الحبيب السالمي

أحمد الزين: هذا المشّاء موزع بين مطرحين، بين ذاكرتين، هنا وهناك كما يقول عن نفسه، هنا في باريس منذ حوالي ربع قرن، وهناك في العلا حيث ولد قرية من قرى القيروان في تونس، هو مغرم بالذهاب والإياب ولو في الخيال، هي الحياة على هذا النحو مجيء ورحيل. اختار هذا الفضاء الباريسي للعيش والكتابة. ففي هذه المدينة تختبر الذات وتكتشف ملامح جديدة لحضورك وتعرف معنى آخر لفرديتك وتكتشف الآخر أيضاً. باريس مختبر لامتحان الذات، لعلاقتها بالآخر، بالجماعة، بالذاكرة، بالحاضر، على كل حال هي ليست بحاجة لوصف أو مديح، هي مدينة تحتاجها لأنها تمنحك هذا الشعور بحضورك إنساناً ترى إلى ذاتك في مرآة الآخرين، وما أن تأتيها حتى تسلّمك لنفسك في فضائها الفسيح فتتدرب على الاكتشاف والاختلاف والإصغاء والتعدد.

أحمد الزين: طبعاً أنت مقيم في باريس منذ سنوات. شو السؤال اللي بتطرحه على نفسك الآن كمثقف كاتب وروائي أمام المشهد العربي العام اللي نعيشه حالياً أو نشاهده وعم نعيش تفاصيله؟ ما هو السؤال الأكثر إلحاحاً اللي بتحسّه واللي بتفتكر فيه بين حين وآخر؟

الحبيب السالمي: والله السؤال الذي أطرحه دائماً يتعلق بالديمقراطية. بصدق يعني. يعني متى سنتبنى النهج الديمقراطي؟ لأني شخصياً لا أعتقد أن الديمقراطية هي الحل لكل شيء، ولكن الديمقراطية هي بداية كل الحلول. يعني لا نستطيع أن نبني شيئاً برأيي بدون الديمقراطية. قد نمر بمرحلة صعبة بعد إرساء الديمقراطي، قد نواجه مشكلات وهذا شيء طبيعي، لكن برأيي لا بد أن نمر عبر هذا الطريق، كل الناس مروا من هنا..

أحمد الزين: الطريق الوحيد للخلاص يمكن.

الحبيب السالمي: أعتقد، أعتقد، لا يجوز في بدايات الألف الثالث يعني أن تكون المنطقة العربية برمتها تقريباً خارج هذا السؤال الكبير اللي هو سؤال الديمقراطية.

أحمد الزين: حبيب السالمي التقيته هنا ليصطحبني إلى كتابه، إلى نصوصه، إلى زيتونته الدهرية، وإلى قريته ذهاباً وإياباً، إلى أسرار عبد الله واحدة من رواياته، إلى عشاق بيا، وروائح ماري كلير، إلى أحوال المهاجرين في ضواحي باريس، وإلى أحواله كاتباً وروائياً وإنساناً. طيب دائماً أوروبا تشهد هيك نوعاً من خلينا نسميها نوعاً من الاحتجاجات اللي تؤدي أحياناً وتوصل أحياناً للشغب الاحتجاج العنيف مثلما شهدت باريس في فترة، ويبدو وراء هذا الاحتجاج معظم الناس أو الغالبية هم من أصول عربية ومغربية وتونسية يعني من عالمنا، بتقديرك شو السر أن هودي هؤلاء هم بالواجهة دائماً حتى يقوموا بهذه الأعمال، أعمال الشغب أو الاحتجاج؟

الحبيب السالمي: هناك سبب بسيط وهو أنهم غير راضين عن حياتهم.

أحمد الزين: في المجتمعات اللي اختاروها.

الحبيب السالمي: في المجتمعات التي اختاروها أو لم يختاروها لأن هناك شريحة أو يعني الجيل الثالث لم يختر أن يكون فرنسياً يعني، هو ولد هناك، هو ولد هناك، الآباء والأجداد ربما اختاروا، أما هم هؤلاء قد وجدوا هنا فجأة، هم فرنسيون، في المدرسة فرنسيون، في الشارع فرنسيون، ولكن يكتشفون أحياناً أنهم فرنسيون يعني مختلفون عن الآخرين، وهذا يعني حقيقة يولد العديد من الأسئلة ويولد الكثير من الألم أيضاً، عندما تشعر أنك مواطن من الدرجة الثانية، فمن الطبيعي جداً أن تحتج عندما تشعر أن كرامتك أو الكرامة لا أتحدث عنها بالمعنى الأخلاقي إنما في الشغل وحقك في العمل وحقك في الحياة، هذا الحق مصادر، فمن الطبيعي جداً أن تحتج، أي كائن بشري يحتج، لكن هم يحتجون بهذه الطريقة العنيفة لظروف ربما يعني لأن حياتهم صعبة وقاسية.

أحمد الزين: صحيح، طيب بتقديرك يعني أيضاً هم ما بيتحمّلوا جزءاً من المسؤولية؟

الحبيب السالمي: يتحملون جزءاً من المسؤولية.

أحمد الزين: إنه فيه البعض جاء من بلدان أخرى ربما بحثاً عن الحرية، ربما بحثاً عن الأمان الاجتماعي، ربما بحثاً عن حرية التعبير، وقطعوا أميالاً وفي ناس غرقوا بالبحار ربما لأنهم جاؤوا كمان تهريب واستغلوا هذه المساحات من الحرية والفضاءات بطريقة كمان شوي عشوائية أحياناً، بتقديرك ما بيتحملوا كمان هم مسؤولية؟ جاؤوا وصندوق التخلف على ظهرهم بدهم يفرضوا شروطهم على مجتمع..؟

الحبيب السالمي: يتحملون طبعاً أنا أتفق معك تماماً. أنا أعتقد أن هؤلاء العرب يجب أن يندمجوا، ماذا أقصد بذلك يجب أن يتبنوا قيم الجمهورية الفرنسية، نحن نعيش في فرنسا، يعني هذا وطننا الثاني، هم وطنهم الأول. من الطبيعي جداً أن يحترموا قوانين البلد وخاصة أن يتبنوا قيم هذا البلد، وعلى فكرة هناك جزء كبير منهم قد تبنى هذه القيم واندمج وقد حقق نجاحات كبيرة جداً في كل المجالات، ولكن للأسف وسائل الإعلام اليمينية أحياناً تركز على الإخفاق أكثر مما تركز على النجاح، ولكن الصحيح هناك فئة لم تقم بما يجب أن تقوم به لكي تندمج حقاً في هذا المجتمع، لأنه هي فرصة كما ذكرت نحن نعيش في بلد متقدم، بلد تحكمه قوانين، أي شخص يستطيع إذا اشتغل وتبنى مجموعة معينة من القيم أن يذهب بعيداً، هذا أنا متأكد من ذلك، ولكن يجب أيضاً المشكلة هي أيضاً مع هؤلاء الناس هو أنهم يعيشون نوعاً من الارتباك على مستوى الهوية، لأن الغرب أيضاً لكي تندمج فيه بشكل طبيعي وسوي يجب أن تكون مثقفاً إلى حدّ ما، هم يأتون أغلبهم من الأرياف، من ثقافات مختلفة، ومن أوساط شعبية نسبياً يعني غير مثقفة وفقيرة إضافة إلى ذلك، فيفاجؤون بهذا الغرب المتطور والذي يرفضهم أحياناً، فبالتالي يتقوقعون حول أنفسهم..

أحمد الزين: بيصير عندهم ردة فعل.

الحبيب السالمي: وتصير ردة فعلهم أحياناً عنيفة، لأن الاندماج أيضاً في الغرب يجب أن لا نتحدث كمثقفين فقط ليس سهلاً يحتاج إلى مجهود وهذا المجهود..

أحمد الزين: مسار طويل.

الحبيب السالمي: بالضبط، وهم ليسوا قادرين على القيام بهذا المجهود الحقيقة.

أحمد الزين: تلمّح بأحد رواياتك، يمكن بروائح ماري كلير عبر هالعلاقة بين شاب من أصول تونسية وسيدة.. وفتاة أو امرأة فرنسية، طبعاً يعني بلشت العلاقة علاقة صاخبة علاقة حب وقدّم التونسي الكثير من التنازلات بسلوكه حتى بثقافته حتى بحياته في بيته، بالمقابل منشوفها هي ما قدمت أي تنازل، بقيت هي فرنسية بسلوكها، طبعاً وتنتهي العلاقة بالخسران مثل كل العلاقات، يعني إذا بدنا نقرأ شي خلف السطور عادة الرواية ما بيقروا كتير خلف سطورها ولكن البعد الآخر بالرواية، بدك تقول إنه هاللقاء لقاء الحضارتين هذا الحوار ما نجح بين اثنين؟

الحبيب السالمي: لأ نجح بطريقة ما، لماذا نجح بطريقة ما؟ لأن علاقة الحب قد استمرت فترة زمنية معينة، وأنت تعرف وقد ذكرت هذا هي ليست علاقة زواج هناك فرق كبير إنما هي علاقة حب، والحب دائماً يعني يأتي كالريح ويذهب كالريح، يعني لا يدوم طويلاً، إذاً بمعنى ما هذه العلاقة قد نجحت. فيما يخص التنازلات أود أن أعود لهذه النقطة، هو قدم تنازلات لأنه يحبها، يجب أن نقرأ هذه الرواية دائماً في أفق علاقة الحب، حينما نحب شخصاً نقدم له كل ما يطلب.

أحمد الزين: لأ أنا مع التنازلات من أجل الحب.

الحبيب السالمي: هي أيضاً قدمت تنازلات لو لاحظنا. لكن صحيح في النهاية تظل هي بنت البلد، هو في النهاية دخيل. يعني وافد. وهي في النهاية إذا أردنا أن نتحدث عن تكافؤ فهي أكثر قوة منه، شي طبيعي، هي تعيش في محيطها الطبيعي، تعيش في ثقافتها. إذاً هي تتحرك بحرية أكثر. فمن الطبيعي هو أن يبذل مجهوداً أكبر. أما بخصوص هل القول أن استحالة الحوار بين الثقافات، أنا لا أقول أن الحوار بين الثقافات مستحيل لكنه صعب، وصعوبته لا يعني أن هذا شيئاً سيئاً، لا بالعكس، لكن الصعوبة هي من الحياة، الحياة صعبة أيضاً.

أحمد الزين: طيب الحبيب بتقول عن نفسك إنك أنت شخص مهووس بالواقع، يعني تروي وتكتب عن الحياة اليومية، عن.. ترصد تفاصيل، بتقديرك أديش بتسمح للخيال يخصّب هذا الواقع؟

الحبيب السالمي: كلمة واقع هي من أصعب الكلمات تفسيراً على فكرة، لأنه ما هو الواقع؟ ماذا نقصد بالواقع؟ الواقع الذي أعنيه أنا ليس هو هذا الواقع الموضوعي الملموس الذي يحيط بنا، هذا الواقع الشيئي، وإنما هو يتجاوز ذلك. لماذا؟ لأن هذا.. حتى لو افترضنا أن الواقع هو هذا الشيء الملموس الذي يحيط بنا، نحن لا نتمثله إلا من داخل ذواتنا، من خلال ذواتنا، إذاً حقيقة لا وجود لواقع خارج ذاتنا، في النهاية أين يبدأ الواقع وأين تنتهي الذات، كل ما نسميه واقع هو في الحقيقة تصور ذاتي لهذا الواقع.

أحمد الزين: يعني الشق الآخر من السؤال أديش أنت بتسمح لخيالك يشطح بعيداً في هيك متابعة الشخصية وفي تأليفها وفي إعادة تشكيلها؟ طبعاً الشخصيات أتت أيضاً من هذا الواقع.

الحبيب السالمي: هذه مشكلة كبيرة في الكتابة، ويقولها الفرنسيون بجملة جميلة جداً: مونتير فريه، الكتابة هي كذب، نحن نكذب في الحقيقة، ولكن يجب أن تكذب وأنت صادق، يعني هما كلمتان متناقضتان، وهنا صعوبة الكتابة، فيما يخص بناء الشخصيات أنا دائماً ليست لدي شخصية مبدئية في البداية لديها ملامح كاملة، يعني الشخصية تبدأ كفكرة في البداية ولكن تتجسد شيئاً فشيئاً كلما تقدمت في الرواية اكتسبت هذه الشخصية ملامح جديدة، وأحياناً لا أعرف ما هي هذه الملامح، يعني الكتابة هي التقدم يعني مثل الأعمى الذي يذهب يشعر أنه يجب أن يذهب في هذا الاتجاه ولكن ما يدري بالضبط لكن عندما يحيد عن طريقه يشعر أنه قد حاد.

أحمد الزين: حلوة هيدي المقاربة.

الحبيب السالمي: على الأقل هذا فهمي للكتابة، لا أخضع نفسي إطلاقاً لأي تصميم أو مخطط. وأعتقد إنه هون روعة الكتابة، لأنه عندما نخضع الكتابة لتخطيط مسبق فتصبح كما لو أنها إنشاء مدرسية، ثم أننا نحرم أنفسنا مما نسميه اللّقى، أجمل شيء في الكتابة هو اللّقى، يعني إنك أحياناً تجد أشياء وتعثر على أشياء تقول لم أفكر في هذا يا إلهي كم هو جميل!

أحمد الزين: يعني بتعم لك وتر على المستوى الشخصي قبل.

أحمد الزين: صريح وبسيط، سهل وغير معقد نص الحبيب السالمي، لا أحداث كبرى، شخصيات من صميم الحياة والواقع، وأمكنة ذات مساحة محددة واضحة وحميمة ولغة شفافة وبسيطة. قصص حب صاخبة تنتهي إلى الفراق، كما في روائح ماري كلير بين شاب تونسي مهاجر وفتاة فرنسية، حكايات عن المهاجرين في أحياء باريس الفقيرة، وسيرة عن مسنين في العلا تحت زيتونة دهرية يتذكرون ويفصحون عن مشاعرهم في غروب أيامهم يفصحون عن شهوات كانت وبهتت في أجسادهم النحيلة. الحبيب السالمي هو أيضاً هكذا واضح متصالح مع زمانه غير متطلب يعرف ما يريد وأهدافه ليست مستحيلة، وسعيه ذهاباً وإياباً بينه وبينه بين مكانين وحضارتين وثقافتين وذاكرتين يتجول الحبيب السالمي ويأتي في كل مرة بنص مليء باللقى والأحلام الصغيرة.

أحمد الزين: برواياتك ما في هالأحداث الكبيرة اللي منشوفها بأعمال أخرى، يعني أنت مش كاتب رواية الحدث، أنت ربما - إذا بسمح لنفسي قول - كاتب رواية التفاصيل.

الحبيب السالمي: أنا لا أميل إلى أحداث كثيرة لأني أعتقد الرواية ليست كيس من الأحداث، الرواية ليست حكاية. كثير من الناس يتصورون أن الرواية هي حدوثة، صحيح الحدوتة هي مهمة لأنه لا رواية خارج الحدوثة بدون الحدوثة لا يمكن أن نبني رواية. لكن هذه الحدوثة يعني أضغط عليها كثيراً، أكتفي بجزء منها أي بما يكفيني لكي أشتغل على ما أسميه أنا الرواية، أو ما هو أساسي في الرواية، يعني أنا أعتقد أن الحدث في حد ذاته ليس مهماً بقدر ما هو مهم ما أستطيع أن أولده من هذا الحدث من أحاسيس ومن انطباعات ومن رؤى لأن الرواية في الحقيقة كما قلت ليست مجموعة أحداث متصلة ببعضها البعض، كثير ناس يتصورون أن الرواية هي حكاية، لأ مش صحيح، الرواية أعمق بكثير، الرواية فيها فكر وفيها تأمل، والدليل على ما أقول أنه عندما تقرأ رواية مثلاً "أوروبا الشرقية" اقرأ كونديرا، تقرأ مثلاً خفة الكائن الذي لا يحتمل، سترى أن هناك أحداث في فترة ما يتوقف السرد يعني يتوقف ويصير مثلاً ياخذ كلمة مثل كلمة "كيتش" مثلاً اللي هي تعني الشيء القديم، ويصير يحلل هذه الكلمة تاريخها وماذا تعني، ومتى ظهرت هذه الكلمة وما هي علاقتها بالكلمات الأخرى، يعني هناك فكر كونديرا يقوم بالبحث، يعني الرواية متصلة أيضاً بالبحث، هذا التقليد موجود في أوروبا الشرقية، موجود حتى عند تولستوي في روايته الحرب والسلم في نهاية الرواية بيار إذا لم تخني الذاكرة قبل أن يموت عندما يكون ملقى على ظهره ويتأمل النجوم يصير يعطي نظريات في التاريخ معنى التاريخ ومعنى الإنسان، فالرواية يعني لا بد برأيي أن تظل محافظة على هذا الجانب الفكري، لأن الرواية هي أيضاً أداة معرفة.

أحمد الزين: يقول جابر عصفور أن الآن هو زمن الرواية، طبعاً هو زمن قصير نسبياً إذا بدنا نقيس بنتاج الرواية في الغرب وفي العالم مش هالقد طويل، السؤال هو: لماذا جاءت الرواية متأخرة إلى هذا الحد؟

الحبيب السالمي: أعتقد هذا له علاقة بالفكر، كنت تتحدث عن الفكر، لأنه لم يكن لدينا فكر حديث، الرواية هي بنت الحداثة في الحقيقة، يعني انظر المجتمع الغربي، القرن التاسع عشر اللي أينعت فيه الرواية يعني في الغرب وفي روسيا وكذا، يعني هو قرن الحداثة، يعني ماذا أقصد بقرن الحداثة، قرن البرجوازية التي أرست قيماً جديدة حيث صار للفرد مكانة مهمة جداً في المجتمع، صارت الذات ذاتاً فردية لم تعد ذاتاً جماعية، والرواية هي بالأساس فن الذات الفردية، في العالم العربي لا يمكن أن نكتب رواية في مجتمع لا تزال فيه الذات جماعية، والرواية العربية ستتطور أكثر لأن المجتمع العربي تطور أكثر، ثم وعي الفرد بذاته مهم جداً، وهذا قد حدث في المجتمع العربي في السنوات الأخيرة، طبعاً لا يزال متخلفاً عما نراه في الغرب لكن هناك تطور كبير وهذا هو الذي برأيي أنشأ الرواية.

أحمد الزين: طيب بتقديرك الشعر.. الشعر أصلاً هو كمان تجلي من تجليات الإحساس بالفردية أو التعبير عن الذات كمان؟

الحبيب السالمي: أيضاً. أنا في الحقيقة لا أميل كثيراً إلى هذه النظريات أن هذا العصر عصر الرواية، هذا العصر هو عصر الشعر، يعني هو عصر الرواية وعصر الشعر، وعلى فكرة، الذين يقولون هذا العصر عصر الرواية هم بتقديري أو كما أفهمهم ولا أتحدث هنا عن الدكتور عصفور لأني لم أقرأ كتابه، لكن عما يشاع يعني، هذا الرأي شائع جداً، عندما يقولون الآن هو عصر الرواية لأنهم كانوا يتصورون أنه قبل.. العصور العربية هي عصر الشعر، وهذا خطأ برأيي، وقد أفاجئك هنا بأنه أيضاً العصور العربية القديمة يعني هي عصور نثر، ونثر هائل.

أحمد الزين: مليئة بالنثر.

الحبيب السالمي: وبالتالي كلمة أن الأمة.. العرب هم أمة شعر هذا الكلام لا معنى له إطلاقاً.. والجاحظ..

أحمد الزين: والمقامات..

الحبيب السالمي: والتوحيدي وابن المقفع يعني هؤلاء ناثرون كبار، ناثرون كبار، بالتالي العرب لم يكونوا شعراء فقط وإنما أيضاً كانوا ناثرين كبار.

أحمد الزين: يعني هذه المرحلة اللي كتب فيها النثر الكبير كانت يمكن مرحلة فيها يمكن الذاتي..

الحبيب السالمي: فيها عقل.

أحمد الزين: فيها عقل. يعني منرجع لجوابك يعني..

الحبيب السالمي: فيها عقل وفكر..

أحمد الزين: كان في نوع من الفردية آنذاك، كان في نوع من التعددية وتعددية الآراء على الأقل..

الحبيب السالمي: بالضبط، وكان فيه أجناس كثيرة كانت الحضارة العربية الإسلامية قد بدأت يعني تتشكل وبدأت تعطي حتى ثمارها ظهر الفكر وظهرت الفلسفة وظهرت العلوم فهذا يماشي النثر.

أحمد الزين: أعود مؤقتاً إلى فوضاي القديمة، وأستسلم للكسل والخمول والتراخي، منذ وقت طويل لم تتح لي إمكانية أن أعيش وحيداً في البيت لأفعل ما أشاء ومتى أشاء بدون أن أشعر أن هناك من يراقبني. تمضي أيام الأسبوع الأولى بطيئة وهادئة، أقضي أغلب الوقت الذي لا أشتغل فيه في البيت، مزاجي رائق، ولا شيء يشوّش الذهن ويشغل البال، لا غضب، ولا توتر، لا كلام ولا نقاش ولا خصام، لا شيء سوى الصمت والهدوء، حتى فعل التذكر الذي أنخرط فيه أحياناً في مثل هذه الحالات لا أستسلم له خوفاً من أن يجرني إلى أحاسيس وأفكار قد تفسد علي خلوتي.

أحمد الزين: تقول أنت أيضاً أن الكتابة بشكل عام هي مغامرة وفعل حرية يعني هذه المغامرة اللي عم تقول فيها حضرتك شو كشفت أمامك ماذا رأيت؟ ماذا شاهدت؟ وأين أصبحت؟

الحبيب السالمي: شاهدت نفسي..

أحمد الزين: تعرفت على حالك أكثر؟

الحبيب السالمي: آه. أنا أعتقد أن الكتابة إن كانت لها غاية أساسية فهي أن يكتشف الكاتب ذاته، وباكتشافه ذاته، يكتشف الآخر، لأنه لا يمكن أن يكون وعينا بالآخر..

أحمد الزين: خارج وعينا..

الحبيب السالمي: خارج وعينا بالذات. اكتشفت نفسي والذات البشرية مملكة كاملة، صرت أيضاً أكثر ربما معرفة بما حولي، الكتابة هي أداة معرفة برأيي، يعني ليس النص الفلسفي فقط هو أداة معرفة، الكتابة أيضاً، القصيدة، طبعاً، لأنك عندما هي تساعدك على أن تغوص في أعماق نفسك، وبغوصك في أعماق نفسك يعني تصير على اتصال بشكل ما بالآخرين.

أحمد الزين: جميل، جميل، طيب بتقديرك أنت طبعاً اخترت باريس مكاناً مثل ما بتقول هي مكان للعيش وللكتابة، أصبحت وطناً ثانياً بالنسبة لك، لو لم تختر هذه المدينة كنت قدرت اكتشفت نفسك بالمقدار الذي اكتشفته فيه عبر هذه النصوص اللي قرأناها؟

الحبيب السالمي: لا أدري. ربما كتبت نصوصاً مختلفة، وبالتأكيد ليس ربما. لأن حياتي.. لأن الإنسان يكتب من حياته، وحياتي لو بقيت في تونس مثلاً أو عشت في مكان آخر لكانت تغيّرت حياتي التي أعيشها الآن، ولأن حياتي ستكون مختلفة من الطبيعي أو من المحتمل جداً أن تكون نصوصي مختلفة.

أحمد الزين: نعم. وربما يعني ربما أيضاً شعورك بانخفاض منسوب الحرية كمان يملي عليك أسئلة أخرى يمكن؟ أو يلجم النص عندك ما بيخلّيه ينفتح على احتمالاته؟

الحبيب السالمي: صحيح، نقطة مهمة جداً. يعني أنا صرت أعيش في يعني في الحرية، أعيش في بلد ديمقراطي لدرجة أني نسيت هذه النعمة، ولكن هي في الحقيقة.. صحيح يعني، والواحد أحياناً عندما يسافر إلى بعض البلدان العربية وألتقي القراء ويفاجؤون بالجرأة في كتاباتي، يقولون لي: هل تكتب هذا لو عشت في بلد عربي آخر؟ أتصور سؤالهم مشروع، ولكني أيضاً لا أستطيع أن أجيب بدقة، لكن أكيد أن الحرية والعيش في مناخ تحكمه الحرية، العيش في مجتمع عقلاني أيضاً، أنك أنت في النهاية تعيش في مجتمع ردود فعلك تصير عقلانية، أعتقد أنه ساعدني بشكل ما، كيف؟ لا أدري. لأن هذه أشياء يعني تعيشها في جسدك تظل..

أحمد الزين: بالهواء..

الحبيب السالمي: في الهواء تتنفسها، لا تدري كيف تخرج، لأنها لا تتم بشكل ميكانيكي.

أحمد الزين: طيب كيف جاء خيارك أن تترك البلاد وتجيء لباريس؟

الحبيب السالمي: كنت حالماً كبيراً. صدقني يعني قد يبدو هذا الكلام الآن يعني بعيداً جداً عن الواقع، ولكن كنت حالماً، كنت أحب الأدب ولا زال على فكرة بشكل يعني كبير جداً. وكنت يعني أشعر أني لو بقيت في تونس لتزوجت ويعني وترهلت.. أردت أن أجدد حياتي، أردت أن أذهب إلى آفاق أخرى، طبعاً أنا ذهبت في البداية إلى الشرق إلى بغداد، ولكني بصراحة لم تعجبني الحياة كثيراً، شعرت أن هناك فرق كبير، بصراحة إيقاع الحياة يعني صدمني، لم تعجبني الحياة، أعجبتني المدينة، الألوان مختلفة، طبائع الناس مختلفة، فعدت إلى تونس، وبعد فترة أخرى يعني بعد فترة قصيرة قررت أن أذهب إلى أوروبا، وأوروبا بالنسبة لتونسي فرانكوفوني تعني فرنسا، وفرنسا تعني باريس بكل بساطة.

أحمد الزين: غريب هذا، يعني الكاتب عادة كأن أمكنته الأولى تسكنه مدى عمره خاصة إذا نصه نص إبداعي شعري أم روائي، شو السر؟

الحبيب السالمي: لأنه المكان الأول هو المكان الأول، يعني هو الذي تشربنا فيه العالم هو الذي تكشفنا فيه العالم، هو الذي بدأنا فيه الحياة، هو الذي وعينا به بكل ما سنعيشه فيما بعد. يعني لا يمكن أن ينسى الإنسان مثل هذه الأشياء، هذه أشياء يعني تتسرب إلى جسدك وتظل فيك إلى آخر لحظة في حياتك، أنك أنت رأيت هذا العالم في هذا المكان بالذات وهذا المكان له خصائص معينة له رائحة معينة له لون معين، فكل هذه الأشياء لا بد أن تظل فيك. طبعاً قد يتطور الإنسان شي طبيعي ويكتشف أماكن أخرى ولكن يظل برأيي مسكون بهذه الأماكن أعتقد.

أحمد الزين: يعني بتقديرك كتابة النص بشكل عام هي مصدرها الأساس هو الذاكرة؟

الحبيب السالمي: أنا أعتقد الذاكرة مهمة جداً هي ينبوع أساسي..

أحمد الزين: حتى لو كانت الشخصية حديثة تلبسها الذاكرة؟

الحبيب السالمي: حتى لو كانت الشخصية.. طبعاً لأن هناك تواصل بين الأزمنة، وعلى فكرة أنا أعتقد برقص يقول هذا وأنا أتفق معه تماماً، يقول الإنسان في الحقيقة الكاتب لا يمتلك إلا زمناً واحد وهو الماضي، يقول لأن المستقبل هو زمن قادم باستمرار مؤجل باستمرار.

أحمد الزين: مؤجل باستمرار قادم ومؤجل..

الحبيب السالمي: قادم أو مؤجل باستمرار والحاضر..

أحمد الزين: دغري بصير ماضي..

الحبيب السالمي: بالضبط مجرد أن تحضر لحظة تصبح ماضية في النهاية الشيء الوحيد اللي نمتلكه هو الماضي هو الماضي، لا نمتلك شيئاً آخر عدا الماضي.

أحمد الزين: أديش هذا الماضي بالنسبة لإلك آسرك؟

الحبيب السالمي: بصراحة له حضور قوي في كتاباتي وفي حياتي، بس هل يمكن أن نعتبر هذا أسراً؟ لأ ليس أسراً، يعني هو يأسرني ولكن في آن واحد قد يدفعني أيضاً إلى الأمام، يعني أتغذى من هذا الماضي لكي أنطلق أيضاً. هو أيضاً حافز قد يكون حافزاً، ثم أيضاً يساعدك على أن تفهم.. تفهم جيداً حياتك، أن تفهم.. لأنه مهمة الماضي لأنه في أحداث قد حدثت لم تعد متحركة فعدم تحركها يساعدك على أن تراها بوضوح أكبر.

أحمد الزين: أنجز الحبيب السالمي في رحلته هذه العديد من الأعمال، نذكر منها مدن الرجل المهاجر، روائح ماري كلير، عشاق بييه، أسرار عبد الله، جبل العنز، وحفر دافئة، وقد ترجمت هذه الأعمال إلى العديد من اللغات منها الهولندية الإسبانية والألمانية والفرنسية والإنجليزية، وقد حاز على بعض الجوائز منها جائزة الدولة في تونس عام 1978 وأيضاً حازت روايته عشاق بييه على جائزة لجنة التحكيم عام 2002 في تونس أيضاً، الحبيب السالمي كما يقول يكتب للاستمتاع بالمصادفات، سيرة العنز هي أول رواية كتبتها؟ جبل العنز أول رواية كتبتها.

الحبيب السالمي: جبل العنز أول رواية كتبتها.. يقال أنه هي تقريباً فيها شيء من السيرة الذاتية؟

الحبيب السالمي: فيها شي لأنها تروي قصة معلم يذهب إلى الريف لكي يدرس، وأنا كنت معلماً أو أستاذاً نفس الشي وذهبت إلى قرية لكي أدرس، مدينة في الحقيقة ليست قرية. ولكن كما قلت لك دائماً هذا الجانب الأول يعني هذه المادة الحكائية للرواية، الأساسي هو ما يأتي فيما بعد. جبل العنز هي رواية فيها احتفال بالمكان، يعني جبل العنز هي العلا في الحقيقة يعني لم أشأ أن أسمي القرية، هي العلا على فكرة تحضر في رواياتي بأسماء عدة، أحياناً تحضر باسمها الحقيقي وفي روايات أخرى تحضر بأسماء مختلفة، مثلاً في روائح ماري كلير تحضر في قرية مخليف هي العلا يعني أعطيها أسماء، يعني أحب هذه اللعبة..

أحمد الزين: مركز مدينة دائماً ماكندو..

الحبيب السالمي: هي ماكندو في الحقيقة هي ليست ماكندو غير موجودة ماكندو هي قريبته هي أراتاكا.

أحمد الزين: بس سماها هيك..

الحبيب السالمي: أنا أتذكر جيداً الاسم يعني لأني انتهيت مؤخراً من قراءة سيرته الذاتية، وماكندو هي متخيلة. يعني الأمكنة تتبادل الأسماء عندي أحياناً، يعني أحياناً العلا أطلقها على قرية أخرى، والعلا أسند لها اسماً آخر أنا أحب لعبة التخفي هذه يعني أحياناً جميلة.

أحمد الزين: يعني أنت فينا نقول من الكتّاب الذين ينثرون سيرتهم الذاتية بأعمالهم؟ نقدر نعثر على الحبيب في هذه الرواية أو تلك؟

الحبيب السالمي: أعتقد، حتى في رواية لماذا؟ سأقول لك لماذا الأنه حتى لو لم أشأ ذلك فأنا أعتقد أن السيرة الذاتية ذات البشرة تتسرب إلى النص رغم أنوفنا، قد لا تتسرب كما عشناها ولكن هناك أحداث تتسرب كما ربما تخيلناها، كما استعدناها في الذاكرة والذاكرة تعرف تعدّل وتحذف وتغيّر، وأنا أحب هذه العملية أجمل شي في الكتابة هو هذا.

أحمد الزين: إعادة تشكيل..

الحبيب السالمي: إعادة التشكيل، وهذا التشكيل دائم باستمرار. يعني هناك أحداث نفس الحدث نستعيده مثلاً هذه السنة بطريقة معينة، ربما بعد ثلاثة سنوات نستعيده بطريقة مختلفة تكون انضافت له عوامل جديدة من حياتنا الحالية، وهذا جميل في الكتابة. أنا أحب كثيراً هذا التداخل وتغريني عملية التداخل لأني أعتقد أنها محفزة للكتابة، تأخذ مثلاً بخصوص السيرة الذاتية حتى عشاق بييه موضوعها يعني هو أبعد ما يكون عن طفولتي، لأنها تروي قصة أربع عجائز يلتقون كل يوم تحت زيتونة ويثرثون، يتحدثون عن الزمن عن الموت عن الحياة عن الحب خاصة وأن أحدهم تعلق تعلقاً غريباً بامرأة يعني اسمها بييه، حتى هذه الرواية أجد فيها نفسي كثيراً لماذا؟ لأنه هؤلاء الناس هم عمي وخالي وأبي وكنت أنا صغير كنت يعني أراقبهم من بعيد وأتلصص عليهم وراء سياج وأسمعهم ماذا يحكون والنكات الجنسية فيها أيضاً جزء من حياتي.

أحمد الزين: شو كان يعمل الوالد أستاذ حبيب؟

الحبيب السالمي: الوالد كان مزارع، يعني كان مزارعاً كانت له قطعة أرض لكنه كان مزارعاً ميسوراً بالنسبة للآخرين، أنا مثلاً فتحت عيني على سيارة سيارة ولكن كان أبي لا يقود هذه السيارة كان يأتيها سائق من القيروان، يشغل المحرك بهذه الطريقة القديمة ثم نحن نركب في السيارة وكان عددنا مرتفعاً..

أحمد الزين: أديش عددكم كان؟

الحبيب السالمي: والله أبي متزوج من امرأتين كنا حوالي أربعة عشرة طفلاً يعني كان البيت يعج بالأطفال، ثم ندخل هذه السيارة ثم نقوم بجولة صغيرة في مسارب القرية، ثم تعود تجثم تحت زيتونة الكلب وننتظر الأسبوع القادم لكي يأتي هذا السائق من القيروان ويأتي معه حتى بالبنزين لكي يشغلها.

أحمد الزين: زيتونة شامخة بأغصانها الضخمة لا شيء تغير فيها منذ أعوام، كما لو أنها أصبحت كائناً لا زمنياً. لكن حياة الصغيرة مستمرة داخل تجويفها وبإيقاعها السري ضوء وظلال، حركة وسكون، حفر تضيق وتتسع، حشرات تولد وتموت، ونبات يينع ويجف، لم يمضِ وقت طويل على وصولهم إلى الزيتونة وها هم الآن جالسون في استرخاء وتآلف مع الأمكنة التي اختاروها كما لو أنهم جاؤوا منذ ساعات طويلة، الرؤوس كلها عالية والأرجل والصدور والأذرع مكشوفة ومعرضة للشمس للاستمتاع بحرارة لا يشعرون بوطأتها لكثرة ما انتظروها، زيتونة الكلب هذه واردة كتير بنصوصك هي يعني الزيتونة لأنه دفن كلب تحتها؟

الحبيب السالمي: بالضبط هي الزيتونة قديمة من هذا الزيتون هذه الأشجار التي بناها الرومان، نحن نقول بناها الرومان لأنها بعهد الرومان، فيه زيتونة كبيرة بجذع كبير مجوف وهذا التجويف فيه حياة كاملة حشرات يعني تموت وتولد، يعني نباتات يعني تنبت وتينع وتجف وتموت، فيه حياة كاملة..

أحمد الزين: حياة ضمن حياة. وفي البدايات يعني أنت درست أول 17 عام كانوا في تلك القرية، كيف انتبهت للنص للكتابة؟ طبعاً يمكن الواحد الكتابة هي تحرضه على الكتابة أن يقرأ مثلاً أو أن يتمثل لأحد ما..

الحبيب السالمي: لأنه في المدرسة كانت فيه مكتبة صغيرة كان فيه مكتبة صغيرة، وكنت طبعاً مثل غيري أقرأ قصص قديمة يعني قصص أطفال ثم بعد تطورت صرت أقرأ للمنفلوطي العبرات والنظرات كنت أعجب بهذا يعني أتفاعل معها كثيراً..

أحمد الزين: لأنه كتير عاطفية هذه الرواية نقرأها ونبكي..

الحبيب السالمي: وتناسب عمرنا أيضاً وجميلة، المنفلوطي على فكرة كاتب مهم يعني كاتب مهم المنفلوطي بالنسبة لليافعين كاتب ممتاز، ثم بعد ذلك شيئاً فشيئاً اكتشفت يوسف السباعي وحسين عبد القدوس أيضاً، أيضاً كاتب يعني لعب دوراً أساسياً في تشكيل وعيي، طبعاً يجب أن نقول هذا لا نستهين به يعني هو كاتب يجب أن نقرأه في مرحلة معينة، ثم لغته كانت جميلة اللغة الصحافية خفيفة ومهوأة، وثم بعدين انتقلت إلى الطيب صالح أعتقد أول اكتشاف لي حقيقي هو الطيب صالح، قرأت "موسم هجرة إلى الشمال" وقعت عليها يدي بالصدفة في طبعتها الأولى والثانية في دار الهلال، بكلمة كتبها رجاء النقاش على الغلاف وذهلت بهذه الرواية مثلما ذهل بها غيري، يعني هذه التي في الحقيقة جعلتني أحب الأدب.

أحمد الزين: مغامر حالم الحبيب السالمي، شغوف بالاكتشاف وبتشديد حياته بالبحث عن آفاق جديدة وبالتالي عن الغامض في النفس، لذلك حزم حقائبه وغادر مكانه الأول الذي أصبح جبل العنز رواية فيها شيء من سيرة ذاتية هي احتفاء بمصدره وبمطارحه الأولى كما يقول. غادر الحبيب بحثاً عن ملمح آخر لذاته وعن معنى جديد وإيقاع جديد، فكانت باريس فضاء لأحلامه ورؤاه. طيب إذا بدنا نحكي عن المكان بالرواية، شو مفهومك للمكان؟ أنت أمكنتك شوي حميمة غير مفلوجة ما فيها مساحات ما فيها ما فيهاش بلاد ما فيها تنقل كتير.

الحبيب السالمي: لأنه مكان دائماً في علاقاته بالذات دائماً، يعني لا أعي المكان كشيء متخارج عن الذات بحيث قد أخصص له مثلاً أفرد له مساحة كبيرة، كما يفعل بعض الروائيين يعني وهذا اختيار معين، المكان دائماً هو وعاء للذات يعني له علاقة دائماً حميمية بالذات، وهذا هو الأساس لأننا نحن في النهاية نسكن المكان، نسكنه. المكان هو بيتنا هكذا يحضر في رواياتي أتصور المكان. عفواً لا يحضر كديكور خارجي يعني هو جزء عضوي من تجربة الذات يعني هو امتداد للذات.

أحمد الزين: هو أنت على المستوى الشخصي يبدو هكذا..

الحبيب السالمي: كيف يعني؟

أحمد الزين: يعني أنت علاقتك كمان ببيتك هلأ هيك بشكل حميم يعني مش خارجي كتير؟

الحبيب السالمي: تريد أن تقول أنا أحب الأمكنة الدافئة؟ أحب الأمكنة لأن هذه الأمكنة تتيح لك أن أنا هكذا طبيعي أميل إلى العزلة قليلاً بصراحة، أحب الانطواء لأني كاتب بهتم كثيراً بالذات. أنا أعتقد الأدب العربي أهمل قليلاً الذات أنا أحب ليس الرواية السيكولوجية أحب أن يتوغل الكاتب في ذات النفس، لكي يعرف إلى أين.. ما هي هذه النفس وأين سيذهب وماذا سيكتشف، يعني أجد الأدب العربي اجتماعي قليلاً وبراني قليلاً نحب التجربة الجوانيه.

أحمد الزين: فيه كتّاب عادة بيكتبوا عن أحداث كبيرة بالحياة بتصير، الكتابة عن هذه الأحداث تستدعي أن يبتعد عنها قليلاً الإنسان؟

الحبيب السالمي: أتصور لأن التباعد دائماً يجعلنا نرى الأشياء بوضوح أكثر، مثلاً أنا وجدي هنا مثلاً في باريس قد ساعدني على أن أرى حياتي في تونس بشكل أفضل، اعتقد أفادني إلى حد ما.

أحمد الزين: بيصير عندك منظار من نوع آخر بتشوف الأشياء.

الحبيب السالمي: طبعاً لأنك أنت في الحقيقة أنت هناك ولست هناك، يعني كيف هناك؟ هناك لأنك تعرف هذه الحياة لأنك خبرتها وعشت فيها سنوات طويلة، ثم بعقلك أنت وبأحاسيسك أنت هناك ولكن لست هناك أنت هنا، إذاً أنت في نفس الوقت هنا وهناك، وهذه الإقامة يعني في البين بين على الضفتين أحياناً مفيدة للإبداع، كيف؟ لأن هي..

أحمد الزين: بتعمل هالجسر الخفي بين الذاكرة والحاضر، ربما هالجسر اللي بتعبره ذهاباً وإياباً يومياً يعني حتى لو ما كنت عم تكتب..

الحبيب السالمي: وأنا على فكرة أحب كثيراً حركة الذهاب والإياب هذه حركة الذهاب والإياب، لا أحب الحركة أن تكون في اتجاه واحد، هذا الذهاب والإياب مهمة جداً لأنه الحياة كلها ذهاب وإياب.

أحمد الزين: ينتابك سؤال الانتماء أستاذ حبيب يعني بعد هاي السنوات الطويلة للي عشت فيها، ربما سؤال الانتماء ينتابه الإنسان دائما ًحتى في مصدره الأساسي يعني مسقط رأسه، بس يمكن بصير إله معنى وأبعاد أخرى في المهاجر في الغربة إن صح القول.. ينتابك هذا السؤال تسأل حالك أحياناً أنا من أكون من أين أتيت؟

الحبيب السالمي: ينتابني هذا السؤال لكن أطروحه فلسفياً أكثر منه ثقافياً، يعني مسألة الانتماء بصراحة قد تكون واضحة في بعض نصوصي لا أدري تكون خرجت بشكل لا وعي، يعني لأني أنا أعرف تقريباً ماذا أريد ولماذا أتيت، ثم أعرف تقريباً من أنا إلى حدٍ ما، وهناك شيء أساسي جداً أعتقد ساعدني على هذا النوع من الاتزان إن صح التعبير يعني في سكني للعالم، هو أني أكتب باللغة العربية لأني ظللت داخل داخل الثقافة العربية، ثم أيضاً يعني أعرف الثقافة الفرنسية يعني أنا أتنقل بنوع من الراحة ونوع من.. بين الثقافتين، يعني ليست لدي مشكلة، يعني هناك نوع من التصالح استطعت أن أوجد شيئاً من شيء وهذا برأيي يساعدني كثيراً على أن أعالج يعني كما يقول الأدباء العرب القدامى يعني سكني يعني وجودي، بالتالي مشكلة الانتماء يعني طبعاً كمواطن على مستوى آخر أعاني أحياناً أنه في النهاية أنا عربي أخرج إلى الشارع والشارع فرنسي، وشكلك يدل على أنك عربي تعاني من العنصرية يعني في صيغتها اليومية، ولكن هذا عادي أيضاً أنا في النهاية أجنبي، أحاول أن أستفيد أيضاً من هذه الغربة.

أحمد الزين: وبالسجال الثقافي بشكل عام الموجود في باريس حاضر في أنت بشكل من الأشكال؟

الحبيب السالمي: حاضر بنصوصي..

أحمد الزين: إلك دور يعني بالإسهام بإصلاح الصورة، يعني الصورة المعروفة عن العرب والتوانسة؟

الحبيب السالمي: منذ ترجمت نصوصي إلى الفرنسية صار لدي حضور ما شي طبيعي، لماذا؟ لأنه قبلاً عندما كنت أكتب بالعربية يعني أنت كمواطن تعامل كمواطن لا كمثقف، لكن عندما تُرجمت نصوصك أولاً يُكتب عنك في الصحافة، مثلاً روايتي الأخيرة كُتب عنها مقال.. وكثير مقالات أخرى، ثم تُدعى إلى الكثير من الندوات وتلتقي بالجمهور الفرنسي وتناقش ويطرحون عليك أسئلة ويسألونك عن الإسلام وعن العروبة وعن سكان الضواحي، وأحياناً يحملونك كل المسائل وأجيبهم.. وعن المرأة.. وعن المرأة وأجيبهم طبعاً وأدافع عن الثقافة العربية بما استطيع وأيضاً أصحح الأخطاء، لأن هناك أخطاء كثيرة، طبعاً هناك أفكار خاطئة جداً عن الثقافة العربية وعن الإسلام شي طبيعي هناك صورة مشوهة..

أحمد الزين: بتحس أنه هذا عبء عليك بشكل عبء أو هي مهمة كمان صرت أنت مضطر يعني..

الحبيب السالمي: أشعر أنني مطالب بأن أدافع عن هذا لأني أدافع عن الحقيقة، دفاعي عن هذا هو دفاع عن الحقيقة لأن هناك أشياء مغلوطة، مثلاً عندما تشاهد تسمع ناس في ندوة مع قراء ويقولون لي لماذا تقمعون المرأة في تونس وتختنون المرأة؟ نقول لهم مش صحيح العرب لا يختنون المرأة، هذه عادة قديمة فرعونية وموجودة في أفريقيا السودة في بعض الأوساط الشعبية الفقيرة، العرب لا يختنون النساء. مثلاً لماذا تضربون النساء باستمرار؟ صحيح في بعض البلدان العربية بعض الأوساط الفقيرة يضربون النساء، ولكن في أغلب المدن العربية الآن لا يضربون النساء.

أحمد الزين: النسوان بيضربوا الرجال..

الحبيب السالمي: النسوان يعني أشياء هذه خاطئة، وشي طبيعي أنزعج وأرد عليها بتلقائية لأني أنا مع الحقيقة.

أحمد الزين: على مستوى العيش أستاذ الحبيب يعني كيف بتعيش أيامك هون في باريس؟ على ما أظن أنت تمارس مهنة التعليم يعني هذه كافي لأن تعيش حياة لائقة يعني الحد الأدنى الواحد يحافظ على حريته كرامته؟

الحبيب السالمي: الرواتب أنا أشتغل أستاذ أدرس العربية في معهد ثانوي، أدرس العربية لطلاب يأتون من تونس ومن المغرب ومن الجزائر ومن لبنان يكونون قد حصلوا على البكالوريا، ويأتون إلى فرنسا يعني للاستعداد لدخول المدارس الكبرى مثل البولتكينك وسنترال هذه مدارس كبرى، يعني إذاً أنا موظف والموظف راتبه دائماً يكون يعني متواضع، لكن أنا أحب التواضع أخي أحمد أحب التواضع يعني إنسان قنوع جداً يكفيني هذا القليل..

أحمد الزين: متطلباتك متواضعة يعني..

الحبيب السالمي: متواضعة ثم يعني..

أحمد الزين: كتاباتك يعني كتاباتك بتسعف قليلاً يعني..

الحبيب السالمي: هذه الآن..

أحمد الزين: الآن صارت لك ترجمات يعني..

الحبيب السالمي: الآن بدأت بصراحة يعني بدأت تساعدني قليلاً لكن في البداية لا..

أحمد الزين: طيب. بتفكر بالعودة إلى تونس يعني بنتابك الحنين؟

الحبيب السالمي: ليس لدي حنين إطلاقاً، وعلى فكرة أنا لا أحب في الكتابة أحب الذاكرة.. لأن تشوه النص لأن تجعل علاقتنا بالماضي علاقة مرضية، في حين الذاكرة جميلة وأحب يشتغل الذاكرة أحب أن ألاعبها أن أناوشها نشتغل بها داخلها وفيها وبها، لأنه دائماً صحيح أن الذاكرة تعدل أيضاً لكن تعديلها لا يسيء النص، لا حنين لدي أذهب إلى تونس بشكل عادي، يعني أبقى عدة أيام ثم أعود إلى باريس تونس موجودة في باريس وباريس موجودة في تونس، يعني العالم الآن صار قرية صغيرة بصراحة لا أعاني من هذا بصدق، أن أعود إلى تونس في يوم من الأيام في المدى القريب لأ لكن ربما لما لا يعني.

أحمد الزين: لعبة العمر وكذا بتوقف عندها بتفكر فيها لعبة الزمن لعبة عادة الكتّاب بيشغلهم..

الحبيب السالمي: أفكر، لكن في الكتابة؟

أحمد الزين: في الكتابة وفي الحياة الشخصية بتفكر..

الحبيب السالمي: والله في الحياة الشخصية ما دمت أشتغل وأشعر أنني أتقد نشاطاً وحيوية..

أحمد الزين: أنت مشاء على فكرة..

الحبيب السالمي: أنت مشاء يعني وباريس تتيح لي ذلك أرصفتها أذهب كيلو مترات لا أشعر بصراحة بهذا، لا أشعر بترهل، الحياة جميلة أنا أحب الحياة، إذا الإنسان ظل متصلاً بالحياة فاعتقد لا يشعر بأنه شيخ أو بأنه يهرب أعتقد، يعني الإحساس بالتقدم في السن هو سيكولوجيا في الحقيقة له علاقة بنمط الحياة التي نعيشها، عندما تعيش حياتك وتشعر أن حياتك ممتلئة وأن لديك مشاريع وأنك تقرأ وتطالع وتحب..

أحمد الزين: تكون عم تلعب ضد الزمن؟

الحبيب السالمي: أعتقد..