خالد زيادة

خالد زيادة: يترك مرور الزمن بصمات عميقة على الأمكنة.. في ذلك الوسط المديني حيث التجاذب بين القديم والحديث، بين التقليدي والآخر، لا يخلو الأمر من عنف رمزي قبل أن يتحول إلى صراع مكشوف.. لقد مر الوقت الذي تعايشت فيه النماذج بسلام ظاهري في فترة سعيدة من الزمن بين الخمسينات والستينات، صنع سعادتها عالم الطفولة والصبا الأول.. كان الوقت في صبانا أول عهدنا بالمدرسة يسيل سريعاً مبدلاً الأمكنة التي كانت تنداح وتنتقل من جهة الجانب الشرقي للمدينة صوب الغرب.

في الجسم الأساسي فيها هو الجسم الصليبي يعني اللي مع الحملة الصليبية في نهاية القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر جسمها الأساسي، لكن أضيف لها أجزاء أيام المماليك لأنه تهدمت بالحروب وبالزمن، وفيه جزء اللي هو نحنا فتنا من اللي هو الجزء العثماني. لكن القلعة اللي أنا بعرفها هي القلعة اللي يعني مرتبطة بطفولتنا لأنه كنا نجي نلعب هون، وبخيالي أنا إنه كان يعني بكل القلعة توحي بألعاب الفروسية إذا بدك.. خصوصاً هيدي المهبط من القلعة اللي النهر وكان فيه منطقة هون يعني منطقة نزهة مربوطة فيها كتير طرابلس ناح المولوية اللي هو أثر عثماني، أنا بدي فرجيك هون هادا الجزء اللي هو سابق للقلعة، طبعاً إحدى الروايات تقول إنه هون بالقرن الهجري الأول إجا فاتح اللي فتح طرابلس الصحابي سفيان الأزدي عمل هون حصن، وأنه هذا أساس للقلعة لاحقاً، هيدي القبة اسمها بيت النصر، فالسلطان قلاون المفروض إنه اسم هي قبة النصر لأنه..

أحمد الزين: بناء على انتصاره..

خالد زيادة: انتصاره على الصليبيين اللي كانوا متمركزين في القلعة. طبعاً شوف يعني هاي المدينة القديمة الأرميد وهيدا الجامع الكبير المسجد المنصوري الكبير نسبة إلى المنصور قلاون، طرابلس رغم إنها بعيدة عن البحر 2 كم بس مدينة داخلية بالمقارنة مع الميناء اللي هي متوسطية بطباعها، يعني خصوصاً بفترة القرن التاسع عشر أو القرن العشرين، هذا منظر.. كنا نشوف هون جامع العطار أحد أجمل مساجد طرابلس ومئذنته أعلى مئذنة بالمساجد المملوكية، الكنائس موجودة بشارع الكنائس تشوفها يعني هي مختلطة مع العمران..

أحمد الزين: إنها طرابلس وهذا الرجل كتب سيرتها فبينه وبينها خبز وملح كما يقال.. وقصص حب وتاريخ، طرابلس تحبها وتحزن تحبها وتحزن أكثر إذا كنت عرفتها قبل أن تخطف وتخسر بعض ملامحها وتتوارى، وذلك يوم كانت مدينة وعاصمة ومتعددة عاتقها عاطر وفواح وحاضرها الحداثي آنذاك حاضن للاختلاف، على كل حال ما بقي من المدينة القديمة يشعرك ولو قليلاً بالاطمئنان وحاضرها يقاوم السقوط في العتمة على ما يبدو، أما الذي يثير الخوف أنها تبدو متروكة في معظمها للنسيان. لا أعرف إذا كان مصير مدننا العربية مهدداً دائماً بهذا الحجم من الغياب.

خالد زيادة يجيب على هذه التساؤلات، وهو أيضاً مصاب بالحسرة على هذا المحو الذي يصيب الذاكرة وإنسانها وكلامها، كتبها كثيراً وعلى أكثر من مستوى في البحث الاجتماعي وفي التاريخ وفي السيرة عبر ثلاثيته: يوم الجمعة يوم الأحد، بوابات المدينة والسور الوهمي، حارات الأهل وجادات اللهو، وقد عرفته جاداتها وحاراتها في اللهو والجد ناشطاً وتنموياً وجامعياً مهتماً بتاريخها وبمستقبلها، خلال تسكعنا في حاراتها وأزقتها القديمة وساحاتها، يشعرك خالد زيادة بتلك الحسرة على مطارح أزيلت وعلى مدينة يبدو أنها توقفت يوم توقف قطارها في الميناء حيث كان يعمل الوالي.

أحمد الزين: أستاذ خالد وقت يُذكر اسم خالد زيادة دغري بتحضر مدينة طرابلس بكل أحياءها وحاراتها وجادات الأهل اللي سميت أحد الكتب الثلاثية باسمها، حارات الأهل وجدات اللهو.. تحضر تلك المدينة أيضاً تحضر أعمالك المتنوعة، ويمكن منشم شوي ما تبقى من عطر زهر الليمون، يبدو فيه قصة حب بينك وبين طرابلس فينا نقول إنه كأنها انتهت باختطاف ما أصاب المدينة؟

خالد زيادة: يعني هو سؤال جميل ويعني يحتاج إلى إجابة مطولة، لكن طبعاً أختصر وأقول انه إذا كان اسمي يحضر مع طرابلس يعني لأني كتبت يعني سيرة المدينة في ثلاثية صدرت عن دار النهار، أضف إلى ذلك أني اشتغلت شيء آخر يتعلق بطرابلس وهو أصدرت كتابين عن سجلات محكمة طرابلس الشرعية، وكنا تعاونا مع بعض الزملاء الأساتذة بتصوير هذه السجلات حفاظاً عليها، وكان ذلك في مطلع مهنتي التعليمية في الجامعة في مطلع الثمانينات. وأنا عشت في هذه المدينة ودرّست فيها، وطرابلس أيضاً يعني اسم مثير يعني لأمور عديدة مدينة تراث ومدينة وطنية ومدينة مشاكل ومدينة حرب ومدينة سلم ومدينة علم..

أحمد الزين: ومدينة تعدد، وعاصمة الشمال..

خالد زيادة: نعم، فكل هذا يعني يثير هذه الانطباعات.

أحمد الزين: ويؤكد على علاقة الحب بينك وبين المدينة، فيه جزء من السؤال ما جاوبت عليه إنه عندك هالإحساس أن المدينة مخطوفة من نفسها؟

خالد زيادة: يعني طرابلس تعاني الحقيقة، مدينة تعاني عانت كثير ويمكن ما تعانيه أيضاً هو سوء الفهم يعني لمتطلباتها مش بس تعاني من أزمة الفقر والأزمات الاجتماعية والتهميش، ولكن أيضاً عانت من كل المشاكل مشاكل التحديث مشاكل النمو مشاكل السياسة مشاكل الحرب.

لسه فيه حركة في عالم هون هيدا السوق الرئيسي وأنا يعني جزء من طفولتي عشته هون لأن مدرستي كانت قريبة، وهذا طبعاً لسه في حيوية لأنه السوق شغال حي.

طرابلس بالتاريخ اللي منعرفه كان لها دور أكبر مما يعني تلعبه اليوم حالياً خصوصاً بالفترات الفاطمية والمملوكية، هيدا تاريخ يعني كانت مرفأ رئيسي على المتوسط وصلة وصل بالتجارة العالمية بين أوروبا وآسيا، هذا يعني في التاريخ لكن حدث نوع من التراجع لهذا الدور لأسباب عديدة، منها يعني بروز مرافئ أخرى في المتوسط الشرقي في مصر في أنطاكيا بالفترة العثمانية المتأخرة، هذا كله أدى إلى تراجع، ثم يعني في المرحلة الثانية اللي هي أقرب في الزمن مرحلة الانتداب الفرنسي وتكوين لبنان الحديث، يعني التركيز أصبح على بيروت اللي كانت هي مدينة صغيرة بالنسبة أو بلدة بالنسبة للما كانت طرابلس عاصمة ولاية، يعني الاهتمام انتقل إلى مكان آخر لأسباب موضوعية، لكن أنا بهذا المجال بحب أحكي عن شيء اسمه فيه مصائر للمدن، يعني هذا شيء أحياناً خارج عن الإرادة، فيه جزء منه إرادة يعني ممكن الإرادة تلعب دور بالتخطيط اليوم، التخطيط الحديث التخطيط العمراني التخطيط المديني، وفيه جزء يتعلق بتقاطعات مش مسؤول عنها البشر مباشرة يعني لما نحكي عن ضمور دور مدينة وظهور دور مدينة أخرى هذا ليس فقط في الشرق، في الشرق والغرب، فلهذا السبب يعني لفهم هذه المسائل المتعلقة بطرابلس أو بغيرها، أيضاً نحتاج إلى يعني نشوف وين هي موقعها من التقاطعات ممكن تكون مش طرابلس اللي تقهقر دورها، يعني العواصم التي ظهرت مثل دمشق أثرت على حلب وحمص وحماة مهيك، يعني تضخم مدينة القاهرة أثر على مدينة الإسكندرية اللي هي كانت عاصمة متوسطية، كل هذا يعني أمور مثيرة للباحث يعني يشوف مصائر المدن، أنا بحب هون يعني أنتقل إلى مظهر آخر إيطالي وهو أنه اليوم يمكن الأدب عم يقدر يعكس هذه المسائل أكثر من البحث التاريخي المدقق والبحث الاجتماعي، الشيء اللي خلاني اندفع إلى كتابة "يوم الجمعة يوم الأحد" اللي هو تحت عنوان مقاطع من سيرة مدينة على البحر المتوسط هو أنه كان فيه أسئلة لا يستطيع البحث الأكاديمي أن يجيب عليها، فتلجأ إلى أسلوبية مختلفة ربما هي أقرب إلى العمل الأنثروبولوجي يعني بين الرواية وبين البحث لأنه فيه تدخل الذات، والرواية تسمح بأن يدخل الباحث أو الكاتب نفسه يقحم نفسه تجربته يحكي عن ذكرياته، البحث الاجتماعي لا يسمح بهذا الأمر.

كل الفتيات اللواتي من جيلي صديقاتي الخياليات كن يحملن أسماء قصيرة مكونة من ثلاثة أحرف بينها الألف أو الهاء، أسماء هينة اللفظ تنشد الحداثة.. ضمن السعي المحموم لمغادرة التقاليد بما فيها الأسماء المغروسة.. كل الفتيات كن ندى وهبة وهنا وزينة وريما ومها.. أسماء لها الجرس والوزن ذاتهما.. تكشف عن أوساط اجتماعية وعن مصائر من سينغمسن في حداثة الستينات وانفتاحها.

أحمد الزين: كان يوم جمعة مشمس من شهر كانون الأول ديسمبر من نهاية عام 2008 التسكع في المدينة غاوٍ، والأشد إغواء وإغراء هو التسكع في التاريخ. من هنا من على سطح القلعة نشرف على الحي القديم، بعده تنبسط المدينة تدريجياً نحو البحر وتمتد شمالاً. ألف عام تقريباً بين مدينتين، أوقات كتب عنها خالد زيادة، كتب عن التحول الذي أصاب العتيق منها وعن الحداثة التي بدأت منازلتها مع التاريخي والماضوي والتي تركت أثرها على من عايشوا تلك التحولات، مدينة داخلية ساكنة تحت سلطة قلعتها التاريخية تمارس حياتها، ويوميات تشبه العزلة في زمن بعيد ما قبل أن يزحف العمران ويصلها بمدينة البحر، من هنا من على حافة القلعة يشعر المرء بكثافة التاريخ وبوطأة الزمن وربما يشعر بهشاشة الإنسان، وما تبقى يدل على قيام مدينة مرة كانت صليبية ومرة إسلامية مملوكية، أما اليوم فهل نستطيع التحدث عن مدينة أخرى مدينة عربية مثلاً بالمعنى المديني بالمعايير الحداثية.

خالد زيادة: بالنسبة للباحثين في هذا المجال بيحكوا عن المدينة الإسلامية من الباحثين التاريخيين، يعني ما فيه خصائص لمدينة عربية بالاستقلال عن المدينة الإسلامية التاريخية لهذا مصطلح مدينة عربية مش موجود، ربما الآن نستطيع أن نتحدث عن مدينة عربية بالمعنى الاجتماعي وليس بالمعنى التاريخي، على كل ممكن لباحث تاريخي أنه يقول لا أنا بدي أبحث يعني أفرجيكم يعني خصائص لمدينة عربية هذا مسموح أو محتمل، لكن الشائع عند الباحثين التاريخيين وهو المدينة الإسلامية اللي ممتدة من المغرب إلى يعني أواسط آسيا نماذجها، والمقارنة مع المدينة الغربية كانت دائماً موجودة خصوصاً لما تطور الاستشراق لأن المستشرقين أوروبيين، يقارنوا مع المدينة اليونانية والمدينة الرومانية أو المدينة الغربية في العصور الوسطى، المقارنات يعني قائمة. وطبعاً هالمقارنات مش دائماً عميقة لكن أذكر يعني بعض الباحثين اللي كانوا يعني لهم شهرة مثل يوستاف باون واحد من اللي يعني عملوا هذه المقارنات، والمقارنات ما كانت دائماً لصالح اللي سمي اصطلاحاً المدينة الإسلامية.

أحمد الزين: لم يقتصر اهتمام الدكتور خالد زيادة على الجانب الحياتي والمعيوش والاجتماعي في أبحاثه وكتاباته عن المدينة، بل تناول الجانب الآخر الجانب التاريخي أيضاً وكتب عن المدينة الإسلامية، بحث في مكوناتها وخصائصها باعتبارها فضاءً فقهياً استمر قائماً حتى مشارف العصر الحديث مرتبطاً مع المذاهب الفقهية القائمة. في كتابه "الخسيس والنفيس" كما سماه وذلك عن الرقابة والفساد في المدينة الإسلامية، يبحث خالد زيادة عن علاقة المدينة بالدولة وعن تقاسم سلطة الرقابة بين حكم الفقهاء ونفوذ الدولة، محاولاً الكشف عن التناقض بين الحكم الشرعي وسلطة السياسة.

خالد زيادة: الشيء اللي يعني يدفع إلى هذا البحث هو علاقة التاريخ بالحاضر، نحن نعيش يعني التاريخ يؤثر في حاضرنا لأنه يعني إذا كنا عم نحكي عن الفقه والفقهاء، فيه كتير الآن هيك دعوات يعني إلى استعادة نموذج مدينة ما في التاريخ اللي هي المدينة الإسلامية، وهذا اللي بخلينا نفكر ونبحث ونستعيد هذا الأمر. فينا نحكي عن مدينة عربية بالمعنى الحاضر بمعنى التطورات التي شهدتها الحواضر العربية بتأثير الاستعمار ونزع الاستعمار، ثم يعني النمو إذا بدك المتعسر كل هذه الخصائص تنعكس في المدن العربية منشوف تشابهات، الانفجار السكاني في المدن الكبرى في العواصم، تعثر الإدارة، تعثر هذه الأمور محتمل أنه يعني يكون هذا مجال لبحث اجتماعي لعلم اجتماع المدينة العربية، لكن يعني للأسف الأبحاث في هذا المجال ما زالت قليلة.

أحمد الزين: نعم لك كتاب أصدرته كمان في التسعينات أو المثقف يبدو هذا سؤال، المثقف شغلك من وقت مبكر اليوم بهذا الخليط، هذا الخليط والفوضى الفكرية بين العقل والغرائز بين الخطاب العاطفي والخطاب العقلاني.. يعني شو.. أين دور المثقف؟

خالد زيادة: أنا أعتقد إنه طبعاً سؤال كبير والإجابة عليه كمان مثل كل سؤال يطرح إمكانيات ومستويات مختلفة للإجابة، بحب قول كلمتين عن الكتاب هو اللي تفضلت وذكرته هو كتاب "كاتب السلطان" اللي له عنوان فرعي هو حرفة الفقهاء والمثقفين، دوافعي لهذا الكتاب يعني نموذج المثقف الفرنسي الفاعل اجتماعياً وفكرياً تراجع، يعني تراجع بشكل إنه ما بقينا نحكي عن دور المثقف، صار المثقف يعني كتير من الأحيان بيلاقي دوره بأجهزة الدولة بالأعمال الاستشارية، هذا المثقف الحر على موديل جون بول ساتر اللي عرفناه، وريجيز دوبريه وغيره يعني هذا لم يعد موجوداً. أما الآن.. الآن أنا أعتقد أن المثقفين إذا كان فيه مساحة شغلوها فيما مضى تقلصت هذه المساحة، تقلصت أمام الخطاب الديني وتقلصت أمام يعني سيطرة الدولة، وتقلصت لسبب يعني ربما ما منحطه بالأولويات، وهو أنه كان المثقف يستند إلى أيدولوجيا إلى فكرة، اليوم نحنا بعصر تهاوت فيه الإيدلوجيات وتهاوت فيه الأفكار، وتراجعت العقائد اللي لها طبيعة فكرية اللي كانت مصدرها أوروبا.

أحمد الزين: بس ما فيك تقدر تقارب أو تقارن مثلاً بين الأجيال على الأقل إنه مثلاً جيلكم والجيل الحالي الموجود حالياً، أنه هداك الجيل كان أكثر تأثيراً بحضوره يعني هلأ بتسميه مثقف بتسميه ناشط اجتماعي فيك تعطيه الاسم اللي بدك، كان إلهن دور وكانوا يؤثرون يعني بالحياة الاجتماعية بدورتها أكثر من الحين، الحين كأن هذا الدور غاب واختفى توارى يعني.

خالد زيادة: توارى طبعاً وتوارى لأنه أنا إذا بأخذ فترة يعني فترة الأربعينات اللي أنا طبعاً ما كنت لسه ولدت في ذلك الوقت، ولكن يعني الواحد ذاكرته بترجع إلى الوراء منشوف أن العمل الحزبي أو نشوء الأحزاب أتاحت مجال للمثقفين لأن الأحزاب كانت مكونة من مثقفين أكثر مما كانت مكونة من فئات شعب أخرى، يعني ولو أن بعض الأحزاب يدعي يعني أنه يمثل العمال أو يمثل طائفة أو فئات الشعب، ولكن كانوا المثقفين عندهم أطر، اليوم أعتقد أنه يتفادى أي مثقف أن يُنسب إلى حزب يعتبر أن هذا يعني مش بمعنى يعني الحياة الحزبية غابت أصلاً، لهذا السبب اليوم يعني جوابي على السؤال ككل أنه فيه حصار لدور المثقف بالمعنى الاجتماعي الدور الاجتماعي للمثقف، هذا يتيح شيء آخر أن يلعب المثقف دوره كمثقف يعني في مجاله المهني أن يقدم، يعني نحنا عنا أزمة انتشار الكتاب على المثقفين أن يعالجوا المسألة وليست مسألة الخطة الخمسية للاقتصاد الوطني أو.. هذا ما بيمنع على أي حالة..

أحمد الزين: طيب نتيجة هذا التراجع إذا بدك للتيارات اللي فينا نقول عنها علمانية أو هيك يعني تعتنق شعارات شوي مبحبحة يعني تبدو مريحة وجميلة، يعني غيابها وانحسارها وظهر بديل هي تلك التيارات التي تسمى أصولية الآن اللي هي خطفت تلك المدن وخطفت الناس بطريقة.. بتقديرك نتيجة فشل هذه الأحزاب والأفكار القومية الكبيرة تأصلت هذه الأصوليات وانتشرت بهذه السرعة؟

خالد زيادة: يعني التاريخ يقول لنا شي التاريخ القريب يعني يقول لنا شي، أنا أعتقد أن يعني العودة إلى الإسلام ما يسمى بالعودة إلى الإسلام والأصول لا تتفسر بمظهر واحد، بس أحد مؤكد أن فشل التجارب اللي كنا نسميها التجارب الوطنية ومثالها البارز هو تجربة عبد الناصر في مصر، يعني الفشل كان مزدوج. فشل المشروع الوطني وفشل مشروع التنمية يعني البناء الداخلي، يعني لم يكن الفشل على ميل واحد. وهذه الأنظمة يعني دون أن يُفهم من كلامي أنه يعني أوجه انتقاد إلى التجربة الناصرية مش معني أنا الآن في توجيه مثل هذا الأمر، لكن لعبت هذه الأنظمة والأنظمة التي على غرارها في المشرق والمغرب بالتمهيد للتيارات الإسلامية لأنها هي التي قمعت الأفكار ومنعت الحياة الحزبية ومنعت الحياة الديمقراطية، العودة إلى الإسلام ليست فقط هي عودة إلى.. يعني العودة هي تبلور مشروع سياسي مرتبط بالإسلام، ولكن هناك يعني كل التناظرات الحديثة على اختلاف مشارب هذه التيارات التي تسمى تعسفاً بالأصولية لأنها هي مش كلها أصولية ولا كلها.. يعني لكن فيها عودة إلى الدين، المظهر الأساسي هو عدائها للغرب يعين للنمط الغربي للأفكار الغربية هذا اللي يجمعها كلها رغم اختلافاتها وتناحراتها أحياناً، لكن كلها مجمعة على أمر أساسي هو عدائها للغرب، هذا الشيء اللي يختلف عن الطابع اللي كان موجود في بدايات القرن، لأنه ببدايات القرن كان الإسلام تمظهر بحركة إصلاحية عبر عنها طبعاً محمد عبده ورشيد رضا، لكن يعني منلاقيها عند أشخاص كثيرين مثل صادق الرافعي والمغربي في سوريا وآخرين وشكيب أرسلان كل هؤلاء في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين شافوا الإسلام بمظهره الحضاري، علماً بأن العودة إلى الإسلام لا تقتصر على العالم العربي، منشوفها بالهند ومنشوفها في إيران اللي عملت ثورة مبنية على.. رغم أن الاختلاف يعني المذهبي قائمة على المبدأ الديني قائمة على مبدأ عقائدي، وهذا مما يدل أنه علينا أن نفكر إنه نشوف الظاهرة بكل جوانبها واتساعها.

أحمد الزين: التجوال مع الدكتور خالد زيادة في أحياء مدينته طرابلس يثري، كما هو الحال في تجربته باحثاً ومؤرخاً اهتم بالذاكرة وبأحوال المدينة بأبعادها الاجتماعية والتاريخية والعمرانية. لذا حين تتمشى معه في أحياء المدينة لكأنك أن تتمشى في حقبات وأزمنة تعرفك على ما كانت عليه الأمكنة والمطارح والمصائر التي آلت إليها. لقد بحث في نشوئها وفي مراحل نموها وانحسار حضورها راصداً التحولات التي أصابتها على مر الأيام.

ويجول بنا خالد زيادة بين مدينتين مدينة الداخل ومدينة البحر الميناء، بينما كان وبين ما تبقى وما أضيف أو ارتجل على غفلة. هنا وهناك طرابلس، وهنا كانت محطة القطار التي حملت مهاجرين وتجار وبضائع، وحملت أحلامه صغيراً. توقفت وأكلها الصدأ والنسيان، تصفر في هيكلها رياح السنين. لا أعرف إذا كانت توقف القطار هو دلالة أو إحدى الدلالات على توقف عجلة المدنية أو توقف عمل العقل بمنسوب ما، على كل حال على هذه السكك وفي هذه القطارات الداشرة ركب خالد زيادة مرة في رحلة خيالية، يوم كان والده يعمل فيها ولا أعرف إلى أين حملته آنذاك.

خالد زيادة: زمن القطار هو زمن جميل، القطار كان يربط يجي من حلب لبيروت طبعاً انقطع، كان مظهر من مظاهر هيك التواصل، والقطار ما زال بأوروبا يعمل، لكن القطار وحدّ أوروبا وعمل تواصل وهو اللي صنع أميركا القطار، القطار هذا الخط اللي من الأطلسي للباسيفيك يعني هو اللي خلق الولايات المتحدة الأميركية. القطار شخصية رئيسية بالرواية التي كتبتها عن فيصل، لأنه كانت القطارات تنسف اللي كانت تجيب الجنود العثمانيين إلى المدينة في الحجاز لأنه كان فيه حامية عثمانية وتركية يعني وهيدي جزء من الخيال اللي صنع فيلم لورانس يعني فكرة القطار بالصحراء. والقطار أيضاً فيصل هو اللي ركب فيه لما خرج من دمشق منفياً فالقطار كان بالرواية حاضراً، لكن كنا بزمن القطار.. كنا في زمن القطار يلعب دور مهم أو كان عليه أن يلعب دور أهم لأنه القطارات أو المحطات هي كانت تبنى بين سنة 1890 و1910 وما بعد، خلال عشرين سنة دخل القطار، وكان الهدف وصل ربط العواصم العربية ببعضها، والعثمانيين لهم الفضل في ذلك في فترة السلطان عبد الحميد..

أحمد الزين: هو توقف مع الحرب اللبنانية القطار.

خالد زيادة: القطار اللبناني توقف وكانت يعني مظهر أنا بذاكراتي محطة طرابلس..

أحمد الزين: حيث هناك كان يعمل الوالد..

خالد زيادة: كان يعمل الوالد لهذا كنا نذهب وخصوصاً في الصيف نجي مشياً على الأقدام، نقطع مسافة طويلة من المدينة القديمة في طرابلس نعبر البساتين قبلما تُفتح كل هذه الشوارع العريضة لنصل إلى المحطة، والمحطة موجودة في مكان جميل هي على شاطئ البحر، وهناك بجانب المحطة في برج المملوكي من أيام المماليك فكل هذا يعني مكان ساحر، أن تلعب لعبة القطارات تطلع بقطار أنك مسافر مع أخوتي والأصحاب ويعني نمثل كل ما يخطر على البال في القطارات المتوقفة طبعاً فهيدي كانت مرحلة ساحرة.

أحمد الزين: أنت بتحكي عن الصورة ببعض الكتب أديش وعن طفولتك أديش كنت هيك شخص شبه منعزل يعني وخجول بنفس الوقت، وكنت ميال للتأمل للمشاهد والأشياء، وتقول أن الصور ساهمت كثيراً في صنع المدارك ووعيك في الطفولة.

خالد زيادة: الواقع بدأت يعني وعيي في الصور في المدينة يعني أول شي بالحرم اللي نحنا وبالبيبت يعني في صور، لكن الصورة كانت هي صورة الأشخاص صور الأشخاص، ممكن تكون صور لأفراد من العائلة معلقة..

أحمد الزين: في سينما او صورة لزعيم.

خالد زيادة: لكن في أكتر الأحيان هي صور لزعيم هذا شيء دارج آنذاك، لما دخل صار فيه تصوير في الشرق كان أول شي يهتموا ليس في تصوير المناظر الطبيعية تصوير الأشخاص، ولهذا فيه عنا كمية من الصور..

أحمد الزين: تعلقوا الصورة على الحيط..

خالد زيادة: يعلقوا صور الأجداد والأعمام والآباء و المهاجرين، يعني هاي ممكن يعني أنه كلها هي عالم.. يعني هذا العالم من الصور ممكن يخلق الكثير من الروايات، لكن الصور اللي شفتها كان بعضها بالأبيض والأسود وبعضها ملون، لأنه دخل في ذلك الوقت تلوين، والصور اللي أخذت يعني صارت تحتل ليس المنازل ولكن في الشوارع أيضاً حيطان المدينة هي صور الزعماء، وكان هالزعماء على الأقل في الثلاث صور مبكرة شفتها أول ما شفتها لما كان لسه عمري ثلاث أو أربع أو خمس سنوات هي صورة لثلاثة عسكريين الأولى هي لجول جمال اللي قضا في معركة.. أيام العدوان الثلاثي وهو ضابط سوري، والصورة الأخرى هي لعدنان المالكي اللي قتل، والصورة الثالثة اللي استقرت على الحيطان وفي الأذهان هي صورة عبد الناصر. لكن الشيء اللي يعني أنا كان يسحرني بالصور هو لما روح بفرقة أبي كنت ما زلت صغيراً نذهب إلى السوق إلى سوق البزركان، فيه كان على مدخل خان الخياطين اللي هو ما زال قائم ورمم أكتر من مرة كان فيه بائع للقيشاني للفناجين والصحون..

أحمد الزين: القيشاني..

خالد زيادة: من الصيني الأشياء الصني نسميها كان يعلق صور بأحجام مختلفة لكن كلها أحجام كبيرة وصور أغلبها بالأسود والأبيض، وهي أنا ما كنت أعرف كل الشخصيات الموجودة في الصور لكن لما أسترجع بذاكراتي هالصور أعرف أنه كان يعلق متناقضات، يعني يعلق صورة السلطان عبد الحميد السلطان محمد رشاد يعني اللي هن من آخر الدولة العثمانية، ومعلق الملك فيصل اللي كنا عم نحكي عنه طبعاً فيصل الأول ملك العراق، يعني ومعلق صور الزعماء المحليين عبد الحميد كرامة وطبعاً عبد الناصر يعني دخل أيضاً آنذاك إلى صوره الشخصية بلباس رسمي، فكانت شغلة مدهشة صور معلقة.. كل يوم يتجشم عنه تعليق هذه الصور وإنزالها، وكان مشهد يعني أنا أتمنى لو تصور هالصور يعني لو أني قادر أحتفظ فيها، لعل حدا عمل هالشي. وفيما بعد مش عارف إذا كان هذا له علاقة أنا يعني لحد صف البكالوريا كنت أعتقد أني سأذهب إلى كلية الفنون..

أحمد الزين: كنت هاوي رسم ثم صرت ترسم يعني..

خالد زيادة: صرت ارسم وانتهت بصف البكالوريا، بعتقد أنه يعني قال لما صارت 67 النكسة أو الهزيمة أو الحرب..

أحمد الزين: غيّرت رأيك..

خالد زيادة: غيرت رأيي توقفت قلت ما بقى فينا نحارب بالرسم، يعني ورحنا اشتغلنا بالحزب مش نادم يعني..

أحمد الزين: كيف يعني أنت انخرطت بالعمل الحزبي بدنا نقول تأثرت بمين بهالأفكار آنذاك؟

خالد زيادة: يعني المحيط الأقرب هو الأهل الإخوة الأكبر سناً، إخوتي الأكبر سناً كانوا يعني في التيارات القومية العربية، وهذا شيء يعني أنا ورثته.. ورثته في البيت في مكتبة البيت كان فيه كتير كتب في البيت أقرأها، ولكن طبعاً تحولنا متل اللي كل تحاولوا بعد 67، 68 إلى يعني المذاهب الاشتراكية طبعاً اللي يعني رافقناها فترة أنا بالنسبة لي فترة قصيرة، يعني قرأت شي جميل في الزمان الواحد بده حتى يصير ماركسي عشر سنين وبده عشر سنين ليبطل يصير ماركسي هاي عشر سنين قضيانها من عمرنا حتى نرجع إلى سوية معينة..

أحمد الزين: رح شفيت يعني.

خالد زيادة: يعني على سيبل النكتة..

أحمد الزين: طبعاً أنت في فترة من تجربتك كنت مدير كلية الآداب الفرع الثالث بطرابلس، يبدو عندك موقف من الجامعة بشكل عام أنه هيدي الجامعة لا تقوم بدورها كما ينبغي وكأنها بطلت تكون هيك صرح للمعرفة..

خالد زيادة: هذا سؤال كبير الحقيقة لأنه شايف أنه الجامعة في كل يعني على مد نظرنا في العالم العربي بطلّت تقوم بدورها، مقارنة بين الجامعة اللبنانية في الستينات لما نهضت الآن مش مقارنة لصالح الحاضر، لكن لما نقارن جامعة القاهرة في الأربعينات لما أجا تعلم أندريه لاروند وبين اليوم يعني كمان المقارنة ليست لصالح الحاضر. اليوم التعليم الجامعي تقريباً انهار في العالم العربي، يعني التعليم الجامعي الرسمي خصوصاً. يعني طبعاً تقوم جامعات على أنقاض لتقول أنها تقدم علم تكنولوجيا وعلم حديث وإدارة أعمال للراغبين في ذلك، لكن اليوم يعني الجامعة كما مجال لتوليد المعرفة يعني لم تعد هي المجال في العالم العربي، هذا حتى لا أُفهم غلط طبعاً في جامعيين بارزين في مجالات مختلفة، أنا رأيي أنه بلبنان لبنان بلد فيه الأشياء كلها يعني متداخلة، أنا ما بسمح لحالي ألقي حكم كامل الجامعة اللبنانية الآن فيها فروع ممتازة يعنى خلينا نكون عادلين.. ولكن فيه أزمة، الأزمة خليني أحصرها في مجال معين هي في العلوم الإنسانية والاجتماعية، هناك إشكالية في العلاقة مع هذه العلوم، ماذا نريد من هذه العلوم؟ العالم العربي كله ما عم تقدر تخلق إنسان حقيقي في توليد أفكار اجتماعية جديدة.

أحمد الزين: شو السبب؟

خالد زيادة: أسباب متعددة لك هو كمان مرتبط أنه..

أحمد الزين: بدها شوية حرية تأثر لأنه علم الاجتماع كتير بالحريات التي تخضع للعقل..

خالد زيادة: شرط للتقدم العلمي الأكاديمي هو الحرية، ولما يعني أستاذ الجامعي يكون مراقب في داخل الصف بيجي مين يحضر له محاضراته ليشوف شو عم يحكي هذا يدل أن العالم العربي.. يعني كل هذا العالم الذي يتعامل مع اللغة العربية اللي لغته التعبيرية هي اللغة العربية يعني فيه أزمة، يعني إذاً عم نتأخر مش عم نتقدم في مجال الإنسانية.

لطالما وقفت صامتاً وحيداً أحدق في سير باخرة مسافرة حتى تغيب نهائياً في الأفق، وفي الليالي الصيفية بل حتى في بعض أيام الشتاء كنت أحصي عدد الأنوار التي تنبعث من زوارق صيد الأسماك. كان البحر يحتل المشهد الأفقي المتسع الذي يعقب اخضرار بساتين الليمون.. كان اللونان الأخضر والأزرق يحتلان المشهد قبل أن تحجبه العمارات التي أخذت بالارتفاع.. كان البحر هو البحر بلا اسم ولا تعريف، وكان دهشتنا عظيمة حين أدركنا في الصف الرابع الابتدائي أن البحر الأبيض المتوسط الذي يرتسم في خرائطنا المدرسية، هو نفسه الذي أراقبه من الشرفة.

أحمد الزين: إذا كان قطار الوالد محطة للهو في زمن الطفولة، فهناك محطات كثيرة في الواقع الموازي توقف فيها خالد زيادة صحفياً في أكثر من منبر، فكانت كندا واحدة من تلك المحطات في بدايات الحرب، ثم باريس للدراسة والتحصيل حيث نال شهادة الدكتواره ليعود بعدها أستاذاً ومديراً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية لحوالي 25 سنة، ثم سفيراً للبنان في القاهرة. يعني مؤخراً طبعاً أصبحت سفيراً للبنان في مصر، هيدي التجربة كيف إجت؟ يعني أديش فيك توازي بينها وبين خالد زيادة الباحث والمؤرخ والكاتب والباحث الاجتماعي ما بتسرق هيدي ما بتخسرك؟

خالد زيادة: أنا عملت في الجامعة 25 سنة من التعليم أعتقد هي كان ممكن أن أتابع لو لم يُعرض عليّ الأمر ما كان عندي خيار آخر كنت رح أبقى أستاذ في الجامعة، لكن بالوضع أنا بعد 25 سنة ربما تكون صدفة أن تُعرض عليّ هذه المهمة، وهي صدفة بطبيعة الحال لأنه في لبنان لا يأخذوا ناس من خارج الملاك إلا لظروف خاصة يعني، وبالتالي قلت يعني بعد 25 سنة تعليم ممكن الواحد يجرب شيء آخر، خصوصاً يعني وظيفة أو مهمة سفير مش مهمة يعني الواحد بيهملها بسهولة، وخصوصاً أنه عرض عليّ في القاهرة يعني لو عُرض علي الأمر في مكان آخر ربما ترددت..

أحمد الزين: مثل أي مكان كنت ترددت مثلاً؟

خالد زيادة: ممكن يعني قالوا لي.. بدون ما نسمي حتى ما نزعل الناس، لكن يعني فيه أمكنة مش مغرية مهيك يعني وأغلب الأمكنة ليست مغرية يعني كان فيه خصوصية..

أحمد الزين: يمكن القاهرة لأنها تُطل على اهتمامك..

خالد زيادة: تُطل على اهتمامي..

أحمد الزين: فكرة المدينة يمكن هي النموذج الأكبر الواحد بيفكر بالمدينة بالمستقبل بالعالم العربي..

خالد زيادة: علاقتي بمصر ما فيه مجال لإدعاء شيء هون، لكن أنا اشتغلت على عصر النهضة المصري من الطهطاوي لعلي مبارك كتير كتبت، ومؤخراً أصدرت كتاب عن العلماء والفرنسي الكتاب صدر عن دار الريس علاقتي بالثقافة المصرية قديماً وحديثاً يعني من عصر النهضة لليوم هي علاقة وثيقة الحقيقة، لها مكان غريب لي الحقيقة بس عادة السفراء لا يُرسلون إلى الأماكن اللي هي ليست غريبة عليهم هم يرسلوا بمهمات، ولم أرسل بمهمة ثقافية وإنما أرسلت بمهمة يعني بأعباء هذا العمل، وطبعاً يعني طالما أنا قبلت جهدي أصرفه في سبيل أنه أقوم بأداء هذه المهمة كما ينبغي، وهي مهمة مثيرة يعني فيها جوانب مثيرة وفيها تعب، يعني لأنه القاهرة فيها شارك كتير إضافة إلى أنك مندوب في الجامعة العربية، كل هذا يترك مجال أقل لأنك تعمل إذا عندك أبحاث تتابعها.

أحمد الزين: كنا عم نحكي عن القاهرة طالما القاهرة أصبحت الآن تحت المجهر يعني شايفها وعايشها، يمكن هي النموذج الصارخ بعالمنا العربي عن مصير المدينة؟

خالد زيادة: طبعاً يعني القاهرة هي مكان يدلنا على شو ممكن كمان يصير بمدن أخرى من أزمات، الكل يعترف الآن بأن القاهرة يعني مكان مزدحم، مكان يعيش في أزمات العيش المديني، عم تمتد المدينة وبالمقابل فيه تفكير يعني كيف حل هذه الأزمات يعني عن طريق نقل بعض المرافق، هو أصلاً حول القاهرة صار فيه مجموعة من المدن المرتبطة بالقاهرة مجموعة كبيرة من المدن. القاهرة ميزتها فيها تنوع شديد بالأنشطة، يعني القاهرة طبقات يعني فيك تعيش في قاهرة وغيرك يعيش في قاهرة أخرى.

أحمد الزين: من جملة ما كتبت ونشرت كان عندك محطة هيك روائية، يعني كتبت رواية اسمها فيصل هي كانت عن الملك فيصل في متاهته إذا صح القول متلما قلت لي، يمكن تشبه شوي الجنرال في متاهته يعني لماركيز، بأي هاجس يعني كتبت هذه الرواية؟ لماذا الملك فيصل؟

خالد زيادة: ظروف الكتابة بكل كاتب فيه روائي، وبكل باحث فيه روائي، فيمكن أحياناً نقمع هذا الروائي أحياناً نحب نظهره، وفيصل يعني شخصية لها جاذبية كبيرة في التاريخ يمكن مش معروف لأنه طغى عليه شخص آخر اسمه لورانس، التاريخ المشترك بين الشخصتين التاريختين هي اللي اشتركوا في الثورة العربية، فيه شخص يعني يمكن أُعطي أكثر بكثير من حقه هو لورانس، واشتبكت يعني كل الخيالات الغربية والشرقية لتصنع منه أسطورة، وفيه شخص يعني أعطي أقل من حقه هو فيصل، أنا ما كنت عم أعيد الحق إلى أصحابه في كتابة هذه الرواية ما كان هذا هدفي، ولكن تظهير شخصية إشكالية. الإشكالية ناتجة من كل التعقيدات التي يمثلها فيصل، يعني التعقيدات اللي هو مش مسؤول عنها ومش واعيها أكيد، يعني هي كل هذا التحول اللي حصل من سنة 16 لسنة 20 واللي استمر فيها بعد، شو هو هذا التحول؟ يعني كنا بدولة عثمانية صرنا نطالب بدولة وطنية قائمة على فكرة العروبة ودولة متعددة الأديان، وهذا كان جزء من تفكير فيصل والعروبيين يعني اللي مسيحيين شاركوا بالثورة العربية بكل تأكيد وكانوا قادة فيها، بالتالي.. يعني وبناء يعني نموذج جديد للوطنية والمعاصرة، لكن بشخص فيصل فيه شيء آخر كمان فيه علاقته بأبوه وهو ابن الشريف حسين، يعني ابن عشيرة أو قبيلة هو من الأشراف هو من بيئة يعني فيها زعامة تاريخية، وفيها شيء طبعاً تمثيل ديني بالنسبة لأشراف مكة والحجاز، إذاً هو يعمل ثورة بس عنده مشكلة مع أبوه وعنده مشكلة مع أخوه وعنده مشكلة مع الضباط وعنده مشكلة مع الإنجليز..

أحمد الزين: مع التاريخ..

خالد زيادة: ومع التاريخ، أضف إلى ذلك أنه هو مثل أي يعني ملك غير مطاع، يعني صار ملك على سوريا بدون إرادة أبوه وقتها جر عليه غضب أبوه، وبدون رضا الإنجليز يعني أو بدون رضا الدول ولهذا السبب تخلو عنه، كل هذه الأحداث يعني فيها شي من الدراما بعصر تحولات خلينا نتذكر..

أحمد الزين: بس أنت يبدو ظليت محافظ على المؤرخ والاجتماعي اللي فيك أكثر من الرواية؟

خالد زيادة: أكيد هذا فيصل اللي أنا صنعته يعني فيه الخصائص التاريخية..

أحمد الزين: حافظت عليها..

خالد زيادة: طبعاً هي الوقائع كلها يعني وقائع تاريخية اللي ذكرتها، لكن هي كثيفة بحيث أنه منّك بحاجة لتختلق أي شيء، يعني هي بحد ذاتها شيء لا يصدق. مثل أنه فيصل نفسه كان يفوت على باريس كانوا يطلعوا يشبه المسيح، النساء الغربيات معجبين فيه أنه يمثل الفروسية العربية فيصل، كان عنده هيبة لكن فيه أسئلة حول كل الدراما اللي كانت يعني صنعتها الثورة العربية وجدت أنه تستحق أن تُسجل روائياً يعني..

أحمد الزين: وعم تفكر تكتب رواية جديدة؟

خالد زيادة: عم فكر.. يعني فكرت في الماضي برواية تاريخية تشبه فيصل مش رح أقول من هو الشخصية.

أحمد الزين: أحسن ما أسرقها أنا.

خالد زيادة: لا أنت تكتب في مجال آخر، لكن عادة مو لازم ضروري يعلن..

أحمد الزين: كنت خجول وأنت صغير ودعتك بنت مرة على السينما وما رحت بعدك خجول؟

خالد زيادة: ندمان لأني ما رحت.. لسه الواحد دائماً يحتفظ من طفولته ومن صباه بخصائص، الكثير من الأشياء بكتسبها الواحد بالعادات وأحياناً بالتدريب ممكن أن يكتسب أشياء، الإنسان شغلة مركبة بطريقة بتفيق أحياناً شيء من الصغر وأحياناً بتروح يعني تزول، ويعني بتجربتي التراكم أمر مهم أظن.

أحمد الزين: هذا بعض عند الدكتور زيادة في حاراته وفي مدينته في أبحاثه وكتاباته وأفكاره، هذا بعضٌ عنه في محطات من عمره صبياً في حارات المدينة، ويسارياً حلم بتغيير العالم فتغير العالم على غير جهة، وتنموياً، وأستاذاً جامعياً وسفيراً، والأهم من كل ذلك هذا بعض من خالد زيادة يتأمل في المدينة من موقع السؤال دائماً عن حارات الأهل والبوابات التي تفتح على آفاق.