جميل ملاعب

جميل ملاعب: الطبيعة أكيد ما فينا نغلبها لأنه كل سنة بتجدد وبتجدد بشكل حلو، الإنسان بيتجدد بس بختير، يعني هيدي الشغلة نحسد الطبيعة عليها، كيف بنحسّ إنه شو ما بنعمل معها بالأخير بتغلبنا وبتاكلنا وبتاخدنا، يعني نحاول نحنا قد ما فينا نصارع ونتحداها ونعمل فن، نعمل شيء يتجاوزها الطبيعة فيهاش تعمله، مشان هيك نغدر الطبيعة منغدرها منعمل شيء أجمل منها أوقات إذا قدرنا.

أحمد علي الزين: أو بيتهيأ لنا هيك.

جميل ملاعب: عملت شيء بالخشب بس حسيت إنه الحجر فيه لذة أكثر في هيك يعني فيه مادة إي وفيه قوة في قوة تنجز العمل، الإنسان كثير كثير يهمه إنه يعيش هو ما بيعيش بس لمساته بتعيش، هيدا الشباك كنت عم أفتش عن شباك المدرسة مدرسة العذاب إذا بدك، مدرسة الصور الأولى بالمدرسة الابتدائية.. مثل ما .. بالضيعة الواحد لما بيتذكر السجن بيروح بيزوره، أنا زرت الصف صرت صف الابتدائية وهون بهالشباك بدل ما تطل أنت على المستقبل لا بتطل على الماضي.

أحمد علي الزين: ونطل مع جميل ملاعب من نافذته هذه على بعض من صوره هنا وهناك، نراه يعشّب بستان عمره، ويزيح عن تماثيله القديمة ستائر الأيام، ويحيك موزاريك للأسلاك عربون وفاء لفكرة الخلق، يغسلها يزيل عنها غبار رح الوقت.

جميل ملاعب: فيه شغلات الزمن بياخد منها هيدي الزمن بيعطيها.

أحمد علي الزين: وأيضاً من نافذته نطل على بدايات التجربة على حكايته مع الحجر على منحوتاته الأولى قبل أن يسرقه اللون إلى فضاءات تشكيلية مختلفة، وإلى حكايات تجسّدت عن القماش مستوحاة من حياة الناس وذاكرتهم، إلى مناخات أخرى في التجريد أو في التعبير عن سنوات الحرب.

جميل ملاعب: هيدي التجارب أولى هيدي كان عمري 15 سنة تقريباً.. وعندي كان ميل شديد نحو النحت خصوصاً الحجر، يعني جيب الحجارة وجيب مثلاً احملهم وأنا صغير صغيرة عامل عربية كنت حطهن عليها وجيب..

أحمد علي الزين: بلدي حين يستقبلك يضيفك مما جني من ثمار ألفّه الشجر في بستان الرسام، يحدثك عن والده عازف آلة الكلارينيت، وتتداخل حكاياته عن الطبيعة والأرض بحكايته عن الرسم والتأليف الذي جرب فيه كل احتمال في الشكل والمساحة وفي المضمون.طيب جميل أول يعني شيء يلفت في أعمالك هو هذا التعدد في وجوه التجربة، حتى يظن المرء اللي ما بيعرف جميل الملاعب إنه هذا الكم من اللوحات المختلفة تخص أكثر من رسام، يعني إلى ماذا عائد هذا الاختلاف والتعدد في التجربة؟

جميل ملاعب: أول شيء الاختلاف كمان انعكاس لغنى التراث وغنى الطبيعة وتغيير المواقع وتغيير نمط الحياة تغيير الفكر والتطور أوقات، وعدم اليقينية ما في شيء نهائي، يعني دائماً فيه نظرة للحياة والفن والثقافة والكون حسب معرفته حسب طلعاته حسب دراسته وحسب تجربته، هي تجربة ذاتها تطلب إنه يتجاوزها الإنسان وإلا بيصير عم يكرر حاله أو بيوقع بارتزانة الحياة.

أحمد علي الزين: طيب هيه أنت بتلاقي فيها يعني مشروع بحث، يعني التعدد بالتجربة يعني بأشكالها المختلفة هي مثل كأنها مشروع بحث عن صيغة معينة بدك توصلها؟

جميل ملاعب: ما فيه جواب نهائي غير الفن، بالفن سؤالك يكون له صدى وله معنى وله بعد أكثر من إنه يكون هو سؤال مجرد طرح سؤال، فيه شي بيجاوب على الأسئلة غير الفن، ما في شي بيجاوب على عظمة الكون وعظمة الطبيعة وجمالها غير إنك تشارك الطبيعة بجمالها بطريقة إنسانية واعية.

أحمد علي الزين: نعم يعني هذه الأجوبة على الأسئلة الوجودية اللي ذكرتها عبر اللوحة هي أسئلة بتقديرك مقنعة يعني؟ بتشفيإلى حد ما..

جميل ملاعب: لا ما بتشفي لو بتشفي كنا بطلنا نشتغل، ولو بطل كان في فن، لأنه دائماً الإنسان مطروح بهالوجود دبر حالك، فتش عن مصيرك، يولد ويعيش وبصير بفتش بصير يتقلب ويحس إنه هونه وجدت حالي، هونه وجدت حالي شوي كل ما وجد حاله بلاقي حاله إنه بعد في شغلات ثانية ناقصته بيكملها بالفن لأنه ما فيش وسيلة ثانية.

أحمد علي الزين: يعني أنت من الناس اللي بتكتشف نفسك كل يوم أو بتكتشف شيء جديد بنفسك يومياً؟

جميل ملاعب: بحاول.

أحمد علي الزين: بتحاول؟

جميل ملاعب: بحاول بس مش بالعمى، يعني أنا منّي.. وسيلتي لاكتشاف حالي هو المادة مادة النحت أو مادة الحفر أو مادة اللون، ومواد جديدة كمان بحاجة إني أعرف استعملها، لأنه هيدي المادة اللي منستعملها نحنا يعني وليدة تجارب جربوا فيها فنانين من 2000 سنة نجي نحنا نتناولها في صناعات جديدة لإلها، لازم نعرف نكون على مستوى فهمها تا نقدر نوظفها في خدمة اللوحة أو في خدمة عملنا الفني.

أحمد علي الزين: طيب جميل يعني هذا الحكي بخليني هيك أطرح سؤال إنه ليش بيرسم الإنسان طالما مثل ما ذكرت إنه هذه التجارب اللي عم نقوم فيها حالياً بتقوم فيها كفنان تشكيلي، هناك الكثير من المبدعين عبر التاريخ يمكن أكثر من 2000 و3000 سنة ربما 7 آلاف سنة حاولوا هذه.. يعني هذا النوع من التعبير، يعني على المستوى الشخصي أنت بتحس حالك أضفت شيء؟ أم أنت عم تحاور هذه اللعبة بصيغتك الخاصة بقراءتك الخاصة ؟

جميل ملاعب: ما بحسّ نهائياً إني أضفت شيء بس بخبروني إني أضفت شيء، لأنه أنا بحالة دايماً صراع ذاتي، يعني بعد ما يمر عشر سنين على تجربتي بخبروني إنه كانت منيحة، بس أنا بكون عملت تجربة ثانية كمان فيه ملاحقة دايماً في شي بلاحقك.

أحمد علي الزين: مين اللي بخبرك إنه..

جميل ملاعب: بخبروني بعض الناس اللي بحبهن وبحبوني وعندهن اطلاع على الفن بشكل حيادي مش بشكل أبداً في عنده غاية معينة، بشكل إنساني أو بشكل ثقافي أو بشكل يعني عندهن كمان تفتيشاتهن في ..كمان عندهن بحث خاص عندهن، وبيحبوا إنه كمان يوصلوا يعرفوا يميزوا يعرفوا يحكوا عاللوحة يعرفوا وين الإنسان نجح فيها وين أوقات وين أبدع..

أحمد علي الزين: وين أضاف وين..

جميل ملاعب: نعم.

أحمد علي الزين: من الواضح أن جميل ملاعب مجبول بعناصر بستانه حتى يظن من يشاهده أنه بستاني أو مزارع محترف، قبل أن يدخل إلى عالمه الآخر إلى طبيعته الثانية أو إلى طقسه الخاص إلى محترفه المفتوح على مدى بلدته الجبلية بيصور، ليصيغ كما قال من خيالاته وتأملاته احتمالات أجوبة مرة عبر الحجر ومرة عبر اللون يحاور الطبيعة ويذاكر بلغته التشكيلية. جميل أنت مثل ما منعرف بدأت حياتك مبكراً يعني بسن مبكرة ذهبت إلى النحت يعني بلشت نحات، والبيئة اللي نحنا منعرفها البيئة اللي أنت نشأت فيها هي بيئة يعني ما فيها هذا الموروث إذا صح التعبير بشكل تراكمي لتجربة النحت، يعني شو اللي أتى.. شو اللي جابك على النحت يعني مثلاً؟

جميل ملاعب: بفتكر هيدا الشيء مفهوم دخل علينا يعني دخل من خلال الإيدلوجيات الدينية والشغلات اللي هي بتتعدى على أحاسيس الإنسان، بينما كل شيء خُلق بالطبيعة ولك أنت أحلامك وخيالاتك وتصوراتك كلها هيدي ما حدا لازم يوقف لك ياها، صحيح فيه عنا ممنوعات معينة بس هالممنوعات هيدي مالها حقيقية، الإنسان خلق حر، والغنى حرية والرسم حرية والنحت حرية والتمثيل حرية والسينما حرية، كل مين بوقف هالشيء بكون ضد طبيعة أو ضد وضد الطبيعة الإلهية اللي خلقتك أنت خلاق، أنت ما وجدت عالكون حتى تكون مثل الشجرة، فيه عندك عقل واعي، عندك نظرة للكون قادر أنت تطرح السؤالات هيدي أهميتك، إذا بده يكون فيه ممنوعات هي بتكون عم تحقق عم تحدد عظمة الإنسان وعظمة الخالق، لأنه نحنا عظمة الخالق فينا إذا فيه بيحد لنا ياها هو بيكون ضد الخالق.

أحمد علي الزين: لو هيك أردنا يعني تقسيم التجربة لمراحل ومحطات، عن كم محطة فينا نتحدث مع جميل ملاعب مثلاً؟

جميل ملاعب: والله ما بعرف بالضبط يعني فينا نقسهم حسب العمر وحسب الدراسة وحسب..

أحمد علي الزين: يعني أنت بتشوف حالك بكم محطة؟

جميل ملاعب: يعني شي عشر محطات تقريباً.

أحمد علي الزين: كل محطة هي لها ميزتها ولها لوحتها..

جميل ملاعب: فيه موضوع مختلف، في ماتيريا مختلفة، فيه رؤية مختلفة، وفيه واقع حياتي يفرض عليك تعبّر عنه، وفيه كمان فيه عملية بحث يعني وتجربة تجري مستمرة، يعني بدي أعطيك مثلاً أنا بلشت نحات بالحجر، بعدين انتقلت لمعهد الفنون تعلمنا الرسم يعني لمرحلة ثانية، بعدين فيه بالرسم مواد مختلفة انت بتبرع حسب نفسيتك وحسب..

أحمد علي الزين: بالزيتيات بالمائية بالطبشور..

جميل ملاعب: أنا بحب الغواش، مثلاً بالغواش قدرت أعطي شي بلامس الروح اللي عندي، يعني عندي بالغواش أحس إنه فيه حزن معين موجود بلهجتي وبحياتي ما قادر أي مادة تعبّر عن مثل الغواش، هالتقشف وهالسرعة وهالتعبير عن اللقط اللحظة بالغواش، بمادة الزيت الزيت بطيء أكثر لا يتناسب أكثر مع تجربتي أو بدك بالزيت تفكر كثير بدك وقت، وبدك تنقع اللوحة من أسبوع لأسبوع تا تنشف قد لا يعني.. أنا بكره تكرار اللحظة، حتى ما كرر لحظة استعملت مواد فيني أنجز فيها عملي بسرعة، بعدين فيني أتنقل بعملي من محل لآخر، يعني أنا عملت سفريات سافرت لعدة محالات ما في بهالمحلات ارسم لوحة زيتية كبيرة.

أحمد علي الزين: طيب حكيت عن الحزن إنه بتحس أنت بتقدر تعبر عن الحزن الأكثر يمكن بالغواش هذا الحزن منين إجا بتقديرك؟

جميل ملاعب: من السؤال اللي ما فيك تجاوب عليه، السؤال اللي ما فيك تجاوب عليه بخليك تحزن وتنكفئ على حالك وبتصير تشتغل.

أحمد علي الزين: عم نحكي كنا عن المحطات، فيه وحدة من محطات يعني هيك العالية إذا أنا فيني سميها عالية لأني بحبها كثير، هاي التجربة اللي تتمثل بهالمساحات اللونية الواسعة جداً، شو اللي جابك على هالمساحات هيدي هو الحزن كمان هي لأنه فيها نوع هيك من الوحشة أحياناً، رغم الفرح اللي فيها، رغم المدى الهائل والألوان الأزرق والأصفر بس في أحياناً بتلاقي فيه طير لحاله عابر بهالسماء، أو فيه كتلة لونية طلعت بمحل ما بعرف ليش، شو هيدي شو بتخبرنا عن هالمرحلة؟

جميل ملاعب: بخبرك عن المساحة الكبيرة، خلال 20 سنة من الحرب..

أحمد علي الزين: والسؤال هي نوع من التطهير من الحرب هيدي؟

جميل ملاعب: لح جاوبك شوي شوي، أول شيء كبر اللوحة هو إنك صار فيك ترسم لوحة كبيرة، كبر اللوحة كمان سببه إنه وقفت الحرب، صار فيك تقعد بمحل وتعمل لوحة كبيرة، قبلاً شغلي كله كان على ورق لأنك بدك تنتقل بدك تحملهم معك يتهجروا معك، صار عندي لوحة كبيرة وقت صار عندي أتاليه كبير وقت صار عندي كمان فرصة سلام تقدر يدك تشتغل على طولها، كنت مقيد بالكتابة الفنية، هلأ صرت ترسم بإيدك وبجسدك كله وانت عم تمشي.

أحمد علي الزين: منحكي عن تجربة الحرب، تميزت لوحتك خلال الحرب بنوع من تناول عناصر الحرب، كما لو أنك عم تلتقط اللحظات عبر سلايتز أو شيء هيك كاميرا وعبر شريط سينمائي، أنت كنت عم تشوف الحرب من داخلها أم من خارجها؟

جميل ملاعب: شوف نحنا بنص الحرب، أول شيء داخلها أوقات نكون من خارجها أوقات نكون من داخلها، بس الحرب فاتت فينا جوه، حاولت طلعها أنا، يعني الصوت والمأساة واللون الأسود والدخان كله موجود بجسمنا، كيف عم نطلعه؟ عم طلعه بالرسم بالحبر باللون بالأسود بالطبشور وإلا يبقى ما بيعود، إذا عندك أنت مشكلة بدك تحكيها كيف بتحكيها بتطلعها، الرسام هيك بطلعها كيف بحطها على الورق بمددها هيك وبجمدها يجمدها، بس المشكلة إنه إذا طالت الحرب بصير بده كثير وقت.. وبده يلحق على أيام ومآسي وأحداث عرفت كيف.. ما خلصت الحرب من شان هيك بعد من وقت لآخر بترسم قضية وبترسم، تنعكس عليك، بيطلبوا منك بجريدة تصممها مثلاً عن الحتة المعينة أو الحياة المعينة بعدها الحرب كأنها عم تستمر ضمن الأحداث والتفجيرات الشخصية، ما خلصت مشان هيك يعني عم نتحايل على الأحداث نرسم لوحات حلوة وفرحة وأصفر وأحمر وأخضر حتى يصير فيه عنا توازن ما يضل الأسود هو الطاغي.

أحمد علي الزين: توازن على المستوى الشخصي..

جميل ملاعب: على المستوى الشخصي وعلى المستوى العام الاجتماعي، كمان ما فينا نحنا مالنا هدفنا نكون نعبر عن مأساة، هدفنا أنا برأيي نجمّد المأساة، منجمدها إنا نرسمها نحطها.. نحطها على التاريخ، بس حتى يكون لها تاريخ حلو لازم نرسمها مضبوط نرسمها فنياً يعني ونحرك الموت.

أحمد علي الزين: العمل هو الطريق الوحيد للوصول، والجواب على أي سؤال يطرحه المرء هو أيضاً عملية بحث واجتهاد لعل الفن يجيب على بعض الأسئلة ولو بمقدار، على هذه القاعدة يواصل جميل ملاعب سيره في طريق خطا خطوته الأولى فيها مبكراً، كان في 15 عاماً يوم فاز بجائزة للنحت في متحف سرسق في بيروت وكان ذلك في أوائل ستينات القرن العشرين، وعلى هذه القاعدة يتابع جميل ملاعب مسيرته الفنية تاركاً على جنبات دربه علامات بارزة واضحة تشير إلى عبوره وتجربته المتنوعة، مرة عبر المنحوتة، ومرة عبر مسلة من الخشب، وأخرى عبر اللوحة المتعددة الأساليب أو عبر أداة أضاف عليها من تصوراته وخيالاته ما يجعلها تحمل دلالة أخرى ومعنى آخر كاسراً صمتها، محركاً لسكونيتها بمنطق اللون أو في تغيير وجهة استعمالها ليؤبدها أداة متحفية، وفي طريقه في سعيه المتواصل يؤسس لمحطات يقيم فيها لوقت طالباً في بيروت، وباحثاً في نيويورك عن بعد آخر للتجربة الفنية عبر دراسات معمقة في الفن التشكيلي ثم أستاذاً في الجامعة اللبنانية. وعلى مستوى التجربة الإبداعية نراه متعدداً ما بين التجريد والانطباعية والحداثية، ما بين الاشتغال على وجوه التراث والعادات الشعبية إلى حياكة الموزاييك مثلاً أو الاشتغال على مساحات اللون الواسعة إلى المنمنات والكتابة الفنية، وكأنه في كل ذلك يبحث عن إضافة في حواراته مع المولود والمعاصر.

أحمد علي الزين: طيب هلأ حالياً سيد جميل عندك هيك لتناول بعض موضوعات التراث والعادات الشعبية والفلوكلورية ببيئتنا، يعني لماذا هذه العودة الآن يعني؟

جميل ملاعب: صراحة أول ما أتعلم بالجامعة تحسّ إنه أنت متطور يعني عم ترسم شيء تجريدي أو بترسم شيء يشبه النمط الغربي، بس بالنهاية تكتشف يوماً ما إنك ما فيه فرق كثير إنك ترسم البيزاج أو ترسم التجريد المهم تعرف ترسم، المهم كيف فيك توظف حالك حتى تعمل موضوع فني، فيه شيء كنت أهرب منه هو الإنسان ورسم الإنسان..

أحمد علي الزين: هذا اللي كنت بدي أسأله.

جميل ملاعب: رسم الجسد الإنساني هذا كثير صعب، بده شيء 30 سنة تمرين الواحد حتى يصير يرسم عن غيب الإنسان، وهيدي بدها وقت، وهلأ من شيء 5 6 سنين بلشت أرسم الإنسان وما أهرب منه صير أفهمه كيف مقاييسه كيف طوله وعرضه.

أحمد علي الزين: هذا هو السبب فقط سبب تقني؟ أم أنه غياب الوجوه إلى حد ما على لوحاتك يعني إلا في مراحل مختلفة هو لسبب تقني أم هو سبب آخر واجتماعي نفسي؟

جميل ملاعب: سبب إنه الإنسان حلو ليه بدي أهرب منه بعدين وجهه..

أحمد علي الزين: ليش بدك ترسمه ولا ليش بدك تهرب منه؟

جميل ملاعب: بدي أرسمه بجديد بس بطريقة..

أحمد علي الزين: مثل ما أنت تشوفه؟

جميل ملاعب: مثل ما أنا بشوفه، أنا مثلاً بحب الألوان برسم الإنسان بيصير عندي قضية بدون ما أهرب من التفاصيل الحلوة، ما بسقّط إلا الشيء اللي ما بدي ياه، بس بحاول أواجه حالي أنا أرسم الإنسان بس كأني عم برسم حالي عم برسم حياتي طفولتي الناس الآخرين، هم أنا، هم أنا الآخر، حاول أرسم حالي من خلالهم، برسم الشيء الحلو اللي بفرحهن الأعراس الاحتفالات..

أحمد علي الزين: المواسم الجميلة..

جميل ملاعب: محبتهن للعمل، مواسم القطاف مواسم القمح كأني عم برسم ما فاتني في الماضي ما فيك تؤرخ حياتك إلا وقت اللي..

أحمد علي الزين: تبعد عنها شوي؟

جميل ملاعب: تشيل ذكرياتك تحاول تعملهن هيدا أنا بحبه.. هيدا عشته هيدا شفته بالماضي بس ما قدرت جسدته عم برجع جسده، هيدا أنا، هيدي حياتي هيدا ضيعتي هون ناسي، أوقات كون عم برسم الناس كأني عم بحكي معهن.

أحمد علي الزين: هودي أهلنا.

جميل ملاعب: بس هودي الأهل مثل ما شفتن أنا بالتجربة اللي عم ترسمها هي تجربة الأخيرة اللي عم تستعيدها عم ترجع تستعيدها وتشكيلياً، ملامح الناس اللي فيها يعني أنت متصرف بالملامح بالمقاييس تبع.. بالمعايير تبع يعني ليش عم أتصرف بهالطريقة؟

جميل ملاعب: مش عم أتصرف.

أحمد علي الزين: يعني عم تخلط الموروث بالمودرن يعني شي مثل هيك؟

جميل ملاعب: إيه لأنه أنا وأنت كل الناس موجود المخزون التاريخي موجود بالوعي تبعنا، الفن الفرعوني موجود، الفن السومري موجود، كل شيء فات على حواسنا تخزن جوة وقت بيطلع بده يطلع، تجي تا ترسم تجي تا ترسم تشكّل الناس مع بعض النسوان والرجال مع بعضهم تحاول تبسطهن تعملهن هندسياً بيطلعوا كأنهن راسمينهم فراعنة، تحطلهم لون جديد بيصيروا مودرن، تعمل لطشة تقارن بينهن وبين المراة اللي تلبس منديل مثلاً بتحس إنه هي المراة اللي تلبس منديل هي ذاتها الموجودة بالحضارة الفرعونية أو موجودة عند السومريين بس تغير شيء بسيط ملامحها.

أحمد علي الزين: هاي اللوحة اللي وراك مثلاً هيدي شو هاللوحة؟

جميل ملاعب: هيدي لوحة عن نيويورك، حتى نيويورك رسمتها كأني فنان يعني بالشرق، يعني في تراتبية تشبه تراتبية النص الكتابة المسمارية أو الكتابة العامودية الفرعونية يعني بطريقة لا مباشرة.

أحمد علي الزين: يعني متأثر أنت بهذا المناخ البابي السومري الآشوري الفرعوني البيزنطي؟

جميل ملاعب: مش قصة متأثر هو موجود فيّ، بس فيش أهرب منه بده يطلع، بحبه بس ليش.. هو أصيل وحلو أوظفه أنا وأوصله للآخرين هو دلالة حضارية وهندسية عظيمة.

أحمد علي الزين: توصله عبر أنت كيف تشوفه؟

جميل ملاعب: عبر كيف شوفه خلال..

أحمد علي الزين: إضافاتك؟

جميل ملاعب: إضافاتي مع إضافاتي بدون ما أكرره كما هو..

أحمد علي الزين: طيب حكيت عن نيويورك، عندك تجربة عن نيويورك كانت تجربة أكاديمية للدراسة طبعاً لاستكمال الدراسة، السؤال هو أنت ليش اخترت نيويورك عادة الفنانين التشكيليين خاصة بيروحوا على روما بشكل عام أو أوروبا أو روسيا يعني؟

جميل ملاعب: بالفعل الحياة الواحد أحلامها هي تقوده لشغلات يتفاجأ أنه هو شو عم يصير معي، تكون مخطط له بس بطريقة لا وعي، أنا طلعت من لبنان 72 بعد ما تخرجت من الجامعة بدي روح لأي محل رحت على الجزائر، الجزائر كثير حلوة كانت بالنسبة إلي، أعفتني من خوض غمار تجربة الفن الأوروبي اللي فيه كثير من التيارات اللي تجذبه وتأخذه للاتجاهات مش قادر يوقفها، بالجزائر كنت شرقي مع ثقافة غربية، قدرت أعمل لوحة أسس لوحة كثير حلوة بالنسبة لي، يعني أحس إنه كان الشرق يقع الغرب بتجربة جمالية مهاجر لهون، مثل ما إجا ديلاكلوا على المغرب وعلى الجزائر، مثل ما إجا بولكليه من ألمانيا على تونس، يعني نحنا منّا شغلة غريبة أنه نظل ننتقل من قطر عربي لقطر عربي نضل لحالنا أكثر، فيه سلم تعبيري فني كثير صحيح، بالجزائر حسيت إنه رؤية اللون الصافي والبساطة والطفولة والجمال المشع الموجود باللون أخذته من هالبلاد الحلوة اللي بحبها أنا الجزائر.

أحمد علي الزين: ثم بعد الجزائر؟

جميل ملاعب: بعد الجزائر زرت إيطاليا وزرت بلجيكا وزرت هولندا، تفرجت على أعمال بعض الفنانين اللي بحبهن مثل فان غوغ وبعدين زرت باريس وسنة 82 زار بيروت الناقد الأميركاني المشهور ديفيد طنوس عمل محاضرة عن الفن اللبناني، وحكى عن أعمالي وإجا لعندي على الجامعة وتعرف عليّ، وبالجامعة كان لي كانت فرصة سعيدة إني فرجيه على بقية أعمالي، ونصح العميد وقتها حتى أني أكمل دارسة المعمقة بأميركا، ووجودي في نيويورك كان فيه صدمة حضارية بيني وبين هالمدينة الغنية..

أحمد علي الزين: الكونية..

جميل ملاعب: الكونية ورسمت أشياء أعبّر فيها عن نظرتي..

أحمد علي الزين: فيه عندك واحدة من لوحاتك راسمها عن نيويورك، حاطط برجي التجارة في إطار مثلث بلون مختلف أنتي عاملها بالأسود وهودي بالأحمر، يعني فيه نوع من الحركة وكأنه يعني فيه شيء بده ينفجر، يعني شو هالصدفة العجيبة يعني قبل 20 سنة؟

جميل ملاعب: بعد في 11 سبتمبر الحقيقة الشيء كان مفاجئ لي الحدث ومرعب، يعني شغلة.. ما رجعت للوحتي أنا لقيت هالرؤية هيدي بالصدفة كيف أنا جسدتها، وأول مرة أقطع اللوحة هيكي، وبرجي التجارة موجودين ضمن المثلث اللي قاطعه وفيه دخان طالع، وبعدين قاشط جزء هاللوحة طاشت وفيه طيارة جاية ما بعرف..

أحمد علي الزين: في ناس عم تهرب.

جميل ملاعب: بلكي الواحد يوماً ما يوصل لوقت أنه فيك تقرأ شو بده يصير.

أحمد علي الزين: يعني تتابع الأحداث قبل الوقوع ربما.

جميل ملاعب: يمكن بس هالشيء صار، ما يتهموك أنت مخطط.

أحمد علي الزين: بس منّي مخطط.

أحمد علي الزين: أصيل جميل ملاعب أصيل وصريح كصراحة ألوانه، غني كتعدد تجاربه كاحتشاد العناصر في لوحته، ينهل من أكثر من مصدر موروث ومعاصر، ويشتغل لوحته كأنه يحاكي الأسلاف أو يومئ للمستقبل، أما مخزونه البصري المتشكل لنواحي القرى والمسافات الأخرى في المدن والتاريخ فهو وقود سفره في عالم التشكيل، ودائماً تعثر على ذلك الطفل الرسام الذي في شخصية هذا الستيني يحرك ريشة المبدع ويساهم في تشكيل لوحته.

أحمد علي الزين: طيب أنت بالجامعة اللبنانية عندك التجربة الغنية بحياتك أتصور وأنت بتحبها كثير وهي تجربة التعليم 27 سنة تعلم الجامعة بكلية الفنون؟

جميل ملاعب: نعم.

أحمد علي الزين: بتقديرك هيدي التجربة أفادتك بشكل هيك جدي تعلمت من طلابك بمقدار ما علمتهن؟

جميل ملاعب: بالتأكيد، بالتأكيد العلم بالنسبة لي رسالة كثير بحبها لأنه أنا ما بتطور غير ما أتبادل الأفكار، يعني أنا أعلم وأتعرف على الطلاب طلاب طاقات واعية وطاقات إبداع، أحاول أنمي لن هالإبداع هذا، وقت نمي إبداعهم إبداعهم ينعكس عليّ يعني فيه بالتعليم مش قصة إنه منفرغ معلومات ونرتاح لا، بالتعليم..

أحمد علي الزين: خلق؟

جميل ملاعب: تنبش المواهب عند الطلاب، وتحاول تشجعهن تحاول تشيل السلبيات تحاول تشيل المفاهيم الغلط يمشي الطالب، مجرد طالب يكون يحب يتعلم الفن، والفن أقرب شيء لروح الإنسان مثل الموسيقى، حلوة وقريبة للكل للإنسان وللحيوان وللشجر، الشيء الحلو والجمال والفن هو روح الله فينا.

أحمد علي الزين: حلو كثير.

جميل ملاعب: ما منرتاح إلا وقت نكون على هالموجة.

أحمد علي الزين: يعني عندك هيك من حديثك ومن بعض تجاربتك الواحد يستشف هيك هالنزعة التأملية إذا بدك الوجودية التصوفية اللي بشخصيتك، أنت من هذا القبيل يعني من هالناس هاي؟

جميل ملاعب: قالوا لي هيك، أكثر شيء قالوا لي بنيويورك، كارول وايس الدكتورة اللي علمتني كانت تخبرني إنه أنا عندي شيء من الروحانيات، صارت تعطيني كتب وساعدتني، وتقريباً مثل إنه كان عندها سعادة إنه أنا أعمل حقق أحلامي، عرفتني على حالي من خلال الكتب ومن خلال الحديث دائماً مستمر معها، حتى نشوف قديش فينا الإنسان يستعمل طاقة اللي هي موجودة عنده، وكلها شغلة بسيطة إنك توقف السلبيات تجي الإيجابيات.

أحمد علي الزين: تكون إيجابي مع نفسك ومع غيرك.

جميل ملاعب: أنك تحلم إنك تكتب أحلامك وإنك أمنياتك تسجلها، مذكراتك تسجلها وكل شيء بدك تعمله تحاول تركز عليه تعمله.

أحمد علي الزين: شو علاقتك بالحب بشكل عام؟ أديش فيه من هالطاقة أو من..

جميل ملاعب: الحب هو الطاقة الإيجابية اللي تعمل منك إنسان.

أحمد علي الزين: بني آدم..

جميل ملاعب: بني آدم وتعمل منك فنان، وتعطيك دائماً الأمل تعطيك فيتامين اللي بيخليك دائماً تكتشف حالك وتعمل شيء جديد وتتفائل..

أحمد علي الزين: بتقديرك بدون الحب يمكن شوي ينشف الإنسان أو الفنان تحديداً يعني بيخف عنده العطاء؟

جميل ملاعب: كل شي حلو وجميل وفني هو وراه إرادة، إرادة المحبة وعمل.

أحمد علي الزين: طيب بالنسبة لصداقاتك يعني أنت معروف عنك يعني من الناس اللي يحبوا أصدقاءهن كثير، وكمان هيدي موهبة أخرى فينا نضيفها لمواهبك؟

جميل ملاعب: مش موهبة هيدا شيء طبيعي، يعني أنا فيه أسيادي وفنانين علموني كثير أحبهم لأنه هني عطوني شيء حلو، علموني بلبنان وخارج لبنان هودي جزء من الباغرام اللي أفتخر فيه، وأصدقائي أفتخر فيهن وأهلي أفتخر فيهن وكل الناس ما لنا فضل نحبهم لأنه هني جديرين أنك تحبهن.

أحمد علي الزين: طبعاً هيدا البيت أنت ترسم لوحة ترسم البيوت كمان لأنه رسم بيت حلو إذا كنا نسميه رسم طبعاً، وعم تعمل عندك فكرة يعني تعمل جزء منه متحف، السؤال هو إنه الفنان ليش بيحلم عادة يكون يترك وراءه متحف أو..؟

جميل ملاعب: شوف يعني مش أنا لازم أعمل متحف، لازم الدولة تعمل متحف لكل الفنانين، بس وقت اللي تلاقي أنت من خمسين سنة عملوا كثير شغلات في البلد بس ما حدا عمل متحف، يعني ما حدا عمل وطن حتى بطاقاتك، حتى بطاقاتك أنت بدك تكتبها وإلا يكتبوا لك ياها مثل ما بدهن، منحاول بلوحتنا نكتب البطاقة اللي هي ما تفرّق بين مواطن ومواطن، هي الوطن لوحتك هي الوطن، إن شاء الله ما عاد يقسموها كمان، عارف كيف؟ متحفي أعمله لأنه ما فيه حدا بيعملي ياه بكل بساطة، العملية بدها تضحية كثير تضحي ببيت طويل عريض، بدك تضحي بمال معين ممكن تصرفه على حدا، بس ما في مؤسسة تتبنى هالشيء.. حلو أنك تعتمد على حالك إذا فيك.

أحمد علي الزين: بس هيدي مش الكل فيهن يعملوا هيك فيه ناس ظروفهن ما تسمح لهن.

جميل ملاعب: وقت اللي حسيت فيّ عملتها تتمنى الكل يقدروا.

أحمد علي الزين: وإلا هذه الأعمال تضيع يمكن؟

جميل ملاعب: لأنه أعرف كثير فنانين وقت اللي عم يرحلوا عم يصير فيه حجز على أعمالهن أو عم يبيعوا أعمالهن بالمزاد، يعني هيدا كثير شيء مؤلم هذا تراث وطني نتبناه، الفنان ما يعمل لحاله ما يرسم اللوحة له يرسمها لمجتمعه يرسمها للآخرين ما لازم يحتجزها حدا لازم الكل يشوفوها والكل يطلع عليها والكل يتعلموا منها، وقت بيكون فيه متحف يكون في مرجع عم حاول قدر الإمكان أعمل كتب لأعمالي الفنية حتى يكون فيه متحف متنقل..

أحمد علي الزين: كمان تحافظ عليه..

جميل ملاعب: اللي هو الكتاب..

أحمد علي الزين: بتقديرك يعني إضافة للشق الأول من الإجابة اللي له علاقة بالوطن إنه هو اللي ما بيألف وطن ما يعرف يألف متحف على مستوى السياسي، فيه شيء آخر هيكي له علاقة يتعلق بالخوف يعني الخوف أو بالخلود خلينا نسميه مش الخوف.

أحمد علي الزين: إي لأنه اللوحة هي متحف صغير، المجموعة الفنية وحياتك هي متحف كبير متحف لكل مراحل حياتك، كلنا مسؤولين عن الحضارة يعني.

أحمد علي الزين: بشكل أو بآخر.

جميل ملاعب: بس المسؤول أكثر شيء المسؤول هو اللي بيعرف قيمتها، اللي بيعرف قيمة الفن مسؤول أكثر من الإنسان العادي، اللي بيعرف قيمة الصحة هو الطبيب أكثر شيء.

أحمد علي الزين: هلأ شو عم تعمل حالياً؟

جميل ملاعب: فيه عندي مشروع عدة أعمال بدي جسدهم، بدي أعمل لوحة تراثية كبيرة، وكل ما رسمت من خمسة ست سنين بدي حاول استعمل مادة الزيت إني جسدها على لوحات كبيرة بشكل واقعي، بحب أني أكون فنان طموحي كون فنان كلاسيكي واقعي.

أحمد علي الزين: أنت؟

جميل ملاعب: بدون ما أنسى حبي للون وحبي للتأليف والتجريد، التجريد كثير حلو الواحد يستعمل لغة اللون بدون ما يفتش عن الموضوع، بس كمان ما بحب أوقع بسهولة، دائماً بحب المواضيع الصعبة بحب المواضيع اللي فيها أتحدى حالي وأتحدى الماضي ما بحب كرر أشياء بعرفها ما بحب قول أشياء قلتها.

أحمد علي الزين: هذا هو جميل ملاعب أو هذا بعض منه، يؤلف حياته ولوحته بشغف العاشق ويستعيد ما فاته وشاهده ليصوغ لوحته كمن يبوح بالشوق والحب ويزاول من على شرفته أحياناً صفاءاته وتأملاته.