حسن داوود

أحمد الزين: اكتشفت هذا الراوي اللي فيك. ونكتشف مع حسن داوود حديقته، أو لنقل بستان الذاكرة، نكتشف الطريق إلى مطارحه الأولى، إلى سنة أتوماتيك مثلاً كما جعلها روايةً وهي عن الأفران خاصة والده في شارع بليس في بيروت، ونتبين ملامح جده في أيامه الزائدة، ونكتشف بعضاً منه بعضاً من حسن في ريفه الجنوبي حيث بيت الأهل، ونسلك معه الدرب الصغير نحو طفولته وتحت شجره القديم، لنعثر على منسوب العلاقة التي تربطه بهذه الذاكرة وتلك الأمكنة وهذه البيوت.

حسن داوود: يعني البيت بتعرف بيوت معينة بتوقف عندها بحياتك، بالنسبة للضيعة محل ما إحنا هلأ البيت الأول اللّي كان بيت أهلي الأول اللي هو بقلب الضيعة يعني كان طبعاً فيما يتعلق بالذكريات بيعني لي أكثر، لكن في بيوت تبقى بالبال مثل مثلاً البيت الأول اللي سكنا فيه ببيروت اللي هو بناية ماتيلد عملت عنه كمان كتاب اسمه: "بناية ماتيلد".

أحمد الزين: هدمت بناية ماتيلد في منتصف الثمانينات، لكن حسن أعاد بنائها روايةً وفق مقاييس هندسية أخرى مقاييس الحكاية واللغة والخيال، وبناية ماتيلد قبل أن تصبح روايةً كانت بيتاً وحارةً وشرفةً وأهلاً وجيرةً وأصدقاء ونسوةً يغلبن الضجر بالحكاية وطفلاً كبر في المسافة ما بين بيتين ومطرحين وذاكرتين، ومدينة اسمها بيروت.

حسن داوود: أنا بحس حالي بمدينة يعني..

أحمد الزين: أكثر من أنك ريفي.

حسن داوود: أكثر من أنا ريفي.

أحمد الزين: طيب، أستاذ حسن تظن أن العمل الروائي العمل الدرامي بشكل عام يعني هو ابن المدينة أكثر ما هو ابن الريف باعتبار أن المدينة تفرض إيقاعها وتفرض يمكن لغة التعبير عن هذا الإيقاع بعكس الريف اللي هو هيك فيه حالات شاعرية أكثر.

حسن داوود: يعني أنا للحقيقة بجي مفهوم أن الرواية هي عمل مدينة خالص يعني وهو مثل ما بتتسمى بين أيدي النقاد كلهم وبما فيهم النقاد العرب من سنين أنه هي ملحمة المدينة ملحمة البرجوازية إلى آخره الرواية، أنا مرات يعني باطلاعي على الروايات يتبين لي أنه كثير.. كثير من الروايات ما بيكتب عن المدن، كتب عن يعني مجتمعات ريفية مجتمعات غير مكتظة، لأنه أنا باعتقادي هي عمل إذا لم تكتب الرواية عن المدينة فاللي عم يكتبها حتى لو كتبها عن الريف عم يكتبها عقل مدينة وخيال مدينة ومقارنات بين إلى آخره ذات طابع مدينة خاصة.

أحمد الزين: الروائيون حسن هن عادةً بيكتبوا وبيحكوا عن آلام وأفراح ومصائب الآخرين، أو يتخيلون هذه العوالم ويصنعوها بيكتبوها بألفوها، أديش هم.. يعني أديش هم الكتاب أو أديش أنت ككاتب بتقدر تخلق مسافة بينك وبين هالشخصيات اللي بتخلقها أو أنت بتستنبطها من الواقع أديش أنت بتباهي فيها؟

حسن داوود: دائماً بتحس حالك أنك أنت متورط مع شخصيتها، ولما بتحاكيهم بتجعلهم يحكوا بتكون أنت اللي..

أحمد الزين: أنت عم تحكي..

حسن داوود: منذ أربع أو خمس سنوات الأخيرة كنت دائماً الكلام بيجي عن لسان الشخصيات..

أحمد الزين: بضمير المتكلم..

حسن داوود: ضمير المتكلم، هم اللي بيحكوا، وهذا بيتطلب أنك تحط حالك كلياً محلهم..

أحمد الزين: صحيح.

حسن داوود: لكن بدرجة التباهي وهالمرة مش عم تسحبهم لعندك يعني أنت عم تروح لعندهم، الكتاب الأخير اللي هو "أمي" وهي امرأة يعني..

أحمد الزين: بلُعَب حيّ البيّاض..

حسن داوود: بلُعب حيّ البيّاض كانت عم تحكي باستمرار هي، يعني كأنه هي ماسكة قلم والورقة وعم تخط ما تعتقده أنه حياتها أو ما أعتقده أنا أنه حياتها، فا هون درجة التماهي اللي سميته تماهي كثير.. كثير.. كبيرة، وبتبطل تعرف حقيقةً إذا كنت عم تحكي صح أو عم تحكي غلط، وإذا كنت عم توصف.. أو إذا كان هالشخص فعلاً بفكر هيك أو مش هيك.

أحمد الزين: وهذا الشي بعذبك؟

حسن داوود: الحقيقية بصير بحس بأنه مسموح لألي شوي أفكر عنهم، يعني عن هالشخصيات، وأنه حتى أتألم عنهم أو أعرف أو أتصور درجة ألمهم لكن وهم عم يروها لهالدرجة، إلى درجة الألم هي.

حسن داوود: "ربنا سبحانه وتعالى أعطى لكل مخلوقٍ شيئاً يحمي به نفسه، إلا أنا فقد خلقني هكذا بلا مخلبٍ ولا إبرةٍ ولا شوكة، حين أقول ذلك الآن يتبدى لي جسمي من تحت الثياب أبيض بياضاً يشمله كله، قطعةً واحدةً ليس فيها جزءاً أقوى من جزء ولا جزءٌ أضعف من جزء، وأنا لا أعرف إن اندفع أحدٌ نحوي لأذيتي لا أعرف إن كان عليّ أن أرفع يدي أمامي لأحمي بهما شيئاً فيّ أحسبه يوجع إن أصيب أكثر مما يوجع سواه". كأنه عم.. كأنه عم.. لما بتطلع فيهم كأنه رح تحكي بعد شوي يا زلمة.

أحمد الزين: بتشوف شخصياتك وأبطالك بالمنام؟

حسن داوود: أي جدي.. جدي بشوفوا اللي هو بطل: "أيام زائدة" الحقيقة هو يعني أنا اللي دفعني أكتب كتاب عنه هو شعوري بأني في مرة هيك أذيته بالكلام وتطلع فيني تطليعة ما بنساها يومها يعني، وكيف بقول له أنا إنك أنت صرت كثير.. كثير كبير وعشت كثير زيادة، فتطلع فيني تطليعة كأنه رجع كل وعيه له بهاللحظة ومشي تركني ومشي، المهم أنه كتبت كتاب عنه معتذراً هيك عن كلمة جملة، هو ما كان يقبل بعدين أنه يصالح مثلاً..

أحمد الزين: عرف هو أنه أنت كتبت كتاب عنه؟

حسن داوود: لا ما عرف، ليك هو بعد منها تعب صحياً كثير مش بسببي طبعاً كان هو بلش يكبر..

أحمد الزين: الزمن يعني..

حسن داوود: الزمن يعني أتعبه، وأنا كنت بالكتاب هو الحقيقة وصف لأيامه الأخيرة اللي كنت عم بتخيلها تخيلاً، ثم امتنعت عن أن أشوفه بالمرة لأنه فكرت أني أشوفه وأفهم اللي عم بصير فيه وهذا ممكن يعطل الطريقة اللي أنا عم بكتب عنه فيها، المهم أنه بعد ما توفى بقيت سنين شوفه دائماً بنومي دائماً.. دائماً، وغالباً بيجي حداً يدق على الباب أفتح الباب يطلع هو، فقول له أنا: بعدك طيب يا جدو بعدك طيب إنت، شوي وهكذا.أنا وفاطمة"الحقل شاسعٌ وأصفر، شاسعٌ ومنحدرٌ كأنه ينتهي إلى هوةٍ وأنا وفاطمة بقعتان مزركشتان وسط هذا الصفار الباهت، أنا وفاطمة جالسان في أول الانحدار والشمس قويةٌ حارقة.. قويةٌ حارقةٌ حتى أننا كنا نسمع صوت الحصيد التي ينقصف من شدة الوهج، ماذا كانت تقول فاطمة في ذلك السكون النهاري؟ كانت تجلس مقوسة الظهر وسميكة الكفين، قالت أشياء لم أعد أذكرها، ولكن أذكر أنها كانت تحاول الكلام فلا تفلح، شيءٌ ما في عينيها ووجها المحمر كان يجعلني أحسب أن شيئاً في داخلها يضطرب".

أحمد الزين: طيب حسن هيك للنساء يعني حضور نافذ بأعمالك الروائية، ليش النسوان يعني عندهن هالحضور أكثر من الرجال بالروايات عندك؟ وكيف بتقدر أحياناً يعني ككاتب بتقدر تعيش حالات أنثوية وتعبّر عنها؟

حسن داوود: يعني أول مرة كتبت عن النسوان الحقيقة أول ما كتب بحياتي عن النسوان بكتاب اسمه: "تحت شرفة آنجي" اللي هو كل عن النسوان، النسوان أنا.. يعني بيحمل الواحد منا بيحمل من طفولته كمية صور وكمية مشاعر وكمية معرفة بالنسوان بتتعدى كثير معرفته بالرجال، هيك بين رجال منمطين مثل بعضهم وعم يعملوا شغل وإلى آخره، بينما النسوان هم..

أحمد الزين: وعايش بيناتهم كطفل وكذا..

حسن داوود: وأنت يشتغلوا حدك وأنت وكذا وأمك وهيك وهيدا العمر اللي هو عمر تأليف صور وتجميعها بذهنك، صور النسوان أحلى يعني كما أعتقد أحلى من الرجال وأكثر إثارة للخيال الرغبة والتفكير يعني..

أحمد الزين: وبتحسهن هن يعني مصدر ثري للحكاية أكثر من الرجال؟

حسن داوود: دائماً.. دائماً.

أحمد الزين: يعني حتى في الحياة هيك؟

حسن داوود: هن بالحياة بحسب أعمارنا، يعني بأعمار مبكرة شوي ببين كأنه ما بالعالم غير بنات أو نسوان يعني.. زوجة

حسن داوود: حسن الشي اللي بفاجئ بكونه بالإضافة أنه روائي شخص هو كونه شخص ما ببين منتبه بحياته اليومية، كثير غافل يعني أحياناً بحكي معه ببين أنه مش منتبه، ومش منتبه للإطار اللي هو فيه وللناس اللي موجودين وكذا، بس إقراه دائماً كنت إتفاجئ من وين جابهم أمتين (متى) شافهم كل هالشغلات وبهالدقة وبهالتفاصيل، وخاصةً بما يتعلق بالعالم النسائي يعني شوي كنت قول طيب أمتين (متى) لحق يشوف هالقصص بهالمرأة وبهالـ.. ومش بس المظهر الخارجي، يعني برسم كاريكاتير غريب.. غريب بكل أنواعهن النساء وبكل أعمارهم ما بعرف شو هيدي الخبرة اللي كأنها خلقانة (خلقت) معه، وبتخليني أحياناً غار أديش بيلقط عند النساء شغلات مش أي واحد بشوفها يعني.[فاصل إعلاني]

أحمد الزين: حسن داوود هو من الجيل الذي عاش تجربة الحرب في لبنان، وكان قد عاش سابقاً تجربة بيروت ما بين الستينات في القرن العشرين وبداية السبعينات حيث تكوّن ذلك الجيل السجالي والثقافي في مناخات من الصراعات الفكرية والسياسية جعلت من بيروت آنذاك أو في حينها مختبراً للحياة الثقافية العربية وتجلياتها، ومدارس تخرج منها أجيالٌ من المبدعين منهم غادر مع بدايات الحرب وخلالها إلى إقامات بعيدة، ومنهم بقي وحاول إيجاد معادلته التعبيرية.

طيب، كمان في يعني على مستوى ثاني شخصياتك هي شخصيات عاشت خلال فترة الحرب اللبنانية، بتقديرك هل الحرب هي عجلت في تكوين شخصيتك الروائية أو أيضاً في تكوين جيل من الكتاب الروائيين في لبنان؟

حسن داوود: إي، يعني أنا بتذكر لما بسنوات الثمانين كنا ننتظر ثلاث سنين أو أربع سنين لتطلع رواية بلبنان، وكان عدد الروائيين محدود جداً والتراث الروائي اللبناني كان مش أكثر من 10 روايات أو اللي هن، وأنا تقديري أن الحرب أعطت هيك وقائع ظنينا أنه ممكن تكتب، كمان الرواية هي مرتبطة بالعجز أو عبّر عن العجز وعن الفشل وعن الضياع وعن فقدان الأمل وعن تغيّر المصائر، الشاب كان يفكر بشي ثاني يعني بيعمل تماماً شيء ثاني ربما وعلى نفس القدر من الوجاهة يعني، بس بسبب الحرب وأنت عم تشوف مشاهد وعم تفقد يقينياتك شاك بجزء منه هو كتبت اليقين تقريباً اليقين الشخصي، بينما الرواية هي كتابة هيك الإحباط الشخصي..

أحمد الزين: وما بتحس أن الرواية مثلاً أو الحرب هي أيضاً كمان فرضت نفسها على الكتاب يعني يعملوا نوع من التأريخ لبعض الناس لبعض الشخصيات لبعض الأحداث؟

حسن داوود: أنا يعني بتذكر إحدى القصص اللي كتبتها فعلاً بهذا الغرض تماماً، بغرض أنه هالشي لازم يتدون، لازم يقروه الناس بعدين، لقلك لأنه كنت عم بقرأ مثلاً مرة كتاب عمله واحد عن رحلة بونابارت لمصر بيرسم كيف كانت قاهرة بسنة 1798، كل المشاهد اللي فظيعة اللي كانت تصير بشوارع القاهرة ببين بتضحك، كنت خاف دائماً.. دائماً أنه شيء حين يروى بعد حصوله بـ 100 سنة أو 150 سنة دائماً ببيّن بضحك، وكتبت قصة اسمها: "توران شاه" اللي تعذب كثير.. كثير حيث مات الميتات الثلاثة اللي العرب بيحكوا عنها اللي هي: حريق وغريق وشحشطا عالطريق مثل ما كانت تقول لي أمي، فلما بتقعد تقرأ سطور من التاريخ عن "توراه شاه" بتحسه بضحك توران شاه، كنت كثير بفترة من فترات الحرب خيفان (خائف) أن ينقل تاريخنا بضحك لناس رح يجوا بعدنا..

أحمد الزين: بهاجس التأريخ يعني..

حسن داوود: بهاجس التأريخ وبهاجس القول أن هذا مؤلم كثير..

أحمد الزين: وبتقديرك يعني مثلاً الظروف الدراماتيكية اللي بتمر بحياة الشعوب أيضاً هي بتفرض شكل من أشكال التعبير عنها؟ يعني إلى حدٍّ ما أن الشعر قد لا يستطيع أن يحيط بحروب يعني فيها مآسي وانفجارات وموت يومي؟

حسن داوود: يمكن ساهم أن مفهوم الملاحم حتى لو كانت كتبت بالشعر..

أحمد الزين: بس كان فيها حكايات..

حسن داوود: بس هي فيها حكايات وفيها روايات وفيها.. وأيضاً بالأدب الحديث إذا شئنا يعني بقصد الحديث اللي ممكن يكون واكب الحروب بيناتهم مثلاً الروايات كتبت مثل: "الحرب والسلام" مثل: "الدون الهادئ" مثل الروايات الكبرى يعني..

أحمد الزين: كتبت خلال الحرب..

حسن داوود: كتبت خلال الحرب وعن الحروب يعني، هيك أزمة للتحولات الكبرى كان تصير وتكتب عنها روايات، وكمان بتجي بتقول أن شكسبير شاعر ومسرحي الأكبر يمكن في التاريخ لما كان بده يتغزل أو بده يحكي شي كثير.. كثير شخصي يكتب شعر مثلاً بيحكي عن عالم الملوك وعالم اللوردات وحملت.. وإلى آخره يكتب مسرح.

أحمد الزين: بتقديرك الكتابة خلال الحدث الكتابة خلال وقوع الحدث كتابة للدعاية بحكيها أو الروائية ما بتخسر الكاتب بتخسره شيء من المخيلة تبعه أو من البعد التكويني للعمل الإبداعي أو تكوين البعد الوجودي..

حسن داوود: أكيد أكيد كثير ناشرين بلبنان وبرا (خارج) لبنان كانوا طلبوا من كتاب لبنانيين خلال الحرب إنهم يكتبوا اعتبروا هذا الشيء هذا الشيء كثير له سوق للقراءة، أنا يعني فيما خصني يمكن كتبت عن الحرب بس مبتعداً عنها القدر الأكبر مسافة ممكنة حتى عدد من النقاد وكتبة المقالات كتبوا أنه ليش أنا هالقد آخذ مسافة عن الحرب، بالضبط الشيء اللي عم بتقوله هو أنك لأنه لما الشيء بده يتشكل كإطار رؤيوي لازم يكون أنت طلعت منه يعني صرت براته (خارجه)..

أحمد الزين: تبعد عنه..

حسن داوود: صرت براته (خارجه)، لذلك كان دائماً صعب إنك إنت وبقلب (داخل) الحرب إنك تكتب عنها..

أحمد الزين: في نوع من الكتابة الروائية وبعض الروائيين يذهبوا إلى مادة تاريخية إلى شخصيات تاريخية، وبيكتبوا عنها، بيرجعوا بيعملوا إعادة تأليف بيتدخلوا طبعاً شو رأيك بهاي التجربة؟

حسن داوود: كثير بحب أعملها، وعم فكر دائماً أعملها "توران شاه" كان هو محاولة أولى لها الشيء..

أحمد الزين: أديش هيدي جورج زيدان ما اشتغل هيك؟

حسن داوود: جورج زيدان اشتغل..

أحمد الزين: بس مش الأعمال الدرامية؟

حسن داوود: لأ هو أنا برأيي كان هيك بادئ بداية ربما كانت بحجم البداية اللي عملتها الرواية العربية أصلاً..

أحمد الزين: نعم آنذاك..

حسن داوود: آنذاك، أنا كثير بحب أعمل هالشيء، طبعاً بحب أعمله مش مثل ما عم نقرأ بنصوص هلأ عم تعمل لهالشيء..

أحمد الزين: مثل مين؟

حسن داوود: ما بدي (لا أريد) نسمي ناس، طبعاً غالباً ما بحب يعني مثلاً أنا لما بقرأ كتاب عن رحلة شخص مشرقي إلى الغرب وهي وصف لوقائع الرحلة وهي رواية عملياً المفروض فبتحس أنه في مسالمة وما في تناقض بمشاعر هالشخص أنه مبسوط بالشرق مثل ما هو راح عالغرب وانبسطوا هنيك وآخى بين المكانين، ببيّن هالشيء في غياب كامل للمعنى الدرامي للأشياء، أنا أعتقد أن الكتابة عن شخصيات تاريخية وعن أزمنة سابقة إذا قدر الكاتب يتمثل شخصياً هالشيء هالمرحلة هالزمن هالشخصية بكون ساعتها ممكن الكتابة، وبعطي مثل كثير صغير بتذكر لما النص اللي كتبه برخاس عن ابن رشد كتب نص صغير بقول بس عم يوصف فيه كيف ابن رشد قام ظهر (خرج) من بيته وقعد حدّ البركة اللي هي تابعة للبيت وفي نافورة بالبركة وكيف عم يسمع صوت الماء، هيدا ماشي عملياً مش رواية هيدا محاولة لاستعادة قطعة من التاريخ عبر رؤيتها رؤية كثير خاصة من برخاس الكاتب، هيدا الشيء اللي أنا بحس أنه..

أحمد الزين: بتحب تعمله.

حسن داوود: بحب أعمله، وهو بيعطي مبرر للكتابة عن التاريخ.

أحمد الزين: وعندك يعني الجلد تعمل هيك أبحاث وتظل وقت طويل وتجمع لتكتب باقي النصوص وتنسق يعني؟

حسن داوود: يعني هو بتعرف كيف بصير الواحد..

أحمد الزين: يعني هي بدها تفرغ كبير.

حسن داوود: طبعاً، بصير بدك هلأ يعني هلأ واحد ما بعرف شو بدو يتنقل يقرأ هون شوي يقرأ هون شوي يقرأ.. يعني الانتقائية بالقراءة واللي هي منها يعني مو منهجي هالقراءة تمنعني حقيقةً أعمل هالشيء، بس يمكن تعرف قصة "توران شاه" اللي عم قلك عنها كتبتها انطلاقاً من قراءة صفحتين بتاريخ بلد الدين العيني، يعني واللي بيّن هالشي أثار فيني كثير أسئلة رغم أنه مادة القراءة كانت كثير قليلة.

حسن داوود: أرزة هي.

أحمد الزين: هي أرزة.

حسن داوود: كانت كثير.. كثير صغيرة كانت هالقد موجودة.. هي صار لها أكثر من 15 سنة..

أحمد الزين: وأنت بتفهم بالزراعة دخلك بتفهم بالزراعة؟

حسن داوود: لحديت قبل شهرين بعرف أسقي الزريعة وبس، وبعدين بحسّ أن هذا الشي علم مستغلق ما بعرف لحدّ فيه أبداً بتاتاً، هلأ عم بقولوا بدنا نشحل (نقلم) فكنت مفكر بالأول أن التشحيل (التقليم) عملية كثير.. كثير صعبة ومعقدة تشحيل (تقليم) الشجر..

أحمد الزين: طبعاً..

حسن داوود: تقليمه..

أحمد الزين: القص..

حسن داوود: فطلع بالآخر أنه فيك تعمل شو.. مثل ما بدك يعني، وفيك تتصرف مع الشجرة كأنها..

أحمد الزين: بس ما فيك تقص محل ما بدك بتنزعها..

حسن داوود: هلأ المهم تقص من تحت من الأسفل وتخلي اللي فوق طلوع.

أحمد الزين: لا يبدو عليه منتبهاً، ولكن حين تقرأه تعجب وتتفاجأ بكم التفاصيل التي حدق فيها والتي تظن أنه لم ينتبه إليها هكذا قالت ندى زوجته، الكتاب هم غالباً على هذا النحو هم أكثر تمعناً وتحديقاً في الحياة وأكثر انتباهاً لمسار التاريخ وإيقاع الزمان، وإن بدوا غافلين لم يكن ذلك سوى انخطافات للتأمل أو لوضع تلك التفاصيل في خدمة سياق ما أو في جعلها خميرة لفكرة ما، حسن داوود حين تقرأه تقرأ أدق التفاصيل في سلوك شخصيته وفي الأشياء والعناصر المحيطة بها أو التي تتعامل معها، حتى تبدو للوهلة الأولى عادية وعابرة ولكن حين يتم التمعن فيها تصبح هي من المكونات الأساسية لهذه الشخصية أو لتلك الحكاية.

طيب أستاذ حسن كيف بتتم عندك عملية بناء العمل الروائي وبناء الشخصية؟ يعني هل الأهداف تتوالد من الأحداث؟ هل الشخصيات تتوالد من الشخصيات في المسار يعني بترسم مسبقاً مخطط ومسار لمصائر هؤلاء الناس؟

حسن داوود: نعم، هو بكون أول شي ما بعمل أبداً مخطط يعني، بكون هي الرواية تبدأ فكرتين أو أقل أو أكثر.. ولكن هذول الفكرتين ببينوا من القوة بحيث أنه ممكن يتسعوا هيك.. ممكن ينفرجوا أكثر، كيف الشخصيات بتنمى (تنمو)؟ إنت وعم تكتب كل سطر كل جملة كل مقطع أنت أمام تقاطعات من الطرق عديدة بدك تنقي (تختار) وين بدك تروح وبدك تخترع الشيء اللي بدك تكمله، هيدي عملية شاقة ومضنية طبعاً يعني أنك كل لحظة فيما أنت تكتب أنت بدك تخترع شيء تستنبط شيء من شيء، تطلع من.. وكثير دائماً دائماً الكتابة هي بتاخدك بدل ما أنت بتاخذها..

أحمد الزين: تأخذك برحلتها هي صحيح؟

حسن داوود: تأخذك، يعني إنت وعم تكتب مثلاً بتكون مقرر إنك ما تقول هالشخص ارتكب شيء كبير، وإنت وعم تكتب بتحس إنه كأنه لحاله ارتكب هالشيء، فبيجرك وبتصير أنت فيما بعد بدك تكمل من محل ما هو عمل..

أحمد الزين: ورطك (يضحك).

حسن داوود: ورطك أو عمل اللي عمله، ودائماً بدك تعمل توازنات سواء من ناحية اللغة سواء من ناحية..

أحمد الزين: حسب الشخصية اللي عم تكتبها الشخصية هي لغتها الشخصية بتفرض لغتها أظن ما هيك؟

حسن داوود: كمان.. كمان بس إنه كمان مرات ما إنت عم تتدخل ككاتب وعم توصف شيء معين أو عم بتألف حادثة مشان تكون الرواية فيها.. أنا عموماً يعني أنا ما بقدر لاقي أحداث، يعني ما بقدر أو بالأحرى بصعوبة بالغة تاقول (أستطيع القول) أن الحدث هو الشي اللي بيصنع الرواية، وبتذكر لما كتبت مثلاً: "غناء البطريق" اللي هو كتاب أحد الروايات..

أحمد الزين: إله علاقة بطفولتك هيدا الكتاب.

حسن داوود: انكتب عنه هذا الكتاب أنه هيدا من دون حكاية فيك تصنع رواية.

أحمد الزين: طيب، حسن كيف أنت وبصدد كتابة عمل يعني كيف بتتخلص من المؤثرات الخارجية الحاضرة؟ يعني كيف بتهرب منه يعني مثلاً عم تكتب عمل وصار في حرب في مكان ما من العالم بتؤجل الكتابة ولا بتظل.. بتقدر تسيطر على حالك على شخصيتك؟ ما بتحملها وزر الواقع اللي هو أحياناً هو ما بيسمح لك إلا ما تفكر فيه؟

حسن داوود: إي، يعني أنا بلاقي هالسؤال يمكن يعني مختص بجميع الكتاب اللبنانيين وربما هلأ العراقيين يعني كمان (يضحك بأسىً) هو بدك تعمل المجهود اللي كثير صعب إنك تسكر العالم من حولك بالمرة، يعني وإنت وعم تكتب وبفترة الكتابات الحرجة أنا ما بعود بقرأ جرايد ما بعود بسمع راديو الشيء اللي بهرب منه هو الأخبار، بسمع الأخبار تبع التلفزيون ربما بحب إتفرج على أفلام سينما على أفلام بالتلفزيون..

أحمد الزين: بتفتح لك خيالك أكثر؟

حسن داوود: إي، وهيدا بأوقات الحروب اللي ذكرتها هيدي كثير كثير صعب إنك تقعد وهذا الشيء عملته بـ: "أيام زائدة" كان تقريباً كل ليلة فيه قصف، والقصف كان يصير بفترات المساء يعني من الساعة لنقول 6 - 7 ويخلص الساعة 10 بالليل، هو الوقت اللي ما فيك تعمل شي بالمرة غير تخاف يعني وتتخبأ وتلجأ لمحل هيك مقفل، كنت أعمل التالي كنت فيق (أستيقظ) الساعة 3 الصبح كل يوم ناسياً إنه في بالعالم حرب أو ربما محفزاً من الحرب، ومقطوعة الكهرباء كنت حط (أضع) شمعة وأقعد أكتب وهيك انكتبت "أيام زائدة" الحقيقة ضد الحرب بمواجهة الحرب غصباً عن الحرب، فالتأثير اللي بتصنعه فيك الأحداث الكبيرة ومنها الحرب أنا برأيي ما مندركه نحنا ما منعرفه شو عم بيصير فينا جواتنا، ومنين عم بيطل بالكتابة وين مبيّن وليش عم يخليك تختار هي مش هي، يعني خياراتك الكتابية أو خياراتنا مبدأ الحرب موجودة فيها بس أنا يصعب عليّ أعرف وين وكيف، مرات بقول إنه ليش أنا بمعظم الروايات اللي كتبتهن في مواجهات هيك يا عيلة مع عيلة عم بيحاربوا بعضهن مثل بـ "روض الحياة المحزون" يا شخص قدام (أمام) دمار مدن مثل بـ "غناء البطريق" يا ببناية ماتيلد لما ببيّن كأنه ضعضعت الحرب علاقات السكان المقيمين ببناية واحدة وتغيروا وتصدعوا وكل واحد صار بديرة..

أحمد الزين: طيب، كنت عم تقول أنه أنت بتحاول تسكر على حالك ما تسمع أخبار ما بتقرأ جرايد، بمرحلة الكتابة بتقرأ أعمال؟ شو بتقرأ؟ بتقرأ شي أنت وعم تكتب؟

حسن داوود: يعني هو بقرأ.. يعني بفترة الكتابة هي صباحاً بكتب أنا دايماً..

أحمد الزين: يعني وأنت عم تكتب رواية ممكن تقرأ رواية؟

حسن داوود: بقرأ رواية طبعاً وبقرأ شعر وبقرأ شغلة بالجريدة يعني..

أحمد الزين: وما بتخاف مثلاً أنه تتأثر..

حسن داوود: بالعكس مرات بحب.. بحب فكرة قريتها فبتقربني من احتمال إني عود إبتكرها أو إرجع ألفها بطريقة مختلفة أو هو يعني القراءة محفزة على الكتابة، أنا بعرف أصدقاء يعني شعراء وكتّاب..

أحمد الزين: عباس بيضون مثلاً.أحمد داوود: إي عباس بيضون واحد من بقولي واللي بقول بالجرايد كمان وبالصحف وبالمقابلات إنه مشان يبلش يكتب شعر لازم يقرأ شعر لشخص غيره قبل يعني دغري.

أحمد الزين: نعم.. نعم طيب هيدي شو هي العناصر إضافة لذلك اللي بتشكل عندك نوع من الدفع للكتابة، شو هي العناصر اللي بتخليك تروح تكتب؟

حسن داوود: شعوري بأنه ما فيني ما أكتب يعني، أنا مر حوالي سنة هالسنة اللي ما كتبت فيها فكان هالشي صعب يعني أول شيء بصير بينتابك مشاعر أنه إنت خلص وما بقا فيك تكتب.. واللي فيك تكتبهن كتبتهن ومشي الحال، بتظلك تفتش تتحيّن اللحظة لتقول أنه أنا لازم إرجع بلش عن جديد، لأنه هي مثل شغف الكتابة بخليك تكون يعني ناقص شعورياً بدون ما تكتب، يعني أنا لما عم بسمع موسيقى الموسيقى بتأخذني عن الكتابة اللي أنا عم بكتبها..

أحمد الزين: بتحفزك تروح تكتب.

حسن داوود: بتحفزني أكتب وبتخليني هيك أشعر بنوع من الانسجام مع الموسيقى على قاعدة إني أنا عم بكتب شيء، فلما ما كون عم بكتب وصار لي سنة مش عم بكتب بحس بهذا الفراغ اللي بقول لي إنه إنت ما شي ما إلك معنى وما عم تعمل شي..

أحمد الزين: في نوع من التهديد يعني بتحس في شي عم يهددك؟

حسن داوود: إي، وإنه أنت خلصت انتهيت يعني.

أحمد الزين: في كل ما كتبه حسن داود كان يعمل على مفارقات العيش والحياة ولعبة العمر والأحلام الصغيرة والمشاهدات البريئة والرغبات المضمرة أو المعلنة لديه ولدى الناس، ويسرف في وصف ذلك بأدق التفاصيل، الأحداث الكبرى بالنسبة إليه ليست من شواغله أو من اهتماماته الكتابية، فتراه يهرب منها إلى ما هو يومي إلى جزئيات صغيرة فهو على هذا النحو ينظر إلى العالم ويظن أن الآخرين أيضاً هم يرون ذلك وهم في همكة الانشغال بتفاصيل الحياة.يعني بهالمعنى الرواية بالنسبة إلك هي مرآة بتعكس هذه الحياة أو تلك وبتعكس بعد هيك شجونك ورغباتك ورؤيتك يعني؟

حسن داوود: وكيف أنا بشوف الحياة فيها..

أحمد الزين: شو هو التحدي اللي بتواجهه أمام هذه التفاصيل؟ التحدي ككاتب كمبدع يعني إذا كل هي العناصر متوفرة بالدنيا أمامك؟

حسن داوود: يعني التحدي هو إيجاد المعنى، يعني إنه ربط هالأجزاء والتفاصيل الصغيرة وجعلها بأهمية إنك عم تحكي عن مصائر، بفتكر هذا التحدي إجابةً على سؤالك إنه كيف ممكن تقنع وتقنع اللي عم يقراك، إنه لما واحد عم يشتغل بالفرن شغيل بالفرن برواية سنة الأوتوماتيك اللي عملتها انقطش (قُطِعَ) إصبعه فإنه تعمل هالشي بأهمية كأنه مات هو يعني كأنه قتل هذا تحدي إنك تقدر ترفع هالشي هالجزئي هالتفصيل لمستوى..

أحمد الزين: لمستوى الدراما نعم.

حسن داوود: إلى مصاف..

أحمد الزين: المصائر الكبرى يعني.

حسن داوود: إلى مصاف مصير شخصي هيك هذا تحدي، ممكن واحد.. هلأ بالنسبة لإلي في تحديات من نوع آخر إنه أنا بشوف لازم إنتبه إنه لتحريك الرواية بالحدث بإدخال أحداث بتبيّن كأنها مشوقة هذا الشي اللي عادةً أنا مني..

أحمد الزين: ما بيستهويك؟

حسن داوود: ما بيستهويني.

أحمد الزين: طيب حسن إنت هيك مشهور بخطك بتكتب بالقلم بحرف نحيل شديد النحول صغير كثير، وطبعاً إنت كمان بكتاباتك برواياتك المضامين كمان هيك تعني بهالتفاصيل الصغيرة بتشبه خطك يعني شو سرّ هذا الخط في عندك لوحة هون معلقها عالجدار هي هيك نموذج من كتاباتك شو سره هذا الخط الصغير من وين إجا (جاء)؟

حسن داوود: هيدا بتعرف يعني أنا بكتب بعسر شديد يعني..

أحمد الزين: بتنحت؟

حسن داوود: بكتب ممكن يعني أقعد ساعات طويلة لأكتب يعني شغلة هالقد صغيرة، ودائماً عندي شعور بس قوم عن الورقة إنه أنا عملت شي كثير قليل، صرت لازمني يعني لازم بداية كتابتي هيك شعور بأنه كل ما صغرت الخط كل ما كانت الورقة مليئة أكثر بالأشياء، وأنه هيك الخط المزدحم كمان بدل إضافةً إلى ذلك على تركيز أنا بحبه يعني، بحب قدر من التركيز برأيي بعبّر عنه هالخط اللي كثير كثير صغير، لدرجة إنه هلأ ما بقى إقدر شوفهن يعني إلا باستعمال نظارات 3 درجات يعني.

أحمد الزين: بعد بكير رح تستعمل أسمك (ضاحكاً)، لأ حلو كثير هو على كل حال موحي..

حسن داوود: هلأ لقلك شو أنا دائماً بقولوا لي يعني هيك استطراداً عن سؤالك دائماً إنه ليه ما بتستعمل كمبيوتر؟ أنا بحزن كثير كيف بطلنا بزمن الخطوط خط اليد تبع الشخص، بدلك الخط على حركة أصابعه على حركة عقله مرات على.. فبتجي (تأتي) بتقول بالآخر إنه كيف بده يجيني نص من هالشخص مكتوب بنفس خط الكمبيوتر تبع الآخرين يعني ببيّن كأنه خسارة..

أحمد الزين: خصوصية اللي عم تتساوى عند الكل بشكل واحد إي صحيح، ما فيها إنسانية..

حسن داوود: والخط كشيء اختفى، المخطوط اختفى.

أحمد الزين: بيروت بين أواخر الستينات وأواسط سبعينات القرن العشرين كان ذلك الفضاء الرحب التي تتقاطع فيه أو تقاطعت فيه أسراب الطيور المهاجرة الباحثة عن شجر وماء وحرية، هي تلك المرحلة أو الحقبة من التاريخ التي لمت شمل جيل من المبدعين والمفكرين والسياسيين من جهات بعيدة ليختبروا ذواتهم وأسئلتهم وأحلامهم، ويكوّنوا حالةً لم تتكرر بذلك العمق والبهاء والندرة، حسن داود اختبر تلك التجربة اختبرها طالباً في كلية التربية يوم كانت أكبر من جامعة وأحن من بيت وأكثر من ذاكرة وأبعد من كتاب.أستاذ حسن أنت من الجيل هيك اللي عاش بيروت قبل فترة الحرب يعني كلية التربية بتمتن لتلك المرحلة اللي كوّنت أستاذ إضافةً لإلك مجموعة جيل كبير من الكتاب شعراء وسياسيين، حاولت تكتب عنها؟

حسن داوود: بدك الكلام المزبوط، يعني أنا بفتكر صرت كاتب أول مرة كاتب بالمعنى مش كتابة يعني أشياء سريعة.. كاتب هيك مكتشف حالي وين فيني أكتب لما كتبت شي عن كلية التربية، هيدا الزمن أنا شعوري كلية التربية بالسنوات بين 1968 للـ 1975 كانت أحلى شيء مش بس بلبنان أحلى شي ربما بالعالم على الأقل يعني بالبلدان اللي منعرفها حولنا وحولينا، وبتذكر مثلاً تصور أن أستاذ بالكلية كان عندو ناس بسنة الـ 1968.. 1969 بيقول للشباب والبنات يحرضهن على اللقاء ببعضهن، إن رأيت كما يمكن عم بتذكر إن رأيت.. يحاكي الشاب يقول له: إن رأيت مدخل الجامعة نجمةً خذ يديها، ويقول للبنت إن رأيتي على مدخل الجامعة كوكباً عانقيه، هيدا الكلام..

أحمد الزين: هيدا الكلام بوقتها كان مهم لأنه..

حسن داوود: على بساطته أنا بجي بشوف كيف ممكن ينفهم هلأ أو ينقال هلأ بلاقي إنه رجعنا قرون طويلة إلى الوراء..

أحمد الزين: شو السبب برأيك هالعودة إلى الوراء، يعني عودة هالناس وحتى المثقفين منهن يعني عادوا شوي عالكهوف الفكرية؟

حسن داوود: يعني طبعاً عم نمرق (نمر) نحنا بعصور مظلمة يعني، بدليل أنه خوفنا هلأ أنه يتجدد خلاف كان قائم بالعصر العباسي أو بالعصر الأموي هيدا..

أحمد الزين: 1200 سنة..

حسن داوود: هيدا اللي بلاقيه أنا الظلام اللي فترة مثل فترة كلية التربية أو فترة مثل لبنان كما كان بتلك السنوات في إشعاع، وكلمة إشعاع هون وإن كانت تستعمل من قبيل خرافة بأدبيات كثيرة إلا أني أنا بلاقيها صحيحة ومطابقة تماماً لمعنى كيف كان لبنان.

أحمد الزين: طيب أستاذ حسن معظم يعني معظم الكتاب شعراء أو روائيين أو غير ذلك يعني بيهتموا بشؤون الكتابة هم صحفيون ونقاد، نقاد فيني قول بين هلالين البعض يعني أديش ممكن تكون عادل أنت كروائي إذا بدك تكتب عن نص روائي؟

حسن داوود: آه.. بدي هو قلك يعني أنا من سنين طويلة كتبت دائماً بكتب يعني أنا بجريدة السفير مثلاً اشتغلت 10 سنين معظمها كان كتابة عن كتب يعني، وكنت طبعاً يعني أختلف أنا ومن كتب هذه الكتب وإلى آخره، وبعدين أخذت قرار بأنه بكتب بس عن الكتب اللي بحبها وأن الكتب اللي بلاقي فيها هيك محرّك بتحرك شي فيني هيدا طبعاً مريح طبعاً، ولكنه وإن يكن مش هو هذا شغل الناقد كما هو مفهوم بمجتمعنا يعني إنك أنت عم تكتب عنه..

أحمد الزين: فيه نقاد بمجتمعنا؟ يعني شغلتهن هيك نقاد بمعنى الاختصاص؟ ولاّ في مثلاً في مثل أحزاب بالنقد أو بالأدب أو لنفترض يعني حتى الدكاترة اللي بالجامعة يعني من أيام البنيوية حتى الآن ما بتحسّ إنه هيك في انحيازات مثلاً إذا واحد من هذا الحزب بيكتبوا عنه أو بذاك بيكتبوا عنه..

حسن داوود: هيدا شائع..

أحمد الزين: وبعدين في تبادل هيك بالجرايد تحيات لبعض..

حسن داوود: هذا شائع وكثير يعني..

أحمد الزين: مو بس هون حتى بالعالم العربي يعني..

حسن داوود: عنا يعني أنا ما بتصور أنه بالصحافة النقدية برا ببلاد ما بظن هالشيء شائع إنه مثل ما كان إنه حدا يقول تعطيني وبعطيك وبتشيلني وبشيلك ومدري شو، لأ أنا ما.. حول النقد عموماً يعني حول النقد ووظيفته بقراءة الأدب أو تقييم أو إلى آخره، أنا يعني مرة من المرات يعني بحوار يعني انعمل معي بإحدى المجلات المتخصصة وقلت الشيء اللي بعدني بعتقده هلأ إنه الكتابة الأدبية العربية قلما تستفيد من نقد اللي عم ينعمل عليها، برأيي أنا هي ماشية بصرف النظر عن شو عم بقول الناقد عنك، نقد كوظيفة ببلادنا بعد ما صار هيك ملهم للكتاب..

أحمد الزين: صحيح. مين الكتاب يعني كتاب جيلك هيك أنت تُعجب فيهم إذا فينا نستخدم كلمة تُعجب؟

حسن داوود: أنا إذا بدي قول لك لمين بحب إقرأ من الكتاب العرب مثلاً أنا بحب: إبراهيم غسلان مصري وبحب عبد الحكيم قاسم اللي مات من شي 15 سنة وحبيت كثير شغله غالب هلسا وحرفيته العالية، ودائماً دائماً يعني هون مناسبة للقول إنه دائماً بحسّ حالي مقصر حيال وبحسّ إنه ثقافتنا مقصرة حيال بغالب هلسا..

أحمد الزين: ما حدا اهتم كثير بتجربته..

حسن داوود: كاتب مبدع حقيقة هو معلم، لكن ببيّن كأنه وهون عودة لسؤالك السابق الأساسي إنه لأنه ما إله جماعة غالب هلسة فترك ترك بالعيش لمصيره الشخصي ومات وحيد ببيت أنا زرته بالشام بتنزله بدل ما تطلع له بالدرج بتنزله عالدرج تحت الأرض لوحده تماماً، يعني كان هالشيء كثير محزن لما شفته، فبقلك هالشيء أديش أثر العلاقات والأحزاب والجمعيات والمجموعات..

أحمد الزين: العلاقات العامة يعني بتلعب دور كمان بالترويج لهذا الشخص أو ذاك فمن ربما بيستحقوا يتروج لهم ومنهن يعني ما بعرف عالطلب يمكن بتصير بتحدث، طيب من الكتاب العالميين في حدا مثلاً هيك بتحس إنه..

حسن داوود: كثار يعني بحب الأدب الياباني عموماً..

أحمد الزين: الياباني؟

حسن داوود: الياباني يعني بحسّ حالي الحكي عن تفاصيل بحسه موجود بالأدب الياباني..

أحمد الزين: هم بيهتموا.

حسن داوود: تماماً هيك، بتحس إنه.. على النقيض منهم طبعاً اللي هو تفجرك واللي ما خلى (لم يترك) شيء بالفن الراوئي إلا ما هو عمله وليم فوكنر كثير طبعاً بحبه، يعني بحسّ أنه معلم ومنذ أن مات يعني من سنين طويلة ما انعمل خطوة بتشكيلة رواياته بصناعة روايات تتعداه.

أحمد الزين: طيب بتحسّ أن الكاتب هو بحاجة لنوع من الحب ليكمل مشروعه ولاّ هذا نوع من الوهم هذا؟

حسن داوود: يعني بحاول..

أحمد الزين: أو نوع من العناية خلينا نقول لك الاعتناء الاحتضان بحاجة الكاتب لهالحركات هي؟

حسن داوود: بتعرف شعوري بأنه الكاتب أكثر شي بحاجة لماضي، إنه مش يكون هلأ بحالة اضطراب أو بحالة شغف أو بحالة إذا بدك أي شيء أنك تحمل إرث شخصي عريض ومتنوع وغني كثير كثير هيدا مساعد، إذا كنت هلأ يعني القول بأنه لازم أنا عيش كفنان لكون فنان أو عيش حياة غير مستقرة إلى آخره ما بلاقي هالشي حتى على العكس تمام يعني أنا بلاقي إنه قد ما بتقدر تكون هيك عم تنصت للأشياء اللي صارت معك إنصات خاص، ياما في أشياء كثير أساسية بتمرؤ (تمر) على كثير ناس ببيّن هالشي ما إلها وقع يعني لا بحياتهم اللي عم يعيشوها هلأ ولا بتاريخهم الشخصي ولا إلى آخره، شعوري بأنه ربما بتكون مريت (مررت) بأحداث عديدة بغراميات قليلة بس إنصاتك لإلها هو اللي بيعمل الأدب.

أحمد الزين: نعم، بتقرالها لزوجتك الكتابات قبل ما تنشرها؟

حسن داوود: بقرالها فقرات، أنا يعني كنت لما أكتب هيك أحياناً حسّ إنه لازم حدا يسمعه دغري هلأ اللي كتبتهم طازج..

أحمد الزين: وإلا مافيش معنى بتفيقها من النوم (ضاحكاً)..

حسن داوود: لما تكون نايمة أحياناً هيك شوي غالباً كنت كمان تلفن لأصدقائي بقلهم إنو وفيقهم عادةً لأنه أنا كثير بفيق (أستيقظ) مبكر يعني فبفتري على الأصحاب، مرات طبعاً مش كلهم في منهن بصيروا يعيطوا وبسكروا التلفون بوجهي.ندى (زوجة الروائي حسن داوود): في أحياناً بقى يقرأ لي مقاطع دوخ كثير كثير حلوة، فيها شعر وفيها فلسفة وفيها هيك.. العادية تبع الحياة اللي بيجعلها هو بأسلوبه فعلاً أخاذة، بس.. وفي أحياناً ثانية بحسّ إنه نزل أو أنا كانت عندي اعتراضات بشكل عام على أحياناً سهولة اللغة عنده الزايدة، يعني وكأنه لبعض النقاد في بعض النقاد بخمنوها ركاكة أو بخمنوها على.. أخذ معي وقت تصرت (حتى أصبحت) أعرف أنه هيدا من ضمن مشروعه الروائي.