جمعة اللامي

أحمد الزين: لا أعرف لماذا أذهب إليهم هم العراقيون في هجراتهم؟ طيور تشتت سربها وحطت بعيداً عن وطنها، لكنها بنت حيث أشجارها المؤقتة أو أوطانها المؤقتة ما يحميها من السقوط أو التيه ويصون الذاكرة، منذ زمن بعيد على أوائل الستينات أطل رجل من عتمة السجن صائحاً: من قتل حكمت الشامي؟ ونادى يا سكارى أجيء كالحلم وأمر على بيوتكم وليس لي إلا الحب أوزّعه عليكم، فلقد أماتني أن أراكم متفرقين، أماتني أن أراكم كالشياه ولقد ملأتم قلبي ألماً فقتلت نفسي من أجلكم، وها أنتم كما كنتم تبحثون عن الحب تحت المناضد وبين أغلفة الكتب، إنكم عميٌ لا تبصرون، هو جمعة اللامي الروائي والقاص العراقي ابن ميسان أو العمارة، مسكون بطفولته وبأحزان جنوبه، يسكن الشارقة وتسكنه البلاد بنخيلها ومائها وفقرائها وأوجاعها. حمل معه ما أمكنه وبالتأكيد حمل ألم سجنه وآماله وبعض نصوص قديمة احتفظ بها في بيته تتكثف حياته حياة أبطاله وأصدقائه وكتبه وصوره، وأول ما يلفت النظر هو نص قديم كتب في الستينات داخل سجن الحلّة، ترى ماذا يشعر المرء عندما يستعيد عبر هذه المخطوطات مشاهد تلك الأيام؟

جمعة اللامي: هذا نص معاند وممانع ومتمرد يتحدث عن شخصية ملحمية في بغداد، وبالذات في حي الفضل، اللي هو خليل أبو الهوب.

أحمد الزين: خليل أبو الهوب.

جمعة اللامي: نعم.

أحمد الزين: هذا شخصية حقيقية.

جمعة اللامي: نعم. بدأ فتوةً وانتهى مناضلاً في صفوف الحزب الشيوعي، ثم اغتيل. هذه قصة متمردة وبالذات فهي في شكلها الكتابي الأسلوبي أيضاً متمردة، أنا أتحدث عن شخصية معروفة ومشاعة للجميع أريد أن أرفع الواقع إلى مستوى الرمز، وليس العكس. أي لا أنزل الرمز إلى الواقع لأنني أعتقد أن الرمز هو المعادل الموضوعي والأخلاقي لواقعنا الناقص، بمعنى أن النقص كامن وخالد بينما الواقع يميل إلى النقص دائماً.

أحمد الزين: هلأ هاي دردشة خلينا جمعة اللامي هيدا اسم هيك شوي.. اللامي هو اسم قبيلة، يقال أنها تعد بالملايين، وأنت تفتخر أنك تأتي من قبيلة تعد بالملايين؟

جمعة اللامي: لا. أنا أفتخر لأنني أجيء من نفسي. أجيء من أمي وأبي وناسي، وهؤلاء هم نفسي بالواقع، أنا متتالية غير مستمرة ابتدأت منذ حقب لا أعرف متى بدأت، واستمرت إلى يومنا هذا، وسوف تستمر. لو تأخذ تاريخ هذه القبيلة من الناحية الشعرية ومن الناحية الأدبية ستجد فيها ناساً يعتد بهم. لو نأتي على العراق الحديث أول من كسر البريطانيين في سنة 1919 قبل ثورة العشرين في العراق في معركة البساتين الشهيرة في مدينة ميسان كسرهم رحمة الله عليه الشيخ غضبان البنية شيخ بني لام، وهكذا افتخاري ليس.

أحمد الزين: بتعدادها.

جمعة اللامي: بتعدادها ولا عنصرية، وإنما بما قدمت من مأثورات ومن أشياء ومناقب يعتدّ بها.

أحمد الزين: نعم، نعم. طيب السؤال هيكي الآن الواحد هيك بيفتكر فيه دائماً الواحد بس يلتقي بصديق عراقي بينطرح أو يحضر العراق يعني بكل جروحه وأحزانه الآن يعني وتشتت أهله. أنت من هذا المكان ومن هذه المسافة اللي صار عمرها يمكن فوق 25 سنة، كيف ترى إلى العراق؟

جمعة اللامي: عندما أنظر إلى العراق الآن وأقارنه بما رأيته في سنة 79، وقبل ذلك في 59، وقبل ذلك في أوائل الخمسينات، سأجد هذه المتوالية أو المتتاولة من العنف، تاريخ العراق هو تاريخ العنف، وعندما أعيد قراءة هذا الواقع الذي عشته أو عاصرته بما قرأته عن العراق منذ ما قبل غلغامش، يعني منذ السومريين الأوائل سأجد أن العنف ملازم للعراق. لأن هذا المكان هو ملتقى أقوام شتى، ستجد من الشرق الهضبة الإيرانية والمرتفعات التركية، ومن الغرب ستجد انسياب جزيرة العرب، وبين الحالتين بين جلافة الجبل وبين الأعراب الذين ذمهم القرآن الكريم بنيت هذه الحضارة، بني هذا الموقف الأخلاقي المتأمل للكون، أعيد صنع الجمال، صنعنا المسرح أوجدنا العالم السفلي، فلا بد أن يتعرض هذا المكان إلى ما يتعرض له الآن وتعرض سابقاً.

أحمد الزين: أما العراقيون فالحزن يليق بهم كما يقول جمعة اللامي. العراق يعبر عن حزنه باكياً وضاحكاً في آن، وفي المدونات العراقية التي يعود تاريخها إلى نحو 7000 عام وكذلك في الأدب العراقي المعاصر يتجلى الحزن والبكاء حتى أكاد أقول: إن الحزن موغل في أعماق الشخصية العراقية، ربما يعود هذا إلى مرجعية أخلاقية إذ كان العراقي سباقاً إلى اكتشاف سلطة الموت على الإنسان كما تشير مثلاً مراثي غلغامش المعروفة في صديقه أنكيدو. ومن الملفت أن هذه المراثي ارتبطت ببحث غلغامش عن سر الخلود الذي هو النقيض لسطوة الموت، كما أن الكوارث الطبيعية المهلكة وطغيان دجلة والفرات في مواسم الفيضان والمصير التراجيدي للقامات العالية في تاريخ العراق القديم والحديث على حد سواء جبلت العراقي بالحزن والبكاء.

جمعة اللامي: كيف لا يحزن الإنسان العراقي - أو عموم الإنسان - لكن مادمنا نتحدث بالعراق، كيف لا يحزن هذا الإنسان وهو يرى أعز أصدقائه أو ناسه تفارقه في لحظة غير متمناة وغير متحددة، رأساً يُسرق، أنا أريد يا حبذا عندما نذهب إلى بابل سنجد تفصيلاً لامرأة تخاطب الآلهة، ولكنها ترمي نحو السماء طفلاً، طفلاً رضيعاً ولد للتو والدماء تشخب من جسده وهي مدماة هي نفسها، لماذا.. ماذا توحي لنا هذه من المنحوتة الصغيرة والصورة؟ هل هو احتجاج؟ هل هي صرخة حزن؟ هل هي صرخة بكاء؟ هذه هي اللي تشكل الشخصية العراقية. ولكنني أنا أتطلع عبر هذا الحزن وعبر هذا الدمار..

أحمد الزين: إلى الفرح المنشود.

جمعة اللامي: إلى الفرح، يبقى الفرح بمعناه الأخلاقي الكبير هو قريننا أيضاً، وأنت تجده في ثقافتنا في وجهها المسكوت عنه.

أحمد الزين: صحيح صحيح ، طيب خلينا نرجع شوي للطفولة مثل ما نعرف أن الطفولة والنشأة كانت في مدينة العمارة في الجنوب العراقي، يعني تبدو هيك من خلال كتاباتك كأنك مسكون بهالطفولة، ليش هالقدّ حاضرة الطفولة بشغل جمعة اللامي؟

جمعة اللامي: أنني في الواقع ولدت كبيراً، أنا سقطت على قدمي.

أحمد الزين: هاي بالحقيقة؟ أم بتقديرك هيك؟

جمعة اللامي: هكذا أتصور، لأني ذهبت وحيداً إلى الختّان أو الختان.

أحمد الزين: وحيداً، وما حدا يجرك يعني؟

جمعة اللامي: ما حدا يجرني.

أحمد الزين: كانوا الأولاد يبكوا بس ياخدوهم للختان.

جمعة اللامي: نعم. وذهبت وحيداً إلى المدرسة، وهاجرت وحيداً من العمارة إلى بغداد، وهاجرت أيضاً.

أحمد الزين: وحيداً من بغداد إلى بيروت.

جمعة اللامي: إلى بيروت. ومن بيروت إلى الإمارات حيث أحدثك الآن. هذه الوحدة أو هذا التوحد دائماً يجد مبتغاه وتجلياته الحقيقية بالطفولة لأنها النقاء ولأنها البراءة الأولى ولأنها العذرية الأولى، بينما كل هذا التنقل اللي صار حمل معه إشكالات الواقع.

أحمد الزين: العمارة أو ميسون مخزون لا ينضب عالمه السحري والواقع أيضاً بكل ما يحمله من صراعات وأحزان وطقوس وآلام وآمال. هي أمكنة الطفولة وأمكنة التاريخ الضارب نحو بابل القديمة والحكايات. لقد استعاد تاريخها وكتبه برؤية المسكون بالعدالة والحرية وجعلها المدينة الفاضلة حلماً عالياً ميسان، هي ذلك الامتداد الإنساني والتاريخي والجغرافي والميثولوجي بالنسبة لجمعة اللامي، وعندما يتحدث عنها لكأنه يروي عن عشق عتيق عالٍ فيه منسوب الشجن، سماها إليشن فهي تناص أخلاقي وفكري واقتراب من كل المدن الفاضلة فماذا أضاف أو أعطى جمعة لهذا المكان.

جمعة اللامي: أعطيت للمكان خصوصيته، الخصوصية التي يستحقها بما هو عليه من خصوصية. هؤلاء القوم الذين جاؤوا من الماء.

أحمد الزين: حلو كتير، حلو كتير.

جمعة اللامي: نعم.

أحمد الزين: هذه مدينتك الفاضلة.

جمعة اللامي: هذه حلمي.

أحمد الزين: الذي لا يتحقق.

جمعة اللامي: أى..

أحمد الزين: يتحقق على الورق.

جمعة اللامي: سأبقى أحلم لأنه ليس المهم هو أن يتحقق..

أحمد الزين: المهم أن نحلم؟

جمعة اللامي: نعم. ليس هناك قول لأبانيو.

أحمد الزين: مثل ما بتقول أن المنفى ليس هو المهم، الطريق..

جمعة اللامي:إلى المنفى.

أحمد الزين: مش هي اللي ينبغي أن نفهمها ربما هو طريق إلى المنفى الذي..

جمعة اللامي: لأنه كل هدف..

أحمد الزين: بس تتحقق خلص انتهت. ما عادش فيها سعادة.

جمعة اللامي: كل هدف يبقى يوتوبيا.

أحمد الزين: نعم.

جمعة اللامي: أما الهدف الصحيح هو الوصول.

أحمد الزين: مثل العدالة مثل الحرية مثل المساواة.

جمعة اللامي: وحتى بالكتابة. الكتابة ليست هي الرواية وإنما الأسلوب.

أحمد الزين: على سيرة الأسلوب طالما أنت عم تجرنا لهالكتابة هلأ، يعني بيتميز شغلك خاصة في البداية بهالمجموعة القصصية في كثير من النصوص اللي هي أنت أدرجتها تحت اسم القصة القصيرة، ولكن هي هذه النصوص لا تشبه القصة يعني مثل ما منعرفها أو مثل ما متعارف عليها، ولا تشبه الرواية ولا تشبه القصيدة هي نص طبعاً في حكاية في شيء في حدث، ولكنه هيكي كأنه يخصك لوحدك.

جمعة اللامي: إي.. هذه القصص في الواقع تشبه نفسها، ولكنها استحضار لحالة عربية مكتوبة وموثقة. أنت اذهب إلى مقامات الهمذاني، اذهب إلى كل النصوص المكتوبة بالعربية حتى الكتب المقدسة، ستجد متناً وستجد تعليقات وهوامش.

أحمد الزين: صحيح.

جمعة اللامي: فماذا عملت؟ عملت المتن، وعملت الهامش، وأيضاً عملت المتن والهامش أدخلته داخل المتن اللي هو التقويس، أنا كنت طبعاً كنت أكتب بوعي وبقصد، أنا عندي الهامش هو الباطل، والمتن هو المعلن، عندي القصة اللي أكتبها اللاتجنيس كما جبل الثلج.

أحمد الزين: يقول المسرحي والناقد عصام محفوظ في تجربة جمعة اللامي، أما اللعبة الشكلية المتطورة جداً فصاحبها العراقي جمعة اللامي، الأول الذي يحاول أن يكتب كما كان أبورينير يكتب بعض شعره، أي يستغل الإمكانات التصويرية للتأكيد على معنى يدرك أن الكلمات المصفوفة في ترتيب قد لا تؤكده في القوة نفسها التي يريد، أنه يقول مثلاً في قصة بعنوان سعاد على شكل ثلاث زهرات: اذهبوا إلى قبر الرجل المدفون في مدينة النجف، ثم ابدأوا بالندب ولكن ثمة في الأفق من يعلن أن الجديد القادم يكتب تاريخ الآتين محملاً بالحناء وطعم قصب السكر.

جمعة اللامي: بيني وبين العراق العراق، بيني وبيني ليس سوى العراق، والعراق هو النخل يغازل نخلة السحر، العراق ثدي أمي وعباءتها والعراق هو الراية الحمراء ليس بيني وبين العراق إلاه، ليس بيني وبين العراق إلا هواه، ويا هواه، أين أنت يا هواء العراق؟ لو ألقاك مرة، لو مرة أنساك، تعال ولو لحظة خطار، والعراق طينه كافور، ملحه شهد وماؤه حياة الماء قبل أن توجد على الأرض حياة.

أحمد الزين: طيب جمعة أيضاً يعني أنت هيك مثل ما قلنا مسكون بالطفولة، مسكون بالمكان يعني تحمل طفولتك ومكانك حتى بترحالاتك ومنافيك، وأيضاً تحمل التراث، يعني أنت شخص معني كتير بالتراث يعني، أيضاً هذا نعثر عليه بشغلك بطريقة أو بأخرى، وبتقول أنت يعني تتناول التراث لكي تفضح عدم العدالة في الواقع أو الفداحة في فقدان الحرية إلى ما هنالك؟

جمعة اللامي: يعني الآن أنا ازدادت قناعتي أنك قرأتني جيداً. أنا في الواقع لجأت إلى التراث لأحارب الواقع الفاسد بالشهداء، وبالعرفانيين وبالأخلاقيين الكبار، وبدأت الفكرة بسيطة وأنا في السجن. فذهبت إلى التراث الإسلامي الصوفي، الحلاج التستري، كل ما عرف عن التصوف والعرفانيات الإسلامية، ثم ذهبت بعيداً أيضاً إلى تاريخنا القديم ليس المعلن من السومري فقط، وإنما من الآشور، ستجد في نصوصي حتى أحيقار، أحيقار اللي هو الفيلسوف الذي قال قبل الإغريق أو قبل الإغريقي في الواقع: اعرف نفسك. لكن المهم أنت كيف مثل ما قلت حضرتك.

أحمد الزين: كيف تصنع مرآتك؟ يعني تكون أمين لتلك الخصوصية، وألا تفقد يعني..

جمعة اللامي: يعني خذ هناك خصوصية عند أميركا اللاتينية وعند ميسان اللي هي فيما يتعلق بتشبيه المقدس، تحويله إلى مسرح، كما في العاشورائيات مثلاً وكما في مقتل المسيح. يعبر أحد الشعراء العظام يحوّل المسيح إلى رفيقه، إلى رفيقة الدرب، وهذه فكرة راقية كيف يتحول المسيح إلى مناضل؟ من أجل.. إلى مناضل في القرن العشرين من أجل الاشتراكية والسلام والعدالة الاجتماعية. أنا جعلت بالضبط شخصياتي في جنوب العراق وفي ميسان تحديداً هم على هذه الطريق. ستجد هناك شخصيات عطا، هذا أول مناضل يساري قتل في العمارة من أجل عبد الناصر، ومن أجل العدالة، لكنه هو الذي سيكون قناعاً لكل العرفانيين ولكل الأخلاقيين.

أحمد الزين: أنت بدأت حياتك السياسية ماركسي. ويبدو أنك لم تقم طويلاً يعني ما طوّلت الإقامة بالحزب، ودخلت السجن بالوقت اللي كنت بالحزب ومثل ما ذكرت لي هيك بالدردشة أنه أنت خلال السجن طلقت الماركسية، شو السبب؟ أولاً كيف دخلت وكيف خرجت؟

جمعة اللامي: أولاً لم أطلق الماركسية.

أحمد الزين: الحزب قلت أنا.

جمعة اللامي: قبل أن أدخل السجن بأشهر أنا علاقتي بالحزب كانت منتهية في الواقع. بعد أن دخلت السجن وفي ثمانية شباط 1964 بعد بعد سنة ونيف على اعتقالي..

أحمد الزين: يعني أنت سجنت لأنك كنت شيوعياً؟

جمعة اللامي: نعم.

أحمد الزين: يعني أنت كنت في ذلك الحين كنت تارك التنظيم؟

جمعة اللامي: أنا كنت خارج التنظيم.

أحمد الزين: يعني ظلمت مرتين؟

جمعة اللامي: نعم. هو في الواقع ظلمت ثلاث مرات، لأني ظلمت من قبل التنظيم بعدئذ داخل السجن. ولكني تركت يعني غادرت التنظيم بعد أن أكملت مدة سجني، أي لم أنبذ.. لم أقدم براءة ولم أقدم تعهداً بعدم السياسة، كانت المسألة عندي مسألة شخصية كما جئت بشرف يجب أن أخرج بشرف.

أحمد الزين: طيب أستاذ جمعة أنت طبعاً مثل ما ذكرنا شخص جدلي فتت على الماركسية فتحت لك الأسئلة أسئلة الوجود، وأسئلة الحياة، وأسئلة الحرية والعدالة إلى ما هنالك. ثم نراك بعد حين دخلت في التصوف والتأمل في الذات وفي النفس وفي الإيمان، كيف حدث هذا؟

جمعة اللامي: في رواية الثلاثية الأولى، يقول عزيز الموسوي وهو أمام ضابط التحقيق يسأله: أنت من؟

أحمد الزين: يعني بطل أحد القصص هيدا؟

جمعة اللامي: هو البطل الرئيسي.

أحمد الزين: بس تنوضح مين.

جمعة اللامي: عزيز الموسوي هو..

أحمد الزين: أنت ملاحظ أن الواحدبيصير يحكي عن أبطاله بالرواية كأنهم يعني أولاد خالته بيعرفهم يعني.

جمعة اللامي: نعم. أنا عايشين معي غريب المتروك وحكمت الشامي.

أحمد الزين: هلأ منرجع منسألك من قتل حكمة الشامي؟ تفضل.

جمعة اللامي: فيسأله الضابط يقوله: أنت شيوعي؟ يقول له: أنا شيوعي.. تعترف أنت شيوعي؟ يقول له: نعم. قال له: ولكن أنا أرى شيئين، الله الذي في السماء، وماركس الذي في الأرض، أنا عندما أقول أنا قريب من الماركسية، أنا لا أزال أعتقد أن الماركسية هي نظرية في فهم الحياة مثلها مثل أي نظرية أخرى، لا ينبغي التعامل معها بحساسية وبخوف وأحياناً بتذمر، لأ. هذا هو عصرنا وهذه أفكارنا مثلها مثل الرأسمالية.. عفواً مثلها مثل الوجودية مثل أي فكرة أخرى.

أحمد الزين: على الستينات القرن الماضي سجنت لست أو سبع سنين وبتقول أهم شي اكتشفته داخل السجن أن الحرية لا تجزّأ على الإطلاق، هذا قولك، بتقديرك السجن الفكري إذا الإنسان كان سجين فكر معين، أشد يعني؟

جمعة اللامي: هذا هو السجن، هذا هو السجن، هذا هو السجن أما سجن.

أحمد الزين: يعني سجن إيدلوجيا معينة؟

جمعة اللامي: إي. أما سجن الحيط.. الحائط والجدار فهذا تحصيل حاصل ولذلك الصعوبة تكمن وين؟ تكمن عندما يكون الإنسان سجين هذا الفكر سواء يصنعه.

أحمد الزين: شو ما كان نوع الفكر؟

جمعة اللامي: أي فكر.

أحمد الزين: ديني ودنيوي و...؟

جمعة اللامي: أي فكر. أنا بالنسبة لي عفواً. لا يجب أن يكون الإنسان سجين هذا الفكر، لأن الفكر مشهد غير منتهي.

أحمد الزين: صحيح.

جمعة اللامي: الفكر غير منتمي إحنا..

أحمد الزين: والأسئلة لم تنتهي.

جمعة اللامي: والفكر والأسئلة متتالية، لا نعرف متى ابتدأت ولا نعرف متى تنتهي، ولذلك في السجن أنا أقول ينبغي إطلاق الأسئلة، بدءًا من العائلة ومروراً بالانتماء الوطني والاجتماعي.

أحمد الزين: وصولاً إلى الكون.

جمعة اللامي: وصولاً إلى الكون.

أحمد الزين: سيرة بعض الناس تختزن سيرة أمكنة وتجارب أو تختصر حكايات جيل، القاص والروائي العراقي جمعة اللامي واحدٌ من بين هؤلاء الذين اختلطت حكايتهم بحكايات الآخرين وبأحوال أوطانهم على امتداد نصف قرنٍ من الزمان، وسيرة هذا الرجل قد يعثر عليها القارئ من خلال أبطال رواياته وقصصه، حكمت الشامي وغريب المتروك وإبراهيم العربي وغيرهم، هؤلاء بعضٌ منه، توزعوا مثلما توزعت حياته ما بين أحياء العمارة في جنوب العراق، حيث تفتحت عيناه على الظلم والفقر والحزن وبساتين النخيل وبين السجن الصحراوي في نقرة السلمان وبين بغداد وبيروت في الفاكهاني إلى دولة الإمارات، هكذا هو قدر جيلٍ من العراقيين. جمعة اللامي كما يصفه محسن الموسوي في مقدمة أعماله الكاملة هو عراقي التكوين والهوى ويصعب أن تضعه في غير هذا المسار إلا إذا راهنت على أمرٍ آخر يقيم ما بين التراث الحسيني والتصوف عند ذلك تخرجه من حدود جغرافيته وتضعه في فضاءٍ آخر أوسع من الموروث الحسيني وملاذات المتصوفة. بالطبع جمعة اللامي كما عرفنا لم يطل إقامته في الحزب الشيوعي، ولعل إقامته لست سنوات تقريباً في السجن نتيجةً لكونه كان شيوعياً هي كانت أطول بكثير من إقامته في التنظيم، اختار طريقاً أخرى للنجاة أو للوصول، واختار أن يبقى عراقياً حتى النهايات، وهذا ما يتجلى في كل كتاباته من مخطوطاته الأولى في السجن وحتى رسائله الأخيرة إلى زينب. في الحلقة الأولى كان سؤال العراق بدايةً وفواصل من تجربته وحياته عن حريته وسجنه. فما هو السؤال الآخر الذي يقلق جمعة اللامي؟

جمعة اللامي: ذلك هو كفني..

أحمد الزين: وعليه الكتاب.

جمعة اللامي: وعليه القرآن الكريم.

أحمد الزين: وأجد حدّه تراب؟

جمعة اللامي: تراب تراب العراق، وبعدئذٍ تراب البقية وبعدئذٍ يوميات قصر النهاية.

أحمد الزين: وهذه صورتك كمان؟

جمعة اللامي: وهذه صورتي وأنا في الصف الخامس الابتدائي في مدينة العمارة.

أحمد الزين: يعني هذا سؤال الموت أظن يشغل الكثيرين يعني..

جمعة اللامي: وشغل الكثيرين.

أحمد الزين: شغل وما زال ويبدو الأسئلة عليه شوي صعبة أو الإجابات صعبة بالمطلق يعني، إلا الأجوبة الدينية. ليش بيشغلك هذا السؤال؟

جمعة اللامي: غريب المتروك بعد ما - في رواية الثلاثية الثانية - بعد ما هجر المدينة الناقصة، بعد ما هجر بغداد وذهب إلى ديرة حلم العمر اللي هي ليشن نفسها، وأخذ يغسل الموتى ويقول: تعال لي أيها الصديق لا تهرب مني تعال نتصادق ويغتال أحد أصدقاء غريب المتروك يكتشف غريب المتروك أن القاتل هو الفاشية، الفاشية بمعناها الايدولوجي حتى ولو كانت يسارية والفاشية بمعناها القومي حتى وصلت إلى السلطة، إذ ذاك يجد غريب المتروك الطريق سالكاً إلى الغرفة الأخرى. عندما يمتلئ فرحاً بأنه هو لم يكن على خطأ إن هجرته من المدينة إلى ديرة حلم العمر، من الحياة إلى الموت الافتراضي، إنما هي رحلة مستمرة وغير قابلة للتأجيل وستظل تتوالد فيه كما في غيره ولأنها حياة روائية بين مجلدين فهي ستبقى قائمة وخالدة.

أحمد الزين: يعني استطعت أن تجد نوعاً من العزاء في الرحلة إلى البيت الآخر؟

جمعة اللامي: ليس عزاء.

أحمد الزين: ليس عزاء.

جمعة اللامي: لا ليس عزاءً لأنه هو.. ولكن هو الاقتراب أكثر من النفس. الآن..

أحمد الزين: نعم.

جمعة اللامي: الآن القضية واضحة رغم غموضها.

أحمد الزين: نعم.

جمعة اللامي: الذي يبحث عن العزاء يخون نفسه. الذي يبحث عن العزاء بحاجة إلى شاهد. يبحث عن الشاهد. الذي يبحث عن العزاء يبحث عن تبرير. أستاذي عبد الاحد المالح قُتل شر قتله وهو كان سعيد، وأحد أصدقائي نبيل حسين انتحر بعد ما خرجنا من السجن قال لقد سئمت عالمكم لأنه اكتشف الفرق ما بين الأيدولوجية وما بين الواقع في السجن، عندما اكتشفنا المستنقع عندما اكتشفنا السجن داخل السجن، رأيت وعدالله النجار يا أخ أحمد يذهب من سجن نقرة السلمان إلى الموصل ليعدم هناك، فلما صعد إلى المشنقة رفض أن تعصب عيناه، وهو الذي أخذ الحبل ووضعه في رقبته.

أحمد الزين: "ويقول جمعة اللامي من أين اصطباري وكتابتي لا ترتوي من دلاء القواميس وحكايات الأسلاف، كلما استبحت حجاباً من حجب الرواية ازداد ظمأ لغتي إلى أغوار شعريتها، فالاستباحة على قد الإباحة، وما يخرق من طهرانية اللغة يقابله القارئ بالغفران، كتابة الرواية تجربة مؤلمة ولا بد للتجربة من أن تثخن بالجراح كي يصلب عودها".

بنرجع لمسألة الكتابة طبعاً الكتابة والإبداع بشكل عام أحد شروطه الأساسية هي الحرية. أنت بتحس حالك حرّ لما بتكتب نص من أمام نص، وأنت جربت يمكن أن تكتب النص داخل السجن وكتبت الكثير من النصوص، الآن أنت بس تكتب بتحس حالك حر؟ أم هناك رقابة ما بتمارسها على نفسك؟

جمعة اللامي: لا. أنا أكتب وأنا حر. عندما أكون على الورق لا أفكر بالنشر.

أحمد الزين: بس ترجع تقرأ النص من جديد بتقول هذا خرج ينشر الآن أم خلينا نخليه لبعدين؟ لأنه يمكن يعمل لنا مشاكل؟

جمعة اللامي: لا.

أحمد الزين: ما عندك.

جمعة اللامي: في أدراجي الآن وأنا غريب. أنا فيه هناك رسالة كاتبها إلى من تنوب عن زينب، أقول لها أنا لا أفكر بالنشر.

أحمد الزين: زينب هلأ بنحكي عن زينب.

جمعة اللامي: ايه.

أحمد الزين: زينب هي بطل هي عنوان راوية لإلك؟

جمعة اللامي: نعم. مجنون زينب.

أحمد الزين: مين هي زينب؟

جمعة اللامي: يعني ربما تكون أمي.

أحمد الزين: أو حبيبتك؟

جمعة اللامي: أو ربما تكون حبيبتي بعد، بس حبيبتي المؤجلة غير المكتشفة، ولكنها يعني مرت على شخصيات يعني على..

أحمد الزين: شو بتقول لها لزينب في الرسالة؟

جمعة اللامي: أقول لها بالضبط أنه أنا أكتب إليك وأنا لا أريد أن أنشر كل ما أكتبه، لسبب بسيط يكفيني أنك أنت تقرأينه.

أحمد الزين: الله.

جمعة اللامي: إيه، هذه..

أحمد الزين: وهي مش موجودة؟

جمعة اللامي: وهي مش موجودة، لكنه على الأقل في ذهني الواقع.

أحمد الزين: هذه بتصيب هيدي الحالة بس تصيب الذين أشرفوا على الوصول؟

جمعة اللامي: لا.

أحمد الزين: بعد الوصول للرؤيا.

جمعة اللامي: ده ممكن. لكنها أصابت بول ايلوار..

أحمد الزين: أيه بول ايلوار صحيح.

جمعة اللامي: خذ قصيدته إلى زوجته "الحرية" التي هي قصيدة حب...

أحمد الزين: صحيح.

جمعة اللامي: ثم تحولت إلى منشور للمقاومة كما تعرف أنت.

أحمد الزين: نعم.

جمعة اللامي: أنا على فكرة أستاذ أحمد مجنون زينب هو نص بالحب، ولكن للولهة الأولى هكذا يتبادر للذهن وكأنه مثل أي نص حب آخر، المسألة عندي لأ. أنا منذ الحرب العراقية الإيرانية ثم الحصار إلى سنة 96، 94، 93 لم أكتب شيئاً على علاقة بالعراق. أنا كتبت مجموعة قصص اسمها اليشن وهي موجودة عندي. بعض الأعمال الأخرى السردية لكن في ما يخص..

أحمد الزين: بس قصصك الأولى كلها عن العراق؟

جمعة اللامي: وهذه عن العراق أيضاً لكن بطريقة أخرى

أحمد الزين: نعم نعم.

جمعة اللامي: على فكرة مجنون زينب كانت كلها تتحدث عن الطريق ما بين الشارقة وأبو ظبي عبر دبي، وأيضاً بعض طرقات الشارقة أو كذا أنا حولتها للعراق لغاية في نفسي.

أحمد الزين: "حملت زينب تميمةً وعبرت هذه الأبواب كانت ظلاً وحساً ورؤيا ثم صارت مرآةً في صحفي أرى فيها نفسي، لقد نسيت بتعدادك باب الحرف، حروف أسمي دخلت في حروف اسمها كما تدخل الصورة في المرآة، فنحن متعادلان بعدد الحروف وواحدنا يعكس اسم الثاني ويتلبس حروفه".

أحمد الزين: ليش بتكتب أستاذ جمعة؟ بحب أسأل هذا السؤال للي بيكتبوا عادةً، ليش بيكتبوا؟ ليش بتكتب؟

جمعة اللامي: للوهلة الأولى قد أقول لأتوازن. للوهلة الأولى لكنني في..

أحمد الزين: هي الكتابة بتكون نوع من الدفاع عن النفس أحياناً كمان؟

جمعة اللامي: أنا قلت هكذا. مرة مثل في السجن كنت أدافع عن نفسي..

أحمد الزين: بهذا الشكل في الكتابة؟

جمعة اللامي: في السجن بالذات. كنت كنت أدافع عن نفسي، ولكن خارج السجن كنت أدافع عن غيري.

قصيدة

لأنني رجلٌ شرقي أحببت الله ويممت وجهي إليك.
لأنني الشرقي أحببتك ويممت وجهي إليه.
هو الذي أرسلكِ إلي رحمةً بعد أن خلقك على عينيه،
يا عينيه أنت دليلي إلى الحانة
بعد أن ابيضت عينا كأسي وجداً ونوراً
وأنت نوره وأنت لفتته للخليقة
يا أجمل الجميلات
في هذه الخليقة
لأنني رجلٌ شرقي تدوّخني كلمةٌ منكِ
تسكرني بسمة شفتيكِ
تميتني ثم تعيدني حياً لفتة من ناظريكِ
لأنني رجلٌ شرقي أغار عليكِ من خط الحياة
في كفيكِ
من زهرةٍ تصلي بين يديكِ
من عطرك
من نقش حناء في باطن قدميكِ
من مشطٍ يلامس شعركِ
من ملابسكِ
من عقدٍ على صدرك
لأنني رجل شرقي
بت أغار مني
عليكِ

أحمد الزين: غادرت العراق أكثر من مرة بين عامي 1970 و 1979، لكنني كنت أعود إليه لاعتقادي أن وجودي بين أهلي ربما يكون مفيداً على الرغم من أني كنت أعيش عند الحافة القصوى للخطر، لذلك أثارت مغادرة العراق حراً ومحطتي الأولى كانت بيروت، حيث كان هناك مربع صغير يلجأ إليه العراقيون، غير أني وجدته لا يختلف كثيراً عما أعانيه في بلدي فمثقفو السلطة المؤجلة المعارضة يشبهون إلى حدٍّ بعيد السلطة التي يعارضونها.

جمعة اللامي: يعني ونحن في السجن كانت بيروت تعني شيء آخر، تعني المقاومة، في ذاك الوقت الفكر يعني أقصد، الحالة الفكرية، فعندما وصلت هناك أنا اشتغلت مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أنا كنت تعرفت على جورج حبش وبعدين في وقتها هو بعث بي إلى الشهيد غسان كنفاني، واشتغلت إذّاك معاهم وحدثت حدثت بعض الأمور التي يجب أن ندعها للتاريخ.

أحمد الزين: ندمان على الفترة أنت؟

جمعة اللامي: أنا لا بالعكس.

أحمد الزين: بتحس أن مرورك بهالأمكنة أو بهالتجربة بالتحديد أثراك يعني فتح لك أفق طبعاً.

جمعة اللامي: نعم. نعم أنا كنت.. تعرف في كلمة لسارتر كان يقولها يقول المناضل عندما قال: نعم. وقع في القفص.

أحمد الزين: اختار.

جمعة اللامي: وقع في القفص. عندما قال نعم وقع في أولاً قبر رفاقه، وثانياً قبر السلطة. وهذه في روايته الشهيرة دروب الحرية. هذا أرقى أستاذ أحمد هذا أرقى تعبير عن الحرية. أنه عندما تقول نعم للفكرة المناضلة أنت وقعت في سجنين سجن السلطة وسجن رفاقك، وأنا وقعت في هذه المسألة.

أحمد الزين: ونجوت منهما؟

جمعة اللامي: لا. يعني خرجت مدمّى، مدمّى ولكنني أقول لتربية شخصية ولاحترامي للنماذج التي رأيتها والتي عايشتها

أحمد الزين: نعم.

جمعة اللامي: أنا عايشت شهداء وأفتخر أنهم أفتخر أني عايشتهم وعندي رسائل شخصية منهم.

أحمد الزين: طيب أصدقاء في الواقع الآن مين أصدقاؤك؟

جمعة اللامي: أنا أقول أعظم الأصدقاء هم.. أعظم أصدقائي هم الذين اختلفت معهم.

أحمد الزين: وفي منهم في الكتب أكثر من الحقيقة ومن الواقع؟

جمعة اللامي: لا في الواقع أنا واحد من أعز أصدقائي عزيز السيد جاسم صورته هناك التي تراها.

أحمد الزين: في عندك صورة مع الشيخ حاكم الشارقة هون على الجدار عم يوقع روايتك يعني، يبدو أنت على ودّ مع مع سمو الأمير؟

جمعة اللامي: لأ، هناك كثير من إخواننا الإعلاميين والصحفيين في الوطن العربي وفي الإمارات يعني يصفون علاقتي بصاحب السمو الشيخ سلطان بأنها علاقة صداقة، وأنا أطمح أن تكون هذا.. أطمح أن تكون هذا لأنها هي بالأساس معرفة كاتب على كاتب.

أحمد الزين: نعم.

جمعة اللامي: وإنسان عنده فكرة على إنسان عنده فكرة.

أحمد الزين: نعم.

جمعة اللامي: سوى أنه لكل منا خصوصيته. هو كاتب ورجل سلطة وحكم. وأنا رجل خارج..

أحمد الزين: وأنت كاتب وما عندك سلطة.

جمعة اللامي: عندي سلطة الكتابة.

أحمد الزين: بتمارس سلطتك بس على الشخصيات اللي بتخلقها بالكتب.

جمعة اللامي: هو بتمارس سلطتها علي.

أحمد الزين: تمارس سلطتها عليك، طيب أنت اشتغلت، جيت للإمارات فترة واشتغلت بالصحافة.

جمعة اللامي: أنا اشتغلت بالخليج كما تعرف وفي الاتحاد وكنت على مقربة من المشهد كله الإعلامي والثقافي.

أحمد الزين: نعم، طيب بتظن أنه أنت نلت حقك كروائي؟ أم أن الصحافة شوي بعدتك عن الأضواء؟

جمعة اللامي: إذا كان الأمر يتعلق بالنقد السائد، فأنا كنت مقصياً.

أحمد الزين: مقصي.

جمعة اللامي: مقصي نهائياً يعني بقرار.

أحمد الزين: في هناك أسماء كبيرة كاتبة عن تجربتك حتى في الستينات والسبعينات ببداياتك الله يرحمه عصام محفوظ كمسرحي وكناقد كبير أنت رضيان بينك وبين نفسك بتجربتك؟

جمعة اللامي: لا.

أحمد الزين: بتحس حالك أنه ما عملت شيء؟ أحياناً بتنتابك هذه الفكرة أنه..؟

جمعة اللامي: نعم في لحظة من اللحظات، في لحظة من اللحظات، ولكنها لا تدوم كثيراً أحس بنفس المشهد العبثي الذي مرّ به بطل غريب كامو.

قصيدة

"الرماد ماضي النار
وأنا ذاكرة الرافدين
البحر مستقبل النهر
وأشواقي هي الجدول سيدتي
هذا صوتي عراقياً مرافقاً للضد
مضاداً للقبول
وآخر الشهداء".

أحمد الزين: طيب نصك كمان يمتاز بما يمتاز به هو هيك النبرة أو هذه الشعرية، ماذا تقول عن الشعرية في النص الروائي؟

جمعة اللامي: كل النصوص الأولى نصوص شعرية.

أحمد الزين: شعرية نعم. رأيك؟ لأنه هناك من يقول أن تحميل النص الروائي السردي روح الشعر يمكن بيخسّره من عناصره؟

جمعة اللامي: إذا أخذنا الشعر بكونه قصيدة ممكن يصير فيه هذا الإقحام.

أحمد الزين: ولكن؟

جمعة اللامي: ولكن إذا أخذنا الشعر بما هو حياة، بما هو جمال، بما هو توازن بين العناصر كلها حتى إذا أخذنا الشاعر بكونه هو الرواية التي تقود إلى الذي لا يعرف.

أحمد الزين: نعم.

جمعة اللامي: يكون يكون تناول العامل الروائي في نطاق هذه الرؤية بالعكس إغناء له.

أحمد الزين: نعم، نعم، نعم، طيب جمعة اللامي طبعاً صحافي وروائي وقاصّ وعندك حضور يعني بالآخر أنت مثقف، وبتصف - دائماً عم تقول عن نفسك - مناضل وشاهد على عصرك. كيف فيك تصنف دورك الآن يعني بمواجهة الثقافات الأخرى يعني اللي هي ثقافات التي تستغل الدين أحياناً؟

جمعة اللامي: الآن ماذا يعنيني؟ وسابقاً ماذا يعنيني؟ أنا تعنيني حرية الإنسان أي شيء يقف..

أحمد الزين: في وش

جمعة اللامي: عائق

أحمد الزين: أمام هذه الحرية

جمعة اللامي: هذه الحرية هو باطل، باطل وقبض ريح. من أي شيء أتى، سواءً من أهل العمارة أو من..

أحمد الزين: أهل البذة.

جمعة اللامي: أهل البذة في الواقع. ليش؟ لأن هذا الطريق أصحاب الطريق الواحد، هذا النهج مدمر وبنفس الوقت مدان وهو لم يثمر أي شيء سوى القحط وسوى الفقر الثقافي وسوى التخلف. بينما التلاقح والقول في العلانية والمناقشة تثمر حضارة وفكر وتطور وعلم وأدب. ولذلك خذ الأندلس..

أحمد الزين: نعم. التعدد عمل الأندلس.

جمعة اللامي: ماذا أعطى لنا؟ أعطى لنا القصيدة المدورة وأعطانا ابن النفيس وأعطانا ابن البيطار وأعطانا كذا كذا للدرجة الآن أن الأسس الفكرية للغرب كما تعرف ذات الوجودية..

أحمد الزين: فكراً وعلماً وموسيقى وشعر.

جمعة اللامي: زين؟

أحمد الزين: نعم.

جمعة اللامي: الآن نحن بالذات في النصف الأخير من القرن العشرين. ماذا حدث؟ حدث أن هناك عنفاً غير مسبوق من قبل السلطة تجاه الأخصام وبالذات تجاه أصحاب الفكر سواءٌ كان دين أو غيره. فنتج عنه عنف مضاد.

أحمد الزين: أسس.

جمعة اللامي: عنف مضاد. هذا العنف المضاد قادنا الآن إلى ما نراه الآن من فتاوى أو فتاوي تحريم وأنا في الواقع ضحيته يعني هنا في المكان وحتى في العراق، من الفريقين من فريق يدعي أنه العلمانية ومن فريق يدعي أنه التمسك.. لكن الأخطر من هذا أنه نحن نحط من قدر الدين فنحوّله إلى نطع، نحوله إلى سيف بينما الدين يعني مدعاة للحرية، مدعاة للتواصل المستمر بين الذات وبين الكل.

أحمد الزين: في النهاية جمعة اللامي كتاباته تشبه حياته بكل صخبها وسكينتها وبكل ألمها وآمالها، أما هناك تلك الخاصية التي ميزته دائماً في جيله هي مناكفاته مع الأحزاب والفئات ومايزته كاتباً أيضاً في أسلوبه، ويبدو هو ما بين مطرحين دائماً ما هو أرضي وواقعي وما هو تأملي وسماوي لذلك أجرى توازنه في الكتابة التي يختلط فيها الواقع بالخيال والقص بالشعر بالحكاية وبالتأمل وربما هذه سمة من سمات التوحيد أو إشارة من إشارات الطريق، هذا هو جمعة اللامي أو هذا شيءٌ عنه.