حسن جوني ورغبة الكشف عن سرّ اللّون

أحمد الزين : دعني أتملّى وجهك وحدي في مرآة يديك وأصغي لبكاء يرشح من جفنيك إلى قلبي، وأراك جميلاً كغريق في الماء وأزرق، أخضر، أبيض كالهذيان، كطير تسبح في فلك الأزمان، وأخبرني كيف تشظّى فيك الموج وأغمد هذا النورس ريشته في مائك حتى بات سماوياً، أخبرني كيف ضربت الأعمى باللون فأبصر صورته الأولى وتداعى بين يديك إلى فلك الرؤيا.هذا مقطع من قصيدة كتبها الشاعر محمد علي شمس الدين قبل حوالي عشرين سنة وأهداها عربون وفاء لصاحبه، صاحب نشيد اللون حسن جوني، حسن جوني هذا الفائض بالحنين إلى أقلام الكوبيا الملوّنة التي سحرته بمقدار ما سحره صوت خفي كان يتسرّب من نوافذ حيه القديم زقاق البلاط هو صوت فيروز جارة تلك الأيام الغابرة.[مقطع من أغنية لفيروز] بكوخنا يا ابني بهالكوخ الفقير. سكن صوتها وجدانه مثلما سكنته بيروت ببيوتها العتيقة، وبوجوه أهلها، ومثلما شحنت روحه مواويل القرويين في حقولهم الجنوبية وحين همَّ ليعبّر عن ذلك الغامض في نفسه حمل أقلام التلوين وخطّ سطراً أو كلاماً أو خربش خطين منكسرين فتجسّد على الأبيض نافذة بحرية فتحها قليلاً فومض في الأفق شراع ووجه بَحّار، فتحها أكثر فبَان شجر وسرب حمام يحطّ على سطوح المدينة، رسم نافذة أخرى جنوبية وفتحها فبانت سهول من الأقحوان وناس الأرض معفّرين بترابهم الأحمر، وحين فتحها على مداها وأطلّ منها مسّه الأزرق فأصيب بهوس اللون، خرج من حيّه ومشى مشى مشدوداً بالحنين إلى الصوت ومدفوعاً برغبة الكشف عن سرّ اللون، كان ذلك من زمان وحين مزج الصوت بالضوء والحنين بالظلال عثر على معادلة لسر الغموض، فتح نافذته في الواقع على المدى البحري ونافذة على مخزون الذاكرة ثم أغلق بابه كي لا يتسرّب ظل طارد على مساحات الحنين أو صوت دخيل على التوافقات النغمية في حالات العزف القصوى بريشة الخلق.كتبت على باب المرسم: (الرجاء اختصار الزيارة لأن العمر كله لا يكفي لإنجاز لوحة).

أحمد الزين : يعني فينا نعتبر كل هالفيض من الأعمال اللي بيتعدّى عن 2000 عمل، وهالمحطات اللي مرّيت فيها هي كانت مجرد خطوات نحو اللوحة اللي بدك ترسمها ولم ترسمها بعد؟

حسن جوني: قبل خليني أبدأ باللي كتبته على الباب اعتباري للمرسم شبه جزيرة لا يعيش فيها إلا أنا واللوحة، بالتالي أي زائر بدّو يدخل على هذه الشبه جزيرة اللي هي المرسم بدّو ينغّص من وحدتي ووحدتي وثنائيتي مع اللوحة، فيما يتخطّى الـ 2000 لوحة هي عدد تقريبي للإنجاز اللي أنجزته أنا عبر مسيرتي من عام 1962 ولغاية اليوم، أنا أعتبر أن كل لوحة عملتها هي تكملة للوحة التي سبقتها، ولو أن اللوحة التي سبقتها تكاد إنها تكتفي بنفسها وإلا ما كنت وقّعتها، إنما إحساسي بإنّو كل عمل يلي عمل آخر يعني كل لوحة بتجي بعد لوحة تانية هيدي اللوحة المستجدة هي اللوحة التي تختصر كامل تجربتي لغاية اللحظة اللي أنا فيها، لما أنا باخذ من العمر متّسعاً أكتر تصبح اللوحة اللي أنا افتكرت مبارح إنه هي آخر لوحة هي اللوحة ما قبل الأخيرة التي يجب عليّ رسمها اليوم، فمشان هيك بحس إنه هذه اللوحات على عددها المتنامي هي عبارة عن لوحة واحدة لكن بعدة وجوه.

أحمد الزين : ولم تكتمل بعد.

حسن جوني: لم يكتمل عدد اللوحات.

أحمد الزين : وبتحس إنه فسحة الزمان قليلة لحتى تحقّق مشروعك بشكل عام يعني؟

حسن جوني: شوف أقصر زمن أقصر زمن بعيشوه اثنين بالحياة، الفنان أو المبدع والسياسي، يعني كلاهما بيريد إنه يطول العمر فيه، الفنان بيتمنّى إنه يطول عمره لحتى يقدر يحقّق أكبر قدر ممكن من تجربته المتراكمة مع الزمن، لأنه أيضاً الفنان يصبح فنه مع الزمن عبارة عن خميرة إذا بديش قول خمر بيتخمّر أكتر، خمر إبداعي بيتخمر أكتر وكلما هذا الخمر الإبداعي اختمر أكثر يصبح أكتر عنده قابلية أكتر على السكر الاختباري إذا بدّك، هي النشوة الإبداعية نشوة الابتكار والخلق هذا ما يسمى، هلأ السياسي بيتمنّى إنه يطول عمره تيزيد تسلّطه شايف كيف؟

أحمد الزين : طيب نحن ضمن هذا المحترف اللي أنت ما بتفارقه إلا لغاية قيام معرض في مكان ما من العالم..

حسن جوني: للنوم.

أحمد الزين : وللنوم طبعاً.

حسن جوني: شكراً لزوجتي يعني لأنه إلا للنوم بس.

أحمد الزين : يعني هذا هو فضاؤك الأرحب؟

حسن جوني: هذا هو كل العالم اللي أنا بعيشه وبه أستبدل الأكسجين والآزوت، يعني بستبدل مسبّبات الحياة أدخل عليها بشكل واسع التلوين والزيت وريحة الألوان وريحة القماش لأنه هيدا المناخ أنا خارجه ما شي، أنا لا شيء خارج المحترَف، إذا بدي قول حتى ما ألغي نفسي كلياً بقول أنا خارج المحترَف عبارة عن عدسة تبحث في الموجودات عن نفسها، عدسة يعني..

أحمد الزين : عين.

حسن جوني: عدسة عين تبحث في الموجودات عن شي يدخل ويتحول إلى حدث مرئي في ما بعد بالمرسم.

أحمد الزين : هنا في هذا الحي البيروتي الآخر وبالقرب من منارة المدينة التاريخية التي تبثّ إشارات الضوء كي تُهدي البحارة إلى المرافئ اتخذ حسن جوني من هذا البيت العتيق مطرحاً لاختبارات الرؤى واختبارات اللون، هي النافذة الملائمة للإشراف على ما هو بعيد في النفس وفي المدى أيضاً، منذ حوالي 25 سنة التقيته هنا يحاور الذاكرة وأطيافها بلغة اللون، لا شيء في الظاهر تغيّر إنما في العمق أشياء كثيرة تكثّفت، فتراكم السنين محسوس في كفافة التجربة، المدى البحري أبدي ومنصّة الألوان وحدها تشهد فطبقات الأزرق والأصفر والقرمزي والليلكي والأقحواني وأطياف الوجوه المنبعثة من هذيانات اللون هي العمر، لكنها تارة تصبح البيوت وتارة قامات هزمتها الحروب، وتارة قمراً في ليل المدينة أو أنثى للأشواق المحمومة أو شلّة شلة أصدقاء أو مدى كوني ودائماً هي من معادلته الخاصة، المنارة أبداً تبث إشاراتها لليل البحارة والصيادين، وحسن جوني يبثّ أشواقه وحنينه ورؤاه.عندك بهالمحترَف هون النافذة البحرية اللي بتطلّ على منارة بيروت القديمة اللي كانت تبعت إشارات ضوئية للبحّارة من زمان، استلهمت منها الإشارات أو ربما استلهمت من هالإشارات إشاراتك الخاصة هيك للدلالة على قامات وعلى وجوه على ملامح على هيك أمكنة مشظّاة؟ حاورتها لهالمنارة؟

حسن جوني: شوف هالمرارة.. المرارة قال.. نبلش خلينا نسمي المرارة إنه ما كان يكون حدّ مني فيه منارة، المنارة كانت أثراً جميلاً جداً بيدلّ عليّ بكل الفترة اللي أنا أقمت فيها بهذا المكان، يعني يوصل الإنسان يقلّي قالوا لي إنه حسن جوني محترَفه بلزق المنارة القديمة، هلأ بعدين صرت أنا بعرف إنه وقت بيخلا هذا المرسم من أي زائر ولما أنا بترك لوحتي لحتى أرتاح قليلاً بقعد مقابل المنارة وبتطلع فيها وبحس إنه هيدي أجمل جار شفته بحياتي، أجمل جار وأروع جار وأهضم جار، وجار مهذّب يعني بيحكيلي بصمت وما بيؤذيني ولما بحكيه أنا بحس عإنه فيه حوار وديع بيني وبينه، وعالقليلة عطوف يعني المنارة مبنى عطوف، هلأ الإشارات يعني الإشارات.. اللوحة حدّ المنارة، منارة تانية..

أحمد الزين : منارة أخرى.

حسن جوني: منارة تانية وربما تكون المنارة الأهم، لأن المنارة ثابتة بتعكس ضوءها وبيرجع، إنما اللوحة بتهاجر وبتسافر وبتقطع أبعد من مسافات الضوء.

أحمد الزين : طيب أستاذ حسن جوني بيروت هي مكان الولادة والمنشأ طبعاً أنت عبّرت عن وفائك لهالمدينة بالعديد من اللوحات بفيض من اللوحات والأعمال، يعني فيما لو بدّك تعبّر بالكلام عن انتمائك لبيروت، ماذا تقول؟

حسن جوني: شوف أكتر الأحيان أنا وداخل على المرسم بحس حالي إني أنا أدخلت بيروت معي، وأقامت معي بيروت داخل المحترف، ولما بظهر من المحترف بتظهر بيروت معي تتمشي بيروت في بيروت، لحتى بيروت ترجع.. أرجع أنا وزعها في الأماكن اللي هي أنا أخذتها منها..

أحمد الزين : قطفتها منها.

حسن جوني: قطفتها منها، لأن العاصمة لن يكون لها أي معنى في وجدان المبدع المقيم فيها، وأنا بصرّ هون على كلمة مبدع، حتى فرّق ما بين رسام ناسخ وما بين مبدع مبتكر، العاصمة إذا ما تداخلت بروح الفنان وهو تداخل بشرايينها اللي هي زواريبها إذا بدك، شرايين المدينة هي أزقتها وزواريبها، بيروت إذا بدّي أوجزها أحياناً إذا بدّي أوجزها بوجزها بحجر رملي وطاقة مفتوحة متل ما غنّتها فيروز مفتوحة عالتنهيد، يعني بيروت بتتحول عندي من وقت لآخر لمتحف بشوف على جدرانه وجوه الناس اللي حبيتها وغادرت، هيدي المغادرة بتخلّي بيروت وهي خالية غالية على قلبي فكيف إذا هي ممتلئة؟

أحمد الزين : مرّة الوالدة أمك عبّرت خلال الحروب اللي عصفت بهالمدينة قالت لك: حسن يمكن بيروت لو إلها أم وأب كانوا بكيوا عليها كتير.

حسن جوني: ليك أنا بيي.. يعني أنا أبي وأمي كانوا مأخذوين بغرام بيروت، يعني بيروت أخذتهن من بيئتهن الأولى وأدخلتن لمكان القلب فكان أبي لا يغادر بيروت إلا بالأعياد لما كان يطلع يطلّ على والدته على جدتي بالجنوب..

أحمد الزين : بالجنوب.

حسن جوني: ولمن نقله يومين غير كافيين يقول: فيه الأم التانية ناطرتني اللي يقصد كان فيها بيروت.

أحمد الزين : حسن جوني جنوبي المصدر لكن هواه وعشقه بيروت، هنا في هذا الحي ولد سنة 1942 ذات شتاء عاصف، هذا ما تبقّى من الحي ومن حارة الطفولة، حارة كان يتسرّب من نوافذ ليلها ومن خلف جدران بيوتها ذات الحجر الرملي وسطوح القرميد غناء خافت بعيد للتي صارت لاحقاً فيروز، وفي هذه الدار يقول

حسن جوني: كان والدي وصحبه يعقدون أمسياتهم الزجلية أذكرهم بكثير من الشوق، وكنت أتخيّل دائماً صدى أصواتهم مجسّداً على المقاعد بعد فلولهم، وربما أطياف أجسادنا أيضاً، ربما أطياف أجسادنا الصغيرة وأصواتنا ما زالت مختبئة خلف هذه النوافذ وفي العتمات خلف الأبواب الموصدة على عمر شقي، سنوات الطفولة الهاربة في أزقة الحي نحو متاهات زمانها، من على هذه السطوح كنا نتحاور مع الجارات ونؤلّف لأيامنا أحلاماً ولأيامهن قصائد وللفضاء طائرات من ورق، شغلتني النوافذ كنت أتخيّل وجوه الناس خلفها وأرى الأشياء على غير ما هي عليه، سحرتني وسحرتني أيضاً بيوت القرميد وقامات الناس الدالفة إلى حاراتها أو المجتمعة على مائدة الحكايات، لو عرفنا كيف نحترم ذاكرتنا لجعلنا هذه البيوت متاحف عوضاً من أن يذهب بها الهجر إلى التلف والنسيان إلى الموت، هي خِرب أعدتُ بناءها كما رأيت وكما أشتهي.طبعاً زقاق البلاط هو الحي اللي ولدت فيه أنت، ويبدو من أعمالك يعني مدفوع دائماً بالحنين لتلك الذاكرة زقاق البلاط وهاي الأمكنة، الفضاء المتاح أمام ناظريك آنذاك يعني، بتقديرك هي الذاكرة هي المصدر الأكثر إلهاماً أمام المبدع؟ يعني المصدر اللي بيعطي أكثر إلهاماً للمبدع؟

حسن جوني: شوف اللوحة بدي أبدأ بالإجابة من الأخير، اللوحة هي عبارة عن تشخيص لأشكال سبق وكانت هُلامية كانت أجزاء من حلم، كانت أجزاء من وهم صار اسمها صار لازم تتسمى هذه العناصر لحتى تتشكّل في اللوحة، أريد القول أن المطارح يعني وأعني فيها مطارح الطفولة اللي أنا ولدت فيها زقاق البلاط، مطارح الطفولة تشكّل خزّاناً لعناصر لما أنا بجسّدها بلوحتي بحسّ إني أنا أصبحت أكثر ألفة مع نفسي، أكثر قرباً من نفسي، لأنه كمان فيه أحلام أنا بحلم فيها خارج المطارح وبعيداً عن المطارح بحسّ إنه فيه غربة بيني وبين اللوحة بيني وبين العناصر، يعني أصبح أنا أكثر إذا بدك أكثر قرباً من الإنسانية.. الإنسانية بحالتها الدرامية، بحالتها الفجائعية المأساوية، لأنه ما فيه حقيقة مفرحة بالحياة، فيه حقيقة دائماً توضعك داخل السؤال وداخل علامات التعجب والاستغراب والدهشة، برؤياي لمطارحي القديمة لزقاق البلاط بصير هنيك برجع بستمتع بملاحقة ذاك الطفل الذي كان أنا، مشان هيك بلقطه أحياناً عم يركض عم يعربش عالحيطان عم بيتسلل لحتى يتفرج على الورد اللي طلعت بجنينة الآخرين، عم يتسمّع على المي ببركة المي، عم يتسّمع على هيك بعض المواويل الشعبية اللي كانت تطلع بين وقت ووقت من حناجر مغنّيها من الحي القديم.

أحمد الزين : أيضاً أستاذ حسن في معظم أعمالك هناك المنحى الدرامي، يعني وكأنك تدير مشهد على خشبة المسرح ثم تُسدل عليه الستارة على شيء من الشفافية لحتى تبدو الأشياء والأشكال خلفها بضبابية مجردة، يعني بتقديرك هل هذا العالم الذي نراه هو غامض؟ أم نظن وضوحه واضحاً؟ وأنت تحدّثت عن الطفولة وكأنك بس تشوف الطفولة تستعيد المشهد تستعيده بشيء من الضبابية، يعني لوحة حسن جوني فيها الغموض فيها التجريد فيها الأشياء اللي كأنها مش أكيدة وأكيدة.

حسن جوني: شوف الماضي بالنسبة لإلي أنا هو عبارة عن بقايا منام، إذا أنا مسكت نصه بيفلتوا مني أطرافه، وإذا مسكت أطرافه بيفلت النص، فبالتالي كل الماضي الأمس يعني كل الذكريات كل الماضي واللي أنا بعتبر إنه بعتبر أنا مستقبلي مبني على حضوره في ماضيي، وبالتالي كل الأيام اللي بدها تجي هي جزء من ماضيي أنا رح يصير، مشان هيك بحسّ إنه فيه واقع دائماً يتوجّه من نفسه إلى خارج نفسه، يعني من الواقع إلى التجريد، بظن إن الفن الإسلامي بمرحلة من المراحل الحقيقية هو كان بالقصد الحقيقي إلى تجريد الأشياء إلى إخراج الأشياء من واقعيتها بحيث أن تصبح أكتر شفافية كلما ابتعدت ابتعد الواقع عن واقعه، ابتعد الواقع عن نفسه لكي يصبح تجريداً، وبالتالي التجريد هون يصبح واقعاً آخر أكثر صدقاً واللوحة بالنسبة لإلي أنا هي عبارة عن حدث مسرحي والفنان هو مخرج أيضاً، الرسام هو أيضاً مخرج وبعتبر أنا فضاء اللوحة هو فضاء المسرح بالتالي خليني سميلك اللوحة بالنهاية اللوحة هي نص مسرحي.

أحمد الزين : طيب عم نحكي عن التجريد والواقع، أنت عندك جملة كتير شهيرة بترددها غالباً بتقول: "كلما تكثّف التجريد يقترب من الواقع أو يصبح واقعاً، كما الهواء كلما تكثف يتحول إلى لون يصبح أزرق، يعني معظم أعمالك تبدو هيك في صراع ما بين هالمفاهيم، يعني بين التجريد والواقع..

حسن جوني: التكامل.

أحمد الزين : بين الحركة والسكونية أو السكون، بين الغموض والوضوح، بين العتمة والضوء، يعني وكأنك تريد أن تقول إنها هي تماماً أنا أرسم كما تلك المفارقات التي تؤسّس للحياة؟

حسن جوني: شوف الحياة نفسها إذا بدك ترسمها بخط واحد أو بحرف إذا بدك أو بإشارة هي حرف أس، الحركة هي الحركة هيدي الملتوية، الحياة إذا بدك توجزها بالحركة لازم تختار أي تماس لازم يحصل بين عاملين، بين الثابت والمتحرك، بين الزمان المتحرك اللي هو العمر المتحرك، وما بين الثابت اللي موجود اللي هي أشياء الواقع اللي نحن منمرق فيها، هيدي عملية التكامل ما بين الثابت والمتحرك بتصوّر هيّ عزّ التعادلية، وعزم التعادلية التي يجب أن أسعى إليها دائماً لحتى شوف سرّ الحياة الكامن من احتكاك ما هو صامت بما هو متكلم بما هو ثابت بما هو متحرك، لأن الحركة لا يمكن أن تحصل إلا إذا كان احتكّ الحجر بالحجر لحتى تولد شرارة.

أحمد الزين : مَن يدخل محترف حسن جوني عليه أن يمضي وقتاً طويلاً فيما لو أراد التأمل ملياً في مسارات تجربة هذا الفنان، وبشكل يسمح له بتكوين صورة واضحة عن هذا الستيني الساكن في حنينه أبداً، لذا لا بد من عودة إليه ثانية للتعرف أكثر على فضاءات ألوانه المشحونة بالشجن وبالرؤى وبالأمل.

أحمد الزين : في الحلقة السابقة أخذَنا حسن جوني إلى مطارح حنينه الأولى، زقاق البلاط, حي قديم من أحياء بيروت، وعرّفنا على مصدر من مصادر لوحته باعتبار الذاكرة بالنسبة له هي إحدى المنابع العملية الإبداعية، وقد تكون المنبع الأساسي الذي نراه ونعيشه الآن على حد تعبيره هو حاضر يبدأ للتوّ رحلته نحو الماضي، وهذا نوع من الفقدان أما استعادة أو تشكيل هذا الماضي أو تلك الذاكرة فمن الضرورة أن تخضع لرؤية المبدع للحياة، لموقفه، لثقافته، ولإحساسه العميق بلعبة الزمن، ورؤية حسن جوني كما نستشفها من فضاءات ألوانه وشخوصه وعوالم لوحته هي رؤية فلسفية جدلية محمومة بالرومانسية وبالشاعرية وبالحنين وفيها دفقات من الشجن ومن حزن يتمثل في انكسارات ظلال القامات والوجوه الحانية على أرواحها.

في هذه الحلقة نتابع مع صاحب نشيد اللون كما يحب أن يسميه بعض نقاده أو سيزيف بالفن اللبناني نتابع الأسئلة لنتعرف أكثر على حياة وتجربة هذا المبدع.أستاذ حسن بعد آخر يستشفه المتتبع للوحتك أو اللي يشاهد لوحتك رغم الألوان يعني هذا الفيض من الألوان اللي عنده دلالات فرح إذا بدك ولكن هناك بعد مشحون بشجن أو بحزن هيك خفي، من أين مصدر هذا الحزن عند حسن جوني؟

حسن جوني: الحزن جاي من اكتشافي للحقيقة بين وقت ووقت، واكتشاف الحقيقة أمر مخزن جداً، لأن اكتشاف الحقيقة أمر يضعك على حد سكين الزمن، على حد سكين العقل، على حد سكين الإدراك، على الحد الفاصل ما بين أن تكون واعياً أو مغشياً عليك، إما عارف كل شي، وإما مَنّك عارف شيء، فبالتالي المعرفة، المعرفة مبنية على الأخذ يعني أنا ما بوعى، ما بوعى نفسي إلا وما هو مأخوذ مني، أنا ما أضاف الزمن عليّ شي، أخذ منه شيء، واللي أنا عطيتوا إياه للزمن كان لازم يأخذه الزمن مني، هلأ بقول لك: أنا سعيد؟ إيه أنا سعيد بالظاهر، بالظاهر أنا سعيد، إنما بكون أكثر سعادة لو زمني أعاد لي لحظة واحدة حتى أرجع رد له اياها مرة ثانية، يمكن هيدا هو سبب الحزن الكامن في عمق نفسي، واللي أنا نقلته إلى...

أحمد الزين : ينعكس على اللوحة؟

حسن جوني: نقلته إلى داخل لوحتي بكل أمانة، وهذا يمكن السبب اللي يخلي ذواقة أعمالي يتلمسوا هذا الحزن المماثل الموجود..

أحمد الزين : الذي في أنفسهم يعني؟

حسن جوني: بالضبط، اللي هو موجود بنفسهم، هنّ ما قدروا إنهم يظهروه، ما قدروه أنهم. بدّن الفنان عنده وظيفة راقية جداً، هو أن يخرج للآخرين من وجدانه ما هو موجود في وجدان الآخرين وغير قادرين على إخراجه.

أحمد الزين : نعم يعني بتقديرك يعني وعلاقتك بالزمن أو مفهومك للزمن هو اللي شكّل هذا المناخ الشجني إذا صح التعبير في نفسك؟ أم هناك أسباب حياتية يعني كمان ساهمت فيه شحن هذا الحزن؟

حسن جوني: شوف أول سبب وجهي بالمراية، يعني وقت اللي بتطلّع..

أحمد الزين : علامات الزمن؟

أحمد الزين : على وجهي بتطلع على وجهي بالمرآة، بستغرب بقول: أنا هذا هو حسن جوني، هل هو هذا أنا؟ لأنه بإمكان الآخرين إنهم يعرفوني أكثر من أنا أعرف نفسي أحياناً، عم بحكي أنا معرفة الشكل، هلأ أول ظاهرة أول مفارقة بتصير إنه أنا اختلف مع وجهي بالمرآة، قول أنا هيدا اللي صرت، أنا هيدا اللي صرت، أنا مين كنت؟ ثانياً: الإقامة في الأرض لما بتكون مبنية على وعي الإنسان، على وعي الفنان بدي قولك إياه بصورة خاصة، وعي الفنان تصبح الحياة أمر لا يمكن ترجمة مفاعيله الدرامية المأساوية الحزينة القلقة اللي هي القلق، بالنهاية هي، فيك تجمع كل اللي قلت لك إياه أنا بمفهوم واحد أو بمصطلح واحد اسمه القلق الداخلي للفنان الناجم عن القلق العام، الناتج عن الوعي، لأن الفنان كثير متطرف في طلب عدالة منّها موجودة إلا في الأساطير يعني، انتبهت عليّ كيف، يمكن هذا سبب من أهم أسباب مآسيي أن الفنان إنسان غير مدجن لا يصلح تدجينة يعني ولمن بده يصبح مدجن يصير مثل الطائر مثل النسر تجيبه تحطه بقفص أصغر منه يحس على أن جسده أصغر من روحه، وروحه أصغر من عينه، وبالتالي شوف بقى أنت عملية السجن الممضّة لهذه الحرية المطلقة.

أحمد الزين : يعني أيضاً بالسياق ذاته يلاحظ المرء أن حسن جوني عمله أيضاً قائم على شيء من الانحياز، يعني أنت منحاز للإنسان بشكل عام، يعني لوحتك دائماً حتى لو فيها بيوت الواحد ممكن يشوف الإنسان داخل البيوت يعني، لأن البيوت مش هي البيوت للي بس للفرجة هي منكسرة أيضاً كما الناس المنكسرين اللي نشوفهم بلوحاتك، يعني هذا الانحياز كيف تشكل عندك؟ هذا الوعي للانحياز للناس لقضاياهم لأحزانهم لأفراحهم لطموحاتهم؟ كيف تشكل هالوعي عند حسن جوني؟

حسن جوني: شوف من فترة طويلة أنا تحولت المباني أو البيوت لوجوه، وتحمل كل وجه له تعبيره لما تلاقي.. تلتقي بوجه مبتسم أو ضاحك غير ما إنك تلتقي بوجه متجهم وحزين وكئيب، بالتالي أنسنة الأشياء، يعني أهمية ما سعيت له أنا عبر مسيرتي التشكيلية إني أنا أنسن كل شيء بدأره (أمسه) بالحياة سواء بدأره بعيني أو بوجداني أو بإيدي أو بعقلي لأنه طالما هذا الكون بُني من أجل الإنسان، من أجل الإنسان، من أجل الوعي، كما وأن الطبيعية أديش هي جمالاتها يفتقدها الأعمى لكن لما يصبح الأعمى بصير أديش يكتشف أن هذا الكون أصبح ملكه، ولو أنه لا يملك فعلياً منه شيء إلا النظر، هيدا المفهوم اللي عندي إياه جعلني شوف البيوت ناس ناسها ناسها، لأن الإنسان مش بس يلبس ثوبه بهالحياة، الإنسان يلبس بيته كمان، فبالتالي لما يظهر، وأنا دمنت أكثر بأكثر من محل وبأكثر من زمن إني لما شوف إنسان، شوف بيته شوف بيته على كتافه مثل الجاكيت لابسه مثل القميص، فبالتالي البيوت تتكئ على بعضها وتتجمع مثل ناسها ويا ريت تبقى هيك؟

أحمد الزين : يقول الناقد والفنان فيصل سلطان عن تجربة حسن جوني، حسن جوني هو من الملونين القلائل الذين أوجدوا مصالحة حقيقية بين الأسلوبين التعبيريين الواقعي والتجريدي للوصول إلى صفاء شعري يجسّد حكاية الناس في ألمهم وأفراحهم فالفن الخالد نابع في رأيه من نسيج وقائع العيش، والأرض والناس هما مورد موضوعاته ومصدر قدرته على الابتكار والتجديد، وعلى هذا الأساس يجسد حسن جوني في أعماله إيهامات الفن الواقعي المصفى فالحقيقة موهومة لذا يتجه نحو مظاهر الواقعية الملتبسة بالسريالية باحثاً عن واقع خفي خلف الواقع المرئي لتجسيد ما سماه سريالية الحياة.

حسن جوني: لعبة الحياة إذا بدك تشوفها من خلال وعيك هي عملية سريالية محضة، يعني أمر لما الأمر تواجهه لا بداية له ولا نهاية، كأنه هذي الحياة مقتطفة من خط، مقتطفة من مساحة، لا بداية لها ولا نهاية يتحول كل شيء إلى شيء غير مألوف، يعني غير معترف به كأنه في له تعريف، الحياة أحياناً تدخل بعدمية، تدخل بعدمها، تدخل بفنائها، تدخل بتلاشيها، بتدخل بموتها، مما يخليني إني أنا شوف هؤلاء الأشخاص الموجودة داخل اللوحة كأنهم هم إشارات العدم, إشارات عدم الحياة نفسها، فهذا المناخ السريالي الصامت يخلي حوار العناصر داخل اللوحة أكثر أهمية، أكثر أهمية والحوارات الصامتة دائماً هي تكون دائماً أبلغ من الحوارات المتكلمة العالية النظرة إذا بدك تقول، لأنه أحياناً النبرة العالية ما لها أي قيمة، لحظة صمت أكثر بلاغة من أحزان العالم كلها ومن أفراحها كمان إذا بدك.

أحمد الزين : يمكن نظرتك لهذه الحياة اللي بتشوفها هي قطعة جاي من مكان غامض يعني بتشوف سرياليتها وبتشوف ربما عبثيتها وعدميتها، هي اللي تخليك تبحث عن الضوء اللي تقول عنه يعني دائماً تشعر بأن هناك ضوء بدك تلتقطه بس مش عارف شو هو؟ هذا الضوء غامض شو هو هذا الضوء؟

حسن جوني: شوف في ضوءين بالنسبة إلي أنا ببحث عنهم في الحياة، فيه ضوء بتعامل معه لحتى يوصلني للضوء اللي أنا ما بقدر أتعامل معه بس بشوفه عن طريق إحساسي، أما الضوء اللي أنا بتعامل معه فهو الضوء المنعكس من الألوان اللي بحطها على البالات، تنعكس الأضواء من داخل الألوان على البالات، ومن ثم بتعامل معها وبنقلها من البالات على اللوحة، هذا البحث عن الضوء يخليني حس إني أنا بنيت السلم لأوصل للضوء الآخر اللي ما فيني شوفه من خلال وجداني، سميه الله..

أحمد الزين : أنت بتسميه نور.. النور الغامض.

حسن جوني: الله، بالنسبة لي.. إي لأن الله بعتبره هو نور غير مسموح أن تراه بكليته، بدك ترى أجزاء بدك تشوفه أجزاء بدك تشوفه عبارة عن انبعاثات موجودة في الداخل.

أحمد الزين : يقول الناقد نزيه خاطر عن هذا الفنان: حسن جوني يكتب تفاصيل المكان بعرق جسده لتظن أنه كمن يركب العصيان البصري في زمن الطهارة الوصفية، أو كمن ينزل إلى نهاية الطرب في إيقاعات ترابية ملونة بنكهة قوس قزح، مثيرة هذا الازدواجية في لوحة حسن جوني بلوانة مزينة بألوان الفرح وحجاب يغلف وجهها بألف وجع ووجع، إلى هذه الشقوق وصل وجه حسن جوني، وإلى أي مدى نحن نعني وجه الجنوب عندما نسمي وجه حسن جوني.بتقديرك النقد.. نقد الفن التشكيلي في لبنان يعني واكب تجربتك؟ أو التجربة التشكيلية بشكل عام كما ينبغي بمستواها الحقيقي يعني كان النقد بمستوى الأعمال الإبداعي؟

حسن جوني: بصدق وبتجرد وبمعزل عن صداقاتي مع بعض النقاد واحترامي وتقديري لهم، إنما فيه ناقد واكب تجربتي من أول معرض عملته عام 1971 بدار الفن والأدب، وما زال لغاية اليوم على وتيرة واحدة من المواكبة، لأنه ما زال حياً وأنا ما زلت منتجاً، هو نزيه خاطر، نزيه خاطر ما زلت أنا أحتفظ بأول نص كتبه عن أول معرض أقمته وما زلت محتفظ بآخر نص كتبه عن معرض أنا أقمته، نزيه هو أقرب ناقد لقراءة العمل التشكيلي بنصوصه الإبداعية الحقيقية، أولاً: تمرس في قراءة الأعمال المتحفية، ومن ثم صار يدرك إدراك دقيق للنيوس يعني كيف ترتبط العناصر؟ كيف تمشي العناصر وتنعكس على بعضها وتطلع من بعضها على الآخر؟ هيدي اللعبة هي المحك الأساسي لتجربة الفنان، النقد في لبنان إذا عم تقصد بالمواكبة نزيه خاطر من أول معرض لغاية اليوم.. أما الآخرون واللي أنا أكن لهم احترام كبير، فيصل سلطان، سمير صايغ، شربل داغر، وآخرون هلأ يعني أحمد بزون، لور غريب، زهير غانم فيه محاولات جادة للنقد التشكيلي في لبنان، فيه محاولات جادة، محاولات جادة.

أحمد الزين : لهذا الفنان حس كامل لا يمكن تجزئته عن الواقع الملموس، حس فائق الدقة في تحليل التناغمات النادرة للأصوات، أناقة وانحناء في الخط سواء كان هذا الخط مستقيماً أو منحنياً ذواقة في الدقة والانسجام وفي التنغيم المرهف للقيم بمختلف وجوهها، إنه يفضل الاستنتاج على الحدس والبناء المتكامل الأشكال على الاكتفاء بالخطوط العريضة، يطبق أبحاثه على التشكيل الإنساني وعلى المناظر الطبيعية ويشع من تأليفه ضوء فضي مرهف ونافذ، هكذا كتب جاك شاردينيه في جريدة الفيغارو عن حسن جوني.

أحمد الزين :طيب أستاذ حسن من خلال تلك المستويات اللي يستشفها المشاهد للوحتك اللي هي اللي فيها بعد تأملي، فيها بعد شجني، فيها بعد واقعي، بعد تجريدي، بعد غنائي طبعاً هذا بدل على ثقافة تشكيلية غنية عند حسن جوني، ولكن أيضاً أعمالك تدل أيضاً على ثقافة موازية، شي مرة من المرات هناك نص أدبي يعني حرّضك على إنجاز لوحة؟

حسن جوني: لا أكتم عنك، نعم هناك شعراء لمن بقرأ لهم أو بسمع لهم بحس إنه فيه دوافع خفية تدفعني إلى الرسم، يعني فيه مضامين بشعرهم يحرضني إني أنا ارجع حس، يعني يحركوا مرحلة الإحساس فيي يعني إدخال العاصفة على المكان اللي ظهرت منه من جديد، وهناك موسيقى ترجع تحرضني على إني أرجع افتكر إني أنا لازم أرجع بث وجداني.

أحمد الزين : يمكن الموسيقى تحرضك أكثر من سواها لأنها تشبه شغلك شوي هي لغة مجردة؟

حسن جوني: الموسيقى هي جزء كبير، اللون هو الموسيقى اللون هو العاطفة.

أحمد الزين : تسمع موسيقى وأنت عم ترسم؟

حسن جوني: أنا بسمع موسيقى وأنا عم برسم، وبسمع موسيقى أكثر لما يستعصي الرسم علي.

أحمد الزين : شو الموسيقي اللي بتسمعها؟

حسن جوني: يعني أنا وقت اللي بدي، وقت اللي يجي على بالي الحنين، أحياناً الحنين يهرب مني، يعني بستنفذه باكلوا كله وما يبقى منه إلا البقايا هيك البسيطة وبيضيع، هضمته يعني الحنين انتهى بسمع فيروز لمرحلة طويلة.

أحمد الزين : حلو..

حسن جوني: لأني أنا بعتبر..

أحمد الزين : هي فيروز دخلك ما كانت جارتك بزقاق البلاط وأنت طفل بيتهم قريب.

حسن جوني: كانت جارتي وكان بيناتنا في حيط، جدار رملي يعني، ولا أنسى فيروز، لا أنسى بحياتي فيروز لما تراكضت أنا وأطفال الحارة لحتى نشوفها هي وظاهرة عروس بزند عاصي الرحباني، كانوا مظهرين ها عروس، وقالوا يومها هيدي اللي بتغني هاي فيروز..

أحمد الزين : كنت بتسمعها تغني من تحت الحيط؟

حسن جوني: كانت تدندن أحياناً، كنت أسمع دندنة لكن ما كنت قدّر إنو هاي هيّ معيدة الحنين لطلاب الحنين فيما بعد، لأنه في بيني وبينها عمر يعني أنا كان عمري يومها بالثمان سنوات تسع سنوات هيّ كانت أكبر مني بشوي يعني..

أحمد الزين : أنت مواليد 1942؟

حسن جوني: مواليد 42 نعم، لكن ربينا بحي واحد وأحياناً بشعر على أنه برسم أغانيها لفيروز من دون ما أحس، كأنه فيه حنين.

أحمد الزين : فيه هودي الشماسي اللي هون.

حسن جوني: إي ناسي الشماسي..

أحمد الزين : شماسي فيروز..

حسن جوني: وناسي الشماسي وناسي بيوت الأرميد ومتل ما قلت لك وناسي المزهريات. أنا أملك حنين لشيء مضى وحنين آتي.

أحمد الزين : الشي اللي مضى فقط مضى في زمانك، في طفولتك؟ أم مضى أيضاً في الأزمنة الخالية التي لم تعشها؟

حسن جوني: في الأزمنة الخالية أيضاً..

أحمد الزين : هذا السؤال؟

حسن جوني: يعني أنا بحس لما بقرأ بورخس مثلاً لما يكتب عن أزقة الأرجنتين برجع بتخيل إني أنا بتمشي مع بورخس وعم بدلني على أماكن طفولته، مع العلم مَنّي شايف الأرجنتين ولا مرة؟

أحمد الزين : بتشعر بحنين لتلك الأمكنة؟

حسن جوني: بشعر بتماثلي مع بورخس، بتعاطفي معه لما بيروح هوّ يبحث عن حنينه بسير كأني أنا عم قول له خذني معك، دلني كيف الواحد يلاقي حنينه إذا ضاع.

أحمد الزين : شو هي الأمكنة اللي تحس أيضاً بالانتماء لها غير بيروت؟ تحس هيك أيضاً بالحنين لها وبرغبة العيش فيها يعني أو العبور فيها أو التفرج عليها قليلاً؟

حسن جوني: شوف لو فيه عبّارة بين بيروت ومدريد لما توانيت إني أنا ليلاً نهاراً رايح جاي على هالخط.. خط بيروت - مدريد، مدريد - بيروت، لأنه بيروت مولد الجسد، مدريد خلقت فيها مرة ثانية، أنا أمين على أماكن خلقي، الناس كلها تخلق مرة واحدة أنا فيني أقول لك خلقت مرتين، وحسيت بطفولة وبأمومة وبأبوة وبرعاية بمدريد كما شعرت فيها في بيروت وطن الروح، وقت اللي بحب أحلم بخصص لمدريد مساحة شاسعة بأحلامي.

أحمد الزين : طبعاً الزمن هو مصفاة لكل شيء؟

حسن جوني: نعم.

أحمد الزين : شو صفّى منك الزمن؟

حسن جوني: خلّى مني راهب، حولني لراهب يتعاطى، حولني إذا بدك تقول لمتصوف، لأن الرهبنة جزء من التصوف، لمتصوف لا يستطيع العيش خارج عرفانيته، عرفانيتي هيّ محترفة.

أحمد الزين : هناك قامات إبداعية لا يمكن اختصارها بأوقات محددة، حسن جوني واحد من هؤلاء، مبدع ثري في معرفته وثقافته وذاكرته، أتى حسن جوني إلى عالم الفن التشكيلي من مخزون بصري وثقافي وأكاديمي ومعرفي، تكوّن ما بين بيروت وإسبانيا منذ مطلع الستينات حيث نال أكثر من شهادة وإجازة في الرسم والتصوير من جامعات مدريد، أقام حسن جوني عشرات المعارض في لبنان والعالم ولكن الأهم من ذلك أن لوحته أخذت مطرحها في أكثر من متحف عربي وعالمي، وستبقى مع الزمان علامة فارقة في ثقافتنا.