السيد محمد حسن الأمين

أحمد الزين: مرّوا كالريح هنا، مرّوا كالبرق، تناقلوا بالريح غسلوا بالشمس نوافذنا وحقائبنا وارتدوا تلهث خلفهمُ صلبانٌ كُسرت ومسيح يتنفس في عينيه مدىً طلقٌ والريحُ تولول وتصيحوالدنيا غارقةٌ والشمس على الأسوار تنقضُّ وتنصبُ أعمدة النار لن يطفو الآن سفينك يا نوح الأرض تغطيها اللهبُ والأرض تطهرها الريح.

أحمد الزين: سماحة السيد محمد حسن الأمين أهلاً فيك. نحن الآن على أواخر أيلول يعني ماذا تحرّك في النفس فلول أيام أيلول في نفس السيد محمد حسن الأمين؟

السيد محمد حسن الأمين: لا يجوز أن نظلم هذا الفصل الجميل الذي تجفّ فيه أوراق الشجر، ولكنها فيما هي تجفّ تظل تحمل تلك الخصائص، الخريف يزيل الزوائد عن الأشياء ويبقي ما هو جوهري فيها، وهذا ما يتواءم مع الأطوار، حياة الإنسان الفرد يعني في خريف العمر يبقى ما هو أصيل ويبقى ما هو شفاف وتزول الصورة الاحتفالية في حياة الكائن الإنساني، وهكذا في الطبيعة يزول الاحتفال والاحتفاء وصراخ الخضرة والنضارة، ولكن تصبح الأشياء أقرب إلى النفس.. إلى الذات.

أحمد الزين: سماحة السيد مشتغل بأمور الفقه والدين والعقل، ومشتغل أيضاً بأمور الجمال، يعني الشاعر هو حالة تستدعي العاطفة والإحساس والتجلّي الروحي، أمّا الفكر والفقه يستدعي الوعي وحضور العقل، يعني إلى أيّ مدى تسمح للعقل أن يشطح كما للشاعر فيك أن يشطح؟

السيد محمد حسن الأمين: لا أعتقد أن هناك حدوداً حاسمةً وقاطعة بين هذه المستويات من التجلي الإنساني فكراً أو شعراً، أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: إن الموضوعات العقلية تحتاج أحياناً كثيرة إلى هذا اللون من الحدس الذي هو مصدر الشعرية ومصدر رؤية العالم وإعادة إنتاج العالم، يُقال بأن الجمال.. تعريف الجمال: هو هذا التناسب الذي يقوم في مقاطع اللوحة أو في مقاطع القصيدة أو في مقاطع الوجه الجميل إذاً هذا التناسب يمكن أن يوجد في العمل العقلي، في العمل الفكري نفسه.

أحمد الزين: ولكن سماحة السيد يعني هل سمحت للعقل عندك أن يتبحر أو أن يتجرأ على طرح الأسئلة الشائكة والصعبة بمقدار ما؟ سمحت للشاعر الموجود فيك أن يتجلى؟ أن يقول بحرية مطلقة؟

السيد محمد حسن الأمين: بالتأكيد كذلك كل حالة لجم للقريحة الشعرية بالتعبير العربي المتداول بشأنها، وكل محاولة لجم لأسئلة العقل هي محاولة لوضع حدود أمام ما لا حدود له، يوجد ما يلجم أحياناً ولكن لا أسمح لما هو في دائرة الوعي أن يلجم حركة العقل، لا أسمح لما هو خارج بنية العقل نفسه أن يلجم العقل أي أن العقل لا يُلجم من خارجه، العقل يُلجم من داخله، ولربما كانت التسمية اللغوية للعقل لهذه الطاقة التي سمّيناها عقلاً، التسمية اللغوية العربية تأتي من مفهوم عقل يَعقل، عَقل البعير أي لَجمه، والعقل هو الذي يمارس لجم الأشياء، والعقل لا يُلجم. صوت

أحمد الزين:لا غَيم في يده ويبسطها فتلتمع الرؤى من حوله وتشفُّ مثل مجرّة صدر الغمامِ يصغي إلى الأمطار قبل هطولها وإلى الكواكبوهي تهرم فجأةًوإلى القصيدة وهي تنبضُ في المساميدخل في عباءته ويبحث عن بلادٍ لم تلدهُوعن ظهورٍ آخر لخفاء صورته فينكشف الغطاء له وتختلط الحقيقة بالمنامِ ويعود نحو منابع الماضي ليختبر الحواس بقلبه فيشمّ عطر الجنة الأولى وينقص ما تبقى من نواة الإثمفي الثمر الحرامِ.

هكذا يصفه الشاعر شوقي بزيع في قصيدة طويلة، في الواقع تختلط عليك صورة هذا الرجل ليس لالتباس أو غموض، بل لتنوّعه وتعدده في ذاته ولغناه الفكري، وحين تجالسه في هاجس التعرف على سرّه تكتشف شيئاً من سرّك، فالذي يضنيك يشغله، والذي تبحث عنه يصطحبك في الطريق المؤدية إليه، فالعقل منارة السفن أفكاره المحمّلة بأسئلة الماضي والحاضر والمبحرة في عباب التاريخ نحو الآتي من الزمان، فرهانه على المستقبل والحرية هو الرهان الأول والأخير، هذا السيد الفقيه المفكر والشاعر المسكون بالجمال يردد دائماً الإنسان كائنٌ محكوم بالحرية وسيئات الحرية خيرٌ من حسنات الاستبداد، وفق هذه المعادلة الواضحة يمكن للسّجال أن يصل إلى منتهاه، إلى كل الأسئلة، إلى احتمالات العقل وما استطاع من بحثٍ في المطلق وإلى كل احتمالات الأجوبة.

أحمد الزين: سماحة السيد يعني عادةً المرء عندما يكون في حضرة رجل دين أو متفقه يَلجم نفسه قليلاً كي لا يطرح..

السيد محمد حسن الأمين: أرجو أن لا تلجم..

أحمد الزين: لا يطرح الأسئلة التي يشعر أن الآخر لا يتقبلها، ولكن مع السيد يعني نشعر دائماً أننا نستطيع أن نسأل أيّ سؤال، هل لأنك تطرح الأسئلة.. كل الأسئلة المتوقعة على نفسك من الآخرين؟ نشعر نحن بهذه الراحة؟

السيد محمد حسن الأمين: عندي.. لديّ إحساس أن الأسئلة في هذا الوجود هي المقياس الذي يمكن أن يعطي للحياة معناها، إن حياةً بدون أسئلة هي حياةٌ معطّلة وكابية، حياة لا تحرّكها وتثيرها الأسئلة باستمرار هي حياة أقرب إلى الحياة النباتية منها إلى حياة الكائن الإنساني، وأعتقد أن أعلى أشكال المعرفة هو ما يتضمن سؤالاً جديداً أو ما يُضمرُ سؤالاً جديداً، كل نصٍّ مسكون بالسؤال هو نصٌّ حي ونص مغيّر ونص فاعل ونص يشعر الكائن الإنساني قائله بمعنى وجوده، معنى وجوده في هذا العالم.

أحمد الزين: يعني بما في ذلك النص المقدّس إذا صح التعبير يعني نستطيع أن نتجرّأ ونطرح بعض الأسئلة من داخله؟

السيد محمد حسن الأمين: بطبيعة الحال.. قداسة النص لا تعني الاستسلام البليد، العلاقة مع النص المقدس.. ليكون النص مقدساً وليكون حياً يجب أن يكون هناك كائن إنساني يجعل من النص مقدساً، يعني شرط النص المقدس أن يُضاف إليه عنصر الكائن الإنساني، وبدون إنسان لا يوجد نص ولا يوجد قداسة للنص أساساً، إن القداسة مستمدة من هذه العلاقة مع الإنسان، فإذا كان الإنسانُ كائناً يسأل، وكائناً يشك وكائناً يعيد النظر، فإذاً العلاقة مع النص المقدس هي علاقة حيّة ويجب أن تتسم دائماً بالسؤال وبالشك وبالتطور وبتغيير النظرة إلى هذا النص.

أحمد الزين: سماحة السيد بتقول في بعض المقالات: إن خمسين عاماً على نكبة فلسطين هي خمسون عاماً على نكبة الأمة في فكرها، ولم تكفِ غزارة الدم العربي وحدها، أو لم تستطع أن تعوّض غياب هذا الفكر، يعني بتقديرك ما هي أسباب غياب الفكر العربي؟ وهل بدأ هذا الغياب مع نكبة فلسطين؟

السيد محمد حسن الأمين: إي الحق أن هذا الغياب لم يبدأ مع نكبة فلسطين، ولكنه استمر رغم نكبة فلسطين، نكبة فلسطين كان ينبغي أن تكون عامل تفجير لما هو كامن وما هو غائب أو ما هو نائم في البنية العربية، وأبرز ما يمكن وصفه بالغياب هو العقل العربي، وأذكر أيضاً أنني في هذه المداخلة أو في هذا المقال طرحت موضوع أن الطريق إلى فلسطين تمرّ عبر فوّهة البندقية وانتقدت هذا الشعار الذي لازم..

أحمد الزين: يُفترض أن تمرّ عبر فوّهة العقل.

السيد محمد حسن الأمين: نعم وقلت إن الفوّهة الحقيقية هي فوّهة العقل، وبالتالي فإن البندقية أو السلاح ما لم يكن مستخدَماً بأداة العقل أي ما لم يكن العقل هو سيد الموقف، فإن السلاح سيغدو بالضرورة هو سيد الموقف، وعندما يغدو السلاح سيد الموقف سوف تأخذ القضية منحى الصراع الذي يفتقر فيه العنصر العربي إلى ما كان غائباً وإلى ما يجب حضوره وهو العقل العربي الذي طالت محنة غيابه قروناً طويلة.

أحمد الزين: طيب شو سبب غياب هذا العقل؟ أو هذا الفكر؟ يعني لا بد من سبب جوهري لا يسمح للعقل أن يتطور.. أن ينجز يعني حريته إذا صح التعبير؟

السيد محمد حسن الأمين: لا بد للمتابع أن يلاحظ مثلاً أنه في ظل أعلى أشكال تفتّح الذات العربية الإسلامية وتفتّح العقل العربي كان ثمة غياب لنوعٍ محدّدٍ من العلوم آنذاك كان ينبغي أن يُعنى به العقل العربي هو العلوم السياسية، أما لماذا غابت العلوم السياسية؟ فلأن البنية السياسية في تاريخ.. في التاريخ الإسلامي بكل أسف أُقيمت على قاعدة الاستبداد، قاعدة الاستبداد كان المسلمون والعرب مؤهلين لأن يكتشفوا معطيات الفكر السياسي الذي تمّ اكتشافه في قرون متأخرة فيما بعد وعلى يد الغرب، كان من الممكن أن يتمّ اكتشافه على مستوى الحضارة العربية الإسلامية لولا أن خطأً ما أو عارضاً ما أقام بنية السلطة في العالم الإسلامي على قواعد الاستبداد.

أحمد الزين: سماحة السيد كيف تنظر إلى العمل الاستشهادي اليوم؟

السيد محمد حسن الأمين: آخر ما تتفتق عنه إرادة الكائن الإنساني في مواجهة حقائق الظلم المستعصية والصعبة هو تفجير الذات الذي يتضمن الاحتجاج أو أعلى أشكال الاحتجاج..

أحمد الزين: الاحتجاج النهائي المطلق.

السيد محمد حسن الأمين: النهائي والمطلق..

أحمد الزين: ضد الظلم..

السيد محمد حسن الأمين: إن الاحتجاج لا يمكن أن يصل إلى ذروته في إلغاء الذات إلا عندما يكون الظلم قد تحوّل إلى حقائق عنيدة لا يُمكن استبعادها بكل الوسائل التي هي دون الاستشهاد، لذلك الاستشهاد لا يكون إلا ضرورةً، فهو ليس خياراً.

أحمد الزين: عن هذا الأمرِ أو ذاك تراه حاضراً للإجابة دون تحفّظ، فليس عنده من شيء نهائي ومطلق في التفسير أو الاجتهاد، فالمطلق عنده هو العقل، العقل الباحث دائماً عن كيفية تحقيق حرية الإنسان وإنجاز إنسانيّته، والشاعر فيه لا يغيب، الشاعر فيه لا يغيب خلف العباءة والعمامة السوداء ذات الدلالة الهاشمية وسوادها علامة يميّز المتحدرين من هذه السلالة، لا تفرض مناخ الفقه وحسب، أو لغة الاجتهاد والدين فقط، أو طقوسية المعممين المُوحيَة بمقدارٍ يقلّ أو يكثر من رهبة جدارية الطابع تجعلك حذراً من قطع المسافة ومن الدخول في شعاب النقاش والسّجال وطرق أبوابٍ توحي بأنها موصدة وإن فُتحت لا تفضي إلى مكانٍ شافٍ أو مطلٍّ على أفق، حاضرٌ بكل تنوّعه وجاهزٌ للإصغاء والتفكر مهما تجرّأ السؤال، ودائماً آيات من سور الرحمن ترفع المعنى إلى صفائه النهائي.

أحمد الزين: في كتابك "الاجتماع العربي الإسلامي" تقول: إن المجتمعات التي تتطور وفق الفكر العلماني الوضعي يعني تتطور بوتيرة أسرع في تحقيق حرياتها علماً - كما تقول - أن القرآن هو أسبق في جعل الإنسان..

السيد محمد حسن الأمين: تأكيد حرية الكائن الإنساني.

أحمد الزين: إذاً طالما القرآن والإسلام هم السباقون في جعل الكائن البشري كائناً حراً وهو مفكر ومجتهد، ما السبب إذاً في تخلفنا وتطور الغرب؟

السيد محمد حسن الأمين: بكل أسف فإن النص القرآني الذي يقرر حرية الكائن الإنساني ويمجّد هذه الحرية بل يجعلها شرطاً في تحقيق الغايات.. غايات الخلق للكائن الإنساني، بكل أسف فإن قراءة هذا النص كانت هي السبب للقراءة الناقصة أو القراءة غير الحقيقية أدت..

أحمد الزين: للنص الديني.

السيد محمد حسن الأمين: للنص الديني وللنص القرآني كانت سبباً في أن ينتج عنها هذه المشاكل التي نسمّيها الآن المصادرات التي منع الاجتماع الإسلامي من أن يُحقق هذه النقلة النوعية في تاريخ الإنسانية، نقلة من نظم الاستبداد إلى النظم الحديثة الراهنة.

أحمد الزين: تذهب أبعد من ذلك فتقول أن الديمقراطية الغربية هي أكثر التصاقاً بالمبدأ القائل الإنسان.

السيد محمد حسن الأمين: تماماً.

أحمد الزين: محكومٌ.

السيد محمد حسن الأمين: بالحرية.

أحمد الزين: بالحرية.

السيد محمد حسن الأمين: نعم.

أحمد الزين: إذاً الغرب.

السيد محمد حسن الأمين: وهو قرآنياً الإنسان كائنٌ محكوم بالحرية، وقرآنياً الأمر هو أمر المجتمع، أمر المسلمين، أمر الاجتماع.

أحمد الزين: الشورى.

السيد محمد حسن الأمين: شورى بينهم، (وشاورهم في الأمر)، إذاً مبادئ الحرية السياسية والاجتماعية موجودة وأصيلة في النص القرآني، كيف تمّ التعامل التاريخي؟ أزعم أن.. أنه تاريخياً تمّ استبعاد النص أو على الأقل تمّ التجاهل.. تجاهل النص وتجاهل الإمكانات التي تتفتح داخل هذا النص لأن النص وحده لا يمكن أن يكون فاعلاً في الاجتماع.

أحمد الزين: يعني يستدعي..

السيد محمد حسن الأمين: يجب أن يكون الاجتماع يملك قابلية الفعل.

أحمد الزين: نعم.

السيد محمد حسن الأمين: عندما صُودرت إمكانات الحرية في الاجتماع الإسلامي بات النص معزولاً وغريباً، وبات نصاً مقدّساً بالمعنى الذي يمكن أن نصفه بالسلبية لأن قداسة النص هي في تحويله إلى معطىً فاعل ومؤثر وعملي.

أحمد الزين: ومتجدد.

السيد محمد حسن الأمين: ومتجدد في الاجتماع الذي يتبنّى هذا النص.

أحمد الزين: يعني بهذا المعنى كيف تقرأ التراث العربي يعني التراث الذي تعامل مع هذا النص وتحوّل عند البعض إلى نص مقدس أيضاً؟

السيد محمد حسن الأمين: العلماء والمفكرون والباحثون والفقهاء المسلمين اشتغلوا على موضوع النص القرآني بصورة تدعو إلى الإعجاب في القرون الثلاثة أو الأربعة الأولى من البعثة النبوية، وقد تشكّلت حول هذا النص علوم كثيرة ولكنها بعد ذلك أي بعد مرور هذه القرون بات النص القرآني يمارس فعل القداسة التي لا تصل إلى درجة التغيير المفترض، يؤمن ونؤمن نحن بأن النص القرآني بالرغم من نزوله على العالم وعلى الإنسان في مكان معين وفي زمان معين إلا أنه نص منذور لخطاب الإنسان في كل مكان وفي كل زمان، وعلى.. وبهذه المناسبة أذكر ما أشار إليه الشاعر العظيم إقبال عندما قال بأننا يجب أن نقرأ هذا النص كما لو أنه يتنزل عليها للتوّ.. يعني للتو كان يشير إلى أن كل ما تمّ إنجازه من خلال التفاعل مع النص القرآني هو تراث، وبالتالي فإن علاقتنا مع النص لا يجوز أن تمرّ فقط عبر التراث يجب أن تكون مباشرة مع النص..

أحمد الزين: قناة العصر.

السيد محمد حسن الأمين: بقناة العصر.

أحمد الزين: نعم.. نعم.

السيد محمد حسن الأمين: فيما غلب على الفكر الإسلامي والحياة الإسلامية أن تكون العلاقة مع النص الثاني يعني.

أحمد الزين: مع التراث.

السيد محمد حسن الأمين: التفسير مع التراث وهذا ما جعل الفكر الإسلامي عاجزاً عن أن يتابع عملية إنجاز إبداعاته في مجال العلوم وفي مجال الرؤية بما أدّى إلى هذا النوع من الاستكانة والاستسلام أحياناً وإلى تقديس التراث أيضاً.

السيد محمد حسن الأمين: تناثروا في أعالي الريح واحتجَبوا يا زحلة اشتعلي إن المدى حطبُلم يبقَ من دمهم خمرٌ وقد سكَبوا جراره في مدى عينيكِ وانسكَبوا جاؤوكِ يحتقبون النار واندلعوا على رباكِ فما ضاقت ولا نضبوا مسافرون أغانيهم حقائبهم والريحُ والزمن الرملي والتعبُ وأنتِ نجمتهم حتى إذا اقتربوا من ضوئها صُعقوا بالعشق فاغتربوا رأوكِ تنتصبين الصدر منزلقٌ للغيم والضوء شعرٌ والمدى هُدبُ لم يلبثوا كان قوس البرق أوسع من عيونهم والمدى أعلى فما شغبُواهاموا بواديكِ عشّاقاً وما طلبوا وصلاً ولكنهم ذاقوا وما طلبوا لم يبصروا دمهم فاحمرّ من خفرٍ خداكِ واتقد الرمان والعنبُلم يكتبوكِ ولكن الذهول روى فردّدت ما رواه الريح والكتب.

أحمد الزين: سماحة السيد يعني ننتقل من الفقه والدين إلى الشعر يعني طبعاً أنت مرجع كبير في الفقه، وأيضاً مرجع كبير في الشعر، كيف بدأت هالحكاية مع القصيدة العربية؟

السيد محمد حسن الأمين: الحياة الخاصة أو النشأة الخاصة دائماً ذات تأثير..

أحمد الزين: في منزل الوالد.

السيد محمد حسن الأمين: تأثير فاعل يعني بنشأة المواهب وبالتوجّه إلى هذا الحقل أو إلى ذاك الحقل أو إلى غيره، لا شك أن.. ويُقال أن الشعر يُولد مع الشاعر، يعني يشبه لون العينين، لون الشعر، يشبه لون السُّحنة، يُقال أن الشاعر يُولد شاعراً وبالتالي..

أحمد الزين: يعني يحمل هذه الجينات.

السيد محمد حسن الأمين: يحمل جينات الشعر، ولا أستبعد هذا الأمر.. لا أستبعد أن الإنسان يُولد وفيه نزوعٌ إلى الشعر، يتفاوت هذا النزوع..

أحمد الزين: عند شخص وآخر..

السيد محمد حسن الأمين: بين فردٍ وآخر، لكن ليس هنا المسألة، المسألة في الظروف والملابسات والمعطيات التي تتيح لفرد ما أن يذهب نحو الشعر وأن يتورط بالشعر، وبين فرد يسلم من هذا التورط.

أحمد الزين: يحضر على مائدة اللغة والكلام شعراء العرب والمائدة عامرة بفاكهة الفقيه، كلامٌ يعلو ويغيب، وكلامٌ يرخي ظلال الدلالات، عامرةٌ مائدة الفقيه وأجملها رمّان قطفها لتوّه من بستانه المحيط بدارته المطلة على بحر الصور، ويتشعب الحوار وتسأل عن قضايا التحريم وعن مرجعية من يُحرّم ويجيب السيد بهدوئه إن المحرّم واضحٌ في النص القرآني، وهو قليلٌ جداً وما عداه مباح فالمشكلة كامنة في الاعتماد على نصوص تراثية، وتلك النصوص ليست بالمرجع الوحيد، واضحٌ السيد الأمين ووضوحه يزيدك وضوحاً وجرأةً وحباً وحريةً لذا الغيمة التي في يده تعلو سحابة في فضائنا وتمطر على يمان.تقول حتى الآن ليس ما يؤكد أن الإنسان استطاع أن يحقق إنسانيته، بل هناك ما يوجد ويؤكد أنه استطاع تحقيق طابع الطغيان، هل هذه مشيئة قدرية؟ ولا أمل في تحقيق الأعدل والأجمل؟

السيد محمد حسن الأمين: نعم ما تحقق هو نتائج الاستبداد وليس معطيات وإبداعات الحرّية، الكائن الإنساني في ظل أنظمة الاستبداد يحاول أن يسرّب إبداعاته بقدر ما تستطيع أو بقدر ما يستطيع وما تسبح له النوافذ المغلقة والقيود وبنية الاستبداد أن يسرّب هذا الإبداع، لذلك نلاحظ أن ما تحقق حتى الآن في التراث الفكري والفلسفي والأدبي هو أقل مما كان ينبغي أن يتحقق، وهنا لا بد أن أشير إلى ملاحظة دقيقة أنه في مجال الشعر بالذات نرى أن العقل العربي أو البنية العربية استطاعت أن تقدم إبداعاً يتجاوز ما حققته في الحقول الأخرى، والسبب يكمن هنا في قدرة الشعر على اختراق السدود وفي إلماحه ورمزيته التي لا تجعله على مرأىً ومشهد من وسائل القمع والاستبداد.

أحمد الزين: سماحة السيد بتقول أيضاً في إحدى المقابلات إنه لا يوجد في الإسلام كهنوت أو أسرار.

السيد محمد حسن الأمين: صحيح.

أحمد الزين: يعني ورجل الدين هو مثل أي مواطن عليه نفس الواجبات والحقوق.

السيد محمد حسن الأمين: تمام.

أحمد الزين: ولكن لماذا نجد؟ لماذا نجد أن لرجل الدين في مجتمعاتنا يعني دوراً فعالاً ومؤثراً حتى في صنع السياسة وصنع القرار؟

السيد محمد حسن الأمين: أريد أن أؤكد هذه الحقيقة وأجددها باستمرار أن الإسلام لا يوجد فيه رجل دين، أي لا يوجد فيه..

أحمد الزين: إكليروس..

السيد محمد حسن الأمين: إكليروس، لا يوجد فيه رجال عملهم الدين، لا يوجد فيه كذلك، بل الإسلام هو في جوهره حركة واجهت ما يُسمى بطبقة الكهنوت بطبقة رجال الدين، ومن يعد إلى القرآن يجد الآيات الكثيرة التي تهاجم هؤلاء الكهنة وهؤلاء الذين يتكلمون باسم الدين، وبالتالي يحوّلون الدين إلى سلطة.. سلطة يشكّل الدين غطاءً لها، إذاً المشروع الإسلامي لا يوجد..

أحمد الزين: إذا بتسمح لي فقط.. لا يوجد ولكن..

السيد محمد حسن الأمين: ولكنه..

أحمد الزين: كيف تشكلت؟

السيد محمد حسن الأمين: نعم.. نعم.

أحمد الزين: يعني هل كانت حاجة أن..

السيد محمد حسن الأمين: هنا السؤال..

أحمد الزين: أم هناك أسباب أخرى يعني جعلت من هذه الطبقة مؤسسة، ومؤسسة فاعلة ليس في لبنان وحسب ولكن في العالم العربي كله؟

السيد محمد حسن الأمين: صحيح أنها مؤسسة دينية، ولكنها كمؤسسة هي مؤسسة بشرية تتعامل مع الدين، وهذا الخطأ الذي حصل هو أننا لم.. عبر التاريخ لم نتعامل مع هذه المؤسسة بوصفها مؤسسة بشرية يعني يجري عليها ما يجري على المؤسسات الأخرى، إذا كانت المؤسسة السياسية هي مؤسسة بشرية فإنها أيضاً في الاجتماع العربي الإسلامي باتت مؤسسة ما فوق البشرية، وباتت مؤسسة مقدسة أيضاً، بحيث لا يجري عليها النقد ولا يجري عليها التقويم ولا يجري عليها المخالفة، المؤسسة الدينية في الإسلام يجب أن يتمّ إصلاحها على النحو الذي تتناسب فيه مع الغايات والأهداف المنطلقة من الدين نفسه، فيما المؤسسة الإسلامية في بعض المراحل وفي بعض حقولها هي الآن مؤسسة بشرية قد تكون غارقة في كثير من السلبيات التي تغرق فيه المؤسسات البشرية.

أحمد الزين: طيب سماحة السيد فيما لو طُبق في العالم العربي ما حدث في أوروبا، يعني بمعنى فصل الدين عن الدولة، بتقديرك فيما لو حصل هذا الشيء في عالمنا يعني هل يكون لصالح تطور الأمة؟ أم بالعكس؟

السيد محمد حسن الأمين: الإصلاح ليس بالضرورة في فصل الدين عن الدولة كما حصل في أوروبا بملابسات نعرفها جميعاً، ملابسات تحوّلت فيها الكنيسة إلى سلطة، سلطة مقررة في كل المجالات، في الإسلام.. الإسلام نفسه لا يوجد ما يعطي أيّ سلطة لرجل الدين أو للمؤسسة الدينية، إذاً لماذا نصلح الاجتماع الإسلامي باستبعاد الإسلام؟ ولا نصلحه في إصلاح المؤسسة الدينية؟ وهنا أود أن أفضي لك بشيء مهم أن الإسلام قابل لأن يكون علمانياً بهذا المعنى بالذات لأن العلمانية ليست شيئاً سوى القول بأن مصدر السلطة ومصدر الحقيقة هو هذا العالم، في الإسلام إذا كان النص إلهياً وكانت الشريعة إلهية فالمجتمع ومؤسسات المجتمع والسلطة هي شأنٌ بشريٌ، شأن بشري أيّ علمانيٌ وبالتالي لا توجد مشكلة في الفكر الإسلامي تجاه موضوع العلمنة بهذا المعنى، نعم توجد مشكلة مع العلمانية التي اتّسمت أحياناً في تطبيقاتها ببعض المجتمعات الغربية بمعاداة الدين وبالإلحاد أحياناً، وهذا خارج طبيعة العلمنة نفسها، طبيعة العلمنة ليست مؤمنة وليست ملحدة، ولكنها تؤمن بهذا العالم وتؤمن بأن الحقيقة تنبع من هذا العالم وأن السلطة مصدرها هذا العالم. وليس مصدرها الدين.

أحمد الزين: وُلد السيد محمد حسن الأمين في بلدة شقرا قضاء بنت جبيل سنة 1946، والده العلامة السيد علي مهدي الأمين وهو عالم دين تُوفي سنة 1960، تابع دراسته الأولى في بلدته ثمّ غادر إلى النجف الأشرف في العراق سنة 1960، وتابع الدراسة الفقهية في جامعاتها إلى أن تخرّج من كلية الفقه سنة 1967، واستمر في الدراسة الفقهية المعمّقة في النجف حتى العام 1972 تاريخ عودته إلى لبنان، دخل سلك القضاء الشرعي الجعفري عام 1974، ثمّ عُين قاضياً في مدينة صور حتى عام 1977 حيث انتقل إلى مدينة صيدا وبقي رئيساً لمحكمتها حتى سنة 1997حين نُقل إلى المحكمة العليا مستشاراً وما زال حتى الآن، لعب دوراً بارزاً على مستوى تظهير حالة الرفض للاحتلال التي مهّدت لانسحاب إسرائيل، هذا الدور أدى حينها إلى اعتقاله من قبل جيش الاحتلال ثمّ إلى إبعاده عن الجنوب في تموز عام 1984، من خلال دوره الاجتماعي والسياسي والديني برزت ملامح أساسية في تجربته الوحدة الوطنية، الوحدة الإسلامية، ونقد الطائفية فكراً وممارسةً، هو شاعرٌ له مساهمات شعرية لم تنقطع منذ بدايات الستينيات حتى اليوم فضلاً عن مساهمات جدية في النقد الفني والأدبي، له عشرات الأبحاث والدراسات في القضايا الإسلامية وقضايا الفكر العربي.دائماً كنتَ سباقاً في طرح القضايا الكبرى إلى حدّ أنك ذكرت يوماً أنك مع إلغاء المحاكم الشرعية إذا كان ذلك لصالح قيام وطن يعني علماني ديمقراطي، يعني ألا تعتقد أن هذا الطرح سيواجه بالردود العنيفة لأنه سيلغي بعض الأدوار؟

السيد محمد حسن الأمين: أنا لا أعتقد أن وجود المحاكم الشرعية في بلد مثل لبنان هو الضمانة للدين أو الضمانة للشريعة على الإطلاق، إن ضمانة الدين وقيمه العالية لا يمكن أن تكون أسيرة وجود مثل هذه المؤسسات، نحن نستطيع إذا خلصت النوايا لإنتاج اجتماع ونظام سياسي يرعى هذه المكوّنات التي تجعل منا مجتمعاً لبنانياً عصرياً مؤمناً نستطيع أن نضحي في سبيل ذلك بكثير من المكتسبات.

أحمد الزين: يعني بهذا السياق أنت مع فكرة الزواج المدني؟

السيد محمد حسن الأمين: الزواج المدني ليس خطراً على لبنان، الزواج المدني جائز في لبنان ويستطيع أن يبرمه أي لبناني ولبنانية في قبرص وخارج لبنان ويأتي إلى لبنان، فلماذا هذا الكلام عن الزواج المدني؟ فضلاً عن أن المسلمين زواجهم زواجٌ مدنيٌ وليس زواجاً لاهوتياً، لا يشترط وجود رجل الدين في الزواج، ومن هنا قلنا أن المؤسسة الدينية وسّعت صلاحياتها بأكثر مما لها، الزواج في الإسلام هو إيجاب وقبول بين طرفين يملكان القابلية للزواج، ولا يصبح شرعياً عندما يباركه رجل دين، ولا تنتفي شرعيته عندما لم يباركه رجل دين.

أحمد الزين: سماحة السيد يعني لننتقل إلى موضوع التحريم أو التكفير يعني هناك البعض يجتهد كثيراً في إيجاد نص تراثي أو تفسير تراثي لإسكات هذا المبدع أو هذا المفكر أو ذاك، بتقديرك يعني هل هذا يتلاءم وطبيعة العصر الآن؟

السيد محمد حسن الأمين: لقد نمت عقدة التحريم في الاجتماع العربي الإسلامي وساهم في نموها سلطة الاستبداد، حتى عندما تكون هذه السلطة لا تحكم باسم الدين فإنها محتاجة إلى هذا المقدس الغامض من أجل أن يحميها باستمرار، السلطات العلمانية في عصرنا في المنطقة العربية الآن إنها تحتمي بهذا المقدس، وتنمّي عقدة التحريم عند المواطن، هي من أجل أن يبقى الكائن الإنساني مقيّداً غير مؤهل لأن يطلق الاحتمالات القائمة فيه، إنهم يريدون السائد لأن ما وراء السائد لا يستوعبونه ولا يتسع لهم، أما السائد فقد أكّدوا مواقعهم وأمّنوا مواقعهم فيه فهم يحمون السائد، والسائد لا يمكن حمايته إلا بسوار هائل من عقدة التحريم التي تنشأ في القانون وفي النفس..

أحمد الزين: أليس نوع من الإرهاب سماحة السيد؟

السيد محمد حسن الأمين: نعم هو الإرهاب، الإرهاب وهو الإيغال في احتقار الكائن الإنساني فعلاً، الدين نفسه عدد المحرمات فيه محدودٌ جداً بينما عدد المباحات لا حصر له على الإطلاق، إذ كيف يمكن أن يحقق الكائن الإنساني وجوده دون هذا القدر من الحرية الذي تنتفي فيه عقدة التحريم؟ وعقدة التحريم ملازمة لنسيج الاستبداد في الذات العربية.

أحمد الزين: ربما أثمن وأجمل ما يعطيه المرء للحياة ولأبنائه هو المعرفة، فهو إرثٌ لا يتبدد بل يتراكم ويتعمّم ويفتح على آفاق وآفاق، والسيد الأمين أثمن ما عنده هو ما تفتّق عنه العقل في الإبداعات والتجلّي والأسئلة المولدة للأسئلة، ربما يكون هذا الأمر حملاً ثقيلاً لكنه بكل أحواله هو المحفّز الدائم على التفكير والتأمل والسؤال انطلاقاً من ثوابت لا ريب فيها وجوهرها الحرية. علي الأمين (ابن السيد محمد حسن الأمين): أفتخر بأنني ابن السيد محمد حسن الأمين وأفتخر به كشاعر وكأديب وكاتب، أفتخر به أيضاً كصاحب موقف، وكما يعني أفتخر به كأب أشعر أحياناً أن هذه صفة الالتزام والموقف تشكل عبءاً.. عبءاً عليّ كولده يعني، فالمسافة لديه يعني فيما يتعلق بين الموقف.. والرأي والموقف تنمحي المسافة، يعني السيد ما يقوله يفعله. مهدي الأمين: سلوكه وشخصيته بشكل عام بجميع أبعادها لها نوع من السطوة عليّ.. على تفكيري على سلوكي على.. بشعر بأنه فيه مسؤولية يعني كوني ابنه للسيد، تبهرني يعني جرأته يعني بحب إني أمتلك نفس الجرأة اللي بيمتلكها.

أحمد الزين: سماحة السيد سأنتقل إلى موضوع المرأة لا بد من دور أو من حضور لها في حياة ووجدان السيد.

السيد محمد حسن الأمين: ربما يكون حضورها من الحوافز الأساسية لكثير من التجليات في مجالات الفن وفي مجال الإبداع، كما أن الرجل حاضر في مخيّلة المرأة في مثل هذه المجالات، ونحن نعلم أن ما سمّيناه بعقدة التحريم لم يَحُل دون أن تكون المرأة حاضرة في قصائد الشعراء في مطلع الدعوة الإسلامية وفي القصائد التي مُدح فيها الرسول نفسه قصيدة كعب بن زهير المشهورة والمعروفة:بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يُجزَ مكبول.بما يعني أن عقدة التحريم لم تكن تطال هذا الجانب الإنساني الطبيعي.[السيد محمد حسن الأمين يلقي قصيدته بصوته]ويا ورد يا أشهى من السيف يا دماً تفتّح في أكمامه الإثم والسّحرويا وردُ يا طهر الغواية يا ثمن تجمّع فيه الحب والطهر والمكربنا شهوةٌ للحب والإثم كلما خبت في رماد العمر جدّ لها جمرنبوح بها أو لا نبوح وننتهي ولا ينتهي الإيماء والهمس والجهرفكل نساء الأرض ورد وكلنا من الجن ديك عاشقٌ دأبه الغدر.

أحمد الزين: سماحة السيد في النهاية بس بدّي ردّد قولاً تقوله أنت دائماً: سيئات الحرية أفضل من حسنات الاستبداد.

السيد محمد حسن الأمين: خيرٌ من حسنات الاستبداد.

أحمد الزين: خيرٌ من حسنات الاستبداد، يعني رهانك دائماً هيّ على الحرية في تغيير العالم وفي جعل صورته أجمل..

السيد محمد حسن الأمين: وهذا ليس قولاً شعرياً لأنني أعتقد أن سيئات الحرية هي شأن عارض وعابر وبالتالي نستطيع بالحرية نفسها أن نقاوم سيئاتها..

أحمد الزين: جميل جداً..

السيد محمد حسن الأمين: ونستبعد سيئاتها، أما الاستبداد فإن الحسنات فيه عارضة إذا وُجدت ولكنها أي.. ولكنه (أي الاستبداد) سيئاته هي القاعدة وبدون فضاء الحرية لا يمكن أن نستعيد القدرة على الإبداع وأن نحقق ذواتنا وأن نحقق وجودنا وأن نحدث النهضة أيضاً، البعض يسألني: أن أخطاء الحرية أو إذا تصوّرنا أن مجتمعاً أُعطيت فيه الحرية الكاملة، ألن تظهر النزوات والغرائز حينئذٍ؟ قلت له: نعم تظهر، وخصوصاً في مجتمعٍ مشتاق إلى الحرية، ولكنها سرعان ما تنكفئ لصالح ما هو أثمن وأبقى وأغلى وأنبل، أما في الاستبداد فإن هذا الأنبل وهذا الأنقى لا يمكن أن يتفتّح على الإطلاق.