوا منها يقترحوا موضوعات للدرس، يعني المعرفة التي ينتجها الأكاديميون اليوم والمهمة حتى تصبح وقائع مؤثرة وحقائق حية وملموسة تحتاج إلى التحويل والصرف في الميادين المختلفة، يعني أنت كعالم اجتماع أو كعالم اقتصاد أنتجت نظرية، هالنظرية ما بتطبق تُحول على أرض الواقع يعني تحتاج إلى مبدع يحولها على أرض الواقع سواء كان المبدع سياسي يحولها إلى إجراءات وتشريعات، أو إلى مبدع اقتصادي رجل أعمال يحولها، ولذلك اليوم الحلول في المجتمع التداولي مجتمع الحقول والاختصاصات ليس مجتمع النخب، ماذا تعني كلمة نخبة؟ النخبة هي احتكار الوعي والفهم، شو النخبة النخبة أنه أنا بدي ناس فكر عنهم أنا بحلم عنهم أنا بقرر لهم، هذا وهم ولد الكوارث في العالم وهنا، إذاً المجتمع التداولي مجتمع حقول واختصاصات تتبادل التأثيرات، يعني صار اليوم الواحد مش بس يتنقل عليه أن يشارك في تقديم الاقتراحات في حقله، الشغلة الثانية الأساسية بالعقل أن الفكرة ليست قالباً جامداً أو مفهوماً محضاً ما فيه فكرة مطلقة للعقل، فكرة شو هو برهانها؟ أنا برهانها هو رهانها على أن تكون مصنعاً للإمكان مفتاحاً للفهم والتشخيص، أي تفتح مساحات ولغات ومجالات للتعايش والتبادل أو للتفاعل إذا شاء، وأنا أسأل هنا من هي الكتلة الوحيدة اللي بالعالم اللي هي أقل عنف أقل ميل للعنف هلأ..

أحمد الزين: اللي مثلك يعني..

علي حرب: لأ كتلة مجتمعية منطقة؟ أوروبا..

أحمد الزين: آه عم تحكي عن بلدان يعني..

علي حرب: آه بلدان يمكن أنا أخطأت في السؤال، أوروبا أكثر بلد..

أحمد الزين: مارست العنف أوروبا في القرون الوسطى 100 حروب أهلية وعندها حرب بالآخر أربع خمس حروب ومشي حالها يعني..

علي حرب: بعد أن تدرجت بعد نصف قرن تقريباً اشتغلوا فيها وتحولت إلى مساحة تداولية صارت هي الأقل عنف، بعدها بدي ضيف شغلة لأنها أيضاً الأقل تديناً بالمعنى الديني..

أحمد الزين: بس عم ساهم بتخريبها هلأ..

علي حرب: إيه ممكن وعلى نفسها جنت براقش، لأنهم بمحاربة التيار القومي استضافوا خلال أربعة عصور الأصوليات، يعني هاي كثير الناحية هذه أعتبرها مهمة، أوروبا الأقل تديناً بالمعنى الديني أنا برأيي الأكثر تقاً بالمعنى الوجودي، أوروبا لأنهم يقبلون أصبح بعضهم صار الفرنسي بيجتمع صار.. كيف عملنا حرب صاروا يقولوا، لا يتحدثون عن النصر، بعض الرؤساء حكيوا عن النصر بالحرب العالمية، بس يعني العاقل والمتقي الآن لا يتحدث عن النصر..

أحمد الزين: صار شي معيب عندهم النصر.

علي حرب: صار شيء معيب فأوروبا..

أحمد الزين: يعني وصلوا لمرحلة أنه مش بالضرورة دائماً يكون فيه عدو لحتى كون أنا موجود.

أحمد الزين: طرق علي حرب أبواباً عديدة مجتهداً في التوصيف والتحليل والنقد والابتكار، متناولاً التراث حيناً والمعاصر حيناً آخر، مقارباً بين فكر وآخر بين نظرية ونظرية، وتناول فيما تناول مفهوم الهوية وأوهام النخبة ودور المثقف وأسباب التطرف الأصولي إلى ما هنالك من عناوين وأسئلة، وراكم حوالي العشرين مؤلفاً بدءاً من التأويل والحقيقة ووصولاً إلى كتابه "هكذا أقرأ" متجاوزاً القراءات الأيديولوجية، محاولاً إيجاد صوت خاص به صوت حر لا ينضبط سوى تحت سؤال العقل.

أحمد الزين: أستاذ علي عشرون مؤلفاً يعني تقريباً يعني وأبحاث وكتابات يومية أو أسبوعية ببعض الصحف، يعني ماذا تعتبر نفسك أنت عاملاً في ميدان الفكر مفكراً فيلسوفاً صاحب مشروع واضح؟ أم أنك هيك يعني فقط تحاول تطرح أسئلة شوي صعبة؟

علي حرب: آه بالنسبة للعشرين كتاب يعني ابني كان مجال التندر يقول لي حدا بيؤلف عشرين كتاب لشو..

أحمد الزين: عيب آه.

علي حرب: فيه فرق يعني أربع خمس كتب زيادة ليش عشرين كتاب، هلأ أنا أعتبر نفسي يعني أولاً كاتب بمعنى أنه صنعتي الكتابة، فيه مرة واحد قال لي أنتم المثقفين، قلت له وقاف شو مثقفين؟ قلت له يعني هو بالفعل مش من جماعة المثقفين بالمعنى الحرفي بس يتقن الكلام ويقرأ.. يعني قلت له أنت مش مثقف ألا تحسن الكلام؟

أحمد الزين: يعني تعتبر نفسك كاتب..

علي حرب: لأ هو شو قال لي.. قلت له يعني ليك أنا كاتب أنت بتعرف تكتب وعم تحكي قال لي لأ، قلت له أنت إذا بس تقولي لي مثقف يعني ألغيت لي مهنتي وصنعتي إي يعني..

أحمد الزين: طيب شو تعريفك للمثقف؟

علي حرب: المثقف هو يكون أحد العاملين في مجالات المبدعين أو المنتجين شاعراً كاتباً فيلسوفاً روائياً صحفياً إعلامياً، يتخذ موقف ينخرط يعني في الحياة العامة، ويتخذ مواقف تتعلق بمسألة الحقيقة والعدالة والحرية وحقوق الإنسان..

أحمد الزين: وهيدي الأشياء مش نسبية الحقيقة والعدالة والحرية؟ يعني أنت بتشوف العدالة والحقيقة والحرية غير المثقف اللي تابع للسلطة أو اللي تابع لتيار ديني أو تيار حزبي؟

علي حرب: عشان هيك يعني هلأ طبعاً لم بتصير مجزرة بمكان أكيد بصير فيه إجماع حولها، فحكماً هيدا يعني.. هلأ ممكن الواحد يكون مرات شاعر وما بياخذ مواقف من.. ممكن عالم منطق مبدع بالمنطق مو كثير يهتم بالشأن العام، فالمثقف يعني لذلك هو صاحب مهنة ومهمة، مهنة معرفية جمالية أدبية إلى آخره، ومهمة نضالية مرشد فاعل يعني مثل سارتر مثل..

أحمد الزين: وقارئ للظواهر الظواهر الاجتماعية..

علي حرب: لا مجرد ما كان، يعني طبعاً لوفوكو مثلاً يعني لما كان يعارض الحكومة أو سارتر يعارض الحكومة يُحترم لقامته الأدبية والفلسفية، لو لم يكن منتجاً ومبدعاً في مجاله ومهنته، مشان هيك أنا بقول إنه ينبغي عندنا نحن هنا أن لا تطغى المهمة النضالية تبتلع المهمة النضالية المهمة شو المعرفية والفلسفية، يعني إذا أنا ما كنت منتج بمجالي شو إلي فضل كل الناس بدها تناضل، الفيلسوف لا يمكن إلا أن يكون مثقفاً، يعني ما ممكن إلا يكون منخرط بالشأن العام لأنه يتعاطى بمفاهيم تخص الناس وتخص جميع القطاعات المعرفية وتخص الناس، الحقيقة الهوية المعرفة يعني كل هيدي..

أحمد الزين: بتقديرك اليوم العالم بحاجة لفلسفة؟

علي حرب: أكيد.

أحمد الزين: يعني الفلسفة ما ماتت وحل محلها شيء آخر؟

علي حرب: الفلسفة لا تزال مزدهرة، وعندما أتابع المجلات أنا في كل ملف من الملفات القسم الأكبر منهم فلاسفة، الفلسفة كفكر نقدي كفكر يعالج..

أحمد الزين: بس أديش مدى تأثيرها على حركة المجتمع؟

علي حرب: لما نجي ناخذ يعني مثلاً هلأ يعني الأزمات بالعالم طبعاً يعني أنا برأيي التجديد، التجديد يعني في كل أعمال التحديث والتطوير والتجديد يشارك الفلاسفة بنظرياتهن ومفاهيمهن.

أحمد الزين: طيب أعمال هؤلاء يعني أعمالك وأعمال هؤلاء المثقفين إذا ما كان لها صدى في الحركة الإنسانية الاجتماعية بشكل مباشر ما بتتاخذ بعين الاعتبار في المناهج التعليمية في المدارس؟

علي حرب: يعني كتبي أنا مثلاً مندرجة في المناهج في بعض البلدان العربية، ويقرأها أناس في يعني مختلف العالم العربي والإسلامي، يعني تُقرأ في طهران وتقرأ في باريس..

أحمد الزين: على سيرة طهران شو رأيك بالمشروع الإيراني يعني؟ خلينا نحكي شوية سياسة.

علي حرب: إيه بدك تميز بين يعني إنه.. المجتمع الإيراني يملك بعض الحيوية، فيه حد من المعارضة يعني في جانب من المعارضة، والمجتمع الإيراني يعني مثل ما قالوا إنه في 150 ألف ملا يعني..

أحمد الزين: يعني رجل دين..

علي حرب: برجل دين من قارئ مجالس العزاء إلى آيات الله شو 150 ألف، أكيد يعني بيخلقوا ديناميكية يميز بين إيران وإيران، بين إيران يعني الخاتمي وإيران الفردوسي وإيران السجادة وإيران الابتكار، وإيران يعني مهاجراني وإيران سروج الناقد، وإيران سبشتري الذي يقول إن الأسلمة هي خطر على الإسلام وعلى المجتمع، أسلمة الحياة وهي يعني من أهم الأسلمة هي من أهم يعني المشاكل، يعني داء الأسلمة الأسلمة يعني أن يتحول الدين إلى نظام شمولي يهيمن على الحياة، الدين هو دائرة من دوائر الحياة ليس أكثر، قد يكون لإيران مشروعها يعني لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة جغرافياً وسياسياً أو حتى طائفياً..

أحمد الزين: يعني هي في عندهن رغبة لإعادة هذه الإمبراطورية القديمة اللي كانت تسمى الإمبراطورية الساسانية أو الفارسية تحت العباءة الدينية الآن؟

علي حرب: إيه جوابي على هالشغلة أنه إيران دولة، وإيران مجتمع عريق في التاريخ ومجتمع له لغته وله ثقافته يعني ضمن الثقافة الإسلامية، وطبعاً مثله مثل.. ساهم مساهمة كبيرة يعني في الثقافة والحضارة العربية الإسلامية وخاصة بجوانبها المعرفية والفلسفية، كدولة هي أنا إيران أو تركيا أيعتبروهم كدول قومية هيدا هو الأصل، ويمكن يعني ما بعرف يوظفوا.. يوظفون الدين يعني يمكن أو المذاهب بس الأهم هو الأهم هو إستراتيجيتهم كدول كمجتمعات تريد أن تمارس حضورها، يعني أنا مش ضد أن تكون إيران دولة قوية أو أن تصنع قوتها، ولكن كيف تصنع هذه القوة؟ هذا هو السؤال يعني وما مردوده علينا نحن.

أحمد الزين: "كل من يدعي امتلاك الحقيقة أو صفاء الأصل ونقاء العنصر هو مشروع إرهابي، وكل من يزعم أنه يجسّد وحده دون سواه قيم الحق والعدل والحرية والحضارة هو أيضاً مشروع إرهابي، وباختصار كل من يدعي احتقار المصداقية والمشروعية ليفرض وصايته على الناس سواء كان الشعار الإسلام أم الحداثة، إنما هو يفكر بصورة إرهابية تبدأ بالتمييز والإقصاء وتنتهي بالعنف والإرهاب" علي حرب.