أمجد ناصر

أمجد ناصر: نفساً وراء نفس تدفعني الأيام قدماً، لكن عينيّ ظلتا ورائي تبحثان عن علامة ترى أكلي وأنا مستلقٍ ذات ليلة على سطح بيتنا في المفرق أعدّ النجوم وأخطئ ثم أعدّها غير مبالٍ بالثآليل التي تطلع في يدي وتنطفئ، العلامة التي تطاردها عيناي منذ ذاك تدل على ساقية تؤدي إلى نبع ونبع يقود إلى سفح حيث غصن وأفعى، تحت الغصن مفتاح، المفتاح للغرفة التي نُهيت عن فتحها، الغرفة مظلمة، فالغرفة المظلمة صندوق به صدفة، في الصدفة ورقة مكتوب عليها لا تلتمسني في المثل أو الشبه فكل من هو مثلي ليس أنا وكل من يشبهني هو غيري، لست بعيدة ولا قريبة، علامتي أقرب إليك من حبل الوريد، في زمن آخر أو في حياة أخرى كمغربي على الأغلب سمعت في مقهى شعبي بفاس القديمة رجلاً يقول لمجالسه المهموم لا تبحث عن العلامة، لا تعترض طريقها، دعك من الشقوق والخرائب، لا تتبع أنجماً ضلّلت قبلك رعاة وعاشقين، فالعلامة تأتيك من حيث لا تحتسب أو يخطر لك على بال، في لندن التي أقيم فيها الآن بقناع شخص وهمي فارّاً من نبوءة أمي التي يرن فيها اسمي الأول كذكرى مفزعة: يا يحيى لن تعرف نفسك الراحة، من الصعب على كل حال أن يستلقي المرء على سطح بيته القرميدي المائل ويعدّ نجوماً هجرت مواقعها.

أحمد الزين: يسموك أهلك يحيى ربما لكي تهتدي، ولكنك ارتكبت اسم الشعر هل نجوت بالشعر؟ هل الشعر يعني كان نوعاً من خلاصك أم هو متاهة أخرى بالنسبة للشاعر الذي فيك؟

أمجد ناصر: ربما لو أني بقيت على المقاصد البسيطة باسم يحيى التي أرادها أهلي لي في البداية يحيى ليحيا ربما لذهبت في اتجاه آخر، ولكنني سرعان ما تخليت عن هذا الاسم تحت هذا الإلحاح للرحلة إلى مكان آخر تأخذك إليه الكلمات، فذهب يعني يحيى اختفى يحيى وحل محله أمجد.

أحمد الزين: أمجد ناصر.

أمجد ناصر: أمجد ناصر، فإذاً يحيى بهذا المعنى للأسف لم يعد يحيا إلا في بيت أهلي في المفرق.

أحمد الزين: ويحيى في القصائد.

أمجد ناصر: ويحيى في القصائد لأنه مستعاد، يعني يحيى المستعاد من غيبته الكبرى.

أحمد الزين: يبدو كما وصفك نقادك بشكل عام أنك بدأت قوياً مثل ما قال عنك سعد يوسف عند أول ديوان كتبته الذي هو.

أمجد ناصر: مديح لمقهى آخر.

أحمد الزين: مديح لمقهى آخر أنه شعر أمجد ناصر يشبه دفق من شلال ماء على جسد عارٍ يعني نقّزه، ومش قليل سعد يعني سعد يوسف يحكي عن شاب مبلش طريقه جديد يوصفه بهذا النوع من المديح، هذا الكلام شو قال لك آنذاك؟

أمجد ناصر: قال لي: إني مختلف قليلاً عن..

أحمد الزين: حطك أمام مسؤولية يمكن؟

أمجد ناصر: نعم، خصوصاً أن هذا الكلام وكلام آخر يشبهه وأتذكر أنا الآن ربما مقالة ذات بعد أيضاً إطرائي من نزيه خاطر ناقد لبناني كان موجوداً يعني بقوّة على الساحة آنذاك، أيضاً أشار إلى أمر أنا لم أكن أدركه تماماً أن هذا الشعر يأتينا من مكان آخر غير المكان المعتاد، يعني رأى فيه أيضاً الشعر حمل معه عالمه حمل العالم الأردني، ما أسميه بالعالم الأردني في الواقع، الصحراء، المناخات، الألفاظ، مفردات الحياة اليومية، كلها على ما يبدو كانت شيء مختلف عن الشعر الذي كان يُكتب في بيروت آنذاك من قبل الساحة المشتركة الفلسطينية اللبنانية.

أحمد الزين: يعني حملت معك أنت تلك الذاكرة تلك الصحراء، يعني على كل حال من يقرأ أمجد ناصر يعثر على ذلك البدوي إذا صح التعبير بين هلالين العاشق للترحال في الأمكنة، وقد يقيم القارئ معه قليلاً في هذا الديوان ليعيد الترحال مرة أخرى إلى ديوان آخر أو مكان آخر، يعني بها المعنى شو تعني الأمكنة لأمجد ناصر وأنت الذي عبّرت ربما عن أشواقك كثيراً إليها؟

أمجد ناصر: يعني الأمكنة أساسية في عملي، بل بالعكس لا يمكن تصور كتابتي سواء كانت الشعرية أو النثرية التي فيها ارتحال حقيقي في الأمكنة بمعنى الرحلة بمعناه الكلاسيكي أو ما يعني يشبه الكلاسيكي لا يمكن تصور هذه الكتابة النثرية أو الشعرية بدون المكان لأنها بالأساس هي رحلة في المكان نفسه فمن الأردن المكان الأردني الذي حضر ربما في الديوان الأول بثقل وبقوة شديدة إلى الديوان الثاني إلى الثالث رعاة العزلة وهكذا إذاً أمكنة خاصة المكان الأول طاردني كثيراً بقي يعني نوع من..

أحمد الزين: حتى الآن.

أمجد ناصر: حتى الآن ما يزال ولكن في الفترة الأولى كان يترك بصماته الواضحة بأسماء العلم المباشرة التي تحيل إلى هذا المكان وذاك المكان في الجغرافيا الأردنية المحددة تماماً ثم صارت هناك جغرافيات أخرى تداخلت مع بعضها البعض الجغرافية اللبنانية، أوروبا..

أحمد الزين: واليمنية والقبرصية.

أمجد ناصر: العالم كله اختلط كأنه في جغرافيا واحدة مفتوحة على بعضها البعض.

أمجد ناصر: أشياءهم التي غادروا ظلت تتوهج في الباحة، أي عابر لا يقع فريسة لسحرها الغامض ومن ظلوا هنا كيف لا ينتشون بذكرى وجوههم القوية المشدودة على رخام حي، غادرونا وظلت أشياؤهم تخترق أرواحنا كالعصافير، غادرونا وظلت أشياؤهم تسحبنا من أطراف أصابعنا إلى حرير الليالي النادرة.

أحمد الزين: شو هو السر الإنسان دائماً يحمل معه بكل رحلاته في الحياة وفي الأمكنة ذالك المكان الأول الذي خلق فيه وتفتح على أشيائه وعلى مناخه وعلى عالمه؟ شو هذا السر الذي بيجي على الإنسان يحمل هذه الذاكرة ويشعر دائماً بشيء من الحنين أو بفيض أحياناً إلى تلك الأمكنة؟

أمجد ناصر: أنا لا أعرف بالضبط، ولكن أستطيع أن أقول لك أن هذا هو لغز كما أسميته أنت هو لغز هو لغز الطفولة في الواقع، علينا أن نلاحظ أن هذا الحنين الذي تتحدث عنه أنت الآن والذي ربما أنا عبّرت عنه في كثير من القصائد وفي أكثر من عمل شعري، هو يلحظ فترة زمنية محددة من حياته هي فترة الطفولة، هناك سر ما بالبشرية اسمه الطفولة وهذه الفترة الزمنية القصيرة في حياة البشر كأنها منجم لا ينفد، أعود إليه مرة وأخرى وأخرى وكل مرة تجد فيه شيئاً جديداً مع أنك عشت طويلاً ربما إذا سمح لك العمر أن تعيش طويلاً قد تكون عشت طويلاً بعد هذه السنة الأولى، ولكن تكتشف أن دائماً هناك عودة.

أحمد الزين: الأكثر والأغنى هي..

أمجد ناصر: نعم إلى المكان الأول، إلى اللحظة الأولى، إلى الزمن الأول كأن هذه الطفولة لحظة غير قابلة للاستنفاد.

أحمد الزين: طيب بتقديرك الكاتب يعيد صياغات الرؤى المتكئة على الذاكرة، على الأمكنة الأولى بشكل آخر يعني طبعاً متأثراً بالمشاهدات اليومية وبرحلته بالحياة، يعني هذا المنبع ا لأساسي تبع الكتابة هو مخزونه الأساسي هو الذاكرة؟ وربما الذاكرة التي هي أبعد من ذاكرة الطفولة؟

أمجد ناصر: يعني إذا تحدثت عن عملي الشخصي وعن ذاتي أظن أن الصور الأولى للمخزون الأول الخطوة الأولى هي التي فتحت الآفاق إلى أشياء كثيرة لاحقاً، ولكن ظلت هي الجذر المؤسس لكثير من الصور والتداعيات وهناك دائماً عودة يعني لا ملل فيها إلى ذلك المكان أو إلى تلك الخطوة إلى ذلك الزمان، أظن أن الكتّاب والشعراء بالتأكيد يعني.

أحمد الزين: ينهلون.

أمجد ناصر: ينهلون من هذه، صحيح أنهم يغادرون هذه المرحلة ويعبرون عن مراحل متعددة، يعني أنا لا أظن أن الكاتب يكتب عملاً واحداً ويعيده طوال الوقت، لا هو يكتب أعمال متعددة، أنا كتبت أعمال متعددة، ولكن هناك تيار سري خفي في كل هذه الأعمال إذا استطعت أن تنبش بالطبقات العنيفة.

أحمد الزين: تعثر عليه.

أمجد ناصر: تعثر عليه، هو يعود إلى الماضي إلى ذلك الماضي.

أحمد الزين: محكوم بما مضى منك وبما تبقى تتسكع على ضفاف نهر التايمز، سمرتك فضّاحة وحنينك فائض، ما الذي جاء بك إلى هنا أيها الرعوي المقذوف كحجر في السهول؟ نجوت من سقم العقل ففكّرت بالخروج، مشيت على وقع الخبب وعبرت صحراءك الأولى، وحين علت أهازيج فرح في الوادي غيّرت المسار، مشيت كثيراً قبل أن تعبر البحر على سطح باخرة تنقل الشعراء والثوار القدامى، ما الذي جاء بك إلى هنا إلى لغة لا تحسن صرفها فتسرف في التحايل على الجادة كي لا تضل الطريق أراك تقف على قوسك السماوي تتأرجح في حبل البيان وتقع على عشب تتمدد عليه إناث الشهوة يخفن من هزالك وضحكتك المريرة ويجرين حافيات على شوك ندمك، من دلّك إلى تماثيل البرونز لتأخذ وضعية الفارس الظافر وتسقط ثانية عن صهوة خيلك المتخيل مدرجاً بندم آخر؟ من جاء بك إلى مقعد أُعد جيداً لتحمّل صقيع الأيام وضجر السابلة وعناق عابريْن تماديا في الشوق والشهوات وفرّ من هذيانهما سرب حمام حط قرب عجوز تنثر له خبزاً وحباً وابتسامة عمر مديد؟ من جاء بك لتتسكع على جسور التايمز بجسدك الهزيل وبهيئة سائح مفجوع تنشط الخيال لتقفل على المشهد البعيد ستارة الغياب؟

أمجد ناصر: إنها أيامنا، بيّضنا صفحة الليل وأودعنا شقائق نعمان الحيرة في سفوح لم نطؤها، بخطى كبيرة عبرنا الأشجار لنحول دون يقظة الفجر أيام الهبوب المداري للسهر والصعود إلى كمائن مغمورة باليود، البحر قلّدنا أوسمة الهيجان، والبنادق أوحت بذكريات مهجورة في المضاجع أيام الولع والمهارات أيام الحمى والمواعيد.

أحمد الزين: يعني من يقرأ أمجد ناصر وخاصة يعني النقاد الذين تناولوا شغلك يقولوا أنه في كل عمل أمجد ناصر كأنه يختم تجربة إذا صح التعبير ويبدأ ويزاول بتجربة أخرى يعني بهذا المعنى أنت كأنك وضعت نفسك أمام اختبارات، يعني عم تختبر شيء ما، يعني هل هذه الاختبارات وصّلتك لنوع من معادلة هيك حسّيت فيها ببعض الطمأنينة لشغلك أو شفيت قليلاً من يعني أو عثرت على الكلام الذي تود أن تبوح به؟

أمجد ناصر: أبداً كل مرة أظن ويظن الآخرون إنني حقّقت شيئاً أو تحققت بحيّز معين من الكتابة الإبداعية الشعرية العربية نحو خاص يعود مرة أخرى القلق الأول معاً أفرغ من هذا العمل، أبداً لم أشعر بالطمأنينة بأنني أنجزت شيئاً ذا بال شيء معتبر شيء يستحق أن يبقى، ما زلت أبحث عن الشيء الذي أريد أن أصل إليه ولا أعرف ما هو، شو اللي بدي أصل له؟ أنا لا أعرف بالضبط، ولكني عندي إحساس دائماً مع أني أفرغ ربما كلما أصغي إلى مشروع أقول هذا هو المشروع ولكن ما إن ينتهي هذا المشروع حتى أقول أنه ليس هو.

أحمد الزين: ليس هو.

أمجد ناصر: ليس هذا هو المشروع.

أحمد الزين: وعندك شك يعني بالأشياء التي تكتبها أنها ليست بالمستوى اللي أنت كنت مفكر فيه؟

أمجد ناصر: نعم.

أحمد الزين: دائماً تحس أنه مش.. يعني ممكن كانت تطلع بشكل أفضل هذه القصيدة؟

أمجد ناصر: نعم وعندي إحساس دائم أن النقد ونظرة الآخرين إلى عملي ربما تكون كريمة أكثر مما يستحق هذا العمل، يعني لا أتحدث من زاوية أي تواضع كاذب، أنا أعرف أنني كتبت عدداً كبيراً من المؤلفات ولكن كل مرة أُفاجَأ بأن هذا الشيء أعجب الآخرين، ولكن..

أحمد الزين: لم يعجبني تماماً..

أمجد ناصر: لم يعجبني تماماً، ولو لم يعجبني لم أنشره.

أحمد الزين: أنت تقول على كل حال أني أنا مسكون بسؤال الشعر دائماً وهذا يتجلى في العديد من قصائدك، يعني تقديرك لأنك حياتي تحب الحياة وهذه الحياة هي أنواع من الحكايات، تلجأ إلى تناول عناصر من تلك الحياة والتعامل معها بالقصيدة أو أحياناً تلجأ إلى صياغة سردية لتلك الأشياء؟

أمجد ناصر: يعني أنت تحدثت عن السرد، أنا أظن أن السرد كان أساسياً في عملي الشعري، كان متضمناً ربما بصورة مستبطنة في البداية، أذكر أن كل قصيدة لي أنا لها حكاية أو فيها حكايات، ولكن حكايات مصباة19:53 ليست حكاية متتالية متعاقبة ذات ترابط يعني..

أحمد الزين: كلاسيكي يعني..

أمجد ناصر: كلاسيكي كما هو عليه الأمر في الحكاية أو في القصة حتى، لكن هناك حكاية دائماً هناك أشخاص في هذه الحكاية في هذا المسرح، هناك مكان، هناك أشخاص، هناك ما يشبه الحكاية، كان هذا منذ عمل البدايات إلى أن وصلت إلى العمل الأخير الذي تبلورت فيه هذه الحكايات وهذا السرد على نحو واضح، بل بالعكس واحتل العنوان، تحول العمل إلى حياة كسرد متقطع وربما سرد كحياة متقطعة أيضاً.

أمجد ناصر: وأنا ابحث في غرفة الخزين مثوى الأشياء التي لا تموت ولا تحيى عما تبقى من الكتب التي هجرت من أجلها البلد لأرى ما الذي فتنني بها وجدته هناك، الراديو القديم نفسه ماركة فيلبس ذا العين الخضراء التي كانت تشع في ليالي الأرق أو الشغف النادرة لوالد العسكري في سلاح الدروع، لم أجد أياً من كتبي السرية التي لابد أن أهلي تخلصوا منها فور رحيلي، فما حاجتهم في المفرق إلى الأيديولوجيا الألمانية أو ما العمل ولكنني وجدت مراهقتي المكبوتة لابدة هناك تقتات على أحلام اليقظة الضارية فالأصوات البابلية راحت تنسال مستعيدة حياة لم تُعش إلا في الأغاني.21:42

أحمد الزين: إذاً مثل ما قلنا أن سؤال الشعر هو سؤال دائماً تطرحه على نفسك، يعني شو هو السؤال الآخر الذي بلح عليك الآن في حياتك اللندنية التي يعني صفنا قطع.

أمجد ناصر: السؤال الآخر الذي يلح علي الآن الراحل الكبير عبد الرحمن منيف سؤال للمفارقة ليس شعرياً وسؤال اللحظة العربية والعالمية الراهنة، سؤال الأنا والآخر، كيف يمكن لهذه الأنا وذاك الآخر أن يلتقيا أن يتعايشا أن يتجاوزا الالتباسات تاريخية والمريرة في هذه العلاقة الطويلة، سؤالي أنا والآخر سؤال أساسي وربما لم يكن ممكناً أن يطرح عليّ بهذه القوة لو كنت في عمان أو في بيروت أو في القاهرة، في أي مكان عربي آخر أقصد.

أحمد الزين: لأنك عشت.

أمجد ناصر: لكني أنا عايش هنا في هذا المكان الذي طبعاً شهد منذ فترة قليلة كما تعرف انفجارات، إذاً وأنا موجود كعربي وموجود كعربي على وصف.. على حسب تعريف المتنبي يعني عربي الوجه واليد واللسان طبعاً هو يقصد غريب الوجه واللسان، ولكن أنا هنا عربي..

أحمد الزين: بسمرتك الفضاحة.

أمجد ناصر: بكل مواصفاتي، إذاً السؤال مطروح عليّ بشدة وبإلحاح: من أنا؟ من هو الآخر؟ كيف يمكن أن تنشأ علاقة ترقى..

أحمد الزين: موازنة.

أمجد ناصر: متوازنة، ليس فيها 23:22العسف ولا الظلم ولا الإلحاق ولا التبعية ولا الاقتتال والاحتراب والتخندق، كيف يمكن أن تنشأ هذه العلاقة رغم كل ما جرى بيننا؟

أحمد الزين: ويعني بعد الأحداث أو يعني بدءاً من 11 أيلول سنة الألفين أظن 2001 مروراً بما حدث بأوروبا وصولاً إلى الانفجارات التي حدثت أخيراً في لندن، يعني أنت عم تشعر كنت أكثر أنك أنت غريب في هذا المكان أو الآخر الذي عم تتحدث عنه عم يحاول يتفهم الوضع، عم يحاول يقرأ صورتك الحقيقية وليس صورة الآخر التي هي إلى حد ما مشوّهة يعني.

أمجد ناصر: غريب ولست غريباً في آن، غريب بمعنى عندما أكون أمام هذه التصورات الجاهزة.

أحمد الزين: لمجتمع.

أمجد ناصر: عند الآخر اتجاه اتجهنا تصورات نمطية كاملة، للأسف الذين تخلصوا من هذه التصورات النمطية هم قلة، الغالبية العظمى من الناس في الشارع ما تزال تسكنهم هذه التصورات ذات الطبيعة الاستشراقية، ولكن لست غريب بنفس الوقت لأني لا أعتبر نفسي أنا عبارة عن كائن من كوكب، أنا أشارك هذا الآخر كثيراً من القواسم الفعلية الحقيقية على المستوى الإنساني البشري وعلى المستوى الثقافي وعلى المستوى الحياتي كذلك الأمر، حتى على المستوى الثقافي أنا فيّ من ثقافة غربية وفيّ من شكسبير ربما أكثر مما في هذا الآخر العام الذي يمشي في مناكبها، وأنا لست من الذين أنا وغيري كثيرين من العرب من المثقفين العرب الذين لا يرون هناك سوراً صينياً عالياً بين الذات وبين الآخر بين الشرق وبين الغرب، نحن لا نرى الأمر كذلك، نحن نرى أن هذا العالم متداخل هذا العالم مختلط، هم فيهم منا ونحن فينا منهم.

أحمد الزين: طيب أمجد يعني شو يعني.. ماذا يعني إليك أن تكون شاعراً اليوم في عالم مشحون بالدراما وبالمآسي يعني؟

أمجد ناصر: هذا يعني الكثير بالنسبة لي، وللأسف ربما من زاوية سلبية أنه كان الشعر كأن كل ما قيل وكتب من قبلنا ومن قبل الآخرين في القيم الكبرى للكون والبشرية كأنها لم تغيّر شيئاً في مصائر هذا العالم، ولكن الذين يفعلون هذا الشيء، الذين يديرون دفة العالم هم أصحاب الذين يملكون القوة على الأرض وليس للأسف الشعراء كأننا أحياناً أحمد نصاب بإحباط من فكرة الشعر كلها، فكرة الجمال نفسها، فكرة الخير..

أحمد الزين: الجدوى من كتابة..

أمجد ناصر: الجد وما هو الجد من كل هذا؟ إذا لم يستطع أن يغير في المعادلة لا أقول البشرية ولكن في المعادلة حتى البسيطة المحلية في معادلتنا العربية نحن كتبنا كعرب ربما من ملايين القصائد ملايين اللوحات رسمنا موسيقى سمهم ما شئت أعمال فنية يعني لا حصر لها، لكن كأن ذلك ذهب هبأً كأنه ذهب في هناك ثقباً أسود يمتص كل هذه الأشياء.

أحمد الزين: ويكمل أمجد ناصر حياته وقصيدته كسرد متقطع، يجمع فصولها في كتاب ويمضي إلى المفرق ليجمع بقايا صور لعلها تسعف على مقارعة الغيابات المتتالية.

أمجد ناصر: عندما كنا نقف على السبعة جسور وننظر إلى القاع المحصب للوادي الذي لا اسم له ما كنا نعرف أن الأيام ستوصلنا ذات يوم أنا إلى جسر لندن وأنت إلى جسر بروكلين، لم يكن أحد ممن عرف السبعة جسور أعجوبة الزرقاء يسمع بهذين الجسرين ولا يظن أن هناك جسوراً أكثر رهبة من هذا الجسر ذي الأفواه السبعة الذي بناه الأفنانيون في آخر نفس من إمبراطوريتهم الانكشارية لتمرّ عليه سكة حديد الحجاز، السبعة جسور التي هدّدني والدي بحضورك ربما أن يلقيني منها إن لم أتوقف عن التدخين، السطو على البساتين المجاورة، التحرش بالبنات، دخول البيت من سور الحوش لا من الباب، لم تزحزحها من ذاكرتي، كل الجسور التي رأيتها في حياتي بعد عشرين سنة من طيراني الخرافي أمام أعين تصطاد الذباب الأزرق جلست على حافة السبعة جسور فخفت أن أدلي قدمي فتفضحا المسافة بين ذاكرتي والأرض.

أحمد الزين: طيب هيدي المحطة اللي هي المحطة اللندنية اللي صار لك 15 سنة فيها بدون شك أنت أفدت واستفدت منها، يعني استفدت بمعنى علاقاتك الثقافية، التداخلات اللي صارت، اطلاعك على حضارة مختلفة، انخراطك يمكن بنشاطات، يعني شو أفادتك لندن؟

أمجد ناصر: أفادتني بمعنى أنها كانت فسحة أيضاً للتأمل بمصائر عالمنا، بأن أستطيع أن..

أحمد الزين: تقارن..

أمجد ناصر: أقارن ما الذي يجري هناك وما الذي يجري هنا، يعني دائماً فعل المقارنة دائماً شيء إيجابي برأيي، لأنها هي مقارنة بين شيئين وبين عالمين وبين مكانين وبين فكرتين..

أحمد الزين: تطوّر الحس النقدي عندك؟

أمجد ناصر: نعم هذا بالتأكيد، فلذلك كانت هذه المقارنة من جهة مفيدة، من حهة أخرى أنا لم آتي سائحاً إلى لندن، أنا جئت ضمن إطار عمل معين، أعمل في الصحافة، أعمل في الكتابة العربية، لم أتوقف نهائياً عن الكتابة في الشأن العربي سواء كان الشأن العربي الثقافي أو الشأن العربي السياسي أو الاجتماعي، إذن أنا كنت مشبوك طوال الوقت بالعالم العربي وبنفس الوقت كانت عندي مساحة أو فسحة للتأمل عن بعد بهذا المشهد وربما مقارنته بمشاهد أخرى كما قلت.

أحمد الزين: نتيجة هذه المسافة في الزمان وفي الجغرافية طبعاً كان عندك حس نقدي تجاه الأشياء وربما اتجاه أفعال قمت فيها أو اتجاه اعتناق لفكر اعتنقته ذات يوم أو تجاه فعل سياسي أنت قمت فيه، يعني هل ندمت على شيء حدث من هذا النوع؟

أمجد ناصر: ندمت ربما على تفاصيل، ولكن لم أندم على المسار العام، المنحنى العام لشخصي وللحركة التي كنت منخرطاً فيها مع جملة في الواقع من المثقفين العرب والسياسيين، لا أظن أني ندمت على هذا الانخراط، بالعكس الآن أظن أنني فعلت ما كانت تمليه عليّ اللحظة الراهنة نفسها، كانت اللحظة العربية الراهنة تملي عليك موقفاً وانحيازات وتصورات ورؤى محددة ما كان يعني لك أن تنجو إذا كنت تشتغل بالحقل العام وإذا كنت تفكر وتشتغل بقضية الوعي والفكر والثقافة والكتابة لن تنجو منها، هناك طبعاً موقف نقدي ربما كان ينبغي أن يُتخذ تجاه هذه القضية أو تلك هذه تفاصيل، ولكن الخط العام الموقف العام تجاه الحياة العربية سواء تعلق الأمر بما هو ثقافي وما هو سياسي لا أظن أنني لو عاد الوقف والزمن مرة أخرى لكنت سأغير كثيراً في هذا المسار.

أمجد ناصر: إنني أبدأ الأغنية بالملامة بالقليل من الخمر أو بالتهكم باللهجة البدوية، لم تبقِ للقادمين من الشعراء ولي غير نافلة من كلام وشبرين من آخر الماء أغلقت في وجهنا القنطرة فها نحن نشقى بأوجاعنا اللغوية، نشقى لأن القصائد لا تطفئ الأسئلة، ونشقى لأن القصائد لا تبلغ المرحلة، وهذه قصائدنا ورق ناشف في الحلوق.

أحمد الزين: طيب لننتقل شوي على المستوى الشعري بشغلك يعني أيضاً من يقرأ أمجد ناصر يعثر على لغة عالية وعلى أديب، يعني هل هذا نوع من الدفاع الضمني ربما عن انحلال اللغة؟ ثم كيف اكتسبت هذا المشروع اللغوي؟

أمجد ناصر: أنا لا أظن أن المرء يقرر أن يكون قوياً لغوياً أو لا يكون، هناك جملة ظروف واعتبارات تصنع منك هذا الشخص الذي يملك زمام هذه اللغة، من ضمن هذه الظروف أنني ربما بدأت حياتي دعني أقول في الحقل العام باقتراب من الحركة الإسلامية في صدر شبابي يعني الأول، والأمر الذي ترتب عليه مجموعة من الأدبيات والقراءات..

أحمد الزين: في النص القرآني..

أمجد ناصر: في النص القرآني وفي النص التراثي على..

أحمد الزين: النص التراثي بشكل عام..

أمجد ناصر: على نحو عام، ثم إن في بيتنا وهذه هي لا أعرف إذا كانت مفارقة أو لأ، لا أظن أنها مفارقة لأن الكثيرين من الذين عاشوا ظروف حياتي وعاشوا الفترة التي عشتها لم يكن في بيتنا سوى كتاب واحد هو القرآن.

أحمد الزين: كان معظم بيوت العرب..

أمجد ناصر: على الأقل في تلك الفترة لأني أنا لم أولد في عائلة مهتمة بالقراءة أساساً، والدي كان عسكرياً ضابطاً في الجيش، كانت والدتي أمية، محيطي بالكامل كان محيط يشتغل يحترف العسكرية محيط عسكري محيط بدوي، ولكن الكتابة والقراءة كانت شيء يعني لا أقول نادر شبه نادر، لذلك في بيتنا لم يكن إلا هذا الكاتب القرآن.

أحمد الزين: أيضاً نلاحظ في نصّك أنك لم تبرأ من الحنين إلى المطارح الأولى، السؤال هو: هل الحنين إلى تلك الأمكنة هو مغالبة خاسرة ربما مع فكرة الموت والحياة ومع الوجود؟

أمجد ناصر: نعم هي مغالبة خاسرة هي نوع من بحث عن الزمن الضائع إن جاز التعبير، لا يمكن استعادة .. ما مضى مضى لا يمكن استعادته، أنت تستعيد صوراً من الماضي، ولكن ربما لأنك في طريقك إلى استعادة صور هذا الماضي كأنك تريد أن تتغلب بها على فكرة هذا الزمن الذي ينقضي بسرعة، فكرة مواجهة استحقاقات لها هذا الطابع الحاسم الفيزيقي الذي أشرت إليه، وربما أيضاً لها وظيفة التغلب على الحضر..

أحمد الزين: لأنه ربما الهناءة كانت أكثر وفرة؟

أمجد ناصر: ربما، ولكن دعني يعني أفاجئك إذا قلت أن طفولتي لم تكن طفولة سعيدة أبداً، يعني بمعنى..

أحمد الزين: ورغم ذلك..

أمجد ناصر: ورغم ذلك أظن كل.. ثلاثة أرباع طفولة البشر لم تكن طفولة سعيدة، ولكن مع ذلك الناس كلهم يصبون إلى تلك الطفولة بوصفها الفردوس الضائع..

أحمد الزين: يبدو أن مرارة الحياة عندما يشتغل العقل هي أكثر ضراوة بكثير من كل الضراوات في قساوات الطفولة التي تمارس من الأهل أو المدرسة..

أمجد ناصر: صحيح ولكن هناك اتجاهاً عاماً عند البشر على اعتبار دائماً أن الماضي هو أفضل من الحاضر دائماً.. دائماً، ولكن لا أعرف طبعاً مصدر هذا الشعور في الواقع، ولكن دعني أقول عندما أتحدث عن الطفولة هناك سر على.. أظن علماء النفس أن يسبروا أغواره، ما هو سر الطفولة؟ هذه الطفولات التي نتحدث عنها، طفولات كل الكتّاب، ثلاثة أرباع الكتاب، معظم الكتاب لم تكن طفولات سعيدة ورائعة بالمعنى المادي أو المرفه للكلمة كانت الطفولات ربما يعني صعبة إن لم تكن شقية، ومع ذلك دائماً لا يكفوها عن العودة إلى هذه الطفولة بوصفها فردوساً مفقوداً..

أحمد الزين: طيب أمجد تقول ما يُكتب اليوم من الشعر الحديث أو الشعر المنثور هو لا ينتمي إلى القصيدة ولا إلى الشعر يعني ما له أي علاقة، يعني أنت شو مفهومك لقصيدة النثر؟ يعني أو كيف تقرأ قصيدة النثر؟ وأنت.. يعني في كل ما كتبت تقريباً تكتب النثر إذا صح التعبير يعني قصيدة النثر؟

أمجد ناصر: يعني أحمد دعني أختلف معك في تقييمك لموضوع ما يُكتب الآن، أنت قلت أن معظم ما يُكتب الآن لا ينتمي إلى..

أحمد الزين: أنت تقول مش أنا..

أمجد ناصر: لا أنا لم أقل ذلك.

أحمد الزين: بلى في أحد الصحف تقول تحديداً: ما يُكتب من الشعر اليوم تحت يافطة قصيدة النثر ليس بقصيدة نثر.

أمجد ناصر: لا ينتمي إلى قصيدة النثر، نعم، هذا الشيء.. نعم.. هذا شيء آخر، الآن لديّ مفهوم تطوّر لاحقاً أو على الأقل اكتشفته لاحقاً من خلال إقامتي في لندن، من خلال علاقتي مع الغرب القراءات، الاحتكاك بالمثقفين، معرفة أن قصيدة النثر ما هي طبعاً.. يعني لا سر في ذلك أن قصيدة النثر بالأساس ليست ذات منشأ عربي قصيدة النثر هي نتاج لحظة معينة من تطور الشعرية الغربية وتحديداً الشعرية الفرنسية، نتحدث هنا عن مودلير مثلاً على سبيل المثال بوصفه أحد آباء هذه القصيدة، قصيدة النثر العربية دخلت في لحظة التباسات كبيرة بدءاً من التباس الاسم نفسه.

أحمد الزين: طيب أحياناً يعني تتناول الموضوعات التاريخية أو يعني تكون حاضرة بين الحين والآخر في تجربتك، يعني لماذا بتقديرك يذهب الشعراء إلى التاريخ ليتكؤوا على حكايته ويؤسرهم ذلك النص وذلك القص، ليش يذهبوا للتاريخ الشعراء يعني ويتكؤوا على حكاياته؟ لأنه فيه.. لنتيجة بعدك الزمني أكثر سحراً تصير يعني أو يستدعوا رموزاً من التاريخ لقول ما ينبغي أن يُقال في الحاضر؟

أمجد ناصر: الشاعر عندما يذهب إلى التاريخ لا يذهب إليه كمؤرخ، المؤرخ موجود لن يزيد الشاعر شيئاً في عمل المؤرخ، هذا النص التاريخي معطى وموجود في الكتب وبين.. وفي الوقائع الشاعر عندما يذهب إلى التاريخ ينبغي عليه أن يذهب إلى ما لم يكتشفه المؤرخ في التاريخ، أن يذهب إلى الجانب دائماً أسميه الجانب الوجودي أو الوجداني لهذا التاريخ، أنا ذهبت إلى أيضاً غرناطة وإلى أبي عبد الله الصغير تحديداً، ولكن ليس هو أبو عبد الله الصغير الذي رأيناه في الكتب وفي المسلسلات وفي الدراما التلفزيونية العربية، ولكن كان هناك أبو عبد الله آخر أبو عبد الله الخاسر الذي لا يخسر فقط ملكاً وحكماً، ولكن يخسر حلماً، يخسر حلم طفولة، يخسر حلم غرناطة كجسر للعلاقة بين الذات والآخر، خلينا نتذكر أن غرناطة تلك كانت هي اللحظة التي تحققت فيها هذا اللقاء السعيد بين الأنا والآخر.

أمجد ناصر: خط العتبة وادخل البيت بخفقة الضوء هذه شيع الممسك رمحاً طويلاً على باب الليل إلى ذويه الذين افتقدوه، خط العتبة وادخلي بقدم السعد، الوعد قاب قوسين أو أدنى، الدهر سياف الفصول يحني هامه فنشبّ ونشيب في بارق كاحلكِ، خط العتبة وبسملي ففي كل لفتة منك يطير سرب يمام أشد بياضاً من سريرة النائم، ومع كل فتلة لك يهتدي قمر ضال إلى مداره، بيدك اليمنى اطبعي كف الحناء على قنطرة البيت، فليل الليالي كلها عندما تضعين قدماً على العتبة مرغماً يبيض.

أحمد الزين: كانت السنوات تمر هنا وتعلن ساعة لندن عن وصولها بغفلة ربما، وكما يقول أمجد في رعاة العزلة: أرأيت نحن لم نتغير كثيراً وربما لم نتغير أبداً، الألفاظ المشبعة النبرة البدوية العناق الطويل السؤال عن الأهل والمواشي الضحكة المجلجلة رائحة الحطب القديم الحطب المخزن في الحظائر ما تزال تعبق في ثيابنا كأننا ما اجتزنا حدود الشمال إلى المدن الكبرى والسواحل، تلك هي المحطة الأطول في ترحالات أمجد ناصر، المحطة التي جمع بها حطام السنوات خلفه وألّف لفنولها قصائد الخسران.

أحمد الزين: يصفك البعض بالرحالة يعني هل أنت في حقيقة نفسك الآن لديك هذا الميل للمشي للرحيل ولا أدري إلى أين؟

أمجد ناصر: أنا أعتقد أنني فيّ من أسلافي أكثر مما فيّ من حاضري، بمعنى ما هو من تاريخ أهلي وأسلافي كبدو يترحلون بالمكان ويعبرون فيه أكثر مما فيّ من حاضري، حاضري مليء بالقيود كحاضر كل العرب كل البشر ربما أيضاً، هناك قيود هناك جوازات سفر وهناك حدود، ولكن فيّ هذا الحلم أو هذا الإرث أو جينات السفر القديمة إذا جاز التعبير، الناس الذين كانوا يترحلون من مكان إلى آخر بدون هذه المواضعات المعروفة الآن وتحويل البشر إلى أعلام وطنية وأناشيد وجوازات سفر، كل هذا الفلكلور البائس برأيي الشخصي أنا خصوصاً عندما يكون الأمر يتعلق بالمكان العربي وفعلاً بائس هذه وطنيات صغيرة جداً وجغرافية تم تمزيقها وتركيبها ربما في عمر آبائنا، أنا والدي يشهد تمزيق هذه الجغرافية وتركيبها وتحويلها إلى كتل مصمتة، إلى أسوار صينية تعزل بينها، إذاً أنا فيّ من هذا البدوي القديم بدوي الأجداد والسلف أكثر مما فيّ من هذا المدني أو الواقع الذي نعيشه كمتمدن ربما أكثر من مدني.

أحمد الزين: طيب يمكن لهذا السبب أنت ذات يوم ذهبت برحلات أخرى ليست في الجغرافية في النفس يعني حاولت هيك أن تذهب في نفسك ومارست نوعاً من العزلة لبعض السنوات؟

أمجد ناصر: نعم فعلت هذا الشيء، وقعت تحت إغواء النص الصوفي وسحبني هذا الإغواء إلى أمكنة بالنسبة إلى الصوفية هي لا شيء، هي نصف خطوة ربع خطوة ربما، ولكن بالنسبة لي أنا المسحوب من الأرض والحس المغرق بتفاصيل الحياة اليومية وأثقالها ومتعها طبعاً بدون شك كان أكثر من خطوة، كان كأنه كان خطوات بعيدة، ولكن عندما أنظر الآن إلى هذا الذهاب أراه بمعيار الذين ذهبوا فعلاً وتحققوا هناك هو مجرد ربع خطوة، أقل من خطوة حتى إحنا أقل من خطوة، يعني هو مجرد إطلالة دعني أقول إطلالة على هذا المشهد، أنا أطللت على هذا المشهد وعدت لأنني..

أحمد الزين: ليش عدت؟ لماذا عدت؟ خفت؟

أمجد ناصر: خفت لأني شعرت أنني مشدود إلى ما هو آني إلى ما هو حاضر إلى كثافتي المادية والجسدية، هذه الكثافة الكبيرة التي حاولت أن أتغلب عليها أن أرقى على هذه الكثافة، أن أرقى في مدارجها إلى الأعلى، ولكن دون جدوى لأني اكتشفت أنني مليء بما هو أرضي، مليء بالصراعات، مليء بالاحتدامات والاضطرابات يعني المادية والحسية..

أحمد الزين: لن تنجو من الدنيوي الذي فيك يعني؟

أمجد ناصر: لم أنجُ.. الدنيوي الذي فيّ كان أقوى من أن يطلق جناحيه أو يطلق خطوة إلى ذلك الفضاء، أحمد هذا الفضاء إذا ذهبت إليه ليس هناك عودة منه.

أحمد الزين: طيب لو تحدثنا عن المحطات الملهمة في تجربتك أين تقع هي تلك المحطات؟ فينا نقول شيء من عمان، وشيء آخر من بيروت، شيء آخر من ربما من اليمن، من قبرص، شو هي المحطات أنت اللي هلأ إذا بدك تتأمل فيها لتلك التجربة تحسها أكثر إلهاماً أكثر غنى يعني شحنتك يعني حطتك على السكة لا عودة منها؟

أمجد ناصر: طبعاً أنا بظني أن هناك ثلاث محطات أساسية بهيك تجربة، المحطة الأولى هي عمان، أنا أصلاً لست عمانياً..

أحمد الزين: أنت من الأطراف..

أمجد ناصر: نعم من الأطراف من الصحراء، عمان كانت أول مدينة حقيقية مدينة من حجر وزجاج ومن مساء ومن أحلام ومن خيبات، المدينة الكبيرة كانت الأولى عمان، وهنا بدأت أنا أعتقد أولى تجاربي الشعرية الناضجة الفعلية في عمان والتي تحققت في عمل مديح لمقهى آخر، المرحلة الأساسية الثانية الكبرى والفاعلة حتى إلى يومنا هذا ما تزال ساحرة ولها خصوصيتها هي بيروت، بيروت التي جئتها وكانت بيروت السبعينات يعني، كانت بيروت رغم الحرب كانت بدأت الحرب الأهلية وكانت تغلي وتضطرم ليس فقط بالبنادق ورائحة البارود ولكن أيضاً بالأفكار والشخوص والأحلام والكتب والإبداع، كانت بيروت مفتوحة على أربعة رياح العالم هذه بيروت التي جئتها مع أنني قطعت المسافة بين عمان وبيروت ربما في ساعتين أو نحو ذلك بالسيارة، ولكن كأنني قطعت من عالم إلى عالم.

أحمد الزين: يقول شوقي بزيع في شعر

أمجد ناصر: إذا كان البعض يجد في الرواية دون غيرها ديوان العالم الجديد، فقد أدركت بالقراءة المتأنية أن أمجد ناصر عثر على الصندوق الأسود الذي يفكّ لغز الحقيقة الشعرية المتوارية خلف حطام الكتابة المأزومة كالحياة نفسها، فمنذ بداياته يظهر أمجد ناصر قدرة فائقة على الإمساك بناصية القصيدة ويقول أدونيس أيضاً في شعر أمجد: أقرأ شعر أمجد ناصر بشغف قارئ يحرص على أن يستقصي أسرار الكتابة الشعرية فأرى في هذا الشعر طريقة مفردة في تحرير الكلمات من ذاكرتها وإطلاقها من جديد في حركية مضيئة نحو فضاء آخر.

أحمد الزين: أمجد أنت قد تكون من بين أكثر الشعراء الذين تعرضوا للمديح بين هلالين كلمة مديح من قبل زملائهم الشعراء يعني عادة نادراً ما شاعر يمدح شاعر يعني، فيه معظم ما كتبت كتبوا عنك شعراء وليس نقاد فقط أمثال مثلاً عباس بيضون أدونيس شوقي بزيع محمد علي شمس الدين ربما عبده وازن وآخرون لا أذكر كل أسمائهم، يعني بتقديرك هل هذا لشعريتك أم نتيجة صداقات معينة؟

أمجد ناصر: والله أنا أظن هذا كرم منهم، طبعاً الصداقات بالمعنى أن تتواجد في الفضاء نفسه وأن تكون ضمن هذا الحيز الثقافي والشعر العربي أعتقد أنها واردة يعني، ليست بالضرورة صداقات شخصية بمعنى نحن أبناء مشهد شعري واحد في فترة من الفترات كنا أبناء أيضاً رقعة جغرافية واحدة ضمّنتنا بيروت، كل هذه الأسماء وغيرها أيضاً مما لم تذكر ضمّتنا بيروت لما كنا موجودين هناك وهناك علاقات شخصية، أريد أن أفكر أن الأمر لا يتعلق بمجرد الصداقة الشخصية.

أحمد الزين: بمستوى آخر يعني أيضاً هناك ميل للتهكم أحياناً بالسخرية السوداء الموجعة، يعني هل هذا التهكم هو بتقديرك لاحتمال وحشة العالم أو الوحدة أو..؟

أمجد ناصر: ربما هي تعويض نقص أساساً موجود فيّ أنني أنا شخص عابس عاقد الحاجبين فربما يمكن نوع من.. وهي إذا لاحظت هي هذا التهكم هو تهكم من الذات بالدرجة الأولى بقدر ما هو تهكم من العالم، ولكن بالدرجة الأولى هو تهكم من الذات، ربما كنت أحتاج إلى سد هذا النقص الفادح في شخصيتي الجدية ربما أكثر من اللازم.

أحمد الزين: كم من مرة ضعت في هذا العالم اللندني؟ وعندما كنت تضيع مثلاً على شو كنت تعثر؟ شو تلاقي؟

أمجد ناصر: دائماً يعني كنت كلما يعني أضيع في لندن أعثر على نفسي.

أحمد الزين: دائماً أعثر على نفسي في مرآة الآخرين، وفي لندن يستكمل أمجد بحثه عن صورته وربما عن صوره التي تجلت في العديد من الأعمال الشعرية نذكر منها مديح لمقهى آخر ومنذ جلعاد رعاة العزلة ووصول الغرباء وسر من رآك، إضافة إلى كتابين في أدب الرحلة وإصدارات أخرى لمختارات من قصائده التي تُرجمت أيضاً إلى أكثر من لغة.أمجد ناصر البدوي ابن رجل الأمن المولود سنة 1955 هنا في لندن يزاول فعل الحياة والشعر ومنادمة الأصدقاء رافعاً نخب الحياة والأمل.