جان شمعون

[مشهد من فيلم "أرض النساء"]

امرأة [حزينة شاكية]: هادي الأوضة (الغرفة) اللي قعدت فيها وصلت لمرحلة الموت فيها، يعني هلأ عم فوت فيها بس بحس بألم بداخلي غريب، بهيدي الأوضة مائة موتة كنت موتها باليوم، يعني تصور أنو كنت نام على فرشة مليانة مي، نقطة المي تنزل بألب دينتك، خلص قلت أن نهايتي بدها تكون هون، ما بنسى هاللحظة، فرشتي هون المي عم تدرج هيك فوق اللمبة نقط المي اللي عم تنزل عليك، تصور أنو أجت شرطية وفتحت وعم تغير لي على جرحي بيجي أبو نبيل مو حامل سيجارة؟ طفا السيجارة بقلب الكلية.. بقلب كليتي مطرح ما مجروحة وحمل حاله وفات.

هذا المشهد من "أرض النساء" واحد من أفلام هذا السينمائي المنحاز تاريخياً لهذه الأرض ولقضايا أهلها، والقادم من مدى شبيه بهذا المدى وهو مجبول من تربة الواقع ومن إرهاف شفّ في مساءات سعين بلدته البقاعية، شغلته الصورة كحالة تغلب النسيان وشغله التناقض في بلد أو في عالم شحيح العدالة، الظلم فيه وعدم الرحمة أفعالٌ تحرّض على التدخل ولو بالاحتجاج أو بالتدليل على الآلام التي يسببها.

جون شمعون صديق سبعينات القرن الماضي، كان لا بد من زيارته بعد هذه السنوات هنا في بيته في حي من أحياء بيروت كي نستعيد معه بعض مشاهد الذاكرة مشاهد مؤلمة في غالبها لكن مقدار التهكم والسخرية عنده يخفف.. يخفف من وطأة الوجع، بدا جورج شمعون منهمكاً مع شريكته مايا المصري في التحضير لفيلم جديد، وكعادته يحتفل بمَِن يحب على طريقته خبريات متناثرة، شيء من الماضي، وآخر من الراهن، وفنجان قهوة، وأرشيف.. أرشيف من الصور والمشاهد والكلام منذ بدايته بالتلفزيون اللبناني عبر برنامج "الناس والأحداث" ولقائه مع زياد الرحباني عبر البرنامج الإذاعي "بعدنا طيبين" وصولاً إلى فيلمه طيف المدينة فيلمه الروائي.

وحين يدور الحديث عن الأهل والبيئة يتذكر والده ولا يذكر والده، الوالد المهاجر الذي رحل مبكراً والشقاوات الأولى والصداقات الأولى والتأثرات الأولى. ابن سرعين البلدة البقاعية جاء بيروت كما كل عشاقها الباحثين في مرآتها عن صورتهم وأحلامهم، هنا في هذا المبنى التاريخي قرب السراي انعقد شمل من بهم لوثة الاختلاف، معهد الفنون الجميلة قبل وقوع الحرب هنا اعتلى وشلة زمانه منصة شكسبير وتشاوروا مع هامليت حول مصائرهم ووقفوا تحت شرفات جولييت عشاقاً وذهبوا إلى اليونان عبر نصوص أريستوفانيس ثم عادوا إلى أرواحهم هنا نزلوا هذه السلالم إلى وسط المدينة كانت على هذا النحو قبل أن يبدأ الخراب العظيم لتعود لاحقاً خارجة من الرماد، في هذا المقهى جلسوا وجلسنا، الحياة أقوى من الموت قال جورج شمعون: نعم الحقد يخرب ويدمر والحب يبني والاشتغال على صورة الحرب كي لا ننسى وكي لا تتكرر.

كي لا ننسى، كي لا ننسى نستعيد هذا المشهد مع جون شمعون، ونستعيد احتمالاتٍ عدة لصورٍ أقل قسوة وأخرى ممتلئة بالأمل والحب، هو عندما حمل آلة التصوير ونزل إلى الشارع ربما كان يبحث عن صورةٍ أخرى أو كان ينوي القيام بفعلٍ آخر غير الذي صار عليه، لكأنه وجد نفسه دفعةً واحدة في وسط المشهد الذي يستحيل تخطيه، وليس بالإمكان الخروج منه أو من إطاره إلى قصةٍ صنعها الخيال أو إلى حكايةٍ تحاكي الواقع، فالواقع بمرارته وقسوته وسخط تداعياته أكثر هولاً مما يظنه مؤلف السيناريو، وأبعد من الخيال فيما لو أراد تأليف فيلمٍ من هذا النوع، ولأجل ذلك ذهب جون شمعون إلى الناس، إلى حياتهم، دخل بيوتهم ورافقهم في دروبهم ليتحدثوا عن تجاربهم وحياتهم في الأزمنة القاسية، في زمن الحروب، في زمن الاحتلال، وليتذكروا أيام الهناءة المفتقدة ومطارح الحنين.

زهرة القندول حكاية من حكايات الجنوبيين، قصة حب وقصة مقاومة وقصة انتظار ومطارح.. مطارح تُشعل الحنين بالعودة إليها وأيام لا يمكن أن تزول من الذاكرة بحلوها ومرّها، زهرة القندول وأفلام أخرى عديدة كلها تناولت نماذج من الواقع، نماذج عاشت أحلامها ومآسيها، شخصيات عجنتها الحياة بالقسوة تروي عن نفسها وتروي عن بعض حياتنا.

لا بد حين تلتقي بجون شمعون إلا أن تعود بالذاكرة إلى تلك المحطات التي أرّخ لها بالصورة وهي بغالبها مؤلمة، عشرات الأفلام حقق بعضها بمفرده والبعض الآخر مع مي المصري شريكته بالحياة وبالعمل، ومعظم نتاجهما تناول حكايات أناس كافحوا في ظروفٍ شديدة القسوة، إن كان مثلاً داخل المعتقلات والسجون الإسرائيلية كأرض النساء أو في المخيمات المنتشرة بين فلسطين وبيروت ومدن أخرى كأحلام المنفى أو سوى ذلك من تجارب إنسانية أيضاً شكّلت أو تشكّلت على نقيضي الحياة والموت وعلى حافة المجهول أحياناً، مقاتلون، وحالمون، ومناضلون، أطيافٌ مختلفة من المجتمع تابع سيرتها جون شمعون وجعل من حياتها وثيقةً صارخة، وبالتالي شهادة على مرحلةٍ من تاريخنا المعاصر، وقد عُرضت هذه الأفلام في أكثر من 30 دولة ونالت عشرات الجوائز الدولية، فالموضوعات التي أثارها فيلم جون شمعون ومي المصري كانت تستحق التأمل وبالتالي تستحق قراءة مختلفة من لجان التحكيم التي منحتهما العديد من الجوائز.

جون شمعون تعرفه أيضاً من لهجته البقاعية، فهو من مواليد بلدة سرعين سهل البقاع، درس المسرح في معهد الفنون الجميلة الجامعة اللبنانية وحصل على دبلوم دراسات عليا في الدراسات المسرحية، ثم على شهادة المتريز في السينما من جامعة باريس الثامنة وعلى الـ BTS من مدرسة لوي لومير، طبعاً تلك الشهادة كانت في الإخراج والتصوير والمونتاج، عمل أستاذاً لمادة السينما في الجامعة اللبنانية بين عامي 1976 و1983، ثم أسس مع زوجته مي المصري شركة ميديا للتلفزيون والسينما ونور للإنتاج، منذ عودته من باريس على أبواب عام 1975 بدأ شريط إنتاجه في الدوران، وكما علمنا وعرفناه واحداً من بين أهم مخرجي الفيلم الوثائقي مع زوجته مي مصري، ونجم من نجوم المهرجانات السنمائية جال في ذاكرة الناس للتوثيق وجال العالم ليروي عن ذلك.