عبد الكريم الطبال

أحمد الزين: دائماً في الطريق إلى مغرب الروح يهدل في البال زاجل الحمام بين بغداد وقرطبة، أو هكذا يحلو للغة أن تستعيد الحكاية، أن تؤلف نفسها وإن مرَّ زمن على نشيج الكمان، وتعتّق الصوت خلف أبواب مُوصَدة، يُروى أن أهل هذه المدينة ما زالوا يحتفظون بمفاتيح بيوتهم القديمة خلف البحر في غرناطة، لكن السنين تكفلت بالنسيان، دائماً في الطريق إلى هذه المدن ينفض الكلام عنه غبار النوم كمثل طائر استيقظ من هجعته ليبحث عن أنثاه فيفيض المدى كالرغبات، غريبة النوافذ هنا لكأن أهلها يعشقون التأمل في الأصائل نحو الضفة الأخرى، منها يسترجعون أو يتخيّلون صورة القدماء صاعدين الجبل إذ يبدو المكان قصيّاً وعصيّاً ينأى بهم عن بحر الرحيل وشاطئ الوداع الأخير، فلاذوا إلى السفح، وبنوا مدينة على طراز منازل الأجداد كي لا تختلف عليهم الخطوة نحو الصبح أو باب المساء، ودائماً دائماً في هذه المدن العتيقة يعثر الزائر على صديق يقول: رويدك هذا الغريب عليك له لذة في جبينك، حشرجة في نشيدك، تنهيدة في شداقك، أسكن إليه، أخاطبه باسمك أو باسمه ثم أفسح له في مكانك أو مكانه، أحكي له بعض سرك أو سره ثم لا بأس إن طاف بينكما طائر الودّ أن تشربا قدحين معتقين وداهقتين، ولا بأس أن يسقط الرأس منك عليه ومنه عليك، ولا بأس أن تبكيا في الأخير على الطللين، هذا الرجل.. هذا الرجل الذي يحفظ المكان كما السورة الأولى في الكتاب، إن جلست إليه تعرف بعض سرّك وبعض سرّه، فهو انصرف منذ سنين لمسائل التوحد بالأشياء هنا، تسكنه المدينة كما سكناها لهذا السفح من مئات السنين.

أحمد الزين: أستاذ عبد الكريم الطبّال.أ.

عبد الكريم الطبال: نعم.

أحمد الزين: أهلاً فيك في بلدك.أ.

عبد الكريم الطبال: بلدي.

أحمد الزين: شفشاون، ما معنى هذه التسمية؟أ.

عبد الكريم الطبال: اسم شفشاون مركب من كلمتين، شاون وشف، شاون بالأمازيغية قرن الجبل، وشف بمعناها أنظر، يعني أنظر..

أحمد الزين: يعني أنظر..أ.

عبد الكريم الطبال: أنظر إلى الجبل..

أحمد الزين: ‌إلى قمة الجبل.أ.

عبد الكريم الطبال: نعم.

أحمد الزين: وأنت تسكن هذه القمة؟ أ.

عبد الكريم الطبال: أسكن في سفحها.

أحمد الزين: تسكن في سفحها.أ.

عبد الكريم الطبال: نعم.. نعم..

أحمد الزين: يعني ما حكاية هذه المدينة؟ أ.

عبد الكريم الطبال: هذه المدينة تأسست في القرن التاسع الهجري، في القرن الخامس عشر الميلادي، أُسست على يد المجاهد أبي الحسن ميجومعا العلمي، أَسسها لتكون قلعة للجهاد، وكان المغرب في هذا التاريخ يتعرّض للغزو البرتغالي بالدرجة الأولى في القصر الصغير، وفي أصيلة، وفي سبتا، وفي طنجا، فيما بعد تحولت القلعة إلى مدينة الحضارة، ومدينة العلم، ومدينة الفنون، وذلك بعد سقوط غرناطة.

أحمد الزين: ويقولون أن البعض ما زال يحتفظ بمفاتيح البيوت هناك؟ أ.

عبد الكريم الطبال: نعم، بعد سقوط غرناطة توالت الهجرة مرة بعد مرة إلى هذه المدينة، فأسسوا أول ما أسسوا في المدينة حومة سمّوها ريف الأندلس،

أحمد الزين: حومة‍ً..؟أ.

عبد الكريم الطبال: حومةً حي..

أحمد الزين: حي نعم.أ.

عبد الكريم الطبال: سموه ريف الأندلس وفيه قطنوا، وقد حملوا معهم، أي الأندلسيون إلى هذه المدينة حملوا معهم فنونهم..

أحمد الزين: وشعرهم..أ.

عبد الكريم الطبال: وعلومهم ومعارفهم بل وأذواقهم وتقاليدهم، فغرسوها في مدينتنا أو في مدينتهم، فكلنا أندلسيون ومغاربة في نفس الوقت.

أحمد الزين: يعني أنت في انتمائك أندلسي الأصل، أم أندلسي الهوى؟أ.

عبد الكريم الطبال: نعم أنا أندلسي الهوى، ومغربي الروح.[مقتطفات من شعره بصوته]:أنت المكان أم أنــا المكــان أسافر إليك تسافر إلي من غير أن نبرح باب العتبةأو نرفع المنديل وبين الماء وبهاء الماء وبين عشب ونداه وبين صمت الليل وشجاه وبين همس الصبح وصداه سنلتقي في واحد هو المكان

أحمد الزين: قلت لي قبل التصوير أنك تشعر بالانتماء إلى الضفة الأخرى.

عبد الكريم الطبال: نعم.

أحمد الزين: ما سبب هذا الشعور بالانتماء إلى الضفة الأخرى؟أ.

عبد الكريم الطبال: ربما قد يكون سبب هذا الشعور هو أني ربما في أحد أجدادي الأقدمين قد يكون من هناك، هذا تفسير.. سبب، وقد يكون السبب هو تعلّقي الشديد بالأدب الأندلسي وبالحضارة الأندلسية، فأنا من المولَعين جداً بكل ما هو من الأندلس: موسيقى وشعر وتصوّف، كل ما هو من الأندلس يقع في قلبي موقعه الصحيح.

أحمد الزين: ويقيم إلى الأبد.أ.

عبد الكريم الطبال: نعم.

أحمد الزين: ما زال أهل هذه المدينة القادمون يعني عبر أجدادهم إليها محافظين على التقاليد والعادات الأندلسية أو الغرناطية؟أ.

عبد الكريم الطبال: نعم هناك بعض التقاليد لا تزال قائمة إلى حد الآن، وإن كانت ربما معرَّضة للاندثار فيما بعد، فمن التقاليد المعرفية التي لا تزال حاضرة في المدينة تقاليد الموسيقى الأندلسية، فأهالي المدينة مولعون جداً بالموسيقى الأندلسية، ولا يعرفون لماذا هذا الولع بها، ففي كل مهرجان ينظم في المدينة للموسيقى الأندلسية تقبل المدينة يعني بحذافيرها للحضور..

أحمد الزين: وللاحتفال..أ.

عبد الكريم الطبال: والاحتفال بالموسيقى الأندلسية.

أحمد الزين: يعني بين هلالين بعض الجيرة حدك هون في المكان يقيمون العرس ونسمع من بعيد الموسيقى الأندلسية.أ.

عبد الكريم الطبال: حاضرة نعم..

أحمد الزين: طيب هل تسمع ذلك؟أ.

عبد الكريم الطبال: نعم.. صحيح نعم..

أحمد الزين: طيب أستاذ عبد الكريم أنت ولدت ونشأت هنا وعلى ما يبدو نادراً ما تغادر هذا المكان، يعني فينا نعتبر إنو هو هذا الفضاء الأول والأخير بالنسبة للشاعر الذي فيك؟أ.

عبد الكريم الطبال: نعم الفضاء الذي نشأت فيه وعشت فيه وتعلَّقت به هو هذه المدينة بالذات، إلى درجة أنني أحسّ أحياناً أن هذه العلاقة عميقة إلى حدّ كبير، إلى حد أعتبر نفسي كغصن في شجرتها، أو حصىً في جداولها، أو نسمة هواء في بساتينها، جزء منها لا ينفصم منها، وحتى إذا سافرت قريباً أو بعيداً فإنني أحملها دائماً بين جوانحي، وأتمنى أن تكون هي بدورها تحملني بين جوانحها.

أحمد الزين: يعني المدينة أيضاً هي تسكنك بمقدار ما أنت..أ.

عبد الكريم الطبال: نعم صحيح.

أحمد الزين: تسكن فيها، يعني علمنا أنك من المشّائين، تحب التجوال في أنحاء شفشاون، عندما تكون في تلك الرحلات اليومية يعني تبحث عن مَن؟ عن ماذا؟أ.

عبد الكريم الطبال: حينما أمشي في ضواحي المدينة في كل مساء أحسبني دائماً أنني لأول مرة أمر في تلك الشوارع، وفي تلك الدروب.

أحمد الزين: يعني في كل مرة تكتشف جديداً فيها؟أ.

عبد الكريم الطبال: أحسبها جديدة، والدهشة دائماً معي، والأشياء دائماً تدهشني، وكأنها ليست هي التي كانت وكأنني لست أنا الذي كان، ولذلك دائماً علاقتي معها تتجدّد باستمرار، وأحسبني أحياناً أنني وأنا ألتقي بهذه الشجرة أو بذلك الجدار أحسبني أحياناً أنني أودّعها، وأخشى أن يكون فعلاً وداعاً لي معها، لأنني قد لا أعود إليها، قد لا ألتقي بها، قد لا أراها، وقد لا تراني مرة أخرى بعد ذلك.[مقتطفات من شعره]يا ساقياً لا تسقني فأنا عللت وما شفيت وسمرت حتى آخر الليل الأخير وما سلوتوأنت مثلي متعبٌ ومكابدٌلم يروه كأسٌولم يفتر له شوقٌ ولم تطوِ السحاب لهالطريقْإلى مدينتنا البعيدة في نهايات الرمالأو الفصولْبيني وبينكزفرة في زفرة وحشاشة رَقَّت ورَقَّتثم ذابت في الأنينبيني وبينك اسم ليلى أو نشيد البحرأو جرح القرنفلفلنرتل وِردهافي كل عصرٍ علَّ من يدري يَدُلّ على المسالك أو يؤسّي في المواجع هل سنبقى نسأل النُّصُبَ القديمة والجديدةعن مدينتنا وعن ليلى فلا نلقى سوى الأصداء والأطلال.

أحمد الزين: هناك أناس يحرّض حضورهم الخيال، كذلك هناك أمكنة تفوق الخيال، فكيف إذا حدث التوحّد يبن متصوّف من طراز هذا العاشق المتوحّد ومدينته التاريخية عالية الجمال، كما القصائد في ليل طرب أندلسي، عبد الكريم الطبّال سيرته سيرة مدينة، بفصول تشبه البيوت، والأزقّة التي لم يتعب من التجوال فيها، ولم يرتوِ من ماء عشقها.

أحمد الزين: طيب أستاذ عبد الكريم الطبّال طالما عم نحكي عن تلك العلاقة الحميمة اللّي هي كأنها عضوية في المكان، لنعد إلى البدايات الأولى، يعني إلى الطفولة، إلى النشأة، إلى الأهل، يعني ماذا عن البيئة؟ ماذا عن الوالد؟ ماذا عن الأم؟

عبد الكريم الطبال: نشأت في بيت فقير، فكان أبي نسّاجاً - رحمه الله -، وكانت أمي تساعده في الغزل داخل البيت، فكانا معاً يتعاونان على تدبير أمور البيت، أبي في المنسج، ووالدتي في.. مع المغزل في البيت. وكنت أنا بينهما مدللاً وعزيزاً، أذهب إلى الكتّاب، وأعود إليه لأجد دائماً الحضن الدافئ عند الأم، والكلمة الرقيقة عند الأب، وهكذا عشت طفولة عذبة، طفولة جميلة، طفولة مدهشة، كم أحلم أن تعود ولكن..

أحمد الزين: لن تعود.أ.

عبد الكريم الطبال: ولكن لن تعود.

أحمد الزين: ولكن يعني يبدو ما زال الطفل موجوداً في..أ.

عبد الكريم الطبال: الطفل ذلك لا يزال ساكناً فيّ.. لا يزال معي، بل ربما هو الذي يتكلم بالنيابة عني، هو الذي يفعل بالنيابة عني، هو الذي يقول القصيدة عوضاً عني.

أحمد الزين: وهل ما زال يشاغب؟أ.

عبد الكريم الطبال: نعم؟

أحمد الزين: هل ما زال يشاغب كما كان يشاغب في الأمس؟أ.

عبد الكريم الطبال: لا هو مشاغب فعلاً، مشاغب لأنه أحياناً أريده أن يقرأ لي، فلا يقرأ لي.

أحمد الزين: نعم، وهل يعني يشاغب سياسياً؟أ.

عبد الكريم الطبال: هذا هو الخطر فيه، هو دائماً مشاغب سياسياً، دائماً كان ضد الشرطة، شرطة الكتّاب، وشرطة كل شيء، دائماً كان يريد أن يكون كذلك الطائر الذي رآه لأول مرة في البستان يطير حيث شاء، دائماً يريد أن يكون كذلك وإلى حدّ الآن.

أحمد الزين: حراً ومتمرّداً؟ أ.

عبد الكريم الطبال: نعم.

أحمد الزين: طيب كان والده نسّاجاً، يعني يحيك من الخيوط السجاد وما خلاف ذلك..أ.

عبد الكريم الطبال: لأ الجلابيب..

أحمد الزين: والجلابيب أيضاً؟ أ.

عبد الكريم الطبال: نعم.

أحمد الزين: يعني أنت لم تتعلم تلك المهنة منه؟أ.

عبد الكريم الطبال: لأ، لم أتعلم لأنني كنت في طفولتي مع كتّابي أولاً، ومع الطبيعة ثانياً.

أحمد الزين: ولكن من علّمك الغزل الآخر؟ غزل الشعر؟أ.

عبد الكريم الطبال: ربما من أمي التي كانت تغزل قربي دائماً في البيت، ثم هي التي علمتني كيف أربط بين الحروف وبين الكلمات.

أحمد الزين: كانت متعلمة؟أ.

عبد الكريم الطبال: لا غير متعلمة، كانت مجرّد تعرف الغزل بالمغزَلِ.. بالمِغزَلْ، أنا تعلمت منها كيف تغزل الصوف بآلة الغزل، هي تغزل الصوف، وأنا بعدُ كنت أغزل الكلمات والحروف، كنت أرى يدها كيف تشتغل..

أحمد الزين: تحيك..أ.

عبد الكريم الطبال: إيه.. وأرى عينيها كيف تتابع الغزل، وأرى كيف تلفّ الخيوط مع بعضها بعضاً في كوَمٍ.. فتعلمت فيما بعد ذلك كيف أجمع الحروف والكلمات في كوَمٍ أو في قصائد فيما بعد.

أحمد الزين: وهل يعني كتبت وفاءً لهما بعض القصائد؟أ.

عبد الكريم الطبال: أعتقد أن كل ما كتبته لهما، فهما حاضران في كل ما كتبت.[مقتطفات من شعره]لو أن مرآة أرى فيها هَيولى الياسمينونطفة الإيقاعما كنت المجدِّف في نشيد البحر في ذهب السماءوما اندلقت على حواف النهر أغرق فيه وجهي كي أراني أو أرى المرآة

حزني جاء من عهد الطفولة إلى الآن، فما شهدته وما سمعته وما رأيته من ذلك التاريخ إلى الآن كان فقط فواجع تلو فواجع، إحباطات تلو إحباطات

أحمد الزين: نلاحظ في بعض القصائد التي تكتب نوعاً من النزعة الصوفية، يعني من أين جاءت هذه النزعة؟أ.

عبد الكريم الطبال: هذه النزعة التي يقال لي إنها في شعري ربما ترجع إلى مجموعة من المكوّنات والحوافز: أولاً: نشأتي كانت في بيت محافظ متديّن، أمي - رحمها الله- كانت تحافظ على الصلوات الخمس، وأثناء الغزل كانت دائماً تردد أناشيد الذكر والتسبيح، ربما من هذا كان له أثر ما، ثم الكتّاب نفسه، الكتّاب دائماً ترتيل لآيات الله، ثم المناخ في المدينة فأنت في وقت الساعة الثانية عشرة والنصف سوف يصلك الأذان من كل جوانب المدينة، ففي كل حي زاوية وجامع، فالأذان خمس مرات في المدينة، ومن كل جهة فيها لا بد أن يترك أثراً في النفس..

أحمد الزين: معيناً نعم..أ.

عبد الكريم الطبال: في النفس، ثم فيما بعد ربما..

أحمد الزين: قراءات..أ.

عبد الكريم الطبال: وأنا تلميذ كنت أحضر في زاوية لـ (دليل الخيرات) للإمام الجزولي، كنت أذهب معه إلى الحفلات، وإلى الحضور..

أحمد الزين: كنت من مريديه يعني إلى حدّ ما..أ.

عبد الكريم الطبال: كنت شبه من مريديه، كنت أحفظ تقريباً كتاب دليل الخيرات، أما لما كبرت وبالأخص في السنين الأخيرة كنت دائماً أميل جداً إلى كتب التصوّف، وهذه الكتب ربما علمتني ما علمتني، علمتني أن كل ما في هذا الكون رماد في رماد، وأن الحقيقة الوحيدة هي ما بعد هذا الجُرُف الذي نحن واقفون عليه.

أحمد الزين: طيب أيضاً في القصيدة عند الأستاذ عبد الكريم الطبّال مساحات من الحزن، من أين جاء هذا الحزن؟أ.

عبد الكريم الطبال: هذا الحزن جاء من عهد الطفولة إلى الآن، فما شهدته وما سمعته وما رأيته من ذلك التاريخ إلى الآن كان فقط فواجع تلو فواجع، إحباطات تلو إحباطات، فأنا في طفولتي سمعت عن ما جرى في إسبانيا القريبة مني، الحرب الأهلية المعروفة، ثم سمعت عن الحرب العالمية الثانية، ثم سمعت عن..

أحمد الزين: وعشت الحرب العالمية الثانية؟أ.

عبد الكريم الطبال: الثانية وحرب الـ 1948م في فلسطين، والسلسلة الطويلة والتي لا تزال قائمة إلى الآن في فلسطين وفي العراق، من أين يأتي شيء آخر غير الحزن إلي أو إليك؟

أحمد الزين: يعني أستاذ عبد الكريم فينا نقول إنو شأنك شأن بعض أو معظم المثقفين العرب يعني تشعر بنوع من الإحباط المرير ولذلك انكفأت إلى ذاتك، للبحث عن ماذا؟

عبد الكريم الطبال: أولاً من أجل أن أعرف من خلال شعري مَن أنا؟ ومَن أكون؟ وما هو نَسبي في هذه الحياة؟ أنا الآن أقول: إنني عربي. ولكنني حينما أفتح التلفاز مثلاً لا أسمع شيئاً عما له علاقة بعروبتي، كل الذين يتكلمون في التلفاز كانوا مسؤولين أو غير مسؤولين يلهجون بلغة غير بلدي، حينما أدخل إلى إدارة ما من الإدارات الرسمية في بلادي، أول من يتكلم معي يتكلم معي بغير لغة بلدي، أسأل أين أنا الآن؟ هل أنا في بلدي أم في بلد آخر؟ أسمع وأشاهد ما يجري في بلدي العراق من تقتيل وعدوان، وأرى نفس ذلك وأكثر منه في فلسطين، وأسأل: لماذا بلدي لا يتكلم؟ لماذا بلدي لا يسأل عن أولئك؟ لا يسهم في إسعاف أولئك كأنهم ليسوا من عروبتي، أنا أسأل في شعري مَن؟ مَن أنا؟ ومن هو بلدي؟ وسؤالي أوجّهه إلى ذاتي وإلى كل الأشياء الصغيرة في بلدي، من حجر ومطر وحصىً وشجر، ولربما ما هي الأشياء التي تصغي إلي في هذا الزمن الرمادي.