مروان عبادو

أحمد الزين: عشرون سنة مرت على إقامتي هنا في هذه المدينة وأكون أمضيت هنا ما أمضيته في بيروت منذ ولادتي، هذا الاغتراب يدغدغ الحنين إلى الماضي القريب، الوقت انقضى وما زلت أشعر بنفسي أهبط في مطار فيينا وكأن الشيب الذي اجتاح جزءاً مهماً من شعر رأسي لا يبرد هذا الشعور، هنا وهناك اليوم والبارحة مكانان جميلان في مخيلتي، اليوم لم يخفف من انتمائي إلى البارحة، والحروب التي سكنت ساحات الماضي طبعتني بملامح محددة لم أشعر يوماً بحاجة إلى التخلي عنها. مروان عبادو عرفته يوم كان في 10 من عمره، كان ذلك الطفل الذي يقف في باب مسرح معهد الفنون الجميلة في بيروت يتلصص على تماريننا التمثيلية أو على طلاب الفن التشكيلي وهم أمام لوحاتهم مندهشاً أمام هذا العالم، راغباً في كشف سر هؤلاء طلاباً وأساتذة، مسرحاً ولوحة، بعد حوالي 30 سنة التقيته هنا في هذه المدينة فيينا تاركاً على شاطئ بحر بيروت مروان عبادو الصغير وفي المدى صورة عن فلسطين في وجدانه. مروان عبادو مواليد 67 شو سر هالشيبة المبكرة، معقول تكون صدمة الهزيمة الأولى في 67 صدمة مبكرة يعني مع الولادة؟

مروان عبادو: لا هو جزء من وراثة، وراثة عن جدي من أمي يعني كان عنده خصلة شعر شيب بالنصف، وأنا بلشت عندي بالنصف كمان من عمر 14سنة، وهالشيبة امتد.

أحمد الزين: وملأ الرأس..

مروان عبادو: وملأ الرأس بس ما وصل للقلب..

أحمد الزين: طيب خلينا نبلش من البداية، طبعاً أنت فلسطيني المصدر المولود في بيروت في إحدى مخيمات بيروت في الضفة ضبية، طبعاً مثل ما قلنا في سنة 67، يعني شو تخبرنا عن البيئة عن البدايات خاصة وأن الأهل والوالد تحديداً سكن بمكان مختلف في بيروت، وهو كان يعمل بمعهد الفنون الجميلة ملتقى المبدعين والرسامين والمسرحيين، إلى أي مدى أثرت فيك يعني هالبيئة اللي عشت فيها ونشأت فيها؟

مروان عبادو: يعني بيئتي كان مليئة بالتناقضات الاجتماعية والسياسية، يعني إحنا كنا عايشين في مخيمات ضبي، هُجرنا من هذا المخيم في 75 يعني من بداية الحرب الأهلية اللبنانية، ومن 78 جاء معهد الفنون الجميلة إلى المبنى اللي كنا نحنا ساكنين فيه، طبعاً هذا جزء كان بالنسبة لي أعطاني روح يعني تغذيت منها روح الفن، الموسيقى والرسم.

أحمد الزين: طيب مروان طبعاً أنت اخترت أو ربما شاءت الظروف إنه تكون موسيقي ومغني، يعني كيف تم اختيارك؟ ربما الواحد بالبداية بيحب يتماثل بأحد الناس هو وصغير أو كمان يتأثر بمناخ معين، يعني أنت كيف بمين تأثرت إذا بدنا نقول؟

مروان عبادو: تأثري في البدايات كان برواد الأغنية الملتزمة في لبنان، يعني الأستاذ مارسيل خليفة، الأستاذ أحمد خابور هذا الجيل.

أحمد الزين: زياد الرحباني..

مروان عبادو: زياد الرحباني خالد الهبر، وطبعاً الشيخ إمام كمان كان حاضر كثير في هديك المرحلة في لبنان، وهذا التأثر أتصور شعرت أنه في للأغنية وللموسيقى رسالة معينة في المجتمع، وهذا كان المنبع الأول وأتصور أثرّ فيّ أنه الابتعاد عن موضوعات إنه فهم الموسيقى بس كجزء تطريبي في المجتمع، يعني فيه كمان بناء فلسفي للمجتمع تعبر عنه الموسيقى ومش ضروري يكون في مجال الطرب الشرقي اللي نحنا نعرفه يعني اللي متعودين عليه.

أحمد الزين: يعني فينا نقول إنه خيارك ناتج عن إحساسك المبكر أنت يعني طبعاً المناخ الفلسطيني والنضالي مؤثر فيك، يعني هذا الخيار ناتج عن إحساسك بالقيام بدور ما لاحق كنت يعني عم تخطط له، دور نضالي، دور يهدف هيك زي ما أنت ذكرت أنك تغير بشيء تساهم بشيء على الأقل..؟

مروان عبادو: يمكن إجيت أو سني يعني تأثرت بمرحلة إنه أنا لما وعيت جداً في الموسيقى كانت هذه الفترة فترة الأغنية الملتزمة كمان بطلت جزء عضوي بحياتنا الثقافية، أو بطلّت موجودة بهذا الشكل اللي كانت موجودة فيه، وأتصور هي كان مناسبة لي أو فرصة لي أن أشوف الموسيقى كموسيقى، ويتكون عندي طموح لأغنية بعيدة عن المباشرة، عن النص الخطابي، وعن النص الفلكوري البحت، وبنفس الوقت الاهتمام بموضوعات الموسيقى الآلتية، يعني الموسيقى اللي ما معتمدة على نص.. على الغناء وعلى نص شعري يكون هو عمود العمل الموسيقي.

أحمد الزين: طيب مروان أنت يعني غادرت بيروت مبكراً يعني في سنة 85 تركت بيروت ما بعرف شو الأسباب، يمكن أهلك مثل ما تحكي حاولوا ينزعوك من البلد لأنه كان عندك شغب سياسي، كنت عم تتمرد بطريقة يمكن شوي.. وأتيت فيينا هاي المدينة اللي نحنا عم نعمل الحوار فيها سنة 85، يعني السؤال اللي يتبادر للذهن إنه ليش فيينا؟ يعني شو هاي الصدفة اللي خلتك تجي لفيينا؟

مروان عبادو: الصدفة إنه كان أخوي الكبير يشتغل في فيينا، وكانت الفرصة الوحيدة للخروج من بيروت هي فيينا يعني إمكانية الحصول على تأشيرة بتلك الفترة كانت فقط باتجاه النمسا، وطبعاً هاي فيها جزء من مسلكية التجمعات الفلسطينية، إنه دايماً نحنا نكون قريبين على بعض، لازم نكون قريبين على بعض والخيرات في هديك الفترة كانت ضئيلة، وأهلي أخذوا القرار أنه خلص أنت لازم تترك البلد الوضع كان شوي.. حروب وضيق طبعاً ما كانوا شايفين فيه أمل بالمحيط اللي كنا عايشين فيه، بمفهوم إنه الواحد يتقدم فأخذوا هذا القرار وأنا جيت النمسا عند أخوي الكبير.

أحمد الزين: وبتقديرك أنه هذا الخيار أو خروجك من بيروت أفادك أم أضر فيك؟

مروان عبادو: طبعاً البداية حسيت بنوع من الضرر إنه أنا يعني انشلعت من التربة اللي أنا طلعت منها، لكن اليوم وبعد هالشيب أفهم قرار أهلي، أفهم هذا الحرص على حياة ابنه للواحد، أعتبر أنه أنا اليوم بمنفى جميل جداً بالنسبة لي، وخلاني أوصل لمطارح يمكن لو بقيت في بيروت ما كنت وصلتها.

أحمد الزين: يعني هذا السؤال بدي أسأله فيينا هي عاصمة الموسيقى الكلاسيكية إذا صح التعبير، بلاد مزار شو أعطيتك هذه المدينة شو علمتك؟ كيف استفدت منها موسيقياً على الأقل عم نحكي عن الموسيقى؟

مروان عبادو: موسيقياً من خلال الدراسة أول شيء أنا أعتبر إنه أنا اكتشفت الموسيقى العربية من.. بس جيت يعني بالعكس.. ثاني شيء طبعاً أعطتني وعي عبر الدراسة عبر دراسة العلوم الموسيقية يعني أعمق للموسيقى، وأهم شيء أتصور أنا اكتسبته بهذا البلد هو تجربتي مع موسيقيين من مختلف أنحاء العالم، يعني النمسا فيينا بالتحديد يعيش فيها حوالي 6000 موسيقي، ومن مختلف ثقافات وحضارات العالم هاي تجربة ما ممكن تحصل في بلد آخر أو بالتحديد في الشرق.

أحمد الزين: مروان أنت شأنك شأن الكثير من الأجيال الفلسطينية اللي عاشت تجربة الشتات في بلدان مختلفة والترحال والتنقل من مكان لآخر، يعني كيف تحسّ أنت تجاه هويتك، تجاه انتمائك، يعني هل تسأل حالك مين أنا أحياناً؟

مروان عبادو: والله الأسئلة هي تجي أكثر من برة، يعني من خارج من المحيط اللي يتواجد فيه الإنسان، أتصور اليوم أي هوية فيها تركيبات وفيها تكوينات وتعقيدات مختلفة، يعني بالنسبة لي أنا فلسطيني وولدت في لبنان، لغتي الأم بمفهوم ثقافي واجتماعي هو محيط لبناني كمان بنفس الوقت، تكويني الثقافي هو تكوين لبناني، وبنفس الوقت أنا صار لي عايش 20 - 21 سنة في فيينا وهذا وطن آخر، وأصبحت مواطن لهذا البلد، ويمر الواحد كمان بصور فيها جزء من السريالية، يعني مرة مثلت النمسا في مهرجان آلات الوترية في المغرب.

أحمد الزين: كمواطن نمساوي؟

مروان عبادو: كمواطن نمساوي وكعازف نمساوي، وكنت عازف العود الوحيد الموجود في المهرجان، فكمان هاي الصور يمكن الواحد يشوفها غير منسجمة، لكن غير منسجمة مفهوم إنه كيف..

أحمد الزين: مواطن نمساوي عم يعزف عود في مهرجان آلات وترية في المغرب، طبعاً أول استفسار كان لإدارة المهرجان إنه فيش عازفين عود عرب موجودين في المهرجان، بس كان يعني تخطيط آخر يعني في المهرجان.

أحمد الزين: يقول الشاعر أمجد ناصر عن موسيقى مروان عبادو أن تسمع موسيقى مروان عبادو غير أن تراه يعزف، ليس هو ممثلاً ولا مؤدياً استعراضياً ليختلف تلقي موسيقاه بمشاهدته عن سماع اسطوانته، ولكن ضربات ريشته على آلة العود وملامح وجهه وجلسته المتحفزة على الكرسي الصغير، استبطانه إن لم أقل تمثله لمهاوي ومعارج موسيقاه يضيف إن جاز التعبير حضوراً درامياً لعمله. أظن أن هذا الحضور الدرامي الذي يتحدث عنه أمجد ناصر نابع من تكوينات مروان عبادو ومن مصدره الفلسطيني أولاً، ثم من تداعيات هذا المصدر التي منها الهجرة والشتات ومزالق الحنين، ثم كما ذكرنا لنشأته تأثير أكيد في هذا الحضور الدرامي، فهو نشأ في مناخ معهد الفنون الجميلة بحكم عمل والده وأقامته في مبنى المعهد، ولعل عناية جابر حين تقول عن صوت مروان عبادو تؤكد هذا البعد، ففلسطين حضرت تماماً في صوته وفي نصه وفي نبراته المتوارية خلف هدوئها، تخفي شوقاًَ ومكابدة. مروان عبادو ليس مجرد مؤدٍ لقصائد ونصوص، إنه صوت مؤثر وقادر على إغناء الكلمات بذلك الترجيع الحاضن الذي يتيح للقصيدة ويعطيها أبعاداً إضافية تمنحها اكتمالها ودلالاتها، بل هو أيضاً صوت ذكي خاصة في فهمه لطبيعته وعدم تحميل تلك الطبيعة أثقالاً نغمية خارجة عنها ولا تليق بها وتخرجها عن طورها.مروان الموسيقى والأغاني اللي تشتغلها يحسّ الواحد يعني هيك تعكس مناخات من الحنين وهيك مسحات من الحزن، بتقديرك هذا الحنين هو لوين أو لمين؟

مروان عبادو: هو بالنهاية يعبر عني، عن ترك مواقع كثيرة مش بإرادة ذاتية، لكن ما بعرف ما ممكن أقول لك أنا أحنّ لمين، أتذكر شغلات بس لا يعني أن الحنين لهذه الذاكرة لأنه الذاكرة كمان خائنة، بس أنا بالنسبة لي الحنين هو كمان حب، وهاي طاقة كمان بتصور الحب طاقة بشرية عجيبة.

زوجة مروان عبادو: أول شيء لفت نظري بمروان كانت الموسيقى كانت بالتحديد أغنية مطر، ببساطة التعبير اللي موجودة بالأغنية وطريقة تعبيرها عن قضية الشعب بدون ما تكون مسيسة كان أول شيء لفت نظري بموسيقة مروان، بس في خلال تعرفي على مروان كان فيه شيئين أساسين محددين لهالشخصية، الأولى كانت صدقه مروان زي الصفحة البيضاء حتى إذا عنده مشكلة مع شخص يحكيها في وجهه، والنقطة الثانية كانت إنه هو واحد من أكثر الناقدين لموسيقاه، هي كانت صدفة إنه فتاة فلسطينية من فلسطين المحتلة من مناطق 67 تجي في زيارة لفيينا وتلتقي بفنان فلسطيني في المهجر بالرغم من كونه ما عاش بفلسطين، لكن طريقته في التعبير عن طموح الشعب عن آمال هالشعب يجوز أكثر صدقاً من كثير من السياسيين أو اللي يدّعوا الخطابة في القضية الفلسطينية.

أحمد الزين: رحت بزيارة لفلسطين يعني كان لك الحظ إنك تفوت على فلسطين بعد ما صرت مواطن نمساوي، كيف شفت البلاد اللي أنت مثلاً كانت بذاكرتك من خلال حكايات الأهل، من خلال الوالد والأم والمشاهد اللي تشوفها على التلفزيون أو في الصحف؟

مروان عبادو: طبعاً فلسطين يمكن مرتبطة بكل فلسطيني مش موجود على الأرض الفلسطينية بمثل حلم، وهذا الحلم بحكيك عن احتلال، بحكيك عن شعب مقاوم، بحكيك.. يعني هذا لحلم واسع كبير ضخم، ويمكن هذا الحلم كمان يشكل لك صورة معينة في المقاومة، ويشكل لك صورة معينة مش مرتبطة بالواقع 100% وهي كانت الصدمة..

أحمد الزين: صدمت يعني؟

مروان عبادو: طبعاً صدمت، وأتصور بقاء الوطن فكرة أهون بكثير من أن نعيشه كوطن لأنه بعدنا بعيدين عن موضوع المواطنة..

أحمد الزين: شو رأيك بما يحدث مثلاً في فلسطين من عمليات استشهادية؟

مروان عبادو: يعني أنا كتبت قصيدة تقول أو كلمات بسيطة: كل يوم في صور كل يوم في خبر عن بلد اسمها فلسطينكل يوم في صراع وكل يوم في وداع في بلد اسمها فلسطينحابب يجينا يوم خالي البطولة لا شهيد ولا جريحيوم كله ملل ويوم كله ضجر وهاليوم الطبيعي من الطبيعي يكون عيد في بلد اسمها فلسطين