الياس خوري

أحمد الزين: كثرٌ الذين شغلتهم هذه المدينة الساحلية التي تبدو من بعيد هادئة ناعسة وساكنة كما سكينة بحرها، ولكن حينما اقتربوا منها ودخلوا في متاهات صخبها وتناقضاتها اختبروا سرها، منهم أُصيبوا بعشقها ونعسوا تحت شرفاتها وكتبوها قصيدة أغنية لوحة ومضوا، ومنهم ضاعوا في فضائها المشحون بالتناقضات وبحثوا عن نجاتهم في إغوائها بنص بحري أزرق فازدادت تمنّعاً، منهم عبروا فيها حاملين رسائل إلى عاشق مهاجر أو منفي فحملوها رسالة إلى أوطانهم، منهم أقاموا في بيوتها لزمن وحاوروا أهلها وزمانها وبنوا عمارة أعمارهم ثم مضوا في بحرها نحو البعيد، أقاموا وعبروا وكانت دائماً حضناً حميماً غمر كل منفي ومضطهد وباحث عن فضاء للبوح والكتابة، فكانت مرآة لمن يرغب في اختبار وجوهه وذاته ونصّه، شهدت ما لم تشهده عاصمة عربية من صراع وبوْح وحبّ وموت، شهدت فصول الحروب ونجت لأنها بيروت، هذا الرجل واحد من أهلها، كتبها حكاية، أحبها على طريقته، فبيروت حكاية الحكايات لمن يرغب في تصفّح كتابها القديم، عاش كما عشنا كل أزمنتها زمن حروبها وغزوها واحتلالها وشهد لها على طريقته وكتب فصولاً من تلك الحكاية التي هي بيروت.

أحمد الزين: بلّشت رحلتك بالحياة وبالكتابة من هالحي ببيروت اللي هو الأشرفية، سمّيته بالرواية الثانية اللي كتبتها "الجبل الصغير"، طبعاً غادرت الأشرفية لسنوات طويلة، سنوات الحرب وما تلاها، وشأنك في ذلك شأن الكثير من اللبنانيين وخاصة اللي كان عندهن مواقف متباينة يعني عندما عدت، ما الذي تبدّل فيك؟ وما الذي تبدّل في هذا الحي البيروتي؟

إلياس خوري: أولاً يعني أنا غادرت الأشرفية قسراً مش عن رغبة في ذلك، وبسبب طبعاً الظروف الهمجية التي رافقت الحرب الأهلية، إن شاء الله ما بتنعاد لا هون ولا بمحل بالعالم..

أحمد الزين: ولكن هذا الأمل ضئيل بتصور، مش عنا يعني بالعالم.

إلياس خوري: طبعاً بس على الأقل أنا رأيي بلبنان هذا أمل كبير لأنه عالأقل اللبنانيون تعلّموا درساً بالغاً وبليغاً إنه الحرب الأهلية ما فيها منتصر، وكل المشاركين فيها مهزومون بالأخير، فأنا تركت الحي وكتبت عنه كتاباً اسمه "الجبل الصغير"، بعدما غادرته مباشرة هو جزء يمكن كان هوّ أول رواية هو صدرت سنة 1977 هو أول رواية عن الحرب الأهلية اللبنانية، ورجعت بس خلصت الحرب وصار فيّ أرجع، وأنا يمكن أول واحد بيمارس حق العودة بمعنى من المعاني، وبتكتشف إنه لما تعود إلى أي مكان أنك لا تعود إليه لأنه يلّي رجع هوّ مش أنت هو أنت بعد ما كبرت وتغيّرت كتير، والمكان تغيّر، فبالأخير يعني ما في عودة بالمعنى الرومانسي ما في عودة للأماكن في ذهاب إلى الأماكن، وبالتالي أنا جيت يعني ذهبت مرة أخرى لهالحي لأنه هذا حيّي وعندي بيت يعني مش لأسباب عاطفية فقط لأسباب عملية، بس كل شي تغيّر أنا كتير تغيّرت والعمران والمكان تغيّر كتير، ولقاؤنا لقاء مختلف.. اللقاء الأول هو لقاء أنا ما بذكر إيمتى بلّش؟ لأني أنا خلقت هون، هون تعلمت، هو شميت أول روائح، هون تعرفت على الناس، هون حبيت أول بنت، هون إلى آخره، فهون كان كله الأول، هذا نكهة الأول راحت.قراءة نص بصوت

إلياس خوري: يسمونه الجبل الصغير وكنا نسميه الجبل الصغير، نحمل الحصى نرسم الوجوه نبحث عن بركة ماء نغتسل بها من الرمل أو نملؤها رملاً ونبكي، نرقد بين حقوله أو ما يشبه الحقول، نأخذ سلحفاة بين أيدينا ونمضي بها إلى حيث أوراق الشجر الخضراء تغطّي الأرض، نخترع أشياء نقولها أو لا نقولها يسمونه الجبل الصغير، كنا نعرف أنه ليس جبلاً وكنا نسميه الجبل الصغير، تلّة واحدة أو مجموعة تلال لم أعد أذكر ولم يعد أحد يذكر، تلة على الطرف الشرقي لبيروت سمّيناها جبلاً لأن الجبال كانت بعيدة، جلسنا على منحدراتها وسرقنا البحر، الشمس تطلع من الشرق ونحن نخرج من حقول القمح في الشرق، نقطف السنابل حبة حبة لنلهو بها كان الفقراء أو ما يشبه الفقراء يرقدون أطفالاً بين حقول التلال، ليسألوا أشياء الطبيعة عن أشيائهم.

أحمد الزين: سيد إلياس يعني بنهاية الستينات وبداية السبعينات هنيك في كان نوع من الصراع الديمقراطي أفرز صراع تيارات متباينة مختلفة في الآراء طبعاً أنت تكوّنت في هذا الجيل، وخاصة كانت يمكن الجامعة اللبنانية أحد صروح هذا الصراع وأنت ابن هذه الجامعة على ما أعتقد، يعني السؤال هوّ أنت كيف تبلورت خياراتك؟ يعني كيف تبلورت؟ كيف أخذت مواقعك في تلك المرحلة؟

إلياس خوري: شوف الحقيقة أنا.. يعني الجامعة اللبنانية طبعاً وأنا تلميذ كنت بكلية التربية وكلية التربية بالجامعة اللبنانية لعبت دوراً أساسياً بتكوين جيل كامل من الأدباء والمثقفين وحتى السياسيين بلبنان.

أحمد الزين: ومن الذين لعبوا دوراً أٍساسياً في الحرب.

إلياس خوري: لعبوا دوراً أساسياً بالحرب..

أحمد الزين: وبالسياسة وبالسلم..

إلياس خوري: وما بعد الحرب نعم، وبالشعر بالأدب وبالراوية إلخ، بس الحقيقة أنا دخلت كلية تربية بعد يعني كان أول سنة كانت صارت هزيمة الـ 1967 وأنا اللي كتير أثّر علي وغيّرني جذرياً هو هزيمة الـ 1967، لأنه ما بعرف حسّيت بمهانة فظيعة، وهيدا قادني إلى الذهاب إلى الأردن وحيداً لحالي.

أحمد الزين: آنذاك التحقت بالمقاومة؟

إلياس خوري: وعملت تجربتي بالمقاومة الفلسطينية وبفتكر هاي يعني الـ 1967 كانت منعطفاً أساسياً ثمّ مناخ الجامعة لأنه ربيت أنا بالجامعة، إنما الحقيقة المفصل الأساسي كان شعور هائل بالمهانة وبالظلم وبالتماهي مع الفلسطينيين لأنه وقت رحت على الأردن، رحنا وقتها على مخيّم البقعة، كان بعدو مخيم البقعة مش متل هلأ كأنه يعني مدينة صغيرة، وأنا بمخيم البقعة أُصبت بشعور فادح بالظلم، وحسيت إنه إذا الواحد ما كان.. ما تماهى مع الفلسطينيين ما بيكون.. يعني بيكون شي ناقص بإنسانيته أو بشعوره الإنساني.

أحمد الزين: قبل ذلك يعني أنت ابن الأشرفية، يعني هل هناك مؤثرات أولى؟ في التربية؟ في البيت؟ في النشأة؟

إلياس خوري: إي طبعاً.. أكيد فيه مؤثرات يعني نحنا كنا نقرأ يعني نحن وصغار كتب جرجي زيدان بالبيت، ونقرأ الشعر العربي القديم، وستّي كانت حافظة يمكن كل الشعر الجاهلي، وكان فيه يعني إذا بدك شعور ثقافي عميق بالانتماء العربي وقناعة بـ"إنّ في البيان لسحراً"، إنه فيه سحر البيان العربي، وبفتكر قراءاتي لجرجي زيدان وروايات جرجي زيدان أثّرت كتير على وعيي، أنا وصغير قرأتن وأنا عمري عشر سنين، على وعيي بانتمائي..

أحمد الزين: لهذا العالم.

إلياس خوري: للعروبة للفكرة العربية، هذا من ناحية، من ناحية تانية هالحي .. الأشرفية هو حي يساري يعني تاريخياً يعني بتذكّر أول منشور شيوعي قرأته كان بكنيسة السيدة بالكنيسة تحت البيت، كان يوقفوا الشباب يوزّعوه كان عمري ثمان سنين، يعني في هالأجواء طبعاً بتشكل روافد بالتكوين الشخصي للإنسان.

أحمد الزين: عرفته عندما كانت رحى الحرب الأهلية تدور، كنا نلتقي لأن هناك قاسماً مشتركاً جمعنا، ربما هو الانحياز للعدالة وللهامشيين، اجتهد لكي يعرف فكتب، كتب كما لو أنه وضع حجر أساس في بيت أراد سكناه دائماً وسمّاه الجبل الصغير، والجبل الصغير هو هذا الحي البيروتي، إلياس خوري ابن هذا الحي، الجبل الصغير باب فتحه ليبدأ رحلة هو لم يخطط لها ولم يضع بداية ونهاية لمسارها مشاها، مشاها صدفة، لكن الرغبة في الاكتشاف ولدت شحنات للمضي نحو ما هو أبعد وأكثر غموضاً هو قاع المدينة قاع المجتمع، وهامش لا ينتبه إليه إلا من به شغف لاكتشاف هذا العالم وهذا الهامش.[فاصل إعلاني]

أحمد الزين: اللقاء مع إلياس خوري يعيدك إلى سنوات الحرب الأهلية واجتياح بيروت.. إلى مشهد المدينة التي كانت تتداعى خلف المتاريس، إلى أزقة وأحياء وبيوت كانت مسرحاً لذلك الخراب، وإلى وجوه غابت في رماد الحروب والسنين، هو شاهد على تلك السنوات وشهادته جاءت فصولاً وحكايات عاشها حيناً وجمعها من أفواه الآخرين حيناً آخر، وصاغها بمخيلة الراوي لتصبح جزءاً من ذاكرة المدينة، مرآة مشظّاة جمعها في إطار رؤيته للحكاية وللكتابة الروائية، كتب خلال الحرب عن الذين عاشوا في ذلك الجحيم وبحث في الأحياء والشوارع عن مصادر ومصائر أبطاله فتماهى معهم وتتبع إيقاع حياتهم ليؤلف حياة موازية في النص الروائي وكأنه في ذلك يبحث عن وحدة في التداعي، وعن خلاص في الكتابة يتجسد دائماً بالعودة من عيش الهامش المنكسر المهزوم بنص يروي عن ذلك الانكسار والمهانة، وعلى هذا النحو فاز ربما ككاتب لأنه انكسر كما أبطاله في مهاناتهم.

أحمد الزين: إلياس كما ذكرت أنت من الناس اللي يعني.. اللي أرّخوا بمعنى يعني بشكل من الأشكال أرخوا في ذاكرة الحرب اللبنانية وكنت دائماً نتاجك مرتبط بهذه الحرب بأسبابها ونتائجها، يعني بتقديرك العمل الروائي هل يستدعي بعض المسافة في الزمن للسماح للمبدع أن يعيد تشكيل هذا الحدث براحة أفضل؟

إلياس خوري: الحقيقة هون فيه عدة وجهات نظر، بس أنا أنطلق من وجهة نظر إنو الكتابة أنا أكتب الحاضر أنا لا أكتب الماضي، أنا أكتب بالحاضر وانطلاقاً من الحاضر وإذا الماضي استُخدم متل مثلاً بالشمس فحتى يكون ذاكرة للحاضر مش مسترجع مش حنين لهالذاكرة، فقصة المسافة والقرب من الحدث عدا أني ما كتبت ما أرّخت الحرب، الحقيقة أنا كتبت عن..

أحمد الزين: مستوى من مستوياته.

إلياس خوري: أنا أرخت إي إي بس أنا أرّخت كل كتابة هيّ تأريخ نوعاً ما، أنا كتبت عن حياة.. عن الحياة في شروط الحرب مش عن الحرب، كتبت عن الناس خلال الحرب مش أرّخت للحرب اللبنانية برواية.. أنا يمكن إذا في عمل تأريخي عملته هو إني أرخت لنكبة فلسطين برواية "باب الشمس"، ولكن أنا ما أرخت للحرب اللبنانية كتبت بالحرب مش عن الحرب، وبالتالي الكتابة كانت مناسبة أو وسيلة أولاً لأكتشف المجتمع اللي أنا عايش فيه، لأني أنا ما بعرفه، وبكتشف إنه أكتر الأشياء اللي منفكّر حالنا منعرفها هيّ ما منعرفها، وبفتكر هيدي هيّ ميزة الأدب، الأدب بيخلينا نشوف الأشياء اللي مفترضينها إنها بديهيات إنها مش بديهيات، نكتشف إنو.. تفترض البحث والاكتشاف، والنقطة التانية: سمحت لي إني أطرح الأسئلة.. أسئلة الحياة والموت انطلاقاً من الكتابة لأنه بالأخير الكتابة هيّ علاقة - الحقيقة - بين الأحياء والموتى، لأنه إذا الأدب له قيمة لأنه الأدب هو حوار مزدوج، هو حوار مع الأحياء وهو حوار مع الموتى..

أحمد الزين: مع الذين ذهبوا.

إلياس خوري: مع الموتى، وهوّ دائماً بتحسّ حالك بأيّ نص بتكتبه إنك عم توصل بين الذي كان بالماضي والذي يكون بالحاضر، وبالتالي كل أدب هو أدب انتقالي مرحلي لأنه كل كتابة هي مرحلة انتقالية وكل كتابة هي مرحلة بتوصل الأشياء اللي بالعادة بحياتنا ما منوصلها ومنحاول ننساها.

أحمد الزين: طيب بالنسبة للشخصيات اللي بيكتبها إلياس خوري يعني هناك دائماً معظم الأعمال اللي كتبتها ينتاب القارئ الشعور أو نوعاً من الالتباس حول هذه الشخصية إن كانت فعلاً ذهبت إلى هذا المصير أم لا، يعني هل هذا البطل - إن صح التعبير- انتهى إلى الموت حتى الكاتب أحياناً أو الراوي يعني أنت تشكك في ذلك، يعني بتترك هالمجال من التشكيك أو من الشك مفتوحاً أمام القارئ، يعني هيدي ضرورة أنت بتلاقيها ليش؟

إلياس خوري: لا لأنه أنا أنطلق بالكتابة من افتراض معاكس للافتراض اللي انبنت عليه الرواية ما يسمى بالرواية الواقعية بالأدب العالمي اللي هوّ إنه الكاتب بيعرف كل شيء، يعني عادةً الرواية إنه الكاتب بيعرف وبيخبّرنا اللي بيعرفه، وإذا الكاتب ما بيعرف؟.. أنا بكتب لو بعرف ما بكتب، أنا بكتب لأتعلّم، يعني أنا بكتب أشياء ما بعرفها، أنا برأيي الكاتب لازم - أنا هيك بحسّ مش لازم - أنا بكتب كأني قارئ وأملي أن القارئ يقرأ كأنه كاتب..

أحمد الزين: جميل جداً.

إلياس خوري: وأنا رأيي هيدا لأنه بالأخير الكتابة الأخيرة للنص الأدبي الكتابة الأخيرة للرواية ما بيعملها الكاتب بيعملها القارئ، لأنه هلأ إذا بتقول لي خبرني قصة "يالو" أو "باب الشمس" ما بعرف خبّرك ياها بدي أؤلفها، إذا بدّي أخبرك ياها ما بقدر، بدي أؤلفها، فالقارئ هوّ مؤلف الكتاب.

أحمد الزين: هذا كان جوهر سؤالي اللي سبق هذا إنه فيما لو أنت الآن قعدت أو أردت كتابة هذه الأعمال أو بعضها بتقديرك بتكتبها بنفس الأسلوب اللي كتبتها فيه؟

إلياس خوري: طبعاً لأ، لأنه أولاً ما بعرف إذا بقدر أكتبها، يعني إذا بدك بتقول لي هلأ أكتب "غاندي" ما بعرف إذا بعرف أكتبها، عدا إنّو بتعرف أحمد..

أحمد الزين: يعني تحت وطأة ماذا تكتب الروايات؟

إلياس خوري: بالحق بالحقيقة أنا وقت بلّش أكتب بحسّ إني ما بعرف أكتب، أنا هودي الكتّاب اللي بيعرفوا بيكتبوا بلاقيهن سُؤَلا (ثقلاء) لأنه إذا بتعرف تكتب بتكون عم بتكرر حالك، بتكون عم تكرر اللي بتعرفه، فلازم.. متل هيّ العلومية اللي قالها خلف الأحمر لأبي نواس، قال له أبو نواس: بدي أعمل شعر شو بعمل؟ قال له: روح احفظ ألف قصيدة، راح حفظهن إجا لعنده قال له: حفظت ألف قصيدة بكتب؟ قال له: لأ، روح انساهن، بس تنساهن بتروح تكتب، فلازم تكون بتعرف وتكون ناسي كل شي، فأنا بكتب كأني ما بعرف أكتب، وكل رواية بتعلم أنا فيها أكتب، فهلأ بدي أرجع أتعلم كيف بكتب "غاندي" ما بعرف إذا بقدر إذا أنا بمزاج أو بقدرة أو بطاقة إني أتعلم أكتب غاندي أو "مجمع الأسرار" أو غير ذلك، فلأ أكيد ما بكتبهن..

أحمد الزين: تحت وطأة ماذا؟ وقت تذهب إلى كتابة رواية شو اللي بيخطر ببالك لتكتب؟

إلياس خوري: الإيقاع، لازم يكون في..

أحمد الزين: يعني ما فيه حدث معين يثير فيك شيئاً؟

إلياس خوري: طبعاً أكيد فيه، مش حدث.. عدة أحداث، بس لتقدر تكتب بدّك تكون قدرت توصل لإيقاع الجملة تبع هالكتاب.. وإذا هالإيقاع ما لقيته ما فيك تكتب أنا ما فيّ أكتب لك ياه.

أحمد الزين: طيب لسّه في كمان برواياتك دائماً نعثر هنا وهناك على شخصيات بائسة وطبعاً في قاع المجتمع - إذا صح التعبير- ليش الكاتب عادة يبحث عن تلك الشخصيات؟

إلياس خوري: لأنه أنا رأيي أو شعوري إنّو كي نفهم المتن يجب أن نذهب إلى الهامش، ثمّ أنا شعوري ككاتب إني أنا هامش، يعني نحنا..

أحمد الزين: مش نتيجة انحيازك لهؤلاء الهامشيين يعني المضطهدين والمظلومين؟

إلياس خوري: أكيد فيها انحياز بس جوهرياً هي بحث عن الحقيقة بالهامش لأن الحقيقة لا تُكتشف فعلياً إلا.. أو المعرفة لا نصل إليها إلا من خلال الهوامش من خلال الناس المطرودين المعزولين المقموعين إلخ، والنقطة التانية: يمكن لأني أنا كاتب وأنا رأيي إنه الكاتب إنو الأديب الفنان هوّ شخص على الهامش ما بيقدر يكون إلا على الهامش وبيصير بالمتن مش هوّ.. نصه بيصير بالمتن، هوّ ما بيصير بالمتن، وهيدي أحد الأخطاء الشائعة اليوم بالثقافة مش العربية.. بالثقافة بالعالم إنه لأنه المتن.. لأنه النص بيصير بالمتن هذا معناتها إنه الكاتب ممكن يصير بالمتن وقت الكاتب بيصير بالمتن بيتبهدل، لأنه بيصير يتصرّف كسلطة وبيتبهدل إنو لا بتلبق له وما بيعرف يعملها، وهوّ يعني الفن والإبداع والأدب هو بالمحلّ العميق السري عند الإنسان اللي ما فيك تكشفه إذا بتكشفه.. ما بتعرفه لتكشفه، يعني إذا بتقول لي كيف انكتب؟ يعني ما بعرف.

أحمد الزين: لو كنت أعرف لَمَا كتبت، أنا أكتب لأتعلم، أكتب لأكتشف، كيف لي أن أحاور الذين رحلوا؟ كيف لي أن أكتشف ذاتي إذا لم أقرأ الآخر؟ فالكتابة رسائل.. رسائل متبادلة بينك وبين من رحل، بينك وبين من سوف يأتي، بهذه البساطة وبهذه البلاغة يمكن التعرف إلى هذا الصديق الذي يزهو بتصالح جميل مع الخمسينات مودّعاً ستة وخمسين سنة من عمره متكئاً على حكم المتنبي حين يعلو مزاج النشيد وتصفو الروح، وعلى الحكاية مراراً لأنها لغة أهل الهامش، الحكاية غالباً للمهزوم والتاريخ للمنتصر.

أحمد الزين: ولدتُ في هذا الحي ونشأت هنا، حفظت عن جدتي الشعر الجاهلي والحكايات وقرأت جرجي زيدان في عشيات الأشرفية في زمن الطمأنينة، في هذا الحي اليساري بدأ انحيازي يتبلور، قرأت المناشير التي تدعو لمقاومة الظلم وعندما حدثت هزيمة 67 شعرت بالمهانة فذهبت إلى الأردن، والتحقت بالمقاومة لأنني شعرت بأن إنسانيتي ناقصة فيما لو لم أفعل ذلك، وفي الجامعة اللبنانية كلية التربية نضجت الأفكار، وتخرجنا جيلاً من الكتّاب والشعراء والسياسيين، كتبت الرواية لأنني أحب الحكايات وأتمتع بالسرد، فكتبت خلال الحرب عن ناس المدينة وحكاياتهم ومآسيهم، أما سيرتي هي أنني أكتب لأن الأدب يحاور الأدب، ولأن الكتابة كما قال أبو حيان فيها إمتاع ومؤانسة، هكذا روى الياس خوري في الحلقة الأولى عن تجربته، وعلى هذا النحو سوف نتعرف أكثر على ما أمكن من ملامح سيرته وحياته.

أحمد الزين: بتقديرك لشو الإنسان بيكتب..بيذهب إلى الكتابة؟ يعني ليش بتكتب إنت؟

إلياس خوري: أنا بكتب لأنّو أنا رأيي.. أو أنا شعوري إنّو بالكتابة بقدر أحقق رغبتي بالسفر الدائم يلّي ما بقدر أحققها بالحياة. يعني أنا بكتب لأنو متعة الكتابة وعذابها.. هي بتعذّب، مثل السفر هلأ إذا بتاخد طيارة وبتروح على كوبا بتقعد 16 ساعة بتنفلج يعني ما.. شي مابينطاق، بس هذا العذاب لا بد منه مشان توصل على كوبا أو على نيويورك إلخ، أنا بكتب لأجل.. لأنّو الكتابة هي متعة ما بلاقيها في غير محل، ولأنو هي وسيلتي لحتى اللي قريتهن.. أنا بحب أقرأ كتير، يعني بنبسط بالقراءت الرومانسية وبقراءة الروايات وقراءة الشعر وقراءة الآداب هي الطريقة الوحيدة لحتى أنا أتحاور، يعني أنا كيف بدي أحكي مع أبو العلاء المعري، ما أبو العلاء المعري مات من ألف سنة، الطريقة الوحيدة إني أحكي مع أبو العلاء المعري إني أكتب، عسى إنو نتشارك أنا وإياه..

أحمد الزين: بتلتقوا بشي محل.

إلياس خوري: بنتشارك أنا وإياه بنفس اللغة بنفس النص، هذا الأمل يعني أنا ما بحط حالي مع كاتب أو شاعر بعظمة أبو العلاء، يعني الله يطعمنا نصير حداً يقرأ لنا ويحطنا حدو هذا بيكون منتهى الأماني، ولكن هاي الطريقة لحتى أنا أتحاور معهن، ما فيك بس إنك تتحاور معهن إنك تقرأ لهم بدك تكتب لهم، والأدب اللي بنكتبه كأنه يعني بمعنى ما هو رسائل لإلهن، يعني رسائل.. مشان هيك الأدب هو أساساً الأدب بيحكي مع الأدب.

أحمد الزين: نعم.

إلياس خوري: مش بس بيحكي مع الحي.. مع القراء هو بيحكي مع الأدب مشان هيك..

أحمد الزين: في أي زمان ومكان.في النص تاريخ كل الأدب

إلياس خوري: مشان هيك كل ما تكتب بتعرف النظرية البيولوجية عن جسم الإنسان، إنّو الإنسان الفرد بجسمه فيه تاريخ كل البشرية، أنا رأيي أي نص بقلبه فيه تاريخ كل الأدب، بنفس المعنى، فإنت وعم تكتب بتكون عملياً عم تتحاور، وعم تعيد كتابة الماضي، وعم تبني شي جديد، وعم تعمل علاقة بين شغلتين كتير صعب ينعمل بيناتهن علاقة إلا بالنص الأدبي اللي هو بين الموت والحياة.

أحمد الزين: طيب رحلاتك مع هودي الشخصيات إلى مصائرهن المختلفة، يعني عالمهن المحزن المأساوي إلى ما هنالك، يعني أدّيش بتتعذب معهن يعني؟ بتشعر بالعذاب الحقيقي بتشوف الشخصية بنومك أحياناً اللي عم تكتب عنها؟

إلياس خوري: آه كتير، لأ بعمل علاقة، إنو حتى غرام..

أحمد الزين: بتحاورها وكذا؟

إلياس خوري: إيه وحبّ وخناق و.. لأ الرواية بتزبط يعني بتصير رواية، وببلّش أكتبها باللحظة يلي شخصياتها بصيروا حقيقيين بوعيي.

أحمد الزين: بتشوفهن تجسدوا؟

إلياس خوري: إذا ما صاروا حقيقيين معناتها الأدب يعني النص ما حيطلع منه كتاب حقيقي، إذا صاروا حقيقيين.. هلا مثلاً بـ "باب الشمس" قعدت فيها سبع سنين، سبع سنين وأنا واقعد أنا ويونس ونهيلا وخليل وشمس..و

أحمد الزين: جزء من حياتك اليومية.

إلياس خوري: وبعدين لما خلصت الرواية حسيت إنّو ما بقى عندي حدا، هدول صحابي يعني إنّو متل واحد ترك كل اللي بيحبهن وماتوا أو فلّوا، ثم بتبلّش كتاب جديد بتحسّ إنك عم بتخونهن، يعني أول تبليشة متل واحد بخلّف ولد ما هيك، بيكون رأيه إنو ما رح.. ما رح يقدر يحبّ غيره..

أحمد الزين: بيجيب ولد تاني.

إلياس خوري: بيجيب ولد تاني بحبه أكتر منه أو قدّو.. بجيب ولد إلخ، مثل.. فالكتابة كمان فيها غير الحب.. فيها الشعور العميق بمتعة الخيانة لأنك بتخون يلّي بتحبه وأنت عم تكتب.

أحمد الزين: الكتابة رحلة، رحلةٌ فيها مشقات ومفاجآت وعذابات، وخلال هذه الرحلة يدوّن المرء مشاهداته وأفكاره ويصوغ تجربته لهاجس غامض، أو لرغبة في محاورة الآخرين، ورحلة الياس خوري التي بدأت من "الجبل الصغير" إلى "باب الشمس" مرّ خلالها بأمكنةٍ ووجوه عديدة، صحفياً في أكثر من منبر، بِدءاً من شؤون فلسطينية إلى جريدة السفير وملحق جريدة النهار وروائياً ارتبطت أعماله بتجربة الحروب وقسوتها وبشتات الشعب الفلسطيني. نذكر منها الجبل الصغير، والوجوه البيضاء، رائحة الصابون، ييلو، رحلة غاندي، مجمع الأسرار، وأبواب المدينة، وباب الشمس، إضافةً إلى أعمال نقدية مختلفة. وقد تُرجمت هذه الأعمال إلى العديد من اللغات، وربما الأكثر حظاً في هذه الترجمات كانت باب الشمس لأنها ارتبطت بذاكرة الشعب الفلسطيني، وقد حُوّلت هذه الرواية إلى عملٍ سينمائي أخرجه يُسري نصر الله.

أحمد الزين: طبعاً بعض أعمالك تحوّل إلى مسرح والبعض الآخر إلى سينما، بتقديرك هذه التجارب أضافت أم خسّرت تلك الأعمال؟

إلياس خوري: المظبوط لا أضافت..

أحمد الزين: ولا خسّرت.

إلياس خوري: ولا خسّرت، بالأخير الكتاب إذا معمول كتاب يعني هو بقدر أناقشك بدقة مثلاً على نص واحد يلّي هو مذكرات أيوب لأنو هو انكتب مسرحية.

أحمد الزين: لأ هذا كتبته خصوصي لمسرحية.

إلياس خوري: كتبته لمسرحية وأخرجه رجا عساف، بنقدر هنا نناقش إنو أدّيش علاقة الإخراج بالنص، أما ما عدا مذكرات أيوب كل النصوص اللي أنا كتبتها وصارت مسرحاً أو سينما هي تأويلات، يعني هذا المخرج أوّل الرواية بهالطريقة ومخرج آخر عمل تأويلاً آخر للرواية، وأنا رأيي الرواية تحتمل تأويلات لا تُحصى، وبالتالي أنا وقت كنت أحضرهن كنت أتمتع كتير، لأنو أكتشف إنو والله فينا نقرأ باب الشمس مثل ما عم يقراها يسري نصر الله، وفينا نقراها قراءة مثل ما قراها ناقد اسمه صبحي حديدي، وفينا نقراها مثل ما قراها محمود درويش، فينا نقراها بمليون طريقة.

أحمد الزين: طيب خلينا بنفس السياق أيضاً ننقل على الترجمة معظم أعمالك ترجمت للعديد من اللغات، على ما أعتقد إنو هاي الترجمة من المفترض أن تضيف شيئاً لتجربتك، يعني شيئاً معنوياً وشيئاً مادياً؟

إلياس خوري: نعم، لا شك بتضيف معنوياً كتير، يمكن بتضيف أكتر من اللازم لأنو نحن صرنا بالوطن العربي، للأسف هالقدّ العالم العربي منهار ومكسور ومهزوم ومبهدل، إنو صار أحد مقاييس إنك أنت كاتب ناجح إنك تكون مترجماً، وهذا عيب، فعلى الأقل بتعطيك بريستيج ببلادك إنو بعرف إنو وقت بلشت أتّرجم وزني الاجتماعي بمجتمعي بلبنان يعني أو ببلاد الشام محل ما إحنا عايشين بلبنان وسوريا وفلسطين إلخ زاد وهيدا حقيقة، بس هادا بكل العالم بصير ولكن الفرق إنو عنا آخذ شكل متورّم ومتضخم لإنو إحنا منهارين، ونحن مسؤولين عن انهيارنا، فلازم نظبّط حالنا ونرجع بني آدمين ويرجع عنا المدن تبعنا بيروت والقاهرة وتلعب دورها الثقافي.

أحمد الزين: قلت شغلة كتير محزنة الحقيقة، ولكن تثير الكثير من الأسئلة إنّو وكأنه أصبحت معايير نجاح أي شخص في عالمنا العربي بأي مستوى من مستويات المعرفة إنّو الحضور الغربي مثل ما قلت نتيجة هذا الانهزام اللي واصلين لإلو، يعني شو سر هذا الانهزام اللي كلنا عم نحكي فيه يعني؟

إلياس خوري: هذا الانهزام إلو سرين بسيطين واضحين، سرين معلنين، السر الأول هو إسرائيل، يعني الهزائم أمام.. العجز أمام مواجهة الغزو الصهيوني للمنطقة العربية، والنقطة الثانية هي الدكتاتورية اللي هي القمع.

أحمد الزين: نبقى بموضوع الترجمة يعني بنلاحظ هناك بعض الكتّاب ما بعرف إذا بتشاركني الرأي يعني صاروا عم يكتبوا تحت هاجس العالمية تحت هاجس إنو هذا الكتاب يلاقي منفذاً أو سوقاً في الغرب، وحتى لو كان ربما أحياناً على حساب هيك تقديم صور شوي فولوكلورية عن مجتمعاتنا.

إلياس خوري: أه في كتير هدول مش عند العرب بس عند كل العالم، لأنو في عولمة، يعني إنو العولمة حقيقة تاريخية وحقيقة اجتماعية وحقيقة سياسية وحقيقة ثقافية، بس على رأي هول الكتّاب اللي بيكتبوا مشان..

أحمد الزين: يترجَموا.

إلياس خوري: الرواج يعني ما بيظبطوا، يعني ما بيمشي حالهن، لأنو ممكن الكتاب يروج يعني في كتاب يبيع مليون نسخة بس إنّو بالأخير بعد سنتين بينتسى لأنو ما بيكون أثر على الأدب، الأدب هو اللي بأثّر على الأدب، إذا الأدب ما أثّر على الأدب ما بيكون أدباً مهماً، فهالنوع من أدب الرواج ياللي موجود عند العرب وعند كل الشعوب في العالم هيدا أدب ما إلو مستقبل ولا إلو القيمة، بفرنسا بسموه أدب القطارات بتعرف في روايات بفرنسا بتنعمل مشان محطة القطارات هذا ببيع مليون نسخة أو مليونين نسخة يمكن، بيعمل رواية بتسلي الجمهور وبعدين بتنتسى بتقراها وبتكبّها متل.. هلأ المشكل في الكتاب إنو الجريدة بتقراها وبتلف فيها منقوشة مثلاً بتمسّح فيها الزجاج، مشكلة الكتاب إنو شكله ما بيسمح لك إنّو تلف فيه شي بدك تكبّه

أحمد الزين: لم يقتصر نشاط الياس خوري إضافةً لاشتغاله في الرواية على الكتابة للصحافة وللمسرح حيناً بل اهتم بشؤون تنشيط الثقافة والإبداع بشكل عام، فقد أعاد إحياء مسرح بيروت الذي هُجر خلال الحرب، وجعل منه صرحاً شهد أعمالاً إبداعية عالية الاحتراف، وأخرى تجريبية لجيل من الشباب، وقد أصبح هذا المسرح على مدار سنوات منبراً للتعبير وللكثير من النشاطات ولقاءً مفتوحاً للإبداع، الآن هذا المسرح هُجر على ما يبدو للمرة الثالثة بعد أن حاول المسرحي روجيه عساف إحياءه مرة أخرى، ربما للأسباب نفسها وهي أن المال في مجتمعاتنا لم يتصالح مع الثقافة، لأن الثقافة لا تراكم المال.

إلياس خوري: مسرح بيروت الحقيقة كان سنة 92، وهي مش فكرتي وحدي هي فكرة مجموعة .. أنا وكان معنا يعني هدى سنّو وغسان تويني ونواف سليم وآخرون، الفكرة كانت إنّو بيروت ما فيها ولا مسرح، فصار لازم نرجعه، نجرّب نفتح مسرحاً، ونجرّب نفتح مركزاً ثقافياً لأن مسرح بيروت كان مسرحاً وكان محلاً معرضاً، وكان ديلري وكان ملتقى ثقافياً ينعمل فيه ندوات ونقاشات، وبالآخر كان نشاطاً سياسياً لأنو آخر نشاط عملناه بمسرح بيروت كان..

أحمد الزين: إدوارد سعيد يمكن؟

إلياس خوري: لأ بعد إدوارد سعيد، كان سنة 98 عملنا.. أحيينا الذكرى الخمسين لنكبة فلسطين لمدة ثلاثة شهور.

أحمد الزين: نعم.

إلياس خوري: فكان فيه ضرورة إنو نشتغل لإحياء دور بيروت الثقافي والأدبي والفني والسياسي الديمقراطي بعد نهاية الحرب، والتجربة كانت غنية كتير وممتعة كتير، ثم ووجهت بعقبات كبرى.

أحمد الزين: مالية؟

إلياس خوري: هي العقبة المالية، إنو بالآخر زهقنا وقضينا.. بقينا نقضّي كل الوقت..

أحمد الزين: شحادة.

إلياس خوري: نشحد مصاري، لحتى..

أحمد الزين: ننتج عملاً.

إلياس خوري: نمشّي المسرح، وللأسف ببلادنا يعني.. بفرنسا مثلاً وزارت وزارة الثقافة لأنو المال العام هي ملك المواطنين، نحن بلبنان.. ببلادنا إنو المال العام هو ملك الحكام، بينما هي بالمنطق بالدولة.. منطق الدولة إنّو الحاكم اللي هو رئيس وزارة أو وزير بياخذ معاشه مني، لأنو أنا بدفع الضريبة هو بياخذ معاشه من الضريبة، فالمصريات إلي هو بيشتغل عندي مش أنا بشتغل عنده، فالدولة عندنا مفهوم الدولة مختلف، للأسف بعده من أيام المماليك والعثمانيين هو المفهوم المسيطر، فالمال العام لا يُصرف للعمل الثقافي، وبالتالي ما كان عنا وسيلة نتابع تمويل مسرح بيروت الاّ بالشحادة وبعدين زهقنا من الشحادة ومشان هيك وقّفنا.

أحمد الزين: الصورة غالباً تنجو من الفناء، وحين يستعيد أحدنا صوره لكأنه يُقلّب كتاب عمره من تخوم النهايات نحو بداياته، هي موجز عن التجربة وعن الرحلة وعلامات تشبه العناوين أو اليافطات للمراحل التي مرّ بها المرء، أو تشبه أسماءً بالمحطات التي وقف فيها وتابع مساره، قد تُفتّق الحنين أحياناً، أو تفتح نافذة نحو حادثةٍ أو ذكرى مؤلمة أو مفرحة، أو عابرة، في ألبوم الياس خوري تطالعك الوجوه والصور، وتعيدك إلى هوامش الكاتب وعلاقاته وصداقاته وعائلته وحياته، تعيدك إلى وجوه التجربة ومحطاتها المرتبطة بمدينة اسمها بيروت.

أحمد الزين: حاسس بوطأة الزمن إنت شي؟

إلياس خوري: حاسس بمتعة الزمن يعني أنا من رأي المتنبي..

أحمد الزين: ليش هالشيب اللي..

إلياس خوري: أنا من رأي المتنبي:خُلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكياأنا بفتكر.. أنا بتمتع..

أحمد الزين: بزمانك.

إلياس خوري: بعمري هلأ، طبعاً طبعاً ما حداً ما عنده حنين للشباب أو للطفولة أو إلخ.

أحمد الزين: فكيف اعتزازي بالضحى وأصائلي إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبّا

إلياس خوري: بالظبط، بس مجرّد يعني مجرّد حنين لطيف، مش حنين..

أحمد الزين: فجائعي.

إلياس خوري: فيه مرارة على الإطلاق، بالعكس أنا.. أنا بفتكر إني عشت وقت كان في حرب حاربت، وقت في حب بحبّ، وقت في متعة بعيشها، أنا بحبّ الحياة وبعد.. وأنا بفتكر علاقة الإنسان بالحياة هي مثل علاقته بالمرأة يعني هي علاقة حب متبادل، وقت بتفقد حبك للحياة بتخلص.

أحمد الزين: يعني إيمتى هيك شعرت أكتر شيء بالمرارة غير هزيمة 67 اللي حكيت عنها، ويبدو كتير المثقفين العرب الأصدقاء كان عندهم هذا القدر من المرارة يعني؟

إلياس خوري: لأ كتير يعني مرارة..

أحمد الزين: مثلاً الحرب الأهلية بفصولها المتعددة طبعاً إنت عبّرت عنها كتير..

إلياس خوري: الحرب الأهلية كانت هي إذا بدك وحشية كتير، وتجربة هلأ بس أتذكّرها، أنا وقتها ما كنت أخاف، بالحرب ما كنت أخاف.

أحمد الزين: حاربت أنت؟

إلياس خوري: إيه وما كنت أخاف.

أحمد الزين: كنت عم تدافع عنك بس كنت عم بتحارب؟

إلياس خوري: كنت عم بدافع عن فلسطين وعن فكرة العروبة وعن الفكرة إنّو لازم نعمل بلداً ديمقراطياً علمانياً بلبنان، عن فكرة ضد الطائفية وضد.

أحمد الزين: وما ظبطت.

إلياس خوري: أنا رأيي ما قلتلك الحرب الأهلية ما بيطلع فيها منتصر، كلها أطرافها بينهزموا فكلنا انهزمنا، وربما الهزيمة كمان مدرسة، صحيح مرة وصعبة بس لازم نتعلّم، يعني ما بتتعلم التاريخ إلا لما تفوت بالوحل تبع التاريخ، ويمكن هاي هي كانت المدرسة الكبرى، إن شاء الله نكون تعلمنا منها شي يعني، مش نكون طلعنا منها يعني بلا.. بلا دروس.

أحمد الزين: يمكن بيروت أخذت مساحات كبيرة من تجربة.. من تجربة الياس بالكتابة بالحب، هذه المدينة ليش بتحبها هالقدّ إنت؟ فقط لأنك خُلقت فيها وذاكرتك فيها ونشأت فيها ودافعت عنها وعن..؟

إلياس خوري: لأ ، لا شك إنّو أنا من بيروت وإني بيروتي إلو علاقة بالحب إلو علاقة إني أنا بحب هالمكان بس هذا ما بيكفي. لأنو أنا مثلاً ما بلاقي بيروت حلوة بلاقيها بشعة.

أحمد الزين: بس بتحبها.

إلياس خوري: بحب امرأة بشعة يعني بحب مدينة بشعة، أنا فعلاً رأيي أنّو بيروت بشعة مقارنة بالمدن الحلوة مقارنة بحلب، مقارنة بفاس مقارنة بالقاهرة مقارنة بالشام، مدينة بشعة، بس هاي مدينة كتير.. أولاً فيها حيوية هائلة، ثانياً هاي المدينة العربية الوحيدة اللي استقبلت الشعب الفلسطيني بصعوبة بحرب أهلية، بس هذا المحل الوحيد ياللي الفلسطينيين مطرودين من بلادهن كان إلهن مأوى فيه ومأوى سياسي..

أحمد الزين: وإنساني أيضاً؟

إلياس خوري: ومش بس إنساني مأوى سياسي وبلا تجربة بيروت ما كان فينا نتخيّل ولا بقدر كان أشوف انتفاضة وإمكانية إن شاء الله يصير في دولة فلسطينية مستقلة، ثم بيروت هي المدينة العربية الوحيدة ياللي كل المثقفين العرب قدروا يعتبروها مدينتهم، انسى إنو هاي مديني فيه عناصر متعددة لواحد إنّو يحبها.

أحمد الزين: كم مرة حبيت فيها؟

إلياس خوري: بتعرف العاشق يعني متل ما فيه مثل بيقول: يا اللي بيسكر ما بيعدّ القداح، العدّ بشع وغير لائق، بس.. وهيدي جزء من الفصحنة الذكورية إنو بصير الواحد يقول حبيت كتير..

إلياس خوري: لا هاي دليل عافية إنّو وبرضو..

إلياس خوري: وفصحنة، لا لا الحب الحقيقي فيه خفر، ولأني أنا بحب مظبوط فأنا خفِر..

أحمد الزين: ما بتقرّ.

إلياس خوري: وأنا.. بس أنا بأكّد لك إنّو ما بقدر أكتب..

أحمد الزين: إذا ما كنت عاشق؟

إلياس خوري: إذا ما كنت بحبّ.

أحمد الزين: بيروت أخذت مساحةً شاسعة في تجربة الياس خوري وربما في وجدانه، أحبها على طريقته، كتبها وكتب ألمها وأوجاعها ومآسي المقيمين والعابرين فيها، فيها تكوّنت مداركه وذاكرته، وتبلورت خياراته، وانتماؤه لهذه المدينة هو انتماءٌ للإنسان فيها هو نوعٌ من أنواع العشق ورغبةٌ في أن تبقى مدينةً للحرية.