المكي مغارة

أحمد علي الزين: هناك مدن ملهمة فاتنة وغاوية مخصّبة للخيال، تطوان هي هكذا، تستريح على السفح، ومن بعيدٍ تومئ لزائر كي تضيّفه بعضاً من عتيقها وماضيها وبياضها وسحرها الأندلسي، وحين تدخل بواباتها العتيقة للتوّ تصبح على بُعد حوالي 1000 عام في حضرة التاريخ، هذه هي تطوان. عم قول في الطفولة أنت كنت هون..

مكي مغارة: كنت هون، كل يوم. هذا الحي اسمه الصياغين.

أحمد علي الزين: شو اسمه؟

مكي مغارة: الصياغين.

أحمد علي الزين: الصياغين. الصاغة يعني، ذهب وكذا، مش هيك؟ حلو كتير. وهذه الصومعة اللي هون هيدي شو؟

مكي مغارة: هذه الزاوية اسمها سيدي علي بن ريسون.

أحمد علي الزين: سيدي علي بن ريسون.

مكي مغارة: هذا كان من الصوفيين الكبار.

أحمد علي الزين: هذا الرجل الذي يعرّفني على بعض معالم المدينة، هو ليس دليلاً سياحياً، هو واحد من أهل المدينة عاشق عتيق وقع في السحر ونجا حين وجد لغة التخاطب مع الحمامة البيضاء كما يسمونها، أي تطوان، مسقط رأسه وأشواقه وألوانه، مكي مغارة، أو عميد التشكيليين المغاربة كما يلقبه الإسبان، رائد من الأوائل الذين أسسوا وكوّنوا أجيالاً من المبدعين.

أحمد علي الزين: قلت لي: أنت قليل الكلام.

مكي مغارة: طبعاً. نعم.

أحمد علي الزين: غزير في الرسم وقليل في الكلام.

مكي مغارة: ربما يعني تعبيري الوحيد هي بالطريقة التشكيلية. اللوحة هي تقول الكلام والتعبير اللي يمكن أنا أقوله، فلهذا تعبيري الوحيد هو الألوان والخط والصياغة في التشكيل.

أحمد علي الزين: لأ. ما حاولت مرةً تكتب نصاً خارج إطار اللوحة؟ نص كلام.

مكي مغارة: صعب جداً.

أحمد علي الزين: ما كتبت ما جربت.

مكي مغارة: لأ، لأ.

أحمد علي الزين: وعلى مستوى القراءة يعني تقرأ؟

مكي مغارة: بالطبع.

أحمد علي الزين: تقرأ بالإسبانية أم بالعربية؟

مكي مغارة: لا لأن دراستي كانت بالإسبانية.

أحمد علي الزين: شو اسمها هذه المدينة؟

مكي مغارة: مارتيل.

أحمد علي الزين: اللي ملفت في هذا البيت كأنه متحف صغير يضم أعمالك وبعض الأشياء يعني اللي أنت تستأنس بوجودها أو باشتغالها يعني. شو بيعني لك أن يكون الإنسان يترك متحف أو ما ينجزه يتحوّل إلى ذاكرة للآخرين في المستقبل؟

مكي مغارة: على ما أظن أن كل إنسان عنده حل واجب في هذه الحياة أنه ضروري أنه يخلّد في البقاء بعد حياته رمزاً..

أحمد علي الزين: شيئاً ما.

مكي مغارة: شيئاً ما، بأن هذا الإنسان هو مرّ في هذه الدنيا.

أحمد علي الزين: ليه؟ لماذا؟

مكي مغارة: هذه الحياة الدنيا، وهذه حياة في الطبيعة، وهذا شيء طبيعي.

أحمد علي الزين: نعم. ليش اخترت هذه المدينة وتركت تطوان بشكل يعني ما بعرف بشكل كامل أم يعني تزور تطوان بين وقت وآخر؟ ليش اخترت هذه المدينة لتبقى في تطوان هي مسقط الرأس والطفولة تلك المدينة على الأقل جميلة جداً بالنسبة للقادمين إليها من بعيد؟

أحمد علي الزين: اخترتها من ناحية للطمأنينة وللسكون، يعني واحد نوع من الهدوء وثم احتكاكي مع الطبيعة، أنا ربما يمكن أكون كما يقول لي أفراد العائلة: كنت سأكون حوتاً يعني نوعاً من السمك، لأني أحب البحر. أحبه كثيراً. الدليل على هذا لما أكون مسافراً وسأذهب إلى مدينة لها بحر على الشاطئ كان يكون هناك نوع من البهجة ونوع من الفرح.

أحمد علي الزين: ما بتستأنس بالمدن الداخلية؟

مكي مغارة: أستأنس بجبالها وبطبيعتها، ولكن البحر مثلاً في الليل لما يكون البحر هائجاً بالنسبة لي يعني كالسمفونيات وغير ذلك بالسمفونيات يعني أنام بكل راحة.

أحمد علي الزين: وهذا البحر انعكس بأعمالك، يعني شاهدناه بأكثر من لوحة.

مكي مغارة: وكائن يعني تقريباً لأنه في كل إنتاجي يعني نوع من التعبير يعني نوع من الماء، لأني أرسم محيطاً بالماء.

أحمد علي الزين: رجل مائي. وهيك فيه هالهدوء اللي أنت تنشده أيضاً هو على الأقل بالنسبة لي. أنا ما بعرفك كتير منيح، بس تبدو هادئاً ومتأملاً. عندك أنت بعض النزعات الصوفيين؟

مكي مغارة: يمكن. يعني هناك نقاد ذكروا أن أعمالي كلها صوفية.

أحمد علي الزين: وأنت على المستوى الشخصي؟ تمارس بعض الطقوسات؟

مكي مغارة: أنا على المستوى الشخصي، لما أدخل مرسمي كأني أدخل يعني نوع من عبادة، وكائن شعور بالراحة، وأشعر كذلك بالألم لما لا

أصادف الأشياء التي أريدها أو تكون في أمنياتي.

أحمد علي الزين: الذاكرة عند المبدعين عامةً هي الخزان الأساس، والطفولة هي هذا الفضاء الشاسع لتكوينه. نشأ مكي مغارة المولود عام 1932 وسط عائلةٍ محافظة، وفي مناخ بيئة صوفية ساهمت في صقل أحاسيسه وتثقيفه. والده كان خطاطاً ومدينته هي كتاب دائم وتاريخ وحكايات وأبواب تفتح على أبواب، وأزقة وظل وضوء ومتاهات وقبب وقناطر وانبثاقات مآذن نحو الأزرق العالي، ووجوه وقامات، هي المدينة بسحرها وعالمها تخزنت في ذاكرته لتفيض لاحقاً عبر الريشة بألف شكل ولون. العائلة المتحدر منها هي عائلة تقليدية كان لها علاقة بمناخات التصوف؟

مكي مغارة: بالطبع.

أحمد علي الزين: الوالد يعني كان..؟

مكي مغارة: كان متصوف جداً. فله كان إحساس، كان خطاط، يعني كما قلت سابقاً على أنه كان هناك روح وإحساس رقيق جداً من ناحية فنية، فبالأفكار الدينية كما كانوا يقولون أن الرسم والتصوير حرام فكان الكل التجأ..

أحمد علي الزين: إلى الخط.

مكي مغارة: إلى إدماج إحساسهم الفني في الخط، في الخشب، في التأمل كذلك.

أحمد علي الزين: يقولون أن أهل تطوان هم غالباً عاطفيون ويعني رومانسيون، يعني يقعون في الغرام بشكل هيك مباغت. أنت أيضاً رومانسي؟

مكي مغارة: يمكن سنرجع إلى المحيط اللي يعيش فيه الإنسان، وهو يعني هذا المحيط ربما كل العناصر التي كانت على حوض البحر الأبيض المتوسط له شيء من ذلك، وتطوان هي لها بكل صراحة سحر، يعني شيء غريب، حج إليها الفنانون من كل قطر.

أحمد علي الزين: التحق مكي مغارة في مطلع الخمسينات بالمدرسة الإعدادية للفنون التي أسسها عام 1945 الإسباني ماريانو برتوتشي، ثم تابع بعد سنواته الإعدادية في تطوان في هذه المدرسة تابع دراساتها العليا في إشبيليا ومدريد حيث تعمق في الدراسات الأكاديمية ليوظف هذه المعلومات والخبرات لاحقاً في البحث عن خصوصية وهوية، في بداية الستينات عاد مكي مغارة إلى تطوان بهاجس تحديث التجربة وتطويرها وإعطائها ملامحها المغاربية، فالتحق مجدداً بمدرسة الفنون أستاذاً كان له الدور الرائد في تكوين أجيال من التشكيليين وفي وضع حجر أساسٍ في جعل تطوان بمدرستها التي أصبحت معهداً محجّاً للطلاب والمبدعين.

أحمد علي الزين: يعني تلك المدرسة أو ذلك الفنان اللي أسسها اللي هو اسمه ماريانو برتوتشي بتقديرك هو يعني لولاه، لو لم يكن موجوداً أنت كنت وجدت طريقك نحو الرسم والتشكيل؟

مكي مغارة: الله أعلم. لأن برتوتشي في الحقيقة هو يمكن أسميه هو أب الحركة التشكيلية المغربية. هو فتح يعني كنافذة منها خرج عدة أجيال، والجيل على الأقل الجيل الأول هو اللي خلف يعني العناصر اللي كانت تدرس في المدرسة التي كانت تسمى المدرسة الإعدادية من بعد، لما دخل الجيل الأول اللي درس في الخارج يعني تحولت إلى المدرسة الوطنية.

أحمد علي الزين: طبعاً بعد تطوان والمدرسة كان لك محطة أساسية مثل ما ذكرت في إسبانيا، تلك المحطة التي عشتها في إسبانيا أكاديمياً شو تركت عندك من أثر؟ شو تركت عندك من أسئلة؟ شو تركت عندك من انفتاح ومن رؤى نحو المستقبل ونحو نفسك أيضاً؟

مكي مغارة: حقيقةً لما انتقلت إلى المدرسة العليا بإشبيليا يعني حسيت على أن هناك وتأثرت كذلك بالمدرسة الإسبانية ولكن يعني أقولها بكل رأس عالي لأن هناك مآثر عربية، قصر بني عباد مثلاً في غرناطة وفي إشبيليا وتقريباً في كل إسبانيا هناك مآثر عربية اللي نحن في المغرب مثلاً ولاّ في الدول العربية بعض المآثر تلاشت وضاعت ومع العلم هم كل مرة كانون يحيون لهم باعتزاز بذلك.. فتأثرت يعني شجعتني في هذا الميدان على الاستمرار ومن ثم في نفس الوقت يعني حاولت ما أمكن أن أخوض من ناحية التقنية الغربية ولكن بنوع من الهضم العربي الإسلامي.

أحمد علي الزين: نعم، نعم. يعني أعطتك مجال لتهذيب اللون وتهذيب الخط وتهذيب التجربة، يعني بس ذهبت إلى تلك البلاد يعني وطبعاً مثل ما ذكرت هي عثرت فيها على بعض ملامح الأجداد وبعض ملامح الذاكرة العربية الإسلامية هناك. السؤال هو ليش نحن العرب والإسلام في الضفة الأخرى من البحر ما عرفنا نحافظ تماماً على ذلك الإرث العظيم واستطاع الآخرون أن يحافظوا عليه؟ شو السر؟

مكي مغارة: ربما راجع للتربية الحسية، التربية الفنية. نحن كان تشوف عناصر مهمة تخرج إلى الخارج، ودكاترة ولكن من ناحية التربية الفنية كان هناك بعد كبير جداً. أحياناً كان يجد الواحد له مؤلفات ولكن بعيد كل البعد على التربية الفنية، لا من الناحية الموسيقية، ولا من ناحية التشكيل، ولا من ناحية التمثيل، فأظن على أنه ضروري أنه منذ الصغر هو يجب التربية الحسية الفنية لكل الناس.

أحمد علي الزين: بعد عودتك من إسبانيا يعني كنت تلميذاً في المدرسة في تطوان، في تلك المدرسة التشكيلية، ثم عدت فيها أستاذاً كنت تشعر في هذا المكان أنها هي بمثابة بيت آخر لك هذه المدرسة؟

مكي مغارة: بالطبع كان شعور على أنه هو كمرسم. وكان شعور على أن هذا كان كالانعزال بالمجتمع وبين عائلتي وبين أصدقائي، هناك كان تفرغ، هو لقاء مع طلبة جدد، هناك الحوار، فهداك جعلني كل مرة أتشجع أكثر في الممارسة في مرسمي.

أحمد علي الزين: عانيت كثيراً حتى تشق طريقك كفنان تشكيلي في بلد مثل ما ذكرنا الفنون التشكيلية التي نراها الحداثية مش متوفرة تاريخياً بعالمنا بهالشكل عالأقل، يعني عانيت حتى تؤكد حضورك في المجتمع التطواني المغربي؟

مكي مغارة: عانيت كثيراً كثيراً كثيراً. لأني هنا منذ تخرجي من المدارس العليا وتعييني كأستاذ فبالحقيقة أنا كان تقريباً لا يوجد يعني نقد، ولا أي واحد يعني..

أحمد علي الزين: يشجع.

مكي مغارة: يشجع، مثلاً الناقد كان عبارة عن أخبار حدث فلان عرض أو فلان له جوائز، ولكن لا يذكر أن المحاولة الجادة للفنان، فهناك يعني كان واحد نوع من انعزال، فكان الإرادة الوحيدة هي إرادة شخصية لكل واحد في ذلك الوقت.

أحمد علي الزين: أنت قلت لي هذه بيوت أندلسية تماماً؟

مكي مغارة: تماماً.

أحمد علي الزين: الأبواب وهذه القناطر.

مكي مغارة: وداخل البيوت وهالشكل الهندسي المعماري الإسلامي.

أحمد علي الزين: طيب بالنسبة للمنزل المغربي، يعني الجدار المغربي بشكل عام هو جدار يعني من الداخل مبلّط بالزليج بيسموه، نوع من البلاط الزخرفي لا يحتمل يعني لوحة من هذا النوع، كيف قدرت أن تؤاخي بين جدار هو كأنه لوحة تشكيلية وبين لوحة أنت من مخيالك ربما أو إعادة تشكيل ما رأيت في الذاكرة وفي المشاهدات اليومية، كيف قدرت تؤاخي بيناتهن وتوفق بين هالشغلتين؟

مكي مغارة: هو نوع من الاختصار. فأنا أفضل مثلاً في البيت المغربي الحديد ضروري أن لا يكون له صبغة مغربية تقليدية اللي كان لها ربط مع الماضي، ولكن هو نوع من الحداثة، فبدل ما نلقاه حائطاً مليء بالزليج أقتنع به كلوحة فقط.

أحمد علي الزين: طيب أستاذي إذا بدنا نقول ما بين اللوحات الأولى الأكاديمية، رسم الوجوه، البروفيل، والتشخيص وتلك الواقعية وبين الرحلة التي وصلت فيها لتجليات مختلفة ومراحل مختلفة نحو التجريد وإعادة رؤية الأشياء بعينك الخاصة، رحلة طويلة يعني خمسين سنة أو أكثر، عندما هيك تجلس الآن وتتأمل في تلك التجارب ماذا تقول لمكي مغارة؟ أنت ماذا تقول لنفسك؟

مكي مغارة: يعني بكل صراحة أن مسيرتي جداً طويلة، وهناك مراحل، وكل مرحلة يعني كان يرجع لي كل مرحلة بحد ذاتها من الضروري أنني أنظر إلى تلك المرحلة للوصول إلى ما وصلت إليه الآن، ولكن أحياناً كان نوع من الغرور، أظن أن الفنان لا بد يصل ولكن في الآخر وصلت لمعرفة الحقيقة وهي أن الوصول مش سهل.

أحمد علي الزين: مثل ما بقول الشاعر الكبير الله يرحمه محمود درويش: الطريق إلى البيت.. أجمل من البيت.

مكي مغارة: فلهذا كل ما وصل الإنسان يجد نفسه يعني بكل صراحة أنه لا يرى..

أحمد علي الزين: يعني كل ما فتحت باب تجد نفسك أمام باب آخر موصد.

مكي مغارة: باب آخر، باب آخر أو كما يسمونه تسويح يعني من حبة إلى حبة وهو طويل جداً.

أحمد علي الزين: ولا تنتهي. نلاحظ في بعض أعمالك يعني نوع من الطفل، الطفل الصغير، اللي هو مكي مغارة الصغير اللي كان يلعب في تطوان، بس يظهر ويختفي أحياناً في هذه اللوحات، أنت أديش هذا الطفل يسعفك على الرسم؟ أديش بساعدك حتى تبقى فنان وترسم؟

مكي مغارة: أنا في الحقيقة يعني روحي هي طفل.

أحمد علي الزين: نعم. لم تكبر.

مكي مغارة: لأ. وإن كان يعني سني يعني يتراوح ولكن في حقيقة الأمر اللي أحمد الله عليه وهو روحي روح طفلة وروح شابة.

أحمد علي الزين: يعني هنّن الفنانين التشكيليين غالباً، مش غالباً، معظمهم يسعون في كل تجاربهم أن يعودوا أطفالاً في الرسم، يعني يرسمون مثل ما كانوا يرسموا وهنّن أولاد يعني خربشات صغيرة. أنت أيضاً من هذا..؟

مكي مغارة: أنا أحاول ما أمكن. هو أن كل ما يعني في الممارسة يعني نرسم أو يمكن يعمل أحياناً نحت يكون بوحي الانطلاقة مش مكلف يعني بوحي الانطلاقة.

أحمد علي الزين: كما تأتي تأتي يعني.

مكي مغارة: ولكن تأتي فتستقبلها ونحاول ما أمكن نقوم بالتعرف عليها.

أحمد علي الزين: حلو كتير. ونحبها ونعانقها.

مكي مغارة: ونحبها ونقدمها ونخوض بكسر اليد، بالواسطة هذاك الشيء اللي وجدته أمس واللي غنيته، ونقدمه.

أحمد علي الزين: مثل كل البدايات الصعبة تعامل المكي مغارة مع الثقافة والتراث المغربيين، باحثاً في أعماق المجتمع والإنسان والمدينة بمحيطها وأشكال المعمار فيها وبفنونها وصنائعها، حيث امتازت أعماله الأولى بالاختزال في الشكل والتركيب بألوان كثيفة متراكمة مستفزة، تثير الجانب التعبيري لقلق الذات إزاء المجهول والمطلق، وحيث الهيمنة للحدس والخيال.

ومع انطلاق العقد السابع من القرن الماضي أدرك التشكيليون المغاربة بشكل عام ومنهم المكي مغارة طبعاً.. نضجاً ووعياً أعمق في التعبير عن الهوية المغربية، وذلك انطلاقاً من العلاقات الفنية التي ربطتهم بالأدباء والمفكرين المغاربة والتي أغنتها الحوارات واللقاءات المشتركة التي أسست للكتابات النقدية التشكيلية الأولى، وتنظيم تظاهرات ومعارض في المغرب وفي الخارج.

وفي هذا السياق كان الفنان مكي مغارة حاضراً إلى جانب الجيل الأول من الرواد المغاربة مؤسساً ومساهماً وباحثاً متميزاً، حيث يلاحظ من خلال إنتاجه الفني ابتعاداً جذرياً عن التأثير التشخيصي ذي الجذور الأكاديمية إلى رحاب التجريدية اللاشكلانية الغنائية معتمداً على أدوات عملية بسيطة في خاماتها وأشكالها، استطاع من خلالها أن يكشف عما في أعماقه من طاقات حبيسة.

أحمد علي الزين: نلاحظ أيضاً بتجربتك وبأعمالك إنه هناك حضور قوي للإنسان ككائن يعني بكل أمكنته واشتغالاته وسعيه في الحياة يعني هذا الإنسان يشغلك أنت بتفكر فيه كثيراً؟

مكي مغارة: بالطبع لأنني إنسان.

أحمد علي الزين: بأي مستوى بتفكر فيه؟ بتفكر بمصيره بحياته اليومية؟

مكي مغارة: بكل شيء، لأني إنسان وأحس بذلك، لأن انشغالي هو دور الإنسان في هذه الحياة.

أحمد علي الزين: أيضاً حيز آخر هناك مسكون تبدو أيضاً في الطبيعة في المكان وأمكنة المغرب هي متعددة بألوانها وعماراتها وتاريخها وذاكرتها، يعني أيضاً أنت يشغلك المكان يعني تهجس فيه دائماً؟

مكي مغارة: كذلك.

أحمد علي الزين: بالنسبة للفنان بشكل عام التشكيلي خاصة مصدر إلهامه، المخزون الأساسي لإبداعه هو الذاكرة؟ ما رآه في الذاكرة يعيد تشكيله؟

مكي مغارة: ما رآه في الذاكرة، ولكن أهم شيء هو الممارسة. يقولوا بأن الفنان موهوب أنا أكذب ذلك، الفنان موهوب بالطبع ولكن لما شيئاً ما الوحي بيطرح على الفنان يكون له إمكانية يعني يطرح بالممارسة، الممارسة حس بأشياء، شاف منظر أي شيء اللي بيحس فيه في عالمه الحسي ولكن بس يمكن يخرجه إلى الوجود الممارسة.

أحمد علي الزين: وأنت بتحس نفسك في حالة رسم مستديمي دائماً بتحس إنه.. حتى لو لم تكن يعني تحمل الريشة؟

مكي مغارة: يعني شفت أشياء طريقة الألوان..

أحمد علي الزين: بتخزنها.

مكي مغارة: تخزن الأشياء.

أحمد علي الزين: تتأرجح أعمال المكي مغارة بين التجريد والتشخيص وتعكس في الحالتين معاً شغفه بالاشتغال على المادة وتحولات اللون والضوء، ولإبراز ذلك يعمد أحياناً إلى أسلوب التغرية والكولاج لإعطاء اللوحة وجهاً أو أوجهاً وأبعاداً متعددة خلال مشاهدتها وقراءتها البصرية.

مكي مغارة: محاولتي هو بين الخط واللون والمادة والشكل يعني كيف كنا نرسم الأشياء.. ندخل الشيء كأني أفتح حوار بيني وبين المتلقي.

أحمد علي الزين: شو سر هذا التزاوج عندك بين النحت واللون والتشكيل الرسم، يعني كما هاللوحة التي هي موجودة وراءك ولوحات أخرى تبدو كأنها أنصاب منحوتات؟

مكي مغارة: شوف يا أستاذ الخط مثلاً لغة قائمة بذاتها، المادة قائمة بذاتها كذلك، اللون، أحياناً بعض الفنانين يأخذوا لغتهم الخط أو الخط واللون وأحياناً يصنفوا هذه العوامل لتكون قوة، أنا أحس بالفورم كذلك.. فأحياناً ما أكتفيش باللون على سطح اللوحة بل ضروري نبرز الأشياء لأنك تشوفها في المدينة العتيقة، كذلك أعتقد أن كل يعني الأشياء الواقعية اللي في محيط الإنسان من حديد كذلك يمكن استخدامها في الميدان التشكيلي.

أحمد علي الزين: ذكرت المدينة القديمة بتطوان، الآن تطوان يعني تعني لك كما كنت تراها في السابق؟ بتشوفها مثلما كنت تشوفها أنت وبفترات الطفولة والشباب؟

مكي مغارة: هناك وقعت تغيير كما يقع في بقع العالم يعني هناك تغير، ولكن الحمد لله يعني تطوان ما زالت بعض الأحياء ما زالت تحافظ على.. ولكن تطوان هي من أهم المدن العتيقة في المغرب لها قرون، وضروري أن منظمة اليونسكو تدخل لكي بعض الأحياء عار أن إحنا نخليها تضيع، ولكن الحمد لله كانت محل مراجعة والاهتمام.

أحمد علي الزين: أنتم الجيل اللي تكونتوا في الخمسينات في تلك المدينة، مصادركم الفكرية السياسية إذا بدنا نسميها الفكرية شو كانت آنذاك؟

مكي مغارة: كانت نهاية الاستعمار وبداية استقلال المغرب، فضروري كان هناك إحساس وكان هناك لرفع مستوى البلاد.

أحمد علي الزين: وأنت كان عندك إحساس إنه عليك أن تساهم برفع مستوى هؤلاء الناس؟

مكي مغارة: بالطبع.

أحمد علي الزين: سياسياً اشتغلت سياسي شي؟

مكي مغارة: سياسياً يعني في عملي الفني..

أحمد علي الزين: هو سياسي.

مكي مغارة: يعني نحن رجعنا من إسبانيا ونحمل الروح ونحمل الأمنية إنه يمكن نعمل المستوى ده للطلبة الجدد نعطيهم التكوين المادي بس يكونوا أحس من هدول الطلبة الموجودين بأوروبا، وفعلاً عملنا على القضية هذه ووصلنا إلى أن نقطف هذه الثمرة وكان في هذا الوقت ما تسمى المدرسة الوطنية للفنون الجميلة كانوا يعترفوا بها في أوروبا لأنه لما يستقبلوا الطلبة في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان ما كانوش حتى امتحان الالتحاق ما كانوا يقدموا للامتحان يكتفي بشهادة المدرسة..

أحمد علي الزين: نتيجة التكوين الجيد الممتاز اللي أنتم اشتغلتوا عليه، أنت على كل حال يسموك أو يقال عنك من المربين الكبار في المغرب اللي ربيت جيل من التشكيليين أسست بشكل عميق جداً. احتراماً لحرمة المنازل ينحنون..

مكي مغارة: أحسن الفضاءات الموجودة في هذا البيت هي هذه الياسمينة، في الحقيقة أن هذه الياسمينة هي التي تعطيني الطاقة للإبداع يعني طاقة الإبداع في الخلق.

أحمد علي الزين: تستلهم منها أنت؟ هيدي لوحة تشكيلية فعلها الزمان.

مكي مغارة: طبيعية.

أحمد علي الزين: دائماً فيه حر عندكن في هذه المدينة؟

مكي مغارة: لا.

أحمد علي الزين: بس بالصيف.

مكي مغارة: في الصيف وأحياناً في أيام الربيع يكون الجو معتدل.

أحمد علي الزين: أنت من الناس اللي بتحب الصيف أم الشتاء؟

مكي مغارة: أحب الصيف، أحب الشتاء، أحب يوم الربيع.

أحمد علي الزين: آه بتحب كل الفصول.

مكي مغارة: ولكن بهدوء.

أحمد علي الزين: كله بهدوء، يعني أنت شخص مش مسرف بحبك للأشياء والعناصر والناس والنساء ربما؟

مكي مغارة: لأ، المجموعة من كثرة الناس تزعجني أحياناً، أفضل أمشي الشاطئ يمكن نشوف شخص ولا شخصين فقط.

أحمد علي الزين: لأ أنا سؤالي إنه أنت مش مبذر بالحب؟ يعني تحب كتير ولا شوي؟

مكي مغارة: لا أحب كثيراً.

أحمد علي الزين: حتى الجنون؟

مكي مغارة: بالضبط حتى الجنون.

أحمد علي الزين: كل شيء؟

مكي مغارة: كل شيء..

أحمد علي الزين: المرأة؟

مكي مغارة: يمكن يؤثر في الجنون لإبراز أشياء كثيرة في شخصيتي.

أحمد علي الزين: شو أكثر شيء أعز على روحك على قلبك الرسم أم المرأة أم ماذا؟

مكي مغارة: أعز شيء؟ هو تكوين بيتي أولادي وامرأتي.

أحمد علي الزين: يعني أنت رجل منضبط في البيت كنت تاريخياً؟

مكي مغارة: نعم.

أحمد علي الزين: تماماً؟

مكي مغارة: تماماً، وربما لاحظتم على أن المرسم هو داخل البيت.

أحمد علي الزين: داخل البيت يعني حتى ما تزوغ، شفت صورة أنت ومرتك صورة كان أنت كان عمرك ثلاث سنين وهي كان عمرها ثلاث سنين، منذ ذلك الحين أنتم بتحبوا بعض؟

مكي مغارة: بالطبع.

أحمد علي الزين: هذا أنت؟

مكي مغارة: وهذه زوجتي كانت صغيرة..

أحمد علي الزين: زوجتك؟

مكي مغارة: زوجتي.

أحمد علي الزين: من ذلك الحين متزوجين أنتم؟

مكي مغارة: بالضبط، يعلم الله.

أحمد علي الزين: لاحظت شي أستاذ مكي تبدو كتير متعلق بلوحاتك، يعني عادة الفنان بس يخلص ينتهي من عمل ويوقعه بيصير هو ملك الحياة ملك الآخرين يعني..

مكي مغارة: مع الأسف.

أحمد علي الزين: إيه مع الأسف، حسيتك أنت أكثر يعني..

مكي مغارة: لأنه فيه كل لوحة وفي كل مثل فني اللي يحدثه الإنسان فيه حياة، فيفارق هذه الحياة شيء صعب، أنا لي أمثلة وكل لوحة مثلاً كمراجعة في تلك اللحظة اللي كنت أحس بها شيء جميل.

أحمد علي الزين: يعني هي كأنها تلك اللوحة أبدّت لحظة من الزمن عشتها.

مكي مغارة: لحظة من الزمن، وفعلاً جزء من الزمن.

أحمد علي الزين: وأصبحت جزء منك.

مكي مغارة: جزء مني.

أحمد علي الزين: التخلي عنها يعني مستحيل.

مكي مغارة: ونحمد الله أنه لا امرأتي ولا أولادي كلهم على تلك الطريقة، يعني يخوضوا كل إنتاجي يعني محل عطف وإن كان أحياناً يفضلوا أنهم ما يقعدوا فبيوت الأولاد كلها مليئة بلوحاتي.

أحمد علي الزين: إذا بدنا نسأل سؤال كل شخص يعيش مما يعمل، أنت كمهنة فنان تشكيلي يعني ومن المفترض تبيع لوحات.

مكي مغارة: الحياة متوفرة للإنسان ضروري أنه يعيش خصوصاً الفنان.

أحمد علي الزين: فيعني بتبيع.

مكي مغارة: كلوحة قسط ضئيل بالنسبة لي منخليه لهذه القضية للعيش لشراء المواد للسفر وكل ما يتعلق بالبيت، لكن كلها أفضّل أن يبقى.

أحمد علي الزين: يعني كم لوحة السؤال مش كم لوحة.. يعني حدث معك كتير إنه رسمت لوحة حبيتها كتير واضطريت تبيعها وحاولت ترسم متلها وما قدرت، صار معك؟

مكي مغارة: طبعاً، صار، تكون شيء آخر إما في الألوان وإما في طريقة العمل مش سهل..

أحمد علي الزين: خلاص راحت، لحظة لا تتكرر، يمكن هي الامتحان الحقيقي للرسام إنه وقت اللي بيرسم لوحة مستحيل يكررها.

مكي مغارة: وإذا تكررت تتكرر فيها نوع من البرودة..

أحمد علي الزين: بدون عاطفة.

مكي مغارة: بدون عاطفة شيء سطحي فقط بارد، يعني كشيء حول صور فوتوغرافية فمستحيل يكون تكرار.

أحمد علي الزين: تأتي بنفس الزخم والحرارة والحب والشغف.

مكي مغارة: أنا لي تجربة مثلاً كان هناك تصاميم صغيرة وفيها قوة متينة هي مع نفسي نقول هي خسارة هذه يمكن كبرها وتكون عندك قوة أكبر للتحرك، ومع ذلك هذيك الصغيرة كانت محل قوة ومحل متانة أكتر، والحجم الكبير اللي أخذته من ذلك التصميم طلع شيء آخر.

أحمد علي الزين: لا يشبهه، ربما لو دبت الروح بالاثنين الصغير يغلب الكبير.

مكي مغارة: الصغير يغلب الكبير، لي اليقين أن الصغير.

أحمد علي الزين: لأن روحك فيها، حلو كتير.. كل هذه الأشياء من تصميمك؟ هذا الدين المعاملة من تصميمك؟

مكي مغارة: نعم كلها من تصميمي..

أحمد علي الزين: يعني سألتك ما بتعرف لكن برجع بسألك مرة تانية تقريباً كم عمل رسمت بحياتك كم لوحة؟

مكي مغارة: آه كم لوحة صعب.

أحمد علي الزين: يعني عشرة آلاف خمسة آلاف..

مكي مغارة: والله ما بعرف.

أحمد علي الزين: كم بعت لوحة؟

مكي مغارة: كذلك..

أحمد علي الزين: لا تعرف، يعني يبدو كثير، طيب على مستوى حضورك مشرقياً يعني مش بالمغرب بالشرق العربي كان لك حضور ذات يوم؟ يعني حدا تناولك نقدياً؟ تناولوا تجربتك.

مكي مغارة: كان لي الشرف أنني شاركت في المؤتمر الأول للتشكيليين العرب ببغداد سنة 1973 وهناك تعرفت على إخوان من كل قطر عربي، والأقطار العربية تعرفوا على الحركة التشكيلية المغربية كذلك، ثم كان هناك مؤتمر آخر في دمشق كذلك بعض الإخوان اللي كانوا شاركوا في بغداد، وهكذا فالمعارض بين الأقطار العربية متوالية ويعني المسيرة طويلة جداً.

أحمد علي الزين: يعني على مستوى أوروبا طبعاً أسبانيا مثلما ذكرت لي عندك بعض الأعمال الموجودة في بعض المتاحف في إسبانيا.

مكي مغارة: نعم كان هناك تقريباً خمسة أعمال في أوكرانيا..

أحمد علي الزين: وفي بعض العواصم الأخرى في أوروبا يوجد لك أعمال؟

مكي مغارة: أعمال متفرقة، كان هناك رسم في القطاع الخاص يعني في كل في الولايات المتحدة في ألمانيا وفرنسا إسبانيا إيطاليا وثم في الأقطار العربية.

أحمد علي الزين: في المغرب الاهتمام بمكي مغارة بنفس مستوى اهتمام الناس والنقاد والفنانين والاهتمام الرسمي تقريباً؟

مكي مغارة: بالطبع نفس الاهتمام، لكن في الأوائل كان الاهتمام بالنقد الغربي كان أكثر من الاهتمام المغربي.

أحمد علي الزين: كرمت في المغرب طبعاً، المغرب كرمك أكثر من مرة؟

مكي مغارة: في المغرب عدة مرات، أخيراً قامت جمعية بتكريمي.. ثم سنة 1997 كان هناك تكريم من طرف الحكومة الأندلسية بمشاركة وزارة الثقافة، وكان عندي سنة تكريماً كذلك باب الروح إلى الفنان الراحل محمد القاسمي محمد المليحي..

أحمد علي الزين: الفنان يعني بتقديرك متى يشعر أكثر إنه هو فعلاً نال شيء من حقه عندما يُكرم من الجهات الرسمية؟ أم من الناس؟ أم متى بيحس حاله تكرم بشكل حقيقي؟

مكي مغارة: أنا أظن إحساسي على الأقل أنا أتكلم على نفسي شخصياً.. أنني عندما أحسّ بنوع من الاعتراف بالأعمال، أنا بالنسبة لي التكريم ليس كجائزة، بالنسبة لي هو كاعتراف بالمجهود الجبار اللي عمله الإنسان في حياته وفي مسيرته الفنية.

أحمد علي الزين: وأنت كيف تكرم نفسك؟

مكي مغارة: أنا لما أزيل أشياء اللي كان كنا يعني كانت عملناها رسمناها وخرجها إلى الوجود كحدث فني.

أحمد علي الزين: أنت علاقتك بالموسيقى جيدة؟

مكي مغارة: أنا أشتغل جيداً بالموسيقى، ولكن بالنسبة لي لا فرق بين أي يعني إيقاع موسيقي يجذبني إن كان عربي أو غربي، بالطبع الأشياء اللي هي مغربية بس كان البعض منها تجذبني ربما أكثر، كل إيقاع فني جميل فيه صدق بالنسبة لي شيء عظيم.

أحمد علي الزين: يشبهك.. خاصية تشكيلية أخرى أمست تميز التجريب والبحث الصباغي عند الفنان مكي مغارة هي اشتغاله على مفهوم الضوء الناتج عن استعمال اللون أو ألوان صافية ومصقولة، أو لنقل بلغة المتصوفة النور الذي يضيء لوحاته من عمق تشكيلات لونية صعبة الفهم خلال مشاهدة واحدة، أليس الفنانون هم أبناء النور يتوقون إليه يستعيدونه ويشكلونه في أعمالهم بطرائقهم ومذاهبهم التي تباينت على مر العصور، النور في أعمال الفنان مغارة هو أساس بناء اللوحة منه تنبثق وإليه تعود، هو البداية والنهاية والخلاصة التي تختزل تجربة جمالية واسعة وسفر طويل في متاهات الألوان بكل تحولاتها وتلاقيها فوق الأبيض.