منى السعودي

أحمد علي الزين:

من أين نبدأ؟ كيف.. كيف تسيطر على الاشتعالات ولا تعرف إلا أن تقيم الحرائق؟ ومن أين يأتيك كل هذا الفرح؟ أنت المأخوذ بالضوء وحولك كل هذا الظلام؟ منى السعودي تسأل وتمضي لا تنتظر إجابةً بل تجسّد السؤال حركةً في الصمت الصلب، تحمل حجراً من مقلع في البرية من صدف التكوين إلى محترف التأمل، تفتش في الجوهر عن شكلٍ يليق بالسؤال وبالتواصل، تشتغله على تناسب الرؤية، تجعل منه معنى أو قامة توحي بالسر، تضعه في المطرح الذي يحاكي فضاء المكان ويمنح العزلة صداقة.

أحمد علي الزين:

طيب ست منى ربما قلة من النساء اللواتي يذهبن إلى النحت.. إلى التعامل مع المادة الصلبة كالحجر يعني اللي أظن ربما يتطلب جهد ذكوري يعني شو تعليقك على القول هذا؟

منى السعودي:

بالحقيقة أنا بفكر القول خاطئ. لأنه بالتاريخ خاصةً بالقرن العشرين فيه العديد من النساء نحاتات، حتى على ما أعتقد لا أذكر أسماء في العصر اليوناني كان فيه العديد من النساء بشتغلوا بالنحت، بالإضافة إلى أن عملية النحب بالحقيقة هي مش الجهد العضلي لأني أعتقد.. النساء مثلاً الأعمال اللي يقوموا فيها النساء عادةً بدها جهد عضلي كثير كبير، وأعتقد أن النحت بده جهد عضلي مساوي لهيدا الجهد اللي المرأة عادة تقوم فيه، إلا أنها قررت إني أصرف وقتي لهذا الجهد أني أعطيه لشغل الحجر، بالنسبة إلي الحجر هو عبارة عن صديق وليّن ومطيع وفيه نوع من حوار كثير جميل بيني وبينه، وأعتقد من هلأ يعني أنا بديت اشتغل حجر.. من أول حجر نحت عملته من 65 لهلأ صاروا 43 سنة مع هذه الصداقة التي لا يُمل منها.

أحمد علي الزين:

أعمل عادةً في ساعات النهار لمعالجة تكوين النحت في سقوط الضوء الطبيعي حيث يتآخى الضوء والحجر، ويتكون نشيدي الحجري بين مطرقة الروح ورنين الإزميل عزفاً يولد من الحجارة مخلوقات تسعى في الأرض.. طيب ست منى على سيرة أربعين عام من النحت..

منى السعودي:

ثلاثة وأربعين صاروا..

أحمد علي الزين:

صاروا ثلاثة وأربعين

منى السعودي:

بالكتاب أربعين..

أحمد علي الزين:

بالكتاب أربعين، طبعاً مئات المنحوتات تقولي: ما زلت أشعر كأنني في البداية، يعني هذا الشعور لا يصاب أحياناً بشيء من الكسل؟

منى السعودي:

ما عندي إحساس أبداً بهذا الشكل، بالحقيقة وأنا لما أقول أنه يعني صنعت مئات المنحوتات وأنه ما أزلت أشعر أني ببداية الطريق، في الحقيقة هذا الشعور يلازمني دائماً، حتى أحياناً لما أطلع على أعمالي الماضية بطلع عليها بنوع من الدهشة أنه كيف انعملت هذه، ايمتى؟ كيف؟ أحس دايماً فيه مسافة أنها تنتمي إلي وبنفس الوقت تنتمي للماضي، بس انتماء حلمي الكبير أو انتماء مشروعي هو أنه راسي بيضج بالأشكال وأتمنى يكون في وقت كافي لأنه أنجز هذه الأشكال لأنها تاخذ وقت طويل، وفكر هذه العملية الجميلة بالنحت أنه الواحد عم يشتغل بنوع من إمكانيات للتشكيل لا نهائية، أحياناً بكتب هيك أفكار بتجيني وكتير بيجي منها وأنا بنحت، أنه هالقد عملية النحت والتكوين أو الإبداع بشكل أساسي أو تعطي نوع من الامتلاء الداخلي، ويمكن فيه قصيدة كتبتها بالثمانينات أقول: من أين يأتيك كل هذا الفرح.. وحولك كل هذا الظلام.. أنا متعلقة جداً بكل ما هو إيجابي بالحياة لأن الطبيعة إيجابية، والكون إيجابي وهو في حركة دائمة، وهالقد فيه جمال بالكون هالقد فيه إمكانيات، بحيث أنه الخراب أو الشي السلبي أعتقد هو معاكسة للطبيعة، يعني أنا فيه كمان قصيدة ثانية مش متذكرة تماماً شو بتقول أنه بسمح للطبيعة أنها تثور.. بسمح للأرض أنها تقلب أنها تطلع براكين.. ولكن أرفض أنه تطلع طلقة واحدة بالفضاء من الإنسان.

أحمد علي الزين:

حين اخترت أن أكون نحاتة اخترت طريقة في الحياة، ولكي تكون نحاتاً ينبغي أن تكون عاشقاً للأرض وما عليها وأن تلمس نبضها الحي، أعيش دائماً بين منحوتاتي فهي تتناثر حولي أحيا بها وتحيا بي، أتأملها كمخلوقات أليفة أعرف كل لحظة من تاريخ تكوينها منذ كانت حجراً في مقلع أو في معمل أو على طرف جبلٍ أو في مجرى نهر، فيشكّل تنوعها وتسلسلها تاريخ حياتي. طيب ست منى طفولتك كانت في عمان في ساحة المدرج الروماني بحي اسمه سبيل الحوريات..

منى السعودي:

سبيل الحوريات إيه..

أحمد علي الزين:

سبيل الحوريات، يعني تبدو هذه الطفولة كأنها هيك الخزين الأساسي والمصدر الأول لما ذهبت إليه، يعني شو السر هذا الافتتان من أنثى بلعبة الحجر ولعبة المنحوتات ولعبة تلك الأشكال آنذالك؟

منى السعودي:

أنا أعتقد أن الطفولة مخزن كثير مهم لأي مبدع لأي فنان، عمان لما ولدت كانت مدينة كثير صغيرة هلأ مدينة صارت قارة كبيرة، كانت مدينة صغيرة وكلها حول بعض الآثار الرومانية القديمة، وجزء واحد من هذه الأثار اسمه سبيل الحوريات اللي هو حمام روماني قديم وبيتنا كان تماماً على هذا.. ملاصق لهذه الساحة، ملاصق يعني لما نطلع من البيت نصير بالساحة الرومانية، ننط على الأعمدة على الأسوار ننزل نشوف.. وفيها كان ينابيع ماء وإلى آخره.. وقريب جداً من البيت كان المدرج الروماني.. المدرج الروماني أعتقد أنه من أكبر المدرجات الرومانية في العالم، وتحت المدرج الروماني كان فيه بقايا تماثيل قديمة، وبعضها كان محطوط بغرفة لهلأ أتذكر أنه غرفة كثير معتمة ولها شباك صغير كأنها مخزن وكنت أنا أتفرج من الشباك هذا والضوء يجي على المنحوتات بشكل غريب، بالإضافة إلى المنحوتات المرمية بره أنه كان بالنسبة إلي هذه المنحوتات عبارة عن حياة كاملة، وبفتكر حلمي بدأ من هذه الأشياء البسيطة أنه حسيت أنه الإنسان قديش فيه يعمل، بس الإشي اللي كثير صنع بطفولتي بالحقيقة قرار أنه الواحد يعمل شيء بحياته أنه توفى واحد من أخواني وأنا كثير صغيرة وأنا عمري شي عشر أو 11 سنة، وكنت كثير صحبة مع هذا الأخ. فلما توفى كان أول صدمة في حياتي بيحس الواحد أنه هذه الحياة هي عبارة عن لحظة مؤقته، وهذه اللحظة المؤقته لازم كثير تنعاش منيح، وبعتقد هذا اللي دفعني من أنا وصغيرة أنه مو لازم الواحد يضيع وقت، لازم هذا الزمن اللي معطي لنا بالحياة نعمل فيه أو نعيشه ونخلق فيه إشي لأنه بعدين الزمن بصير فاضي إذا ما عملنا فيه شيء، وأنه هيك بيعملوا البشر.

أحمد علي الزين:

عن هيدي اللحظة اللي فقدتي فيها أخوك تقولي بكتابك أنه كانت تنتابك هيك أسئلة هيك ميتافيزقية عن الحياة والموت والوجود، يعني هل تظني أنه باشتغالك على المنحوته أو بالإبداع بشكل عام وهو نوع من البحث والإجابة عن هذه الأسئلة؟

منى السعودي:

أنا بعتقد يعني لهلأ أنه الحياة والكون وكل هذه الأمور الميتافيزقية هي سر كبير، وأنا بالحقيقة أقف عند مستوى السر وهذا يمكن إشي مات من وأنا صغيرة لهلأ عندي هذا التوقيف على مستوى السر المرئي أو السر الكبير اللي بالوجود بدون ما يكون فيه نوع من الأجوبة، وهذا تحول عندي لنوع من الإيمان إلى حدٍ ما، عشان هيك كثير دخلت بنوع من التأمل تأمل الطبيعة تأمل الكون تأمل الظواهر ظواهر التكوين، ومن ضمن.. وهذا التأمل هو اللي بيدخل كمان بعملي، فكمان دخل هذا السر بالعمل الفني لأني أعتقد بأي عمل فني بأي قصيدة بأي قطعة موسيقية بأي منحوتة..

أحمد علي الزين:

فيه تكوين وفيه إعادة تكوين..

منى السعودي:

فيه تكوين فيه إعادة تكوين، ودائماً فيه إشي سري بالعمل الفني هو اللي بيعمل حيويته.

أحمد علي الزين:

هذا السر اللي بالعمل الفني أيضاً الفنان بتقديرك لا يدركه بيظل من الأشياء الغامضة والسرية اللي الكشف عنها صعب؟

منى السعودي:

بالتأكيد.. بالتأكيد..

أحمد علي الزين:

النحت لدي تجسيد للشعر أو قول ما لا يقال، لمس ما لا يلمس هو الكلام الصامت هو الحركة في السكون والكشف والسر، هو الطيران بلا أجنحة.. مسج الكوني بالأرضي واتصال الزمان بالمكان هو نسج القداسة لإعادة التكوين والتواصل بالغيب.

أحمد علي الزين:

النحت ما يزال يشهد ومنذ البداية على شوق للعناق، وعلى حنين للانصهار والالتقاء والوصول والتمازج والتداخل حتى الاتحاد، وهاهو الآن يعلن عن أمومة عن عناق اثنين عن نداء ذكورة وعن استجابة أنوثة، عن انحناء قوس وعن انتصاب رمح عن مجيء شروق عن إغراء هروب وعن عشق جامح للاحتضان، ابداعية منى السعودي تتجلى في رفع مرتبة الجمع ومرتبة الاتصال، إن التجلي الأصفى لإبداعية منى السعودي يبرز في الحيرة والذهول الذي يأخذنا إليهما الاتصال عندما ينحدر من مبدأ التوحيد.. سمير الصايغ.

أحمد علي الزين:

طيب إذا الواحد بده يسأل هيدي البيئة اللي ربيتي فيها خاصة بعمان وبعالمنا العربي بشكل عام، كيف قدرتي.. كيف استطعتي النفاذ إلى التمرد عبر النحت عبر طرح الأسئلة، كيف صارت معك؟ كيف سمحوا لك؟

منى السعودي:

بالحقيقة أنا عندي.. يعني كان عندي قرار كثير مبكر أنه أنا بدي كون.. ما بحب قصة فنانة أنه أنا بدي كون أعمل شي مهم بالحياة، أعمل الإشي اللي بدي ياه وهذا القرار من سن كتير صغيرة، مشان هيك ما طلبت إذن من حدا يعني كان فيه نوع من تصدي لعائلة تقليدية جداً، لم أطلب منها أذن أنه بدي صير..

أحمد علي الزين:

شو ردة فعلهم كانت؟

منى السعودي:

إجت على نوع من مراحل، يعني أبوي كان حاج متدين جداً..

أحمد علي الزين:

عم تعملي أشي ضد الفكر..

منى السعودي:

لسه ما بدينا كان عمري 17 سنة أقل من 18 سنة وبدي روح على باريس أدرس فن، وكان أبوي بهداك الوقت أكيد ما بسمح لي روح مش على باريس ما بيسمح لي روح من عمان إلى دمشق لأدخل جامعة مختلطة، اتفقت مع أخوي الكبير اللي كان يعني أطرى من الوالد..

أحمد علي الزين:

أكثر انفتاحاً نعم..

منى السعودي:

أني أروح على باريس بالأول بدون ما نخبر أبوي بدون أذن الوالد..

أحمد علي الزين:

قبل باريس أنت جيتي لبيروت..

منى السعودي:

جيت لبيروت سنة وكمان كانت هروباً هدي كانت هروب إلي نحو العالم..

أحمد علي الزين:

سنة 63..

منى السعودي:

سنة 63 جت لبيروت فكانت هذه السنة غنية بالتعرف على المبدعين في لبنان، بس كان أنا هدفي بالحقيقة أنه لازم بدي أروح على باريس مشان أدخل الفنون الجميلة، ورحت لباريس وبالحقيقة وقتها كتبت رسالة فلسفية جداً، أبوي بالرغم من تقليدته كان عنده نوع من البعد الروحاني، فكتبت له عن طموحي وحلمي بالحياة وأنه بدي أدرس فنون، وأبوي بهذا اللحظة بالحقيقة يبدو كأنه أدرك أنه حلمي كتير حقيقي فكان رده كتير جميل وكتير إيجابي، أنه هو ما عنده مانع أني أدرس فنون، ولكن بشرط أرجع لعمان بأول فرصة مدرسية مشان الناس يعرفوا أنه أنا رحت على باريس برضا والدي وليس.. فحسيت.. كتير قدرتها، لما جيت لعمان في أول زيارة كنت بادية أعمل نحت والنحت طبعاً بالإسلام يعني فيه نوع من المحرمات، وأنا ما فيني كذب كتير عندي الصراحة هذه لازم تكون موجودة، فخبرت أبي أني عم بدرس نحت بس رأساً كملت قلت له ما بعمل أشخاص عم بعمل نحت تجريدي، وبالحقيقة كانت أنه عم بعمل نحت تجريدي ومن هداك الوقت صار فيه مصالحة تاريخية مع الوالد مع كل الأهل، يعني هذا الكسر عمل حرية مطلقة بحيث أنا كنت يعني قراراتي دائماً باخدها.. وبفتكر ما حدا بقدر يكون مبدع إذا ما عنده الحرية الشخصية أو حرية القرار، أنا كسرتها كسبت في إشي أنه بهذا القبيلة الكبيرة قبل ما أروح لباريس ما كان أي حدا يبعث بناته لا يدرسوا بالجامعات، ولا يشتغلوا غير معلمات. لما أنا رحت لباريس أول سنة رجعت لقيت أنه بنات عائلة السعودي اللي بيشتغل بالتلفزيون و اللي بتشتغل بالإذاعة واللي أبوها بده يبعتها لباريس..

أحمد علي الزين:

عملت فتح..

منى السعودي:

عملت كسر لتقاليد العائلة بشكل جميل.

أحمد علي الزين:

حلو كتير، إذا بدنا نتحدث عن وعي فكري وسياسي، شو أكسبتك يعني هاتين المدنتين بيروت وباريس؟ ماذا أكسبتك من وعي فكري وسياسي وأسئلة أيضاً يعني في الإبداع و الحياة؟

منى السعودي:

طبعاً كثير كثير.. يعني هذا إشي بفكر بده نوع من مجلدات، أول شي بالحقيقة بتجربة بيروت اللي كنت كتير صغيرة أكسبتني هذا النزوع نحو التجديد.. نحو التجديد نحو الإبداع اللي له نوع من شخصية عربية وعالمية بنفس الوقت، في باريس بالتأكيد باريس عبارة عن قارة باريس، يعني باريس الجميل فيها أنها ليست مدينة فرنسية باريس عبارة عن مدينة..

أحمد علي الزين:

عالمية..

منى السعودي:

عالمية أنه فيها كل البشر..

أحمد علي الزين:

وأنت بأهم حقبة من تاريخها يمكن الستينات..

منى السعودي:

بفكر كل حقبة عادة لها نوع من ميزتها، ومدرسة الفنون محل ما كنت أدرس طبعاً كنا عبارة عن نحاتين من كل العالم، يعني أنا كنت طالبة بباريس لما صارت حرب حزيران 67، يعني أنا بهداك الوقت يعني آخر الستينات وأنا تلميذة بمدرسة الفنون، كنت مقررة أني أمضي باقي حياتي بفرنسا يعني ما أرجع للعالم العربي.. في 68 بعد النكسة صار في إشي كتير مهم اللي هو الثورة الطلابية، بالثورة الطلابية أنا شاركت فيها بشكل فعال، طُرح بهذه بثورة الطلاب أفكار كتير أساسية اللي هي عولمة الثورة أو السعي نحو التغيير..

أحمد علي الزين:

لحجارة ترفع منها محيط الحلم.. لحجارة تسكن فيها بدايات ونهايات.. لحجارة حبلى بشوق التجلي.. لحجارة أنسج منها ضوء الفرح.. لحجارة أنقش فيها مسرى الروح.. لحجارة ألمسها فيتصاعد بخار العشق، وأصقلها فترق روحي وتكلمني آلهة الخفايا.. طبعاً أنت لديك تجربة في كتابة الشعر، كتبتي أظن عملين، السؤال هو أنه كتابة الشعر هي ما بتشكل نوع من الاستراحة كانت عندك من عبء الإزميل ورنينه وعبء النحت؟ أم الشغلتين هن كأنهم بيكملوا بعضهم؟

منى السعودي:

الأشياء اللي كنت أكتبها هي عبارة عن امتداد بشكل ما لعملية النحت، يعني مثلاً فيه واحدة هيدي أقول فيها: تأخذ بعضاً من شيء وتصنع التكوين.. بعضاً من شيء وتصنع هو حياتي أنا هيك بعمل، فأفكر هو كله عبارة عن معظم الشعر جاي من حركة تكوين النحت، وبالحقيقة يعني كلها هذه داخلة بنسيج.. بنسيج كوني نحاته وما اشتغلت على الشعر كحرفة إبداعية.

أحمد علي الزين:

لحجارة علمتني بهاء الفعل.. لحجارة أستند عليها كلما مسني التعب أو طرق بابي اليأس.. لحجارة تصلني بما أعرف وبما لا أعرف، تعلمت التجسيد لأدخل في الغيب، وسكنت في مدارات الحلم ومدارات الفعل.. تقولي: أبحث دائماً في الشكل أو أبحث دائماً عن الشكل النقيض الخالص، لا أحب الصراخ في الفن ولا أحب المأساوية ولا التعبيرية المباشرة، هذا الوعي لديك يعني إن الإيحاءات أو التجريد هو أكثر بلاغة من البوح الكامل أو الصريح؟ أم أن هناك بتقديريك فيه نوع ربما يعيدنا هذا لعلاقتك بتابوه المحرمات أنه الذهاب إلى التجريد كمان هو نوع من الهروب أحياناً من الأشياء اللي ممنوعة وبقيت ممنوعة بوعيك؟

منى السعودي:

بالحقيقة ما عندي أي شي اسمه هروب من المحرمات بالذهاب نحو التجريد، بس الذهاب نحو التجريد هو أكثر ينتمي للحضارات الشرقية القديمة، وكانت التعبير التجريدي هو جزء من تفكير سكان هذه المنطقة، اللي هو أنه العمل الفني وما كان بهداك الوقت عمل فني هو ليس نقل أو تصوير طبيعة بقدر ما هو تصوير للفكرة عن الأشياء، وأنا أفكر أنه بالتجريد تاعي أنتمي لهذا الطريقة بالتفكير.. دون ما أقول مدرسة لهذا الطريقة بالتفكير، لأنه بفكر أنه الناس في مجتمعاتنا الشرقية هن ناس بشكل عفوي وبشكل طبيعي تجريدين، يعني أنا مثلاً بفرنسا كتير بيتغلب الواحد أكثر يوصل الأفكار التجريدية للإنسان العادي، بينما كان عندي تجارب مثلاً أنه في 83 عملت منحوتة كبيرة أو أكتر نصبت في مدينة عمان، حسيت أنه تقبل الناس العاديين لهذه المنحوتة كان كتير سهل، لأن الناس بطريق التفكير الناس ينحو نحو التجريد، بينما الفكر الغربي أقرب إلى أنه يكون فكر واقعي ولحد ما محدود بالواقعية، نحن الشرقيون نتفوق على الغرب بكونية أفكارنا بأنه التجريد هو جزء منا.. وإذا نلاحظ أنه بالفن الأوروبي بالقرن العشرين كل الفن.. كل الثورة الفنية بالقرن العشرين والتغير الجذري اللي صار هو بتأثير الحضارات الشرقية ومنها حضاراتنا بالشرق الأوسط والعالم العربي مصر وإلى آخره.. وبتأثير أيضاً الحضارة الأفريقية، وكل هذا الحضارات الشرقية هي اللي خلت الفنانين الأوروبيين يطلعوا من الواقعية المباشرة لنوع من المغامرة الفن في القرن العشرين فنحن النبع، فأنا بهذا رجعت للنبع.

أحمد علي الزين:

ابنة عصرها هي، هذه النحاتة الشاعرة التي تدخل الزمن في ثنايا الحجر وتمزج الحلم بالأرض وتبني بالكلمة التجاويف وانحناءات سطوحاً واستدارات، والوشيجة بين الكلمة والحجر دائماً قائمة ومتحركة ومولدة فمنى السعودي قد تنحت الحجر مدفوعة بضغط الكلمة المتوثبة في ذهنها، كما تكتب الكلمة مدفوعة بضغط الحجر الذي ضربةً ضربةً يتكامل شكلاً بين يديها، فهي من أبرز النحاتين العرب قدرةً على تطويع الصخر لحاجةٍ تعبيرية جبرة إبراهيم جبرة، أيضاً في الشعر بدايات التجارب تبعتك عملتِ نوع من محاكاة أو لقصيدة أدونيس مفرد بصيغة الجمع كيف اتجهت التجربة بأي غرض إجت يعني؟

منى السعودي:

أول قصائد بالحقيقة اشتغلت عليها بالرسم كانت أكثر من قصائد لمحمود درويش بقصائد إلها علاقة بالأرض، وفيما بعد كعمل كبير يعني عملت لقصيدة أدنيس مفرد بصيغة الجمع مجموعة من الرسوم اللي وقتها طلعت بمجلد مع.. على نسخ محدودة وعملنا معرض فيها بجاليري بالحمرا، وللأسف وقتها ثاني يوم المعرض صارت أول حوادث ببداية الحرب الأهلية بالـ 1975 بدأت مع هذا المعرض، واستمريت طبعاً بعدين عملت لقصائد ثانية لأدونيس قصيدة عن البتراء مثلاً كتبها بالتسعينات اسمها رقيمة البتراء وهذه قصيدة كثير بحبها لأنه لما قريتها حسيت قديش في..

أحمد علي الزين:

بتخصك.

منى السعودي:

بتخصني جداً، يعني مثلاً بيبدأ فيها أدونيس بقول في واحد من الأبيات: قل للحجر مسكوناً بالغيب.

أحمد علي الزين:

كمان على سيرة الحجر أنت اكتشافك للحجر الأخضر بالصدفة ما بعرف إذا بالصدفة يعني اكتشفتي أن هذا الحجر أيضاً هو مصدره عمان؟

منى السعودي:

يعني في أشياء بتقرر والواحد كثير بده يكون مفتوح للصدفة، لأنه الصدفة كمان الواحد بكون مفتوح أنه عم بدور بعالم الحجار وقابل إنو يلقط منها مثل المغناطيس ما بهمه، فأنا لما شوف حجر أخضر لهلأ بظلني وين ما روح في حجار غريبة إلى آخره مثل المغناطيس بقول في هون إشي بهمني مثلاً فاكتشاف الأخضر هو جزء من..

أحمد علي الزين:

من سلسة اكتشافات.

منى السعودي:

حتى الصدفة يبدو الصدفة بتكون جوانا وإحنا بنفكر إنها صدفة بس هي ما بتكون صدفة..

أحمد علي الزين:

بتكوني عم تفتشي إنتي من دون ما تعرفي. خضراء العين وخصبة اليد منى السعودي، تحترف الإخلاص لمعلوماتها وإلى ذلك تحترف مهارة التأليف وبلاغة الصياغة وليونة التفتيش، كأنها تبني عمارةً نحتية ببقايا عوالم في انهيار، بل كأنها تلملم الأمل حيث الأنقاذ تواجه الفشل بصرخة المعمرين الذين يبنون عندما يستقيل الآخرون نزيه خاطف. تزامن للأسف يعني اندلاع الحرب في لبنان بالـ 1975 مع بداية شغلك واستقرارك في بيروت، لأنه أنت يبدو اخترتِ بيروت كمان للشغل لاحقاً، وهذه الحرب أتت وخربت ودمرت بما دمرته جزء من أعمالك اللي كانت موجودة بهالحديقة بالخارج، كيف تعاملتِ مع تلك الواقعة؟

منى السعودي:

يعني أنا قررت الاستقرار ببيروت من وقت رجوعي من باريس في الـ 1969، بيروت أو لبنان كبلد بنفس الوقت بلد عربي وبنفس الوقت بلد منفتح للحرية للإبداع للديمقراطية لحرية الفكر هذه الحريات هي اللي.. فلما بدت الحرب الأهلية طبعاً كان شيء مفاجئ بشكل هائل، وطبعاً عشناها عشت معظمها بهذا البيت، لأنه هذا البيت سكنت فيه من الـ 1974 وطبعاً سقطت عدة قذائف لحسن الحظ كانت تسقط بالبستان أو على بعد ست أمتار من الواحد، يعني الواحد بعيش بالصدفة، وكان لأول مرة بالحياة بفكر أنه لو فيه إذا فيه أي تنظيم أو إشي اسمه فقط أنه ضد الحرب ها، أنا مستعدة إشتغل معه، فأعتقد أي حرب بأي مكان من العالم هي عبارة عن حماقة كبيرة، بالإضافة إلى أن الحرب هي أشبه بالوباء، يعني بالزمنات قرينا مثلاً كيف..

أحمد علي الزين:

الطاعون.

منى السعودي:

الطاعون إنو كيف الوباء بينتشر بالناس وهنّ زي العميان، أو ساهيين ها...

أحمد علي الزين:

تجوزت بفترة الحرب إنت وعملت تجربة ولادة وأنجبتِ الصبية ضياء.

منى السعودي:

ضياء.

أحمد علي الزين:

ضياء، بس مشروع الزواج يبدو ما كملتِ فيه يعني بتحسيه هو نوع من اللي بعطل اشتغالك عن الفن وعن الإبداع أو العائلة يعني بتحسي..

منى السعودي:

يعني شوي أنا ما بحب إحكي بالأشياء الشخصية، بس بفكر أنه..

أحمد علي الزين:

بس حاكية عن.. حاكية عن هذه التجربة تجربة الولادة كاكتشاف في للتكوين الحي مثل ما نسميها؟

منى السعودي:

الزواج مختلفة عن الولادة.

أحمد علي الزين:

عم بحكي عن الولادة أنا.

منى السعودي:

أنا أعتقد أنه عملية الولادة هي شغلة كثير ضرورية ومهمة لكل امرأة أن تمر فيها، لأنه هي عملية خلق أيضاً لأنه بتشعر كيف إنو جسمك بينتج حياة أخرى، وبفكر إنو عملية كثير جميلة كثير عميقة كثير مهمة، وطبعاً كنحاته أو كمأخوذة بالنحت ما كان عندي احتمال للحياة الزوجية ونوع من روتينها وتقاليدها وإلى آخره وكل هذه الأشياء، بالرغم من أي حرية بشكل هذه الحياة، ولكن بعلاقتي مع بنتي كان أي وقت بعطيه لبنتي هو عبارة عن وقت يعني..

أحمد علي الزين:

بيطلع من صميم قلبك.

منى السعودي:

بعطيه بكرم، وما زلت حتى الآن.

أحمد علي الزين:

بتعطيه بكرم. طيب ست منى لديك أنت في باريس مثلاً نصب بأشغالك يمكن بمعهد العالم العربي ولديك في عمان بأكثر من مكان، وفي بعض الأمكنة في العالم العربي، بيروت يعني ما افتكرتِ تخصيها بمنحوته بساحة ما بمطرح ما..

منى السعودي:

آخ من بيروت، بدنا تهدأ الدنيا في بيروت شوي منشان نقدر نعمل منحوتات في بيروت، ما لحق الله يسهل عليه العظيم الشهيد رفيق الحريري ينظف البلد من آثار الحرب، ويرجع يعمرها، وكنت بادية بالحقيقة فكر بنوع من مشاريع منحوتات لأماكن عامة في بيروت، إلا طبعاً اغتيل الحريري ونحن نعيش بنوع من الخراب أو بنوع من كابوس التوترات من هذاك الوقت لأيام قريبة جداً، يعني في حلمين واحد للمدينة هيك بعيدة والشيء الثاني بموقع كثير قريب لأنه أنا ساكنة بحي الوردية هذا من زمن طويل، وهو حي كثير بعرفه عن غيب وللأسف بيروت بطل فيها حدائق صغيرة عامة أو نوع من فضى تحط فيه منحوته، بس في فضى كثير قريب بالوردية هون صغير يمكن حديقة هيك عشرة بعشرين متر ما أكثر دايماً بفكر أنه بدي أعمل فيها عمل حتى لو قدمته هدية للمدينة.

أحمد علي الزين:

طيب بتقولي كأن النحت تجسيد للسر والغموض كأنه جسد للشعر والروح وهو سَفرٌ باللامرئي، ما بتعتقدي هالنوع من المقاربة بيحطك أمام مأزق أحياناً يعني؟

منى السعودي:

بالحقيقة ما بحطني بمأزق إطلاقاً، لأنه هذه الحقيقة أو هذا الإشي اللي بعيشه وبشعر فيه، وهذا الإشيء اللي أو هذا الأفق اللي بتحرك وبشتغل فيه، بالعكس عكسه بيخنقني.

أحمد علي الزين:

طيب ست منى إذا بدنا نتحدث هيك عن علاقتك بالأمكنة والانتماء يعني بهالجولات اللي قمت فيها بالمدن ما بين عمان وبيروت وباريس بأمكنتك وفضاءاتك اللي بتشتغلي عليها بالمنحوته يعني عثرتِ على نوع من الانتماء على.. لمين بتنتمي أنتِ؟ إلى أين؟

منى السعودي:

أنا عندي إحساس إنو بنتمي للحياة وبنتمي للكون، وبنفس الوقت في مدن أو أمكنة هالقد انتمائي إليها متساوي، يعني أنا بنتمي لعمان بالقدر اللي بنتمي فيه لبيروت وبالقدر اللي بنتمي فيه لباريس، وهذول ثلاث مدن كثير بحبهم وبفكر إنو كمان الإنسان بالنهاية إنو بينتمي مش للخارج بينتمي لمشروعه يعني بس يكون في الواحد عنده عمود فقري لروحه وكيانه وحياته أنا بنتمي لهذا المشروع.

أحمد علي الزين:

يعني سؤالك القديم اللي كان يلح عليكِ وأنتِ هيك بلشتي تتفتحي على الحياة 14 و15 قبل شوي أنه من أنا؟ وإلى أين أصير؟ يعني بعده بلح عليك بنفس المقدار؟

منى السعودي:

بالتأكيد لأ، يعني بفكر هذه كانت هيك أول تساؤلات كبيرة بدون أجوبة، وبعدين اقتنعت أنه هذه التساؤلات ما إلها أجوبة.

أحمد علي الزين:

فانصرفتِ إلى الشغل.

منى السعودي:

مش انصرفت إلى الشغل، انصرفت أنه إحنا إلنا هذه الحياة، هذا الزمن، وهذا الزمن لازم نعطيه ويعطينا نعيشه، كل واحد بطريقته بقناعاته برؤيته وما بروح لأبعد من هيك.

أحمد علي الزين:

منى السعودي لكأنها في غابةٍ من الحجارة تصنع ألعاباً باهرة يتسلى بها الزمان وتؤنس الأمكنة وتخلصها من الوحشة، حجارةٌ صارت كائنات بين يديها بعد أن أودعتها سر الصمت، لا يكفي أن تلتفت لترى هذه القامات بل ينبغي أن تتأمل عميقاً في استداراتها وانبثاقاتها لتعرف أن هذا من فعل عشقٍ وشهوةٍ وعناد وجهدٍ طويل للتواصل مع الخفي، يعني يمكن اللي بيشتغلوا بالنحت في عندهم مشكلة بالمكان أكثر من سواهم من فنانيين تشكيليين وحتى كتاب يعني سوى ذلك كيف عم تتعاملي مع الموضوع هاد؟

منى السعودي:

بالحقيقة النحت مشكلة، بالنسبة.. لأنه الوسع أو الفضى المترات المربعة كثير مهمة بالنحت اللي ما فيها أهمية كثير كبيرة لما الواحد يكون كاتب أو رسام أو هادي، فأيام بفكر أنه معجزة كيف ظليتني إشتغل بظروف شوي صعبة شوي محدودة يمكن لو كان عندي أمكنة أكبر للشغل لكان عملت عشر مرات أكثر مما أنا منتجة لحد هذا الوقت، فالنحت فيه متطلبات كثير كبيرة، ومنسشان هيك منلاقي أنه عدد النحاتين قليل سواء نساء سواء رجال، وكثير فنانين بيبدوا كنحاتين ولكن بيوقفوا لأنه في مشكلة..

أحمد علي الزين:

أمام متطلبات العمل يعني.

منى السعودي:

يعني أنا في البيت مثلاً هذا البيت بطلت إقدر إمشي لأنه بطل في محل يعني دايماً بوزع طاولات كراسي أي شيء عشان في منحوتات وفي مجموعة كبيرة من المنحوتات..

أحمد علي الزين:

أنت عندك محترف خاص خارج إطار البيت.

منى السعودي:

أيه عندي محترف صغير بالبيت هون اللي بعمل فيه الأشياء الصغيرة وبكفي، وبعمل فيه يعني تقريباً اللمسات الأخيرة التلميع الأشياء اليدوية بالبيت، وعندي محل ثاني بستعمله لبدايات العمل بمنطقة صناعية اللي شوي الواحد فيه يعمل..

أحمد علي الزين:

شوية ضجيج.

منى السعودي:

ضجيج وغبرة واللي حواليك بكونوا مبسوطين بهذا الضجيج وبهذا الغبار، شغلي هالقد خلال هالـ 43 سنة، اللي بيشتغل فيهم هالقد متداخل يعني في منحوتات عملتها مثلاً لنقول بالـ 1967 اللي ما زالت لهلأ أعمل أشياء شبيهة فيها، فأنا إلى حدٍّ ما نسيج تكويني مترابط، بالنهاية النحت هو شكل أنه فيه مثلاً الإشي اللي بينحى نحو ما يسمى بموضوع لنقول أمومة الأرض كثير عزيز عليّ، وكل كم سنة بعمل منحوتات بسميها أمومة الأرض، أو مثلاً منحوتات بس أسمها بشكل مجرد تكوين أو تكوينات أو مثلاً موضوع العشاق اللي هو يعني الحب والعلاقة بين البشر بشكلٍ ما، في كثير منحوتات بسميها فجر لأنه كثير بحب..

أحمد علي الزين:

البزوغ.

منى السعودي:

البزوغ أو فكرة بداية الأشياء، كثير استعملت كمان ببداية الأشياء اللحظة الأولى الحركة اللي كثير بحبها بالمنحوتات المصرية اللي معظم المنحوتات المصرية منشوف مش الخطوة بدء الخطوة، إنو أو بدء الحركة فدائماً بشتغل بهذا المنحى وبرجع بدور ضمن هذه الحلقة اللي هي حلقة مسكرة ومفتوحة بنفس الوقت، وهذه الحلقة هي شخصيتي أو أسلوبي أو هذا اللي بقول أول ما حدا بيشوف نحت بيقول أوف هذا نحت منى مثلاً.

أحمد علي الزين:

طبعاً في كثير ناس كتبوا عن شغلك يعني نقداً، ولكن في اللي بميز هذا النوع من الكتابات هنّ بعض الشعراء اللي كتبوا قصائد عملوا فيها نوع من المحاكاة لتجربتك؟

منى السعودي:

صار نوع من اللقاء معهم وهذا اللقاء حرّك فيهم أن يكتبوا يعني أنا ما طلبت منهم، ولكن كأن هذا العمل هو اللي فتح لهم أو أعطاهم هذه القصيدة، فكان فيه نوع من المشاركة..

أحمد علي الزين:

مثل ما أنت فتحت لك قصيدة..

منى السعودي:

قصيدة عبد الرحمن عمر مثلاً تماثيل تحت المطر، عبد الرحيم عمر للأسف توفى من شي 10 سنين كان بزورني كنت ساكنة فترة بعمان بآخر الثمانينات وكان أول زيارة جاية على محترفي ويوميتها كان عم تمطر الدينا وفي نحته كبيرة على بره البيت موجودة والمطر نازل عليها، فأول ما دخل على البيت وشاف الشغل قال لي بدي أكتب قصيدة اسمها تماثيل تحت المطر، وبالحقيقة بعد يومين جاب قصيدة وإجت هذه القصيدة وكانت جميلة يعني، بالنسبة لميشال بيتور اللي هو شاعر فرنسي كثير كبير وإجى زيارة وقتها كمان إجى زيارة على الأردن وشاف شغلي وعادةً هو بيكتب مقدمات لمعارض كبيرة فنية عالمية لأنه هو اسم كثير كبير بالشعر وبالكتابة والنقد مش النقد الفني بالأحرى الكتابة عن الفن، وأول ما شفته قال لي أنا كتير بحب النحت وصديقي الكبير برانكوزي، وبرانكوزي عبارة عن نحات أنا أيضاً بحب كثير شغله فبدت الصداقة بهذا الشكل، وطلبت من بتور أن يكتب لي ثلاث أربع أسطر بحيث إذا صار معرض بره إستعملهن، فتطلع هيك وقال لي: بدي أكتب لك قصيدة، طبعاً قلت له: شكراً، يعني المراحل العظيمة بالفنون بشكلٍ عام أو بالإبداع هي المراحل اللي كان في عندك ناس من مناحي إبداعية مختلفة بيشتغلوا مع بعض. في ليل الأزمنة كان التيه وكان الحجر ينتظر، في البعيد كانت النار الأولى وكان لها صبر الحجر، في المسافة كانت شعوبٌ لا نعرف أن نسميها، وكان نحت الحجر، في النسيان كانت الكهوف، وكان تفتت الحجر.

أحمد علي الزين:

طيب منى السعودي طبعاً يعني مثل ما ذكرنا بالبداية أربعين ثلاثة وأربعين سنة من الشغل ومئات الأعمال موجودة بالبيوت ربما أو بعض المدن بعض الأمكنة ببيتك في كثير..

منى السعودي:

والمتاحف.

أحمد علي الزين:

والمتاحف أكيد، يعني إذا بدنا نسأل عن الحياة عن العيش أنت بتعيشي من وراء شغلك بالمنحوته أم هناك مصادر أخرى يعني؟

أحمد علي الزين:

يعني بالحقيقة أنا طول عمري تقريباً عشت من شغلي، يعني في البدايات الكثيرة لما كنت بالبازار في مدرسة الفنون في باريس كنت أعمل نوع من رسوم مطبوعة غرافير إلى آخره.

أحمد علي الزين:

حتى تسعفك.

منى السعودي:

وفي محل تنباع فيه يعني محل بيع هذا النوع من الفنون اللي تنباع فيه هذه الأشياء، وبالنسبة لمنحوتاتي حتى لما كنت بمدرسة الفنون كنت أعمل حجر وأنا كنت مفلسة ما معي إشرب فنجان قهوة، إجو ناس واشتروا أول منحوتتين كبار إلي واشتروهم بسعر كثير كبير، اللي كان مفاجئ وعيشني لكم سنة تقريباً.

أحمد علي الزين:

بتستاهلي أنت على كل حال.

منى السعودي:

مش مسألة بستاهل، أنا بفكر الأشياء بتجي لحالها يعني أهم شيء إنو الواحد يكون عنده إيمان بشغله.

أحمد علي الزين:

مثل ما قلت نكون مفتوحين للصدفة.

منى السعودي:

أن يعطي نفسه لهذا الشغل، وبعد ما كنت مفلسة هالقد وإجى الناس اللي اشتروا هذه المنحوتات صرت دائماً ما أخاف إنو قول بس فلس أكيد رح يجي شيء مفاجئ.

أحمد علي الزين:

يسعفني.

منى السعودي:

ويسعفني.

أحمد علي الزين:

أنت المأخوذ بالضوء وحولك كل هذا الظلام تتقدم الزمان والمكان وعاء لأحلامك لك ثبوت الحجر وموسيقى الريح وجريان الماء.