فواز طرابلسي

أحمد علي الزين: منهمك دائماً بفكرة أو بكتاب تأليفاً أو توثيقاً أو قراءة في مرحلة أو استعادة لمحطة في التجربة أو في رسم صورة للفتى الذي كان مرة وأصبح من العمر أو من السؤال ما يستوجب أو يستحق تدوين بعض السيرة، والسيرة عنده تتعداه إلى أسماء ووجوه لها مكانة في الوجدان العام، وإلى أمكنة وأحداث عاشها أو ساهم بمقدار ما في صنعها ثم إلى أصدقاء ورفاق درب وقضية، وتعثر عليه موزعاً هنا وهناك من الأمكنة والأفكار يصيغ ملامح لتجربة حزب وعقيدة، ويستعيد صورة لهذا البيت أو ذاك حيث تكونت مداركه، ويروي عن أحلام تبدد بعضها في مطحنة الحروب والأيام، وما تبقى منها يسعف على الأمل وعلى الكتابة وعلى طرح الأسئلة على ماضي التجربة وعلى الآتي من الأيام. فواز طرابلسي حين تلتقيه تلتقي المناضل العتيق والحزبي والمثقف والمفكر والمؤرخ، تستعير من بعض أسئلته وتستلهم من بعض أجوبته فكرة للمساجلة أو التأمل. فواز طرابلسي بين صورة الفتى بن مشغرة وصورته الآن سنوات صاخبة بالنضال وبالسجال وبالأمل، وإن كانت صورة الواقع لا توحي بالكثير من ذلك ومشهد الماضي مؤلماً، على أواسط صيف السنة الفائتة التقيته وكانت بيروت تعيش هاجس الاغتيال مودعة الشهيد تلو الآخر، وكان لا بد لهذا السؤال أن يطرح نفسه.

فواز طرابلسي: أعتقد فيه أنظمة وراء القتل وراء الاغتيال مش أفراد في شيء جماعي فيه تنفيذ فردي، هذه أنظمة تخشى الكلمة كلمة الحق الكلمة النقدية، الكلمة الجريئة، الكلمة اللي تفكك هالأنظمة، الكلمة اللي تبين كذبها، وبالتالي يعطي فكرة قديش نحنا بمرحلة اهترت شرعيات هذه الأنظمة، لم يعد لها.. تهتز شرعية الخارجية، شرعيتها الشعبية شبه معدومة، بالتالي عندها وثيقتين يا الإعلام يا الأمن، يعني يا القتل يا الحكي اللي بسميه الزجل أنا مع اعتذاري الزجل يعني لون أدبي محبب بس يعني الزجل السئيل اللي هو تكرار كلمات ومقولات بائدة والنفاق الإعلامي يعني بين الأهداف والتطبيق، بين الادعاء والواقع.

أحمد علي الزين: طيب بالسياق ذاته أستاذ فواز يعني كما نشهد ونسمع ونرى ونعيش يومياً نعيش العالم نوعاً من مخاض الرعب والموت العالم بأسره يعني تحت تسميات الإرهاب، ربما يكون إرهاب الدولة أو إرهاب الجماعات والتيارات الأصولية، طبعاً أنت القادم من الخمسينات والستينات الماركسي القادم من خمسينات وستينات القرن العشرين هل تظن أن فقدان العدالة يبرر همجية هذا الإرهاب وهذا القتل الجماعي؟

فواز طرابلسي: الإرهاب يعني أسلوب عبثي في جواب على مشكلات حقيقة معروف عبر التاريخ، وهو أسلوب دائماً يطغى عليه الفعل الإعلامي يعني الصرعة الإعلامية منذ أن كان الإرهاب الفردي أو الجماعي، طبعاً الآن يعني اللي عم تثيره هو أحد علائم عصرنا الجديد اللي ممكن تسميته طبعاً ممكن تسميته بالعولمة، وممكن تسميته التطور الرابع من تطور رأسمالية لأنه يعني حتى لا نُضلل كأنه فيه شيء جديد، الإضافة اللي عادة تُغفل هي الوجه الأمني، يعني هذه إمبراطورية لها رأس ولها عاصمة ولها قيادة هي الولايات المتحدة، ولها وجه غالب على كل هالشيء هو الوجه العسكري الأمني، فأنت يعني خاصة بعد 11 أيلول في طور من العولمة الأمنية العسكرية، طبعاً هل هذا يبرر؟ يعني أنا رأيي في شيء نحنا العرب تخلفنا عنه كثيراً بأنه ما عنا المبادرة لنقول بأن ما جرى 11 أيلول هو جريمة ونحن نستنكرها، يعني يجب إدانة هذا اللون من يعني الإرهاب ضد المدنيين نقطة، الباقي هل هذا يبرر الحرب على أفغانستان؟ هل هذا يبرر الحرب على العراق؟ الأجوبة لأ، لأ، لأ، وهذا الصراع اللي يعني ابتُكر في الولايات المتحدة تحت عنوان الحرب على الإرهاب هو غطاء ويزداد كونه غطاء يعني لطغيان أميركي على العالم لإعادة سيطرة الولايات المتحدة على العالم من خلال النفط، من خلال كون بلد مثل العراق هو يعني آخر بلد فيك تنهبه يعني لأنك تدمره وبعدين ترجع تبنيه، هذا ما نحن في صدده الآن عولمة أمنية، رغبة أميركية وقدرة أميركية على فرض إمبريالية من نوع جديد أو إمبراطورية جديدة كلها تتم باسم حرب مستمرة على الإرهاب ما فيك تحاسب لأنه، ما حدا يقول لك متى تنتهي الحرب، ما حدا يقول لك من هم الأعداء يعني باستثناء إنه بعضهم ظاهر، وبالتالي أنت في حالة من القتل المستمر، من العمليات العسكرية المستمرة، من الإرهاب المستمر، الإرهاب إرهاب، حركة تحرر وطني هي حركة تحرر وطني والإرهاب إرهاب، قتل المدنيين هو إرهاب، ما لازم نخاف نستعمل المصطلحات إذا عنا نحنا تفسيرنا الجريء والوطني للمصطلح، النضال ضد الاحتلال اسمه مقاومة وطنية، قتل المدنيين لأغراض السياسية أو غيرها هو إرهاب، بالتالي النأنأة والخوف والتردد والتساءل هو اللي يجعلك خارج معركة.

أحمد علي الزين: طيب بتقديرك الصراع اللي عم يدور في العالم اليوم هو فينا نسميه بمستوى من مستوياته هو صراع بين العقل والغرائز؟

فواز طرابلسي: لا لا أعتقد، أعتقد الغالب عليه كثيراً غرائز ضد غرائز، يعني أنا ما بشوف في بعالمنا صفة إضافية لها علاقة بسؤالك هي ميل متزايد نحو التطرف الديني في الديانات الرئيسية، سوى إنه ما حدا عم يحكي غير عن ديانة واحدة يعني عن الإسلام، بس أكيد موجود ميل إلى حركات متطرفة في الإسلام أو بين المسلمين، هناك ميل مشابه بين المسيحيين، يعني وقت فيه 20 مليون ناخب أميركي ينتظرون عودة المسيح وليتم ذلك يجب بناء هيكل سليمان وبالتالي دعم إسرائيل، وعندما يأتي المسيح سيحرر العالم من اليهود هالرؤية هذه هي وراء حرب أفغانستان وحرب العراق، ووراء بوش اللي يعني هل فيه رئيس دولة يزعم بأنه يعني الله عز وجل يحاكيه، التطرف اليهودي ما بده كثير بحث عندك إسرائيل، عندك إسرائيل بإسرائيل، وعندك إسرائيل بنيويورك وعندك إسرائيل محل ما بدك، والهندوسي يعني اليمين.

أحمد علي الزين: طيب من يمثل العقل في هالمعمعة من الصراع اللي يبدو كله غرائز مثل ما عم تقول فايته ببعضها الأمور تحت ستار الدين، تحت استغلال الدين، تفسيرات النصوص، من يمثل العقل يعني غير بعض النخبة المثقفة ربما التي تنادي؟

فواز طرابلسي: العقلانية الآن هي عقلانية تفهم أو تسعى إلى فهم لماذا يعني تجنح الناس إلى هذا اللون من المعتقدات وتبني بدائل لها كقوى بشرية هيدا السؤال الكبير، يعني السؤال الكبير كيف تميز..

أحمد علي الزين: ليش الناس؟

فواز طرابلسي: تمام لماذا هالخطاب هيدا هالقد يعني ينتشر وشو الأسباب الاقتصادية والاجتماعية؟ مش كلها فقر، مش كلها يعني مثلاً في دراسة أخيرة تثبت بأنه على ألف على 300 من أفراد القاعدة تثبت عكس نظرية إنهم فقراء طبقة وسطى أو غنية، متعلمين، يجيدون أكثر من لغة، قسم كبير منهم ساكن بالغرب، فمما يعني إنه بدك تفتش على مش دائماً بدك تفتش على نفس الشيء، طبعاً لازم نقاوم إذا بدك جواب مبسط العقل هو الذي يوجه إمكانية عالم آخر غير عالم العولمة الأمنية والإرهاب عناصر منه كثيرة برزت بلقاءات العولمة البديلة، يعني تصور إنه نحن في عالم يملك أخيراً إمكانية إيفاء الحاجات الفعلية للسكان، في حين أنه يعني قسم من العالم يعاني من التخمة، القسم الأكبر من العالم يزداد فقراً ومجاعة هذا واحد، اثنين بديل توحيد العالم قصراً بمشكلة واحدة اللي هي خير وشر، إرهاب وحضارة، هذا عالم متعدد نحن نعيش في عالم متعدد فنقدر نبني عالم يحيط بكل هالعوالم فهذه الرؤية إذا بدك جوابي هذه الرؤية هي الرؤية العقلانية، ربما عقلانية جديدة يعني لا تخجل من الاعتراف بأن البشر لا تحركهم فقط يعني العقل ويعني تتحاشى المجابهة بين العلم والظلمات والعقل والإيمان لأنه البشر هم مزيج من كل هالأشياء مع بعض.

أحمد علي الزين: هذه الأسئلة قد تُشغل بال الكثيرين ربما والإجابة عنها أو مجرد طرحها قد يؤدي إلى نوع من التأمل أو التفكير على الأقل بإمكانية إيجاد طرق بديلة للعنف الذي يجتاح العالم والإنسان ويبطل فعل العقل بتجلياته الإنسانية، وكان ينبغي أن نبدأ بهذه الأسئلة مع فواز الطرابلسي قبل العودة إلى منابعه ومصادر تشكل ثقافته، انطلاقاً من أن هذه الهواجس هي مصدر قلق إنساني وفكري، وهي أيضاً من الموضوعات التي يبحث فواز طرابلسي في أسبابها ونتائجها في رحلاته البحثية والكتابية.

أحمد علي الزين: جئت إلى الشيوعية من الثقافة والقومية أكثر ما جئتها من ساحات الصراع الطبقي وإن كنت انخرطت في تلك الساحات وأديت قسطي من ذلك الصراع بمختلف أوجهه، ولدت ونشأت في بيئة لم تكن تخلو من المفارقات الشديدة من حيث الإقامة والانتماء، هي علاقة غريبة ربطت بين مجموعة من الأمكنة مشغرة زحلة بحمدون رمانة بيروت، في بيروت ولدت لأسرة قادمة للتو من دمشق حيث كان الوالد يعمل في أحد فنادق العاصمة السورية، من الإقامة الدمشقية جاءني الاسم، خطر للوالد أن يطلق على مولوده البكر اسم صديقه أمير قبيلة رولا في بادية الشام، كذلك سما شقيقتي على اسم اسمهان وقد كان صديقاً لزوجها الأمير حسن الأطرش، هكذا يروي فواز الطرابلسي عن بدياته في مطلع كتابه صورة الفتى بالأحمر، أما عن الإمارة فلم يأخذ من مجدها سوى الاسم، وللكنه على ما يبدو حقق أمجاداً من نوع آخر في رحلته الفكرية والثقافية.طيب نرجع على فواز الطرابلسي من خلال السيرة اللي كتبتها "صورة الفتى بالأحمر" هل في صور أخرى غير صورة الفتى بالأحمر؟

فواز طرابلسي: صور يعني كتبت أكثر من يعني يوميات وسير فنحكي عنا.

أحمد علي الزين: يعني الأحمر.

فواز طرابلسي: الأحمر بائن الصور ممكن تتغير.

أحمد علي الزين: تبدو من خلال تلك السيرة يعني أنك أتيت من مصدر عائلي ميسور، من مشغرة يعني الأهل كانوا ملاكين وتجار ويديروا فنادق سياحية في لبنان وفي دمشق، شو اللي أتى بك إلى الاشتراكية إلى الماركسية؟ يعني هل كان نوع من التميز آنذاك في خمسينات وستينات القرن العشرين؟

فواز طرابلسي: أولاً أنا ما بعرف ليش عندي صيت الغنى مثل ما بيقولوا صيت الغنى ولا صيت الفقر..

أحمد علي الزين: عم احكي عن العيلة.

فواز طرابلسي: العائلة لم تكن مالكة أراضي إطلاقاً وبالتالي ما عنا ولا قطعة أرض، الوالد من أسرة دباغين ومقاولين وعمل في الفنادق ما كان مالك فنادق، ويعني أنهى حياته مستثمر فنادق ففيك يعني تقول عائلة من طبقة وسطى مستورة، تسنى لي طبعاً الدراسة بمدارس خاصة، مثل ما قلت بصورة الفتى والأحمر يعني جيت إلى الماركسية من الوطنية والقومية من الوعي الوطني والقومي.

أحمد علي الزين: اللي تشكل بين 48 و67 بين النكبة والهزيمة؟

فواز طرابلسي: يعني بالطفولة كان فيه آثار لفلسطين طبعاً صارت واعية أكثر، بس الحدث اللي يمكن أكثر شيء أثرّ فيّ وهو في يعني ميعة المراهقة هو عدوان السويس، ثلاثة قوى خططت لهجوم يبدأ يعني بالعدوان الإسرائيلي ثم الإنجليز والفرنسيين بحجة فصل القوات ويحتلوا قناة السويس، وعلى أمل إسقاط عبد الناصر وإعادة القواعد الأميركية والسيطرة على قناة السويس، فهيدا يعني حاضر لا زال حتى الآن في ذهني الجو اللي كان موجود عربياً طبعاً وبالتالي كان شديد التأثير علي.

أحمد علي الزين: طبعاً لك محطة يعني خلال الطفولة أو الفتوة خلينا نسميها في محطة عابرة في زحلة في بيت الجد، واكتشفنا إنه الجد هو من المعالفة يعني أخوالك آل معلوف الكتّاب والشعراء فينا نعتبر هيدي جينات الكتابة عندك موهبة يعني موروثة من ا لخال؟

فواز طرابلسي: أنا مدين يعني لتربيتي باللغة العربية له، كنت بمدرسة إرسالية فرنسية ولولا الجد أعتقد يعني ولعي خليني سميه باللغة العربية ما كان تبلور، ويمكن ما كنت كتبت بالعربي، بهذا المعنى أعتقد يعني مثل أي إنسان العائلة تزودك بعناصر البداية، أما يعني شو تعمل بحياتك؟ فهيدا يعني أُصرّ على أنه فيه شيء اسمه إبداع ذاتي، وفيه شيء اسمه كيف الإنسان ينتج حاله، بس بدون أدنى شك يعني أنا مدين أولاً البيئة طبعاً مشغرة أنا ما سكنت أنا بمشغرة بس مدين أكثر يعني للعلاقة بالجد اللي يعني كنت أسكن عنده كان معي ربو وكان بيتنا رطب فكنت قسم كبير من طفولتي أسكن عنده من مراهقتي، وكان عنده مكتبة كبيرة ولا تزال موجودة بزحلة، فإيه طبعاً يعني وله القراءة بدأ معه.

أحمد علي الزين: فيه عند أحد المؤلفات اللي هو اسمه أمر مشغرة أو يا طمر مشغرة على انطلاقة من أغنية لفيروز، طبعاً هذا الكتاب هو محاولة لمّ أو يعني وثائق لها علاقة بالعائلة، تزامن صدور الكتاب مع كتاب آخر لأحد أقربائك اللي هو أمين معلوف اسمه "البدايات" يعني شو الهاجس من إعادة توثيق أو الإطلالة على تلك الوثائق العائلية؟

فواز طرابلسي: الكتاب هو الدراسة فيك تسميها أكاديمية فسيولوجية مبنية على وثائق سليمان إلياس وسليمان طرابلسي اللي ما في صلة قرابة بيني وبينهم في صلة مصاهرة بين جزء من أسرتي معه، فبالتالي يعني عكس أمين اللي كتب عن جده وعم أبوه بناءً على أرشيف كبير كان عنده أمين، إذا بدك تقارنه مع كتاب بدايات اللي هو كتاب جميل جداً لأمين معلوف، أمين عم يحكي عن جده، وعم يحكي عن عم أبوه، وعم يحكي عن الهجرة، وأعتقد يعني اللي لازم يُقال عن كتاب أمين فيه جدل كثير حلو بين الأخوين الجد وعم الأب حول نغيّر أو نهاجر، واحد بده إنه خلينا هون خلينا نغيّر، والثاني أخي ما يطلع شيء أنا بدي أهاجر، أعتقد أن هذا الجدل المأساوي للحياة اللبنانية كلها..

أحمد علي الزين: أنت مع مين؟

فواز طرابلسي: لا أنا مع التغيير..

أحمد علي الزين: باقي يعني، طيب هذا يجرني أن اسألك سؤال يستشفه الواحد كمان أمر بصورة الفتى بالأحمر بالسيرة، طبعاً تبدو يعني أنت من الجيل اللي يعني كنتوا عاقدين الأحلام والآمال على شيء يتحقق، وكأن تلك التجربة هي فيها شيء من الرومانسية يعني وليست مؤكدة التحقق، يعني توافقني هالظن؟

فواز طرابلسي: أولاً أنا أوافقك وأقول أكثر ما فيه يعني عمل سياسي إذا ما فيه أحلام إذا ما في طوبة، إذا ما في تصور لحياة جديدة، بالتالي يعني يمكن لأني هيك صرت ماركسي مش العكس، الماركسية هي التصور لحياة جديدة على الأرض، بس الديانات توعدك بحياة جديدة بالسماء يعني أنا مع الاثنين، فإذا يعني السؤال حول تلك الفترة اللي عم نحكي عنها أعتقد الآمال كانت متاحة بسبب الإنجازات رح أعطي مثل، يعني جمال عبد الناصر اللي ربط التحرر من الاستعمار مع عزتك الوطنية وكرامتك بالعالم مع امتلاك الثروات مع التنمية وما أسماه الاشتراكية يسمح لك يعني تتصور مع الوحدة العربية طبعاً، يسمح لك أن تتصور منطقة عربية فيها 200 مليون بأنها واحدة لأنه كانت تشتغل أنها واحدة، كانت تتصرف أنها واحدة بلا رؤى، الحياة السياسية.. يعني اللي رأي المثقفين ووظيفتهم ينتجوها، الحياة السياسية فاشلة مش إنه مجدبة وغير منتجة.

أحمد علي الزين: فينا نسأل السؤال انطلاقاً من الشيء اللي عم تقوله إنه استلام الأحزاب القومية الناصرية والبعثية والصراعات اللي حصلت والانقلابات بليبيا، يعني بتقديرك هي أمنّت قفزة نوعية بالسياق التاريخي لهذه المجتمعات؟ أم عرقلة تطورها؟ يعني شو قدمت لها على المستوى العملي؟

فواز طرابلسي: ماذا حققت هذه الأنظمة؟ أولاً هذه الأنظمة أتت أجوبة على مشكلات حقيقية، أجوبة على فشل التجارب الليبرالية البرلمانية الأولى بعد الاستقلال، على ضعف وعود الاستقلاليين اللي طلعوا بالأخير تجار وملاك أرض، جاءت تمثل نهوض فئات شعبية وطبقات وسطى حقيقي نهوضها كان، توسلت الجيش لانقلابات، والحركة الشيوعية ما كانت مختلفة عنها يعني إنه ربما لم تكن لتتوسل الانقلابات مع أنها توسلت يعني بالسودان، ففي موجة فيك تسميها حركة تحرر وطني، هلأ هل أنجزت وعودها؟ هل أنجزت ادعاءاتها البرنامجية؟ جوابي لا لم تنجزها، وبالتالي يعني أحد أسباب مآسينا بأنه يعني وعدت بالتضحية بالحريات في سبيل الخبز يعني لا أعطتنا خبز ولا أعطتنا حرية، وعدت يعني بالتضييق على الجيل الحالي على أمل أن الجيل القادم يرتاح أكثر.

أحمد علي الزين: أيضاً فواز الطرابلسي كان قد ضحى بسنوات طويلة من عمره في رهاناته على النهوض بهذه الأمة رافعاً شعارات مشابهة إنما على قاعدة الفكر الماركسي وهو الآتي من ثقافة الفكر القومي بداية، ولكنه لم يُنكر على تلك الأحزاب بعض إنجازاتها في مجالات التعليم وبعض التنمية ومحو الأمية، دون أن ينسى أن تلك الأنظمة أو الأحزاب لم تحقق السلام الاجتماعي، ولم تؤسس لنهضة حقيقية بل ذهبت كثيراً إلى قمع الحريات فكان الفشل ذريعاً، نتابع في حلقة قادمة هذا الحوار مع فواز الطرابلسي.

أحمد علي الزين: يبدو فواز طرابلسي من خلال إطلالة على حياته وتجربته وكتاباته كأنه رحالة يجوب العالم لا لغرض سياحي بل لغرض التقصي عن أحواله والإسهام في سجالاته وطرح الأفكار ومعايشة الأحداث أو الإسهام فيها، فمنذ نهايات خمسينات القرن العشرين بدأت رحلات فواز طرابلسي في الأمكنة وفي الأفكار، فذلك الفتى العروبي الهوى والرومانسي المفتون بجبران خليل جبران وبوجه جميلة بوحريد المناضلة الجزائرية، راح يجوب عواصم العالم ومدنه وأريافه طالباً حيناً ومناضلاً في الكثير من الأحيان، مدفوعاً بحلم ثوار ذلك الزمان، انخرط في أحزاب وأسس أحزاباً وربما قراءاته المتنوعة والكثيرة في الفكر والأدب جعلته سجالياً يبحث دائماً عن أطر أخرى لرؤاه، ثم أن سنوات الستين لم تكن عادية أو عابرة بل كانت محطة مفصلية في التاريخ المعاصر حيث أن العالم بأسره كان يشهد تحولات وثورات وحركات استقلال وحركات تحرر وكان جيل بكامله يبحث عن موقع ودور له في ذلك المشهد التاريخي، ولم يكن فواز طرابلسي خارج ذلك المشهد بل كان حاضراً فيه شاهداً وفاعلاً ما بين بيروت ولندن وعدن وباريس وجيبوتي وغيرها، ولعل تلك الرحلة أو الرحلات كوّنت عنده الكثير من الأسئلة نعيد طرحها الآن في هذا الحوار.

أحمد علي الزين: طيب، أستاذ فواز أنت يعني بدأت حياتك الحزبية تقريباً في لندن، وفتت على حزب البعث طبعاً لم تطل الإقامة في الحزب يمكن لسنتين وغادرت لاختلاف بوجهات النظر، ثم لاحقاً أسست حزباً مع بعض الزملاء يمكن وضاح شرارة وأحمد بيضون و.. لبنان الاشتراكي، إلى أن أصبحت قيادياً في منظمة العمل الشيوعي، وقيادياً بارزاً لسنوات طويلة، يعني آنذاك ذلك الجيل اللي تنتمي له عمّ كان يبحث؟ عن ذاته؟ عن حلول لمجتمعه؟ عن الاختلاف عمّ كان يبحث؟

فواز طرابلسي: أعتقد يعني رح أحكي عن جيل بمعنيين: السمة الأبرز بوضع المثقفين آنذاك، كان هذا الشعور العميق بالالتزام بمعنى أن المثقف.

أحمد علي الزين: الالتزام بقضايا الناس يعني؟

فواز طرابلسي: المثقف هو يعني من يلتزم قضايا المجتمع، بالتالي ما كان ينتجه المثقفون مزيج من شعور بأن الممارسة العملية للمثقف مهمة، يعني إنه تعويض عن إن نشاطه ذهني، بس ممارسته العملية مهمة، اثنين نمط من التماهي بين المثقف والجمهور، والجمهور الشعبي بنوع خاص هو السمة ثانية لهالجيل. عم قول هالشيء لأن هذا الأمر الآن انفك، هذا فيه يعني الوظيفة المخصوصة للمثقف إن شئت، بالتالي نما جيل من المثقفين نحن يمكن آخره كنا، هو أستاذ المدرسة، الموظف الصغير، رجل الدين يعني اللي قاعد بالضيعة، هلي طبعاً يعني فكرة التنوير والنهضة حاسمة عنده، بس رأيه بأنه لا معنى لها إذا لم تتحول إلى قوة مادية وإذا تلتزمها الناس، يعني أعتقد هذه الإضافة اللي قدمها اليسار لفكرة النهضة إنه النهضة مش بس تعليم، النهضة هي تجذّر يعني هالأفكار عند الناس أعتقد إذا كان بدي لخص جوابي..

أحمد علي الزين: كانت قراءته صائبة بتقديرك؟

فواز طرابلسي: لا أزال أعتقد بأن يعني الأفكار، أفكار التقدم وأفكار الحرية وأفكار النهوض، واللي تسميه أنت العقل والعقلانية، يجب أن تتلبّس أن تتجذّر في الناس لكي يمكن تحقيق أي شيء منها، وإنه أخطر ما نعيشه الآن هو انفصال يعني المثقفين عن الناس، فالآن يولد انشقاق بين الفكر والموقع وبالتالي الإصلاحيين ببلادنا يزدادون بعداً عن الناس اللي لمصلحتهم الإصلاح، ربما الميزة الكبرى لفترتنا هي إنه هالبون ما كان موجود، أو هالبون سعينا إلى ردمه حتى ما نبالغ، الآن صار فاقع، وفاقع وتلاقيه بكل محل، شو أفضل السلطة لأنه فيها بقايا علمانية أو الإسلاميين لأن الشعب معهن.

أحمد علي الزين: شو الأفضل؟

فواز طرابلسي: عم قول: لا هذا ولا هذا، ليش أنا مع بديل بروح ينافس الإسلاميين بخطاب وبطالة بالناس، ويفضح فساد السلطة ويدعو إلى تغييرها.

أحمد علي الزين: فواز طرابلسي بتعوّل على دور للأحزاب العلمانية في مجتمعات محكومة سلفاً بالغيبيات والطوائف والمذاهب والأصوليات؟

فواز طرابلسي: يعني مش تعريفي تمام للمجتمعات بأنها تغلب فيها يعني العناصر اللي ذكرتها، تغلب فيها أشياء أخرى فيها كمان يغلب فيها يعني الرأسمالية الريعية، بيغلب فيها السلطات الفاسدة، ويغلب فيها تناقض متنامي بين هذه السلطات والناس، الأجوبة اللي عم تقدّمها الحركات الإسلامية المتطرّفة مثلاً أولاً بأحسن قوتها تمثل 15 أو 20% من.. يعني الإخوان المسلمين بمصر يقدرون قوتهم الذاتية بـ 20% من المصريين، 80% من المصريين مين معني فيهم؟ يعني التلخيص واختزال أوضاع بما هو طاغي على السطح أكان في السلطة أو في المجتمع لا يعبر عن الحقيقة الفعلية لمجتمعاتنا، مجتمعاتنا أكثر تعدداً أغنى أكثر حركة وإرهاصاً من إنه يعني ما فيها غير طوائف وعشائر وإلى آخره، خلينا نترك يعني الحالة اللبنانية على جنب مؤقتاً، اليسار هو مشروع بناء اجتماعي اقتصادي قايم على افتراض بأنه.. ذكرته سابقاً إنه كل مجتمع ينتج أو العالم كله صار ينتج أكثر من حاجات إيفاء الحاجات الأساسية للسكان وبالتالي موضوع توزيع الثروة موضوع مش بس تنميتها توزيعها موضوع مهم، اليسار ينطلق من أنه في العلاقات الدولية ما أنت معني به هو عدالة العلاقات الدولية، يملك اليسار يعني تراثاً غنياً جداً إذا أحسن استخدامه وإذا أراد استخدامه إذا ما يئس منه.

أحمد علي الزين: إذا استفاد من تجربته يعني.

فواز طرابلسي: تمام، يعني إذا راجع نقدياً وأمكن إنه يطل على المستقبل آخذاً بعين الاعتبار التطورات الحقيقية بتشكيلته الاجتماعية، لأن اليسار إيديولوجي بمعنى إنه قليل الشغل على شو تركيبة المجتمع طبعاً، مين كاتب على طبقات المجتمع العربي؟ فهايدا يعني بها المعنى الموضوع ليس تعويلاً الموضوع هناك تناقضات نامية بغياب قطب مثل اليسار، ستهدر بين يعني معارضات قاصرة برأيي هي المعارضات الإسلامية مع أني يعني أقبل باحتكام الناس بيني وبينها وسلطات فاسدة وعاجزة، فالطريق الثالث اوتوستراد مفتوح لمن يتخيل، لمن له النفس الطويل على البناء، وهذا يعني أقصى طموح المرء أن يكون هذا عالم الشباب العربي اللي مش نحن بدنا نرسم له يعني كيف يتصور هو، لأنه نحن كتير مختلفين عنه، يعني فيه فجوة جيلين بيننا وبين الجيل الجديد، فيه جيلين ناقصين فيعني يجب احترام إنه سيبتكر تصورات كمان مختلفة عن اللي نعرفه وبس إنه نأمل أن يستفيد من تجارب من سبقوه ويوظفها لصالحه.

أحمد علي الزين: طيب أستاذ فواز يعني الثمانينات تقريباً تركت العمل السياسي بشكل مباشر أنت، وذهبت إلى باريس لمتابعة دراستك، يعني كيف استطعت أن تروّض الزعيم والقائد الحزبي في تحويله مجدداً إلى طالب نجيب يعني يحضر الدروس ويذهب إلى الجامعة؟

فواز طرابلسي: لعلي لم أكن زعيماً، أعتقد يعني أنا ما أتصور حالي ولا مرة بما أنا سياسي، تصورت نفسي أكثر بأني مناضل وطبعاً قيادي يعني أتحمل المسؤولية كقيادي وإن يكن يعني كنت بالصف الثاني من القيادات خلال طول تلك الفترة، إنما إذا السؤال عن يعني غادرت انطلاقاً من يعني قرار بالخروج من العمل الحزبي والخروج من الحرب، يعني لعبت دوراً متواضعاً يعني ببدايات خلال الغزو الإسرائيلي وبدايات المقاومة كمشرف يعني كأحد المشرفين عليها، وكان رأيي إنه بعد أن دخلت إسرائيل وبعد أن يعني صار عدنا إلى المعركة الوطنية ضد إسرائيل لا يجوز العودة إلى العمل إلى الحرب الأهلية، وفي حين إنه غرق اليسار مرة ثانية، بالحرب الأهلية، وبقبول الحروب وبقبول الزعامات المليشيوية.. فبهالمعنى كنت واصل إلى نتيجة بأنه حتى العلاقة التنظيمية اللي انبنت بالحرب معنا يعني صارت قسرية وأوامرية، والمشروع اللي كنت أتخيله قبل الحرب لم يعد هو المشروع اللي موجود بعد الحرب فقررت أني أنتقل من عمل المتفرغ إلى يعني إلى العمل المهني، لأنه يعني كنت أكسب معاشي خلال فترة طويلة كمتفرغ في قيادة منظمة العمل الشيوعي، فما كان لي غير يعني ما كنت بدي أعمل شي ما كان عندي شعور إنه هناك حاجة لانشقاق، فانسللت يعني انسلالاً بشيء من التواطؤ بيني وبين سائر أفراد القيادة يعني نوع من الطلاق الديمقراطي وعاودت الدراسة.

أحمد علي الزين: نلت دكتوراة في العلوم السياسية والتاريخ؟

فواز طرابلسي: بالتاريخ.

أحمد علي الزين: ويستعيد المرء مع فواز طرابلسي محطات عديدة في التجربة اللبنانية والعربية، محطات في بعض وجوهها مأساوية، كتجربة الحرب الأهلية في لبنان، والتي كما يقول عنها أنه كان بالإمكان تفاديها فيما لو أحسنت السلطة آنذاك قراءة موضوعية للوضع الاجتماعي في تحسين شروط العيش في حياة الناس، وفي بعض وجوهها الأخرى نضالية كتجربة المقاومة الوطنية خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي، ويستعيد أيضاً فصولاً من حكاية أحزاب ووجوه وشخصيات عقدت آمالاً وسقط بعضها في فخاخ النزاعات والحروب والبعض الآخر غرّد خارج السرب.

أحمد علي الزين: عرف فواز طرابلسي مناضلاً وقيادياً في منظمة العمل الشيوعي، ولكن هناك الوجه الآخر له وهو المفكر والمؤرخ والذي بدأت ملامحه تتضح أكثر بعد أن ترك العمل الحزبي وانصرف لذاته قراءة وكتابة وبحثاً وبالطبع كان إضافة لكل ذلك رئيس تحرير جريدة الحرية ومجلة بيروت المساء، وفي بعض فسوحات الوقت كان يصدر كتاباً أو يترجم آخر، وقد راكم في هذا المجال العديد من الأعمال ترجمة من أهمها خارج المكان للمفكر إدوارد سعيد وتأليفاً اتسعت مروحة أعماله توثيقاً وبحثاً ونقداً وتحليلاً وتأريخاً وفي الدراسات الفكرية.

أحمد علي الزين: طبعاً يعني أنت كان عندك خلال تجربتك الحزبية والسياسية والنضالية كانت عندك العديد من الترجمات للعديد من الكتب.. ولكن منذ الثمانينات وحتى الآن يعني قدمت نفسك كاتباً ممسوساً بالسرد والقصّ والتأريخ يعني بتقديرك سنوات الحزب والنضال سرقت شيئاً من هذه الموهبة أم عززتها؟

فواز طرابلسي: لأ أعتقد للأمانة يجب القول أن العمل الحزبي يعني يغني ويفقر بنفس الوقت، التجربة الحزبية لشخص مثلي كان يعني كانت أوسع من الدائرة اللبنانية وكانت يعني فلسطينية وجزائرية.

أحمد علي الزين: ويمنية.

فواز طرابلسي: ويمنية بشكل خاص وخليجية، طبعاً مصدر غنى من أكثر من وجه بالتعرف على بلدان.

أحمد علي الزين: جغرافيا.

فواز طرابلسي: بالتعرف على بشر، على تاريخ، بالتعرف على يعني تراثنا العربي.. ثقافات عربية.. اللي هو.. إنما طبعاً بنفس الوقت خاصة تجربة الحرب.. إنّو الحرب يعني مثل ما بتعرف كناية عن وقت مهدور والنشاط فيه قليل جداً، مفقرة يعني مش مجال للكتابة ولا القراءة، رغم أني يعني حاولت أتسلى أو حاولت قطع الوقت ببعض.. طبعاً كنت صحافي القسم الأكبر من تجربتي الحزبية أنا رئيس تحرير جريدة الحرية، ثم "بيروت المسا" بالتالي يعني المهمة المركزية الدائمة إلي بالعمل الحزبي المهمة الكتابية، إنما يعني هيدا ما كتير سمح يعني فيه قطيعة كبيرة في ثقافتي خلال هالـ 15 سنة في تحصيلي في أبحاثي إلى آخره، فبالمعنى في اثنين..

أحمد علي الزين: بتعوّل على الكتابة على النص في الإسهام بتغيير شيء في العالم؟ خاصة في عالم لا يقرأ، وإذا قرأ يقرأ كتاباً واحداً أو كتابين؟

فواز طرابلسي: أعتقد يعني أنا مدفوع أكثر بمزيج من الواجب والمتعة مش معناتها أني أهمل يعني القراء ويعني توزيع الكتاب وإلى آخره، إنما الواجب بمعنى إنه أعتقد فيه مستوى من التجربة ومستوى من الأبحاث يعني تستحق أن توضع بتصرف القراء، المتعة ناتجة عن إنه يعني عدا العمل المهني اللي هو التدريس اكتشاف وسبر أغوار اللغة ومتعة الشغل فيها حتى ما نقول اللعب فيها، يعني الفضول اللي يؤدي إلى اكتشافات صغيرة كله أمور يعني أمور..

أحمد علي الزين: بتحفزك على المضي، طيب بدون شك فواز طرابلسي مثقف مروحة واسعة من المدارك يعني حتى في الفن التشكيلي يعني عندك بعض الملاحظات حتى في الموسيقى سمّيع، ماذا بوسع المثقف أن يفعل اليوم أمام رجل الدين أو الفيديو كليب؟

فواز طرابلسي: أعتقد الطرفين اللي عم تحكي عليهن تحديين كبيرين، أول جواب حول الفيديو كليب إنه ما لازم يعزل حاله المثقف النقدي.. لإنه كل الناس بيفكروا.. المثقف النقدي عن فهم هذه الظاهرة ونقدها ومطاردتها، بالتالي يعني اللي عم تسميه فيديو كليب هو جزء من شيء نسميه الثقافة الجماهيرية، اللي هي يعني تعميم وسائل ثقافية مفترضة أنها للجمهور الواسع مش ناتجة عنه، الثقافة الشعبية ينتجها البشر المنتجون.. يعني الدبكة بينتجوها ناس بالضيعة، بس الثقافة الجماهيرية يسموها الأميركان "بوب كالتشر" هي ثقافة المسلسلات ثقافة الفيديو كليب وإلى آخره، أول شيء هذه مليئة بالمحمولات الإيديولوجية وبالرسائل. فإحدى وظائف المثقف وإحدى الوظائف اللي بعيّنها لحالي هي إنك تقرأها وتنقدها مثل ما تقرأ وتنقد الإعلان مثل ما تقرأ وتنقد المسلسلات.

أحمد علي الزين: هايدي وظيفتك بس إنه شو فيك تعمل أنت غير أنك تقرأها وتنقدها، مثلاً رجل الدين يستطيع بتوجيه معين أن يسير جماعات خلفه أو أمامه إلى قضية معينة، والمغني من الدرجة الألف اللي نسمعه على الشاشات بتلاقي كل الشعب تقريباً بيحكي بهذا الاسم أو ذاك يعني، أنت تقريباً صار المثقف محاصر شبه عاجز أمام يعني خليني سميها مرة ثانية تلك الترويجات الغرائزية.

فواز طرابلسي: بالصحافة مثلاً يعني ما أعتقد فيه فيديو كليب أو مغنية أو مغني فيديو كليب لو عمل لو راح لمهرجان بيطلع ناس أكثر من مارسيل خليفة فمارسيل خليفة شو؟ مش مثقف نقدي فيك تسميه؟ ما في يعني حدا عم بيطلع جمهور أكثر من ما حدا عم يبيع كتب أو يبيع فيديوات أكتر من محمود درويش، شو تسمي محمود درويش؟ يعني حتى ما نستخف بقدراتنا.

أحمد علي الزين: ظواهر نجوم.

فواز طرابلسي: أنا مش.. أنا رأيي الكلمة لها حدود، الكلمة لها حدود فجوابي أن ينقد كليهما يعني أن يناقش أهم شيء هو الاعتراض على دور رجال الدين بالسياسة يعني أنا كتبت ذات مرة مقالاً في هذا المعنى كلفني وظيفتي أو يعني شغلي بإحدى الصحف اليومية وهو القول إنه عندما يتدخل رجل الدين في السياسة فهو يعني بيخلق مشكلتين: المشكلة الأولى أنه يجرّ المقدس إلى عالم مش مقدّس، سياسي وبالتالي المقدس دائماً قائم على التحليل والتحريم في حين إن السياسة ما ممكن تكون قائمة على التحليل والتحريم، السياسة هي تنوع هي تعدد هي سجال، هي خيارات مختلفة، هايدا أول شيء، الشيء الثاني رجل الدين وقت يتدخل بالسياسة يزعم النطق مش بس باسم الألوهة يزعم النطق باسم جماعة بالتالي إذا جاوبت على رجل دين ما عم جاوب على فرد عم جاوب على طائفة، إذا عم نحكي عن لبنان. فهيدا يعني سجال يجب أن يستمر المثقف النقدي هو مناضل هو مساجل، وبالتالي الحد بينه وبين هودي الاثنين هو تأثيره على الجمهور، رح تقلي إنه يعني تأثيره أقل من هالجمهور؟ إي. يعني أنت عم تشخّص أستاذ أحمد وضعاً صعباً بدّو يقبلوا فيه الأقلية المهمشة بدها تقبل فيه من حيث تبدأ بظروف صعبة، أين تصل؟ هي وذراعها.

أحمد علي الزين: صحيح.في العلية ولد الحب وعلى السطيحة يفوح أريج الياسمين والورد وزهر شجرة البرتقال الصغيرة في الحوض، هي مستلقية في الشمس تقرأ وهو في الظل يكتب من فوق البناية الواقعة في رأس طلعة الأميركان المطلة على ساحة رياض الصلح يحييك الشيخ صنين بهامته الجليلة وتتعرّى بيروت إسمنتية أمامك بلا حياء من آخر حديقة وآخر بيت قديم، ونحو بيروت يكرر لك أمواجه من خلدي إلى الدورا، في العلية التي ولد فيها الحب يزورك الرفاق في أي وقت يمر "مروم بغدادي" عارضاً عليك أن تركب خلفه على دراجته النارية في نزهة حول المدينة متحدياً القيادات أن تظهر على الناس راكبة دراجة نارية وأنت لا تخفي خوفك فتنوب عنك نوال في خوض المغامرة ويعود مروم في مناسبة أخرى أنيقاً مرتدياً لباس الجد هذه المرة لمناقشة سيناريو فيلمه الأول بيروت يا بيروت.

أحمد علي الزين: مع بداية الحرب تزامن زواجك مع انطلاق الشرارة بالحرب الأهلية، هذا الزواج دفعت ثمن الطرف الآخر بغياباتك المستدامة؟

فواز طرابلسي: ما في شك بأنه مثل أي مناضل دفعت يعني شريكة حياتي وبنتي وأهلي أسرة يعني الوالدة، الوالد كان متوفي وشقيقتي أختي فمن لا بأس به تقدير صمودهم.

أحمد علي الزين: واحتمالاتهم.

فواز طرابلسي: والاعتذار عن يعني إنه خيار فردي يعني.

أحمد علي الزين: تتحمل مسؤوليته..

فواز طرابلسي: بس يعني بنفس الوقت هذا يجعلني.. طبعاً بدي أقول إنه نوال شريكة حياتي كان رفيقة بمنظمة العمل الشيوعي مش من خارج الوسط، وناشطة..

أحمد علي الزين: طيب خلال الحرب طلع نعي بالإذاعة البريطانية إذاعة لندن، نعي يمكن خطأ ما أنت يوميتها تصوبت لكن قدروا إنك استشهدت لا سمح الله، والسؤال مش عن تلك الفترة السؤال الآن أنت هل تخاف من بعض مواقفك؟

فواز طرابلسي: يعني هاي الحادثة الطريفة هي طبعاً اللي استشهد فيها مع الأسف رفيق كنت قاعد حده وقت اللي انصاب، المعبّر فيها إنه لأنها تمت بأوائل الحرب هيك خلقت لي نوع من المناعة الطائفة ربما فعلاً تعرضت يعني لظروف كثير خطرة بالحرب ما كثير تأثرت فيها، طبعاً ما فيني أقول ما خاف كل الناس بتخاف، الآن أتوقع أنه يعني ردة فعلي تكون أضعف تجاه يعني.. لأنه مرت علينا كل الأهوال اللي مرت أعتقد أني أكثر هشاشة أمام كل ما هو له علاقة بالقتل والتفجيرات وأتمنى طبعاً ما إله معنى التمني إني ما أرجع أشهد الحرب ثاني.