غسان سلامة

أحمد الزين: الرسالة المنتظرة أو غير المتوقعة في صندوق البريد قد لا تصل أو تصل متأخرة، وعندما يتفقد المرء يومياً صندوق بريده لم يكن غالباً بهذا الهاجس، ثم أن هناك من يعلم سلفاً بالرسائل المحتملة الوصول، أما الحياة اليومية كمثل الذهاب إلى سوق خضار وانتقاء الفاكهة والخضار فهو أمر حبذا لو كان يشبه انتقاء الجميل من الأيام والأعدل في حياة ومصائر الشعوب. هذا المواطن الباريسي حالياً يبدو هاوٍ للمطبخ، ويجيد التفنن في تحضير وجبات شهية، فمطبخ الطعام هين بما لا يقاس أمام مطابخ السياسة والقرارات، وغالباً فوائده أكثر رجاءاً ومتعة وصحة هذا إذا عرف المرء المقادير ومهل الاستواء، تبدو الصورة أننا ذاهبون لتحضير وجبة طعام مع غسان سلامة، في الواقع قد تبدأ المسألة على هذا النحو دون تخطيط لتنتهي إلى حوارٍ في مطابخ الأمم في مستواها السياسي والثقافي والأمني. غسان سلامة رجل الفكر السياسي وأستاذ العلاقات الدولية صاحب المبادرات والأفعال حين تلتقيه بغاية رسم ملامح لسيرته يذهب بك الحوار مباشرة إلى السياسة وتخرج عن الموضوع الأساس، يذهب الحوار إلى أكثر من موقع ودور ومستوى، من العراق إلى بيروت إلى نيويورك إلى الجامعة العربية وإلى علاقات وحوادث، وبالنهاية تتكون من مجريات اللقاء أو تتلخص رؤية هذا الخمسيني من مسار الأحداث، يبدو هو طباخ في مقدار لبعض القرارات ومساهم في صياغاتها وبلورتها، وللتذكير أو للأمانة أن هذا اللقاء بغسان سلامة تم في نهايات آب من عام 2005 كان الطقس حاراً في باريس، وكان أيضاً المناخ السياسي حاراً ومشتعلاً في أكثر من مكان ولم يزل.

طبعاً الواحد يحتار من وين بده يبلش مع الدكتور غسان سلامة مع حفظ الألقاب الأخرى وزيراً ومستشاراً، نتيجة تعدد مهامك وأشغالك واهتماماتك، ولكن عندما يلتقي المرء بغسان سلامة في سؤال يطرح نفسه، انطلاقاً من موقعك كمستشار للأمين العام عن شؤون العراق، يعني كيف ترى صورة تلك المأساة إلى أين تذهب تلك المأساة التي أنت كدت أن تكون أحد ضحاياها ونجوت منها يعني؟

غسان سلامة: طويلة مأساة العراق ستكون طويلة، هناك جهل أميركي مطبق بطبيعة المجتمع العراقي، هناك أعتقد مطامح لدول مجاورة للعراق بالسيطرة عليه، وهناك مجتمع عراقي ضائع بين ماضٍ منبوذ لدى الأكثرية، وحاضر صعب للغاية ومستقبل غامض الملامح، لذلك المأساة ليست على وشك أن تنتهي، ولا يبدو لي أنها بلغت من النضج حداً يمكن لنا أن نقول بأنها ستنتهي، لقد حذرت مراراً وتكراراً في المرحلة التي سبقت الحرب بأن هذه الحرب التي كان الأميركيون مزمعين على القيام بها ليست هي الحرب الأولى والأخيرة في العراق، ولكنها ستكون ولاّدة لحروب أخرى، حرب تحرير أو ما يشبه ذلك وقد تم ذلك، مشروع حرب أهلية وهناك أيضاً ملامح على ذلك، إمكانية تدخّل دول الجوار العسكري في شؤون العراق وهذا ما يحصل بطريقة غير مباشرة حالياً وقد يحصل بطريقة مباشرة، ليس لدي أي ندم على سقوط النظام السابق في العراق.

أحمد الزين: ولكن..

غسان سلامة: ولكن التكلفة أغلى بكثير من بقاءه.

أحمد الزين: طيب إذا كان هناك من درس.. من درس تحقق نتيجة هذه الحرب، هذا الدرس استفادت منه أميركا أولاً، ثم الجوار والمنطقة بشكل عام، هل قرأ بعض ملامح هذا الدرس؟

غسان سلامة: أكيد أن كل مبدأ الحرب الاستباقية التي كانت المفهوم الأساسي في نظرية بوش الإستراتيجية قد سقطت في العراق، كل فكرة أنه بالإمكان القيام بحروب لأهداف لا تتعلق بأخطار محدقة بأميركا أو بالنظام العالمي سقطت في العراق، وثانياً سقط أيضاً مفهوم الحرب السريعة لأنه من الواضح أن الحرب بصورتها التقليدية انتهت كما قال بوش في واحد آب 2003 بعد أسابيع قليلة على البدء بها، ولكن عندما كان يقول أن الحرب انتهت الحرب الفعلية في العراق كانت تبدأ، وهي حرب الكل ضد الكل، حرب داخلية إلى ما، حرب مع الجوار إلى حد كبير، وحرب أيضاً مع الأميركان إلى حد ما.

أحمد الزين: غسان سلامة لمن يعرفه في بيروت بين نهاية سبعينات القرن العشرين وبداية الثمانينات زمن الاجتياح الإسرائيلي كان مشتغلاً بالسياسة، منحازاً للقضايا الشاغلة للوجدان العربي العام وفي مقدمتها قضية فلسطين كمعظم ذلك الجيل المثقف الذي بدأ الآن يطوي خمسينات العمر، وكان غسان سلامة مهتماً بالفنون والإبداع عامة وبالمسرح بشكل أكثر حماسة، فهو المثقف الذي اشتغل على ذاته لكأنه رسم مساراً لدور ما سيقوم به ولموقع أو مواقع ستسعفه على ذلك. هنا في باريس لم تتغير اهتمامات غسان سلامة رغم تعدد انشغالاته ما بين الأمم المتحدة مستشاراً للأمين العام، وبين الجامعة حيث يحاضر في العلاقات الدولية وبين همومه اللبنانية والعربية بشكل خاص، هنا في باريس الشعور بالفضاء الرحب والحرية يسمح لمن لديه هكذا اهتمامات أن يُعبر عنها في مستواها العملي، وأيضاً في مستواها النظري تحليلاً وبحثاً وتأملاً، ولقد كتب في ذلك العديد من الأعمال تناولت عناوين أساسية في حياتنا السياسية والفكرية والاجتماعية، وفي مفهوم الدول ونشوئها ومستقبلها، وفي قضايانا الراهنة والمصيرية إلى كتابه الأخير عن "كيف تعيد أميركا تشكيل العالم" وفي كل ما يكتب لكأنه يشير إلى ضرورة المشاركة في صناعة وصياغة المستقبل خشية أن تبقى هذه الأمة خارج التاريخ وعلى هامش الزمان أكثر مما هي عليه.

أحمد الزين: طبعاً أنت بدأت حياتك المهنية كاتباً، وطبعاً إضافة إلى اهتماماتك الأخرى في السياسة، وأول كتاب حققته هو اسمه "المسرح السياسي في لبنان" وآخر كتاب صدر حديثاً في باريس هو عن "كيف تعيد أميركا تشكيل هذا العالم" طبعاً الفرق بالزمن طويل، ولكن هناك فرق بالاهتمام، يعني فيما لو سلمنا مثل ما يقول زياد الرحباني الفنان اللبناني إنه نحنا عم نعيش فيلم أميركي طويل، بتقديرك كيف ينبغي أن نكافح كي نلعب دوراً آخر غير الدور المفروض علينا كضحايا وندفع الثمن؟

غسان سلامة: أعتقد أننا نعيش في عصر الخيار الحقيقي هو بين الاشتراك أو عدم الاشتراك..

أحمد الزين: ب..؟

غسان سلامة: بما هو حاصل في صيرورة العولمة الثقافية والمالية والإعلامية وما شابه، الذين حالياً بين العرب ما زالوا يشتمون العولمة هم أبناء عصر سابق، وهم أصبحوا عقبة أمام العرب الآخرين لكي يتقدموا، صيرورة العولمة سائرة، وهي إلى حد كبير لا إيجابية ولا سلبية، هي ثورة تكنولوجية سريعة جداً أسرع من الثورة الصناعية، وبالتالي فإن شتمها هو شتم إمكانية بناء المستقبل، وهو شتم إمكانية الانخراط في الحاضر، وبالتالي فإن أفضل الأمور.. أسوأ الأمور التي يمكن أن تحصل للعرب هو أن يُهمشّوا في النظام العالمي الجديد الذي هو قيد التكوين حالياً، أن يهمشوا..

أحمد الزين: يعني مش مهمشين بتقديرك الآن إلى حد ما؟

غسان سلامة: يعني يمكن المزيد من التهميش، مثلاً حول العراق تؤدي إلى مزيد من تهميش العرب.

أحمد الزين: يعني هذا السؤال أو يجرنا لسؤال آخر الحقيقة هو عن انتباه العرب ربما إذا صح التعبير كلمة انتباه العرب والإسلام إلى توضيح صورتهم لدى الآخر وربما لدى أنفسهم أيضاً، أو تصحيح هذه الصورة التي يُقال أنها شوهت، هو السؤال يعني من شوه هذه الصورة، ومن سعى إلى غموضها فيما لو كانت هي غامضة؟

غسان سلامة: أنا لا أوافق على التشخيص أولاً، أنا أعتقد أن الغرب يعرف العرب أكثر بكثير مما يعرف العرب الغرب وبالتالي هناك عدم تساوي لكن لمصلحة الغرب، الغربيين يدركون حقيقة المجتمعات العربية ويعرفون عن الثقافة العربية أكثر بكثير مما يعرف العرب عن الثقافة الغربية أو عن..

أحمد الزين: عن ثقافتهم.

غسان سلامة: عن الثقافة الغربية، وبالتالي فإنني أدعو لوقف أي جهد لتحسين صورة العرب في الغرب، أي جهد أوقفه، أنا ضد قناة تلفزيونية عربية لإظهار صورتنا الحقيقية في الغرب، أنا ضد العمل ودفع الأموال الطائلة كما هو حاصل حالياً لشركات العلاقات العامة في أميركا و أوروبا لتحسين صورة العرب في الغرب.

أحمد الزين: يعني هي الصورة أمام الغرب بشكل عام هي صورة جيدة واضحة غير مشوهة بتقديرك؟

غسان سلامة: إلى حد كبير موضوعية، إلى حد كبير موضوعية إلى حد كبير.

أحمد الزين: وأنت موافق على هذه الصورة؟

غسان سلامة: إلى حد كبير موضوعية، إلى حد كبير موضوعية، المشكلة أن هناك خلافات سياسية بيننا وبين الغرب، هناك خلاف حول فلسطين، هناك خلاف حول العراق، هناك خلاف حول السيادة الوطنية، هناك خلاف حول المساواة في المنظمات العالمية، هناك خلافات سياسية مع الغرب، وبعدين إذا كانوا العرب بدهم يشتغلوا بصورتهم بالغرب عليهم أن يعرفوا الغرب بطريقة أفضل لكي يتمكنوا من إقناعه بوجهة نظرهم، لكن إذا مثل ما هو حاصل اليوم نرى هذا التقهقر المريع في تعلم اللغات الأجنبية في المدارس العربية، نرى هذا الضعف الهائل في حركة الترجمة من وإلى اللغة العربية، نرى هذا التعامل السهل من خلال الجولات السياحية.

أحمد الزين: من المسؤول عن ذلك؟

غسان سلامة: نحن الحكومات العربية.

أحمد الزين: يعني ما بذلت الحكومات أي جهد عبر وزاراتها المختصة أنت حضرتك كنت سابقاً وزيراً للثقافة طبعاً، يعني ما بذلت ما انتبهت ذات يوم إنه هي مفروض تقدم مثقفيها وحضارتها الفكرية والثقافة للآخر، وتترجم الآخر إلى يعني إلى لغتها.

غسان سلامة: يعني أنا بعرف دور نشر في ألمانيا في فرنسا في أميركا..

أحمد الزين: لأنه هذا عدم الاهتمام نتيجة إهمال فقط أم نتيجة شيء يعني؟

غسان سلامة: مزيج، هناك أولاً الاحتقار شبه العام لدى الحكومات العربية لكل ما هو ثقافي، ثانياً عندك موضوع محاولة إبراز الهوية الذاتية لأن الدولة بدها أسباب جديدة للشرعية على حساب وجود ثقافة عربية شاملة، وفيه شيء ثالث هو ربما أهم شيء وهو إن الثقافة ليست سلعة وبالتالي التعامل معها يكون من خلال الاكتشاف الدؤوب من خلال التفهم طويل الأمد، مش من خلال البيع والشراء، وهذا ربما ما لم يفهمه عدد يعني من القادة العرب، بس أنا أؤكد لك أن دور النشر الغربية إذا بتقول لها فيه روائي عربي جميل يكتب قصص عربية ممتازة ستبحث عنه بالفتيل والسراجة لترجمته.

أحمد الزين: هناك صور تبقى راسخة في البال، كهذه الصورة التي يبدو فيها غسان سلامة من الناجين القلائل يوم فُجّر مقر تابع للأمم المتحدة في بغداد وتحول إلى ركام، إنه الإرهاب صناعة من صناعات الحروب، وفي الغالب ضحاياه هم مدنيون دون استثناء، وبالطبع هناك الكثير من الأسباب التي تحمل أو تجعل العديد من الأفراد يختارون هذه الطريق القاتلة والتي لا عودة منها، وبحكم الموقع الذي يشغله غسان سلامة في الأمم المتحدة لابد أن يكون لديه قراءة لهذه الظاهرة أو على الأقل التأمل في بعض أسبابها.

أحمد الزين: فينا نربط يعني نربط صناعة الإرهاب بصناعة الحروب، يعني بروز هذا يعني هذا المد من الأصوليات الآن يعني بتقديرك هي مثل كأنها مغذية رافد أساسي لصناعة الحروب التي تدر أموالاً أحياناً؟

غسان سلامة: هذا موضوع معقد، أولاً موضوع الإرهاب له علاقة بصعود الأصوليات ولكن مش بس فيها، يعني هناك إرهاب لا علاقة له بالأصوليات، عشنا على وقعه خلال كل القرن العشرين، مثلاً الحرب العالمية الأولى بدأت بعملية إرهابية ليس علاقة بالأصوليات لها علاقة بالفكر القومي، إذاً هناك ظاهرة هي ظاهرة الإرهاب، الإرهاب إجمالاً كان جزءاً من الحروب وليس بديلاً عنها، يعني مثلاً بالحرب الأهلية الأميركية كل جنرالات الحرب الأهلية الأميركية استعملوا الإرهاب، شو يعني الإرهاب؟ يعني المس بالسكان المدنيين للضغط على نظام القوى العسكرية، فتم تجويع تم حرق محاصيل، تم اغتصاب نساء، يعني كل الوسائل يلي هي وسائل إرهابية تم استعمالها في عدد كبير من الحروب، الشيء الجديد اليوم هو أن الحروب التقليدية باتت صعبة للغاية، أولاً بسبب وجود السلاح النووي، وثانياً بسبب يعني انتهاء الحروب على الحدود، الحروب الحدودية ما عاد لها طعمة في العالم اليوم، لذلك ما هو جديد هو أن الوسائل الإرهابية التي كانت بالإجمال جزء من العمليات العسكرية صارت هي العملية العسكرية أو جوهر العملية العسكرية، شو اللي حاصل حالياً إنه مثلاً المواقع السياحية بالعالم سبب نمو هذا العنف غير المنظم تتحول تدريجياً إلى قلاع، بمعنى إنه صار اليوم السائح الألماني يترك ألمانيا يروح مثلاً على تركيا ينزل في مطار ما يعرفه مطار صغير يفتح بس بالصيف، يروح منه إلى قلعة على البحر والقلعة معزولة عن بقية الأراضي التركية أو المصرية وما شابه، اللي حصل بشرم الشيخ مثلاً هو إشارة إلى أن هناك أيضاً ضغط على القلاع السياحية الجديدة، هون يمثّل العنصر الثقافي لأنه وقت اللي كان مارتين أو درفال أو حتى بده يروح على مصر يروح يتجول بالشوارع بالأزقة بالأسواق القديمة، إذا اليوم بدك تأخذه فقط على شرم الشيخ وتعزله هونيك وترده، طيب شو بيكون تعرّف على الحضارة المصرية، شو بدك تعرّف على الشعب المصري شو بيكون تعرف الخ.. لذلك العنف هذا النوع من العنف الذي ينتشر اللي بعض أشكاله إرهابي يغيّر في الحياة اليومية وفي إمكانية الالتقاء الثقافي، وفي إمكانية فهم الآخر يغيّر فيها بطريقة كثير كثير عميقة.

أحمد الزين: كثير عميق هذا التحليل الحقيقة، طيب نحنا عم نحكي عن النتائج ما تناولنا الأسباب، حضرتك طبعاً في الأمم المتحدة مستشار لا بد بما أنه أنت على إطلاع ربما للأسباب التي تؤدي إلى هذا العنف أو تهيئ له، يعني الفقر..

غسان سلامة: الأمم المتحدة لأي مثقف مكان محبط، لأنه تتكلم به الدول كدول وبالتالي لا تقول الحقيقة ولكن تقوم ما يناسبها، وبالتالي تقارير الأمم المتحدة مش هي المصدر لفهم هذه الأمور، أنا بالحقيقة أماكن أخرى لاسيما يعني مهنتي الأساسية اللي هي الجامعة وتلاميذي ودكتورات تلاميذي هي تعلمني أكثر بكثير من تقارير الأمم المتحدة، وفيه خلاف حول الموضوع اللي عم تذكره فيه خلاف، طبعاً فيه عدد كبير من الناس يقول الفقر والتعتير والأمية هي أسباب اللجوء إلى العنف السياسي، هناك إثباتات إنه الثورة الفرنسية والثورة الروسية وحتى الثورة الإيرانية كان فيها أطراف ليسوا فقراء مدقعين معترين بحثاً عن خبزهم اليومي ناس عندهم قدر من الاكتفاء، مثلاً التنظيمات العنفية في مصر في السبعينات فيه دراسات كثير دقيقة عليها تشير مش الناس الأكثر فقراً همّ اللي قاموا بالانتماء لهذه الجماعات، ولكن طلاب جامعات أو ناس عندهم قدر من الاكتفاء.

أحمد الزين: هودي بيقوموا بانتفاضات من أجل تغيير معين يعني يقوموا بثورات فيها وعي، ولكن ربما استغلال بعض العناصر الآن استغلال شخص يعني ضعيف النفس معدوم للقيام بتنفيذ عملية معينة نتيجة وعود غيبية ربما يقوم بها، يعني هذا هو؟

غسان سلامة: أنا عم بحكي عن الناس اللي عم ينظّروا، أنت عم تحكي عن الناس اللي عم يُرسلوا إلى عمليات انتحارية وكذا.. لا هدول من نوع ثاني.

أحمد الزين: غسان سلامة متحدر من هذه البلدة في سفوح عيون السيمان كفر ذبيان المطلة على ثلج صنين، والمشرفة على غموض مدن الساحل وعلى أحلام من به شغف الاكتشاف، من هذه البلدة تدرج غسان سلامة على لغة والده أستاذ اللغة العربية نحو بيروت بين نهايات ستينات وأوائل السبعينات في القرن العشرين، حيث كان المد العروبي يخترق عميقاً وبعيداً نحو العواصم، وفي وعي ذلك الجيل الذي بمعظمه كان معجباً بشخصية عبد الناصر، ومنحازاً للثورة الفلسطينية رافعاً شعارات ذلك الزمان. بين بيروت وباريس تمم غسان سلامة دراسته في العلوم السياسية والحقوق، وكان هذا الصرح الجامعي محطة أساسية في حياته الأكاديمية، كلية الحقوق التي فتحت أمامه إضافة لاجتهاده البحثي دروباً نحو أكثر من عاصمة وموقع، التسكع قليلاً هنا في هذه المطارح يعيد إلى الذاكرة مشهد السبعينات وكيف رتب المرء آنذاك خياراته، ووضع بداية لطريق حياة ومسار تغير أو تعدل وفق الرؤى أحياناً وأحياناً أخرى نتيجة للظروف.

أحمد الزين: طبعاً بدايتك انخرطت في الشأن العام في الشأن العام في الشأن السياسي وكنت منحاز القضية الفلسطينية..

غسان سلامة: وما أزال..

أحمد الزين: ولم تزل وكنت كما نعلم وكما تذكر فتحاوي، يعني شو كيف أتيت إلى هذا الخيار وأنت من المكان اللي يعني ما بيجوا منه ناس كثير على يعني مؤازرة هذه القضية؟

غسان سلامة: أنا ما كنت فتحاوي بهالمعنى، في الحقيقة أنا تعرفت على الفكرة العربية بعد زوالها بمعنى أنه..

أحمد الزين: بعد زوال الأفكار القومية.. الأفكار القومية يعني.

غسان سلامة: بعد ضعفها وهزالها، أنا طبعاً المجتمع يعني يبدو في الظاهر إنه غير عروبي ولكن في الواقع هو عروبي، بأي معنى؟ بمعنى إنه يتمسك بالفكرة العربية وبالثقافة العربية، موضوع الانتماء الثقافي العربي بعكس ما صورة كثير ناس عن المسيحيين اللبنانيين محسومة، محسومة بالبيت، ومحسومة بالقرية، على كل حال أتمنى إنه الناس تنتبه إلى لغة مثلاً البطريرك صفير شو جميلة وشو دقيقة، وبالتالي الموضوع العربي محسوم، المسألة هي العروبة السياسية، العروبة السياسة هذه تعرّفت عليها بمفردي قراءة القرن العشرين، وبإعجاب بشخصية عبد الناصر بعد وفاته، أنا ما كنت أعرفه قبل وفاته، بس بعد وفاته.

أحمد الزين: يبدو دائماً كنت تعجب بالأفكار وبالآخرين بعد هُزالهم أو زوالهم..

غسان سلامة: المسألة إني أنا كنت ولد يعني وكنت أنتمي إلى محيط ما له علاقة بها، لكن بقراءة علمية للقرن العشرين أعتقد إن جمال عبد الناصر هو أكبر شخصية عربية في القرن العشرين، وأعتقد إنه ما رفعه وما ضربه هو القضية الفلسطينية، يعني في تحليل ما فيه ارتباط عاطفي بهالمعنى بقدر ما هو تحليل واقعي وموضوعي للقرن العشرين، لأنه العرب في القرن العشرين حاولوا يوقفوا على رجليهم، حاولوا يكونوا جزء من النظام العالمي بمنظومة بندو وبعدم الانحياز بالاستقلال، بدعم الثورات التحريرية بالجزائر وغير الجزائر، ولكن اصطدم العرب بالغرب مش على مثل ما هلأ دعاة آخر زمان يخبروني على أفكار ثقافية وحضارية كلام فارغ هذا كلام فارغ، اصطدموا على موضوع فلسطين، على موضوع سياسي، على موضوع دعم مطلق لإسرائيل من قبل الدول الغربية، التيار العربي القومي العربي إجمالاً بكل تفصيلاته عندما دخل في السياسة كان له جوانب مضيئة جداً ويجب اليوم أن نعيد التركيز عليها، وأهم هذه الجوانب المضيئة هو تبنيه للحداثة، الفكر القومي العربي تبنى الحداثة يجب أن يُهنئ اليوم على هذا الأمر، يعني كان جريء، متى اصطدم المشروع العربي بالغرب؟ اصطدم حول موضوع فلسطين، اصطدم حول تحويل روافد نهر الأردن، ثم حول حرب 67 إذاً موضوع فلسطين هكذا دخلت في موضوع فلسطين، بقراءة هادئة لسبب فشل أو هزيمة المشروع العربي في القرن العشرين.

أحمد الزين:هذه المدن التي تقيم فيها أو تعبر أحياناً تغار منها على بلادك، ثم أن هذه المدينة تستدعيك في كل مرة للتجوال والتسكع في ساحاتها، وهذا ما يولد لديه نوعاً من الحسرة على أوطان دمرتها الحروب، وأفسد هوائها وجمالها الاستبداد، ونهبت تاريخها وحاضرها ومستقبلها عصابات التخلف بمقدار ما شوهت صورة الإنسان، هذه المشاعر تراودك وتناقشها مع شخصيات عربية مقيمة هنا أو هناك من هذه المدن، تخاصمك الرؤية والموقف والهموم أحياناً، وتستنتج من كل حوار أو لقاء يتناول قضايانا أن ثقافة الحرية والتعدد والتنوع هي الضمانة التي توازي بمتانتها كثافة التاريخ في مدننا القديمة وهي القادرة على إعادة ترميم ما صدّعته أزمنة الطغيان، وملهمة لبناء حصون مستقبلية أعمدتها المعرفة والحرية، لهذا الرجل رؤية في كل ذلك أو في بعضه، وقد كتب في قيام الدول وزوالها، وفي المسألة الفلسطينية وهواجس السلام، وفي جوهر الصراع بين الشرق والغرب وهو حسب تحليله صراع سياسي، وتناول وجوه العنف والإرهاب والصراع العربي الإسرائيلي وقضايا مختلفة تخص هذا العالم.

أحمد الزين:في كتابك "المجتمع والدولة" اللي صدر من وقت بعيد تخلص إلى القول إنه يستحيل أن تعيش هذه الدول والكيانات اللي شرحت كيف تأسست كيف قامت كيف تشكّلت، يستحيل أن تعيش لأكثر من قرن، يعني بتقديرك هي منذ قيامها كانت تفتقد لأسباب بقائها؟

غسان سلامة: اللغة العربية كلمة دولة تأتي من دال يدول يذهب مع الريح، بينما كلمة دولة بالفرنسي أو الإنجليزي أو الألماني هي يعني تشير إلى البقاء والثبات، نحنا عندنا في تاريخنا كلمة دولة في التراث العربي.

أحمد الزين:أبو خلدون ذكر يعني..

غسان سلامة: نادراً ما استُعملت لحالها، يعني كان يقال دولة العباسيين دولة الأمويين دولة البويهيين يعني دولة كانت أداة..

أحمد الزين:دولة جماعات وليس دولة يعني..

غسان سلامة: أداة عند سلالة، وبالتالي عندما تخرج السلالة أو تسقط الدولة تسقط دولتها معها بينما فكرة الدولة بالغرب مختلفة، بمعنى أنه هي ثابتة تتغير السلالات على رأسها يتغير الرؤساء والملوك على رأسها تتغير الملكية الجمهورية ولكن الدولة تبقى لأنها عنصر قائم بذاتها، لا علاقة هي ليس أداة بالسلالة ولكنها عنصر قائم بنفسه على نفسه، إحنا ببلادنا أنشأنا سلطات لم ننشأ دولاً القرن العشرين اللي خلص من سنتين ثلاثة، بدأ بـ 27 دولة مستقلة وانتهى 191 دولة مستقلة، لكن القرن اللي قبله بدأ بحوالي 300 دولة وانتهى بـ 27، يعني الشيء اللي بدي قوله إنه عدد الدول المستقلة يكبر ويصغر عبر التاريخ، أحياناً يكون بالعشرات وأحياناً يكون بالآلاف، لذلك أنا أراهن إن عدد الدول بالعالم في القرن 21 سيكون مختلفاً جداً عن ما كان عليه، في العالم كله.

أحمد الزين:وتشير إلى هذا بكتابك اللي عن أميركا حالياً؟

غسان سلامة: طبعاً، يعني شوف مثلاً..

أحمد الزين:يعني فينا..

غسان سلامة: من 5 سنين كان فيه اتحاد سوفيتي هلأ صاروا 27 دولة، وبعدين شوف حتى أنظمتهم السياسية انطلقوا كلهم من نظام حزب واحد واقتصاد، هلأ صارا شيء بعدهم شيوعيين، شي صاروا نص شيوعيين، شي غيّروا يعني بدي أكسر الإيدولوجية اللي عم تحاول تبثها الأنظمة العربية بالكتب المدرسية بأن الدول شيء مقدس، الدول شيء غير مقدس.

أحمد الزين:حتى في الغرب الأوروبي؟

غسان سلامة: طبعاً، اللي عم يصير في أوروبا اليوم هو تجاوز فكرة الدولة من خلال..

أحمد الزين:همّ عملوا نوع من الاتحاد ولكن يعني إنه فيه مؤسسات يعني مثل ما ذكرت أنت هي ثابتة والناس إلى زوال يعني؟

غسان سلامة: أنا أعتقد إن أوروبا دخلت في مرحلة ما بعد الدولة ولا رجعة عن ذلك، يعني عملة موحدة، ضريبة تقريباً موحدة، حرية الاستقرار وحرية.. الولايات المتحدة لأ لم تزل في مرحلة الدولة، نحن في مرحلة هجينة، نحن في مرحلة هجينة يعني نحاول أن تكون لدينا كل وسائل الدولة الحديثة، وفي واقع الأمر فنحن نقلد صورتنا عن الدولة الحديثة، ونحاول الدولة بدنا علم إلنا علم، الدولة بدها نشيد وطني عملوا لها نشيد وطني، الدولة بدها دستور هاتوا دستور، الدولة بدها متحف وطني هاتوا متحف وطني، يعني نحاول أن نأخذ المظاهر الحقيقية، لكن بالـ 50 سنة الماضية إلى حد كبير الثقافة السياسية العربية أنتجت سلطات ولم تنتج دول، حتى الساعة يعني تخليص الدولة من ربقة السلطات القائمة عليها هو التحدي الأكبر لأي مناضل ديمقراطي في بلادنا.

أحمد الزين:غسان سلامة يقيم بشكل متقطع في هذه المدينة منذ السبعينات أتاها طالباً ودرس في جامعتها، ثم عاد إليها أستاذاً في واحدة من أهم صروحها الأكاديمية وتحديداً في هذه الجامعة معهد العلوم السياسية، والتي غالباً تخرج النخبة التي تدير الشؤون العامة رؤساءً ووزراءً وأساتذة وناشطين في الحقل السياسي، وليس من السهل عند الغالبية أن يدخلوا هذا الصرح طلاباً، كما أنه ليس من السهل أيضاً أن يتدرج المرء إليها أستاذاً في العلاقات الدولية. طيب دكتور غسان سلامة حضرتك أستاذ للعلاقات الدولية في جامعة باريس، هذه الجامعة بمعهد العلوم السياسية اللي يتخرج منها عادة أو تخرّج منها العديد من الرؤساء منهم يحكم الآن، ويبدو إنه هيدي الجامعة هي جامعة للنخبة الفرنسية، طيب كيف أنت وصلت إليها يعني؟

غسان سلامة: بالكتب، وبالتقييم الآخرين زملاء لإلي، يعني بدك مثل إذا في دولة ولا لأ، من يختار الأستاذ؟ الجامعة اللبنانية فات أعتقد بالحرب بين 200 و300 أستاذ بفضل الميلشيات همّ اللي عينوهم بالجامعة اللبنانية، في كثير من الدول بالنهاية المخابرات اللي بتعين الأساتذة أو على الأقل السلطة التنفيذية، إذا بدنا نبني دولة بدنا نبدأ من خلال اختيار الأساتذة لزميلهم، أنا زملائي اختاروني لهذه الجامعة، يعني قرؤوا كتبي سمعوا محاضراتي عرفوا إنه عملت هالشيء أو هالشيء فاختاروني في هذه الجامعة، وأعتقد إذا بدك تبني دولة بدك تبلش تعطي عناصر من سلطة الدولة للناس القيميين على الأمور، كيف يتم التعيين في جامعاتنا؟ هذا مدخل ممتاز إنه لنقول إذا بدنا نبني دولة حديثة ولا لأ، هل نعطي فعلاً الحق للزملاء باختيار كل زميل جديد؟ وهل مدير المخابرات ومدير الأمن السياسي أو شي مليشيا أو شي..

أحمد الزين:أو شي زعيم طائفي..

غسان سلامة: أو شيء زعيم طائفي أو يعني معسكر..

أحمد الزين:طيب يعني أنت تطمأن إلى موقعك في هذه الجامعة أكثر ما أطمأنيت إلى موقعك وزير للثقافة في لبنان لفترة من الزمن؟

غسان سلامة: أنا أعتبر وظيفتي الأساسية من 30 سنة هي الأستاذ وين موجود بأي جامعة مش مهم، لكن المهنة الأساسية التي أمارسها في الحياة هي أستاذ الجامعة، فصحيح إنه عندي تحديد لأستاذ الجامعة مختلف شوي عن بعض التحديدات السائدة، صحيح إنه أعتبر إنه لتكون أستاذ ناجح لازم كل فترة أخرج من الجامعة وأقعد لي 3 أو 4 سنين لأعمل شيء ثاني، صحيح أنا بالجامعة بشتغل مع الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى لأنه في نطاق مهنتي، وبالتالي على هالأساس صحيح إذا بدك فقط بالنسبة للموضوع اللبناني إيه صحيح أخذت فرصة فترة للاشتراك في اتفاق الطائف، أخذت فرصة ثانية للاشتراك مع الوفد المفاوض اللبناني مع إسرائيل في مدريد واشنطن سنة 1991 - 92 أخذت..

أحمد الزين:هل كنت مفاوض جيد آنذاك؟

غسان سلامة: ما كانش فيه مفاوضة، يعني اكتشفنا بعد فترة إنه الإسرائيليين ما بدهم يفاوضونا، الإسرائيليين جايين فقط يرهبونا بمعلوماتهم عن الإرهاب فما كان فيه مجال للتفاوض، بعدين السكة اللبنانية..

أحمد الزين:هل كان لك دور باتفاق نيسان 96؟

غسان سلامة: يعني فكرة اللجنة الخماسية بالحقيقة أنا طرحتها على الرئيس الحريري.

أحمد الزين:طيب نرجع للسؤال أنو أنت تطمئن إلى موقعك الباريسي في.. موقعك في الجامعي في؟

غسان سلامة: يعني مهنتي الأساسية..

أحمد الزين:مهنتك الأساسية أكثر مما تطمئن إلى كونك يعني وزير أو مستشار في الأمم المتحدة، تطمئن على المستوى العملي والمعنوي والمادي، ولكن هذا يخليني أسأل سؤال آخر يعني أنت كُلفت أو طُلب منك أن تكون وزيراً مرة الأخرى في حكومات اللبنانية ورفضت والرفض كان لأسباب أمنية؟

غسان سلامة: لأ أعرف الإشاعات اللي طلعت أنو خايف ومش خايف..

أحمد الزين:مش خايف أنت؟

غسان سلامة: يا حبيبي اللي يروح على العراق بتموز أو بحزيران 2003 مانّه من النوع اللي بيخاف، ما كان فيه حدا بالعالم بيقدر يجبرني روح على العراق رحت بكامل إرادتي ومستعد روح اليوم، إنما لماذا رفضت؟ رفضت لأني أنا مش قاعد بلبنان تا فوت بحكومة واطلع منها، أنا بدي ضب كلاكيشي بدي سكّر بدي أترك.. بدي لاقي حدا يأخذ كرسي التعليم تبعي، بدي وقف شغلي مع الأمم المتحدة، بدي أعمل كثير أشياء تا روح، وقت اللي بدك تعمل كثير أشياء تسكّر كتير أشياء لتروح على محل معين بدك تكون قادر إنك تشتغل لفترة طويلة، مثلاً بحكومة الرئيس ميقاتي.. بحكومة الرئيس الحريري سنة 2000..

أحمد الزين:اشتغلت لوقت طويل.

غسان سلامة: عارف إنها حكومة منبثقة من انتخابات نيابية، قاعدة على سنتين قعدت فوق السنتين ونصف، وفيه وقت لنوضع أسس وزارة الثقافة، بعدين كلفوني بتنظيم القمة العربية، بعدين القمة الفرانكوفونية، بعدين بالاهتمام بالجاليات بأفريقيا، يعني فيه وقت لتعمل أشياء تأسيسية، حكومة الرئيس ميقاتي عاشت..

أحمد الزين:لو كانت الحكومة بدها تعيش لأمد طويل كنت انخرطت فيها؟

غسان سلامة: إي، مثلاً..

أحمد الزين:ما فيه أي سبب يعني؟

غسان سلامة: في حكومة الرئيس ميقاتي طلب مني إني استلم وزارة التربية إلى جانب وزارة الثقافة، أنا أعتقد يعني على بالي أعمل وزير تربية ما بخفي عليك، بس على بالي أعمل وزير تربية لفترة لا تقل عن 3 سنين، عندي صورة واضحة عن شو بينعمل، بس أقول لك بصراحة بدو شرطين، الشرط الأول إنه يكون عندي فترة لا تقل عن 2.5 و3 سنين، ما بينعمل يعني مجموعة الإصلاحات والقوانين والمراسيم والتنفيذ والتمويل لأنه بدي أروح أشحد مصاري، أنا وزارة الثقافة رحت شحدت مصاري تا عملت اللي عملته، يلي لازم لهالشيء ما بيصير بأقل من 2.5 - 3 سنين حد أدنى، والشرط الثاني إنه بدك دعم سياسي قوي لأنك بدك تضرب بمواقع قوى ومواقع نفوذ ومواقع انتفاع لقوى حقيقة بالمجتمع، ما فيه عملية إصلاحية أو تغييرية بتصير برضا الجميع، يعني أنا أحبه لفؤاد السنيورة بس على بالي أنا عم خبره هالكلام من خلال هالبرنامج، ما فيه إصلاح بيصير بدون خناقة بدون ما تقضي..

أحمد الزين:تخلخل اليقين الموجود يعني..

غسان سلامة: مش بس اليقين المصالح، إذاً الوضع هو الموجود هيك لأنه فيه ناس مستفيدة، يا مستفيدة سياسياً يا مستفيدة طائفياً يا مستفيداً دينياً يا مستفيدة من خلال الفساد، يا مستفيدة من 20 طريقة ممكنة، إذا ما تأمنوا هالشغتلين فيك تعمل معالي الوزير، تنبسط مرتك، ينبسطوا أولادك، بيصير يضربك سلام الدركي بس زاروا ما عندك أي تنفيذ لأي شيء..

أحمد الزين:يعني هي الأسباب عدم يعني ثقتك بأنك قادر تعمل شيء بظل هذا القائم، مش أسباب أمنية إذا أنت على ليستا معينة.

غسان سلامة: إذا توفروا هالشرطين برجع بكرة.

أحمد الزين:ما في ليستا معينة إنه بس..

غسان سلامة: أعتقد إنه فيه ليستا ويمكن اسمي عليها بس مش هذا اللي مانعي، وفيه ناس اسمهن على ليستا وموجودين ببيروت وأنا مش أحسن منهن.

أحمد الزين:طيب هذا فيما لو سلمنا جدلاً إنه أنت من الناس اللي ممكن لا سمح الله إنك نتيجة سعيك أو مساهمتك بقرار..

غسان سلامة: 1559..

أحمد الزين:1559..

غسان سلامة: أعتقد خلص صارت نكتة يعني قصة مساهمة 1559 لأنه اللي بيعرفوا مين كتب ومين ساوى وكيف صار القرار 1559 بيعرفوا إني ما إلي علاقة فيه.

أحمد الزين:مين اللي بيعرفوا؟

غسان سلامة: يعني اللي القيمين على الأمور..

أحمد الزين:اللي يعرفوا..

غسان سلامة: بالسياسة اللي بالسياسة حقيقة، بس فيه ناس طبعاً ما بعجبهن، فنشروا إشاعات سهلة، ليش سهلة؟ لأنه أنا بشتغل مستشار الأمين العام للأمم المتحدة، وكنت بالعراق وعايش حالياً في الغرب واختصاصي القانون الدولي فليش لأ، ليش ما نزحط هالأسم، بس صارت نكتة يعني صارت نكتة..

أحمد الزين:طيب طالما فتحنا الموضوع يعني قرارات من هذه النوع، نحنا حكينا قبل الهواء أنو ما كانش عندك رغبة كثير تحكي عنها لأنها بتأخذ وقت، بس هيك قرارات مين اللي يأخذها؟ مين يأخذ قرار من هالنوع يعني؟ ومن يسعى إليه يعني؟

غسان سلامة: الدول تأخذ قرارات، يعني اللي عملوا القرار 1559 همّ فرنسا وأميركا لغايات مختلفة، ولأسباب مختلفة بالاستفادة..

أحمد الزين:يعني آخر من يعلم الأمين العام..

غسان سلامة: لأ شوف الأمين العام للأمم المتحدة هو الموظف الأول في المنظمة، الموظف ليس مقرر، الموظف..

أحمد الزين:ينفذ القرار يعني؟

غسان سلامة: ينفذ وإذا لقي إنه إمكانية تنفيذه غير ممكنة، وفي كثير كثير قرارات دولية بيطلعها مجلس الأمن الدولي والأمين العام يعتبر إنها غير قابلة للتنفيذ أو فيه مخاطر جداً بتنفيذها.

أحمد الزين:خاصة القرارات اللي بدها تكون تجاه إسرائيل.

غسان سلامة: لا كل القرارات..

أحمد الزين:هلأ بيقولوا أنو ليش القرارات اللي تتُخذ في يعني في حق إذا صح التعبير في حق دولة عربية دغري يُنفذ، وهناك مئات القرارات ضد إسرائيل بس ليش 1559..

غسان سلامة: اللي بيقعد حدّ بقرته بتخلفه توأم.

أحمد الزين:بين بيروت وباريس ونيويورك وعواصم أخرى راكم غسان سلامة تجربة متنوعة وغنية، وأقام مروحة من العلاقات وظفها في خدمة القضايا العامة، فمن موقعه في الأمانة العامة للأمم المتحدة مستشاراً، إلى انشغاله في الاتحاد الأوروبي أحياناً، أو إلى عمله وزيراً للثقافة في لبنان لفترة ما، ثم إلى انشغالاته في الكتابة السياسية وعمله أستاذاً في معهد العلوم السياسية في باريس، استطاع أن يترك بصمات واضحة في كل موقع أو دور قام به، وكما قال: هو لا يطمح إلى ألقاب بمقدار ما يطمح إلى الفعل، وإلى فرص مشروطة لتحقيق تصوّر عن هذا الدور أو ذلك الموقع.طيب نرجع شوي على الشأن الآخر بحياتك أنت كنت يعني كأنك كنت بين خيارين وقت اللي بلشت تهتم بالشأن الثقافي بشكل عام، إنه أن تكون كاتباً متفرغاً ربما للكتابة الإبداعية، أو أن تكون سياسياً تعمل في الشأن العام وتهتم بالفكر السياسي، يعني كيف تم هالانحراف إذا سميناه انحراف نحو الهم السياسي والشأن العام؟

غسان سلامة: من الأساس كتابتي هي كتابة..

أحمد الزين:تحليلية.

غسان سلامة: تحليلية وليست بالمعنى الإبداعي اللي أنت عم تذكره، فطلّعت يمكن شيء 12 كتاب بلغات مختلفة كلها لها طابع فكري تحليلي، وليس لها طابعة إبداعي بالمعنى الأدبي أو الروائي أو الشعري ما أعتقد عندي الموهبة لذلك، المسألة الحقيقة هي كانت هل أُدرّس في العلوم السياسية أو أمارس السياسة؟ هل أُدرّس وأكتب في العلوم السياسية أو أمارس السياسة؟ فمثل كل الخيارات اللي أنا عاجز عن أتوصل أختار بيناتها قررت أنه أعمل الاثنين، فأنا أُدرّس العلوم السياسية وأمارس السياسة، من هيك من متع هذه الحياة إنه الواحد يقدر يقصم الوقت بين الداخل والخارج، أنا ما بقى أعلم بلبنان ولا رح أعلم بيوم من الأيام بلبنان، ولكن لا أتعاطى سياسة إلا بلبنان، فبالتالي قادر لحد الساعة إنه..

أحمد الزين:توفق؟

غسان سلامة: وفق إنه أنا بباريس أستاذ وأمنع حدا يسميني وزير أو شيء من هالنوع، ولكن بلبنان منّي أستاذ، بلبنان أحاول إنه يكون لي دور طبعاً بالشأن العام.

أحمد الزين:طبعاً بالفترة الأخيرة كنت على علاقة ودّ مع رفيق الحريري وكان يجي لعندك على هالبيت يقعد على الكنباية، كيف يعني بلّشت هاي العلاقة؟

غسان سلامة: وأنا كنت أروح لعنده.

أحمد الزين:وأنت كنت تروح لعنده على قريطم، يعني كيف بدأت هاي العلاقة؟ وكيف أنت تقيّم تجربة هذا الرجل رئيس للحكومة على مدار سنوات طويلة؟

غسان سلامة: بدأت العلاقة إلى حد كبير بوقت قصة قانا، وقت قصة قانا شاءت الظروف إنه أنا عبّرت عن رأيي مكتوباً بجريدة النهار فور بدء العدوان الإسرائيلي وقتها، إنه هاي صحيح خطر على لبنان بس ممكن تكون مناسبة لإنقاذ المدنيين وشرعنة المقاومة إذا عرفنا أن نقوم بهذا الأمر، عبرت عن هالشيء يمكن ثاني يوم أو ثالث يوم للعدوان، وكتبت إنه ربما يتم ذلك من خلال إنشاء لجنة خماسية فيها أميركا وفرنسا وإسرائيل وسوريا ولبنان ووقتها اقترحت شيء ما صار بعدين، وهو أن تتبع قوات اليونيفيل في الجنوب لهذه اللجنة لتفعيل دورها، لأنه كان دورها باهت وساكن، فيه ناس أعتقد أستاذ غسان تويني أو حدا غيره نبّه رفيق الحريري اللي كان وقتها رئيس حكومة لهذه الفكرة، فإجا على باريس ورغم إنه ما كنا على صلة كل هالسنوات السابقة.

أحمد الزين:تم الاتصال..

غسان سلامة: اتصل في وقال لي شو تعني فيها، وكيف بتصير هالشغلة، وشو فائدتها إلى آخره.. واتبناها، وبعدها ساعدته على تنفيذها، وبعدين انقطعت العلاقة على هالحال، طلع من الحكومة سنة 98 وصرت شوفه أكثر بباريس هون، كان عندي تقييم للي حصل سنة 98 ولطريقة إدارة الدولة بعد 98 ربما أقسى من تقييمه هو، فصار فيه يعني توارد أفكار أكثر، وسنة 2000 طلب مني إنه أشترك معه بالحكومة فاشتركت، واشتركت بحماس وكان عنده ثقة كبيرة، كان رجل جداً جداً بسيط، يعني لم أرى في حياتي هذا التناقض بين حجم القدرات لاسيما المالية والعلائقية الموجودة عنده وبين بساطة العيش تبعه، كان بسيط، كان ممتع الخلاف معه، وبتعرف إنه خلاف ينتهي بنكتة أو ينتهي بمودة ما ينتهي بأزية مثل ما هو الخلاف مع معظم الأطراف اللبنانية الأخرى، بس بالإجمال أعتقد إنه كان شخص عنده حيوية غير طبيعية، لذلك أتأمل كثير كثير إنه تنعرف الحقيقة كاملة عن اغتياله.

أحمد الزين:طيب أنت مثل ما ذكرت أنك لا تعلّم ببيروت أنت تعلّم في باريس، ولكن في المستقبل أنت ناوي تستقر على طول؟

غسان سلامة: لأ بدي أرجع على الضيعة.

أحمد الزين:بدك ترجع على كرزبيان؟

غسان سلامة: إيه نعم.

أحمد الزين:يعني تشتاق لها لكرزبيان هلأ؟

غسان سلامة: جداً، جداً..

أحمد الزين:عمرت بيت فوق؟

غسان سلامة: إي طبعاً.

أحمد الزين:ولا ورثت بيت؟

غسان سلامة: لا عمرت..

أحمد الزين:حلو؟

غسان سلامة: عادي لكن عنده فسحة على وديان وجبال تأخذ العقل، بيبلش يساراً بمشهد صنين وينتهي يميناً بالبحر، فعندي وادي رائع أنظر منه إلى هضاب المتن وكسروان، وأيضاً إلى هيك تدريجياً حتى بيروت، فوقت اللي بتسوّد الدنيا بوجهي بغمض عيني وأتذكر قعدتي على البلكون..

أحمد الزين:تشتاق للفرجة..

غسان سلامة: إيه جداً وخصوصي قعدة البلكون..