جابر عصفور

أحمد الزين : في مصر دائماً تعثر على قامات عالية تزداد شموخاً وعناداً في الأنواء أو تنساب كالنيل في الهبوب الرحيم، ولو كان لفعل الكلام أثر مباشر كفعل جريان ماء النهر في الأرض العطشى لاندثر التصحر العقلي وعمت حدائق المعرفة وعلا شجر باسق يظلل طريق الحالمين بالعدالة والأمان الإنساني، ولكن المثقفين مصابين بالأمل تحديداً هؤلاء يراهنون دائماً على الآتي من الأيام.

حجر فوق حجر أساس يعمر في نهاية المطاف بيتاً، جابر عصفور لا أظن أن اثنين يختلفان على أنه بنّاء من هذا الطراز المفتون بالمعرفة، الحالم، سندباد المعرفة كما يوصف وبرجل التنوير المعاصر، أنجز عماراته النقدية مضيئاً ومسائلاً ومقارباً مسكوناً بهاجس السؤال والشك، موسوعي لا يركن إلى يقين مطلق يتفحص الأشياء بمجهر يتجدد مع الأيام.

طيب يعني المشتغل بالفكر والنقد والمعرفة هو عادة مسكون حتماً بالأسئلة الصعبة، قلق باحث عن أجوبة، وأنت في كل ما كتبت يعني تراكم هذا المعنى أو هذا التوصيف، الآن ما هو السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يشغل بال جابر عصفور؟

جابر عصفور: السؤال الأكثر إلحاحاً أظن لا يشغل بال جابر عصفور بل وبال كل المثقفين العرب إلى أين؟ وإلى ماذا سوف تنتهي هذه الأمة بكل إمكانياتها الضخمة وبكل أحلامها الضائعة وبكل كوابيسها الحاضرة؟ إلى أين؟ هل هي تسير إلى الكارثة النهائية؟ أم تسير إلى نوع من الولادة الجديدة؟ أنا شخصياً هذا هو السؤال الأساسي الذي تحول إلى هاجس لا يفارقني لا ليلاً ولا نهاراً.

أحمد الزين : يعني بناء على هذا القول شو ممكن نسمي هذا الزمن يعني اللي يعيشه عالمنا، يصح فيه مثلاً زمن الانتحار زمن القتل قتل العقل أولاً ثم قتل الروح شو فينا نسميه هالزمن؟

جابر عصفور: أنا أسميه زمن الما بين، يعني الزمن الذي يأتي في اللحظة التي تقع ما بين الورد والرماد إذا استخدمت لغة أدونيس، أو الفرق في الوقت الذي يقع بين طرفين متناقضين، يمكن أن يكون الطرف الأول هو النجاة، والطرف الثاني هو المهالك المحتمة، إحنا في منطقة تتراوح بين الحلم والكابوس، ما الذي سوف يتغلب؟ هذا هو الذي سوف يحدده المستقبل، لكن ليس المستقبل بالمعنى الغيبي الميتافيزيقي وإنما المستقبل بالمعنى الذي نسهم نحن في صناعته. بالكتابة بالقراءة بالقوى الضاغطة على الحكومات بالحركات الشعبية، بكل ما يمكن أن يتاح للإنسان لكي يستبدل بالكابوس الحلم.

أحمد الزين : طيب لو أردنا إيجاز المسببات أو المؤسسات يعني لهذا ما بعرف شو بتسميه، سميته أنت البين بين يمكن هو فيه مزيد من الانحطاط والخراب يعني عم نعيشه، يعني شو أسباب هذا العطب مثلاً فينا نحمّل الأسباب لشيء من الاستعمار، لشيء من الفكر الديني إذا صح التعبير، يعني شيء من الأحزاب القومية اللي حكمت؟

جابر عصفور: طبعاً بالتأكيد.. هناك أسباب متعددة، وهناك أولاً أسباب خارجية وأخرى داخلية، أنا لست من أنصار نظرية المؤامرة التي تنسب كل كارثة إلى الآخر، لأن الكوارث هي بالدرجة الأولى من صنعنا حتى الكوارث التي تأتي من الخارج نستطيع بإرادتنا وبمقاومتنا أن نخفف من واقعها المؤذي لأبعد حد.

أحمد الزين : يمكن نحنا نؤسس لها بطريقة غير واعية كمان أحياناً.

جابر عصفور: ولهذا أنا شخصياً أضع الأسباب الداخلية في المقدمة، طبعاً هناك أسباب سياسية ترتبط بغياب الديمقراطية في العالم العربي، وانتشار الحكومات التسلطية في أنظمة الحكم الغالبة، هناك طبعاً الأسباب الاجتماعية وهناك الأسباب الفكرية، وهناك الأسباب الدينية التي تتصل بطبيعة الفكر الديني المسيطر والسائد. الأسباب عديدة بالتأكيد..

أحمد الزين : نعم لأسباب عديدة طبعاً أنت يعني هذه الأسئلة شغلتك، شغلتك من وقت مبكر يعني اشتغلت على قضايا الفكر وعلى قضايا الفكر القومي، يعني هناك من يحمّل الفكر القومي أو الأحزاب التي حملت هذا الفكر مسؤولية عدم بناء الدولة الوطنية بمعناها الحداثي، ما رأيك بهذا القول أن الأحزاب هي مسؤولة كانت عن هذا الجمود نتيجة شعاراتها؟

جابر عصفور: بالتأكيد الأحزاب مسؤولة بالتأكيد، لكن ليست المسؤولية كاملة للأحزاب، هناك الأحزاب والأفكار السائدة التي كانت تدير العقليات القائدة لهذه الأحزاب، والأفكار السائدة في المجتمع والظروف المعقدة، يعني أنا لا أميل إلى أن أرد الظاهرة إلى علة واحدة أو إلى سبب واحد، هناك مجموعة من العلل تتراكم وتتكاثف وتتفاعل زي الكيمياء كده فتؤدي إلى النتيجة، النتيجة لا يمكن أن تنسبها إلى عامل واحد.

أحمد الزين : لا داعي للكثير من الكلام لكي يقوم عقد من الود بينك وبين هذا الرجل، لكأن حياته كما كتاباته مفتوحة للاستقبال ولست بحاجة لمفاتيح سحرية لتدخل عالمه، يكفي مفتاح واحد مصنوع على صيغة أو على شكل السؤال حتى يمضي بك بجولة في الأمكنة والأزمنة، هنا في هذا المبنى المجلس الأعلى للثقافة الذي كان أمينه العام لحوالي 14 عاماً، يعرفك على بعض ما تحقق وأنجز، وفي ذاكرته يحصي كل شيء تقريباً، هنا جمع جابر عصفور شمل شتات المثقفين.

جابر عصفور: المجلس الأعلى للثقافة كان هو المختبر الذي تولدت منه أفكار كثيرة ومشروعات كثيرة، أهمها في تقديري المركز القومي للترجمة، أنه إحنا أعدنا المثقفين العرب إلى القاهرة بعد فترة طويلة من الانقطاع، اثنين أتحنا للمثقفين العرب فضاء حر للقاء والحوار والمناقشة دون أي قيود، ثلاثة استطعنا أن نثبت إمكانية استقلال العمل الثقافي عن أي ضغط سياسي، بحيث العمل الثقافي يبقى يتكامل ويستقر وينطلق دون قيود ورقابة سياسية، بالإضافة إلى هذا عملنا إنجازات أخرى، إنه إحنا عملنا ما يشبه أن يكون هناك يعني إيه تجمّع وطني ثقافي للمثقفين المصريين من خلال 25 لجنة، هذه 25 لجنة تنقسم إلى ثلاث شعب، شعبة للآداب تضم القصة والشعر والمسرح والرواية، وشعبة للفنون تضم يعني الفنون التشكيلية الرسم والنحت والموسيقى والأوبرا إلى آخره.. شعبة للعلوم الاجتماعية تضم الفلسفة والاجتماع والتاريخ إلى آخره.

أحمد الزين : جابر عصفور هو الآن رئيس للمركز القومي للترجمة الذي أسس له خلال وجوده أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة، وقد قام بترجمة ما يقارب الألف كتاب بهاجس معرفة الآخر لبناء حوار إنساني أعمق وأشمل وأدق.

جابر عصفور: هذه هي المرة الأولى في العالم العربي التي يُعلن فيها عن إنشاء مركز قومي للترجمة، المركز القومي للترجمة له مراحل، المرحلة الأولى الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية وهذه سوف تستمر ما بين سنتين إلى ثلاثة، وبعد ذلك نبدأ في المرحلة الثانية ونعمل بقه رحلة مزدوجة من اللغة العربية وإليها، وهكذا.. بحيث نقدم العالم إلى القارئ العربي نقدم نحن ما لدينا إلى القارئ في العالم كله، أنت عادة تنقل عن الإبداع والإنتاج الأميركي الأوروبي، طيب أين بقية الكوكب الأرضي أين آسيا؟ أين إفريقيا أين أميركا اللاتينية للأسف نحن لا نعرف شيئاً حقيقياً عن العالم أو الكوكب الأرضي الذي نعيش فيه، وأنا أعتقد أن المهمة الأولى من مهمات المركز القومي للترجمة جعل القارئ العربي يعيش في الكوكب الأرضي على نحو ما هو عليه وبتياراته المتصارعة والمتجانسة وبتاريخه القديم وبحاضره المعاصر.

أحمد الزين : طيب هيك تراهن على المستقبل دكتور جابر يعني دائماً وعلى الأمل، يعني كيف يمكن التأثير في وعي شعوب تعيش غالباً في الخرافي عقلاً وروحاً؟ يعني ماذا يستطيع المثقف النقدي أن يفعل في مواجهة جدار شاهق من التخلف ومن التقوقع في الكهوف؟

جابر عصفور: أن يبدأ من البداية التي نُسيت وهي بداية بسيطة، وأنا دعني أذكرك بقصة من قصص الصراع بين الأفغاني ومحمد عبده، محمد عبده كان دائماً يرى أن التعليم هو البداية، والأفغاني كان يرى أن الثورة الجذرية هي الحل، وكان دائماً هناك خلاف بينهما، وكان الأفغاني يقول لمحمد عبده إنما أنت مثبط، الزمن أثبت أن رؤية محمد عبده هي الأسلم وهي الأصح لماذا؟ لأن الثورات التي حدثت في العالم العربي لأنها ظلت على مستوى السطح أو القشرة لم تحدث تغيير عميق، فعند أي انقلاب ذابت هذه الثورات وهي نفسها انقلبت على أهدافها، لكن إذا كنت بدأت البداية الصحيحة من التعليم والتثقيف وغيّرت وعي الناس كانت النتيجة بالتأكيد سوف تكون مختلفة، ومع ذلك النتيجة يمكن أن تختلف لو بدأنا من البداية، التعليم والتثقيف، غيّر عقول الناس ابتداء من عقلك أولاً يمكن أن يكون هناك مساحة للأبد، إذا لم تغير في وعي الناس لا فائدة، لأنه سيظل الوعي السائد تخيل مثلاً أنا إحنا عندنا حاكم ديمقراطي، ما فائدة الديمقراطية إذا كانت هي قشرة على السطح؟ إذا لم تتغلغل هذه الديمقراطية إلى وعي الناس وتتحول إلى سلوك يمارس ابتداء من الأسرة مروراً بالمجتمع مروراً بالتعليم مروراً بالمنظمات السياسية، يعني إذا لم يحدث هذا لا فائدة، سينطبق عليك البيت الذي قاله نزار قباني في قصيدته الشهيرة هوامش على دفتر النكسة، لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية، غيّر الروح، انقل الروح من صفة الجاهلية إلى صفة العصرنة إلى صفة الحداثة إلى صفات ترتبط بهذا العصر وبتحدياته.

أحمد الزين : مين بده ينقل هي الروح مين؟

جابر عصفور: كل الجميع بلا استثناء.

أحمد الزين : يعني المثقف مثل ما ذكرت لكأنه غالباً يصرخ في واد ولا أحد يسمعه..

جابر عصفور: صحيح، لكن تخيل أنت لو المثقفين دوْل بحثوا عن وسائل جديدة لخلق مناطق قوة لهم ومناطق تأثير ومناطق نفوذ، أظن الصورة ممكن تختلف، فيه جملة تعجبني جداً فيما يسمى بعلم اجتماع المعرفة المعاصرة، وهي البحث عن خرائط معرفية جديدة، أنا رأيي الشخصي مهمة المثقف الحالي هي البحث عن خرائط فكرية جديدة، خرائط فكرية يستطيع بها أن يغيّر من كل شيء في مستواي التفكيري وفي مستوى التفكير للناس اللي حولي.

أحمد الزين : يقول فيه الدكتور فيصل دراج يمثل الدكتور جابر عصفور حالة فريدة للناقد المتعدد الذي يضيء نصاً حديثاً بنص قديم ويحاور حقلاً معرفياً محدداً بحقل معرفي مجاور له، ويطور ثقافة متميزة بثقافة كونية، ويسائل النص النظري بقضايا غير نظرية، وإذا كان في التعدد ما يستدعي الموسوعية أو ما هو قريب منها، فإن فيه ما يعبر عن تصور ديمقراطي للعالم يفتح الأسئلة المختلفة على بعضها، ويرفض المرتبية النظرية التي تضع لوناً معرفياً فوق آخر، كأن في هذا التصور ما يعين المساواة مبدأ الوجود، إذ لكل ما هو نظري موقعه ووظيفته، وإذ لكل المواقع داخل النص وخارجه حق في الوجود لا يمنعه الآخر، ولعل هذه التعددية هي التي تجعل من البينية مفهوماً أثيراً عنده، يشرح به تقدم نظرية الأدبية ويؤكده ضمنياً، فلا وجود للعنصر المنعزل المكتفي بذاته، ولا وجود للنص الذي يشرح بذاته لأن العنصر لا يكتمل إلا بغيره مثلما لا يستضيء النص إلا بجوار مع نص آخر.

طيب دكتور جابر عصفور أنت من دعاة أو من منظري يعني المجاورة بين القديم والحداثة يعني بين الموروث والحديث، كيف يمكن يعني أن نجاور بين متناقضين؟ يعني بين الجهل والمعرفة بين العقل واللا عقل أو بين السؤال والجواب المطلق، كيف ممكن نجاور بينهم تحت سقف واحد؟

جابر عصفور: اسمح لي أحدد لك ما أريد، أنا شايف أنه لا معاصرة بدون أصالة ولا أصالة بدون معاصرة، لأن كلتا الكلمتين الأصالة والمعاصرة وجهان لعملة أو عملية واحدة، أنا رح أضرب لك مثال في اليابان، في اليابان سوف تجد أنه في قطار واحد من أسرع القطارات في العالم، وإلى جانب القطار فيه العربية القديمة التقليدية هذه لها وظيفة وهذه لها وظيفة، ليست القضية أن تقيم تناقضاً أو تعارضاً حدياً بين الأشياء، لكن إذا استطعت أن توظف كل شيء في مكانه السليم والصحيح تستطيع أن تصنع معجزة ده واحد، اثنين الماضي الذي تتحدث عنه ملك لنا، يعني عندما نقول عندنا تراث، يعني أنا الوارث والوارث يملك حرية التصرف في ميراثه، فالتراث هذا والماضي ملك لنا نحن الذين نعيش في الحاضر، ماذا نريد بهذا الحاضر؟ وماذا نريد أن نفعل فيه من أجل أن نمضي إلى المستقبل؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تجعلنا نعود إلى الماضي فنختار منه اللحظات التي تدفعنا إلى الأمام، وبالتأكيد لا بد أن نستبعد اللحظات التي تدفعنا إلى الخلف، خذ مثلاً التراث في عصر مزدهر من الترجمة أيام المأمون، وفي عصر مزدهر بشكل عنيف جداً ومريع ومخيف من العداء ضد الآخر أيام الحروب الصليبية، ماذا تأخذ؟ خذ ما يدفع بك إلى الإمام، خذ الروح الخلاقة للتقدم، خذ روح السندباد في الحكايات العربية، ذلك الظمآن أبداً إلى المعرفة الذي لا يتوقف، الذي يرى أن الحقيقة الوحيدة هي في السفر والارتحال لأنه لا حقيقة نهائية على الإطلاق، يعني لماذا لا ألجأ إلى مواصلة التقاليد العقلانية مثلاً عند المعتزلة؟ المعتزلة من أوائل الفلاسفة الذين أكدوا مبدأ الشك، يعني أنا أتقبل مبدأ الشك عند ديكارت مثلاً وأرفضه عند إبراهيم ابن سيار النظام، إبراهيم بن سيار النظام من خلال تلميذه الجاحظ علمنا أننا نريد أن نتعلم الشك في المشكوك فيه دائماً، وأن الشك هو أول الطريق إلى اليقين، يا أخي عندي هذا في التراث لماذا أتركه.

أحمد الزين : يقول عنه إبراهيم العريس: كُثر يشبهون جابر عصفور ببطل كتابه النقدي الكبير الأول طه حسين، هذا صحيح ولكن جزئياً، وذلك ببساطة لأن جابر عصفور ابن زمن أكثر تركيباً وتعقيداً بكثير من زمن عميد الأدب العربي، وقد أقول أيضاً ابن زمن أكثر جحوداً، ومن هنا إذا كان صاحب الأيام خاض معركته الرئيسية ضد مأساته الخاصة وحواجز اندفعاته الداخلية مستنداً إلى هذه المعركة يسهّل عليه خوض معركته الخارجية أو معاركه الخارجية بالأحرى، في زمن كانت الليبرالية تشكل علاقة فيه فإن جابر عصفور وجد نفسه في المعارك التي يخوضها أكثر انكشافاً وعزلة وأقل تحضراً لخوض المعارك أو هذه المعارك، ترى ماذا يشعر المرء حين يجد نفسه لكأنه يؤسس للفراغ؟

جابر عصفور: أحياناً أحسّ بما يشبه يعني الإحباط، أحياناً أحسّ بما يشبه اللا جدوى، لكن لحسن الحظ هذه الأحيان قليلة ونادرة لأنه سرعان ما يأتي لك هناك وسط الظلام نور، وسرعان ما تكتشف أنك لست وحدك وأن هناك أصوات أخرى وأقلام أخرى وعقول أخرى تتكافأ معك وتتحالف معك وأنك لست وحيداً أبداً.

أحمد الزين : نعم، طيب كنا عم ندردش قبل شوي وسألتك على شو بتراهن، وصرفت كل هالعمر عمر طويل من أجل يعني إجاعة المعرفة؟

جابر عصفور: أراهن على المستقبل العظيم الذي لا نهاية لتقدمه الذي يمكن أن تصنعه المعرفة، لكن هذا لا يعني أنني سوف أحصّل ثمار جهدي في حياتي بشرط، لأنه بالمناسبة تاريخ المعرفة الإنسانية هو عبارة عن لبنة تبنى أو توضع فوق لبنة أخرى، تذكر أنت قصيدة إيليا أبو ماضي الجميلة السد، حجر صغير يعني اشتكى إنه لا مكان له ولا قيمة له وسط حائط ضخم يصنع السد، فقرر أن يمشي مجرد ما تحرك هذا الحجر السد كله انهار، نحن أشبه بهذه الأحجار الصغيرة في سد، سد يمنع الطوفان من أن يأتي، ومهما ضألت مكانة كل واحد منا له أهميته التي تتضافر مع أهمية بقية العقول في صناعة أو في إقامة سد يواجه ويحيط ويصد طوفان الجهالة والتخلف.

أحمد الزين : تناول جابر عصفور في كتابه هوامش على دفتر التنوير طروحات أسلافه أمثال محمد عبده وطه حسين وسواهما، وشرح الأسباب التي أجهضت تلك التجربة والمتعلقة بأشكال القمع القمع الفكري والاضطهاد تحريماً وتكفيراً وتخويناً، ترى ما الذي تغير حتى الآن؟ أليست أشكال القمع نفسها تتكرر؟

جابر عصفور: بالمناسبة وسوف تظل تتكرر لكن مع فارق، الفارق ده لا بد أن يُحسب حسابه، مؤكد كان هناك أصوات أجهضت محمد عبده، لكن الآن لو جاء محمد عبده.. محمد عبده يجب أن يكون أكثر جذرية من أفكار محمد عبده، على سبيل المثال قاسم أمين لو كتب قاسم أمين كتابه تحرير المرأة الذي كتبه 1899 الآن لنظر إلى الكتاب هذا باعتباره كتاباً محافظاً ده معناه إيه؟ معناه أن أفكار قاسم أمين التي كانت ثورية جداً في زمنه أحدثت تأثيرها الإيجابي والمجتمع بدأ يتغير وتغير فعلاً، بدليل أنك أنت الآن لا يمكن تكتفي في قضية تحرير المرأة بكتاب قاسم أمين، تعرف قاسم أمين لم يكن يحلم أن المرأة تدخل الجامعة، في ذلك الوقت لم يكن يفكر في الاتساع برقعة عمل المرأة، لم يكن يفكر في المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات الاجتماعية والسياسية، أنت الآن استطعت أن تصل إلى هذه الحقوق بفضلهم، بالتأكيد مش بفضلك أنت لوحدك، بفضل هؤلاء الذين كتبوا والذين أحدثوا نوعاً من الثورة في العقول كانت بسيطة الأول وصغيرة، لكن مع الوقت تراكمت وأحدثت التراكم المعرفي الذي جعل هناك فارق، وطبعاً حوربوا، لكن مع هذا تسربت أفكارهم وأحدثت ما يشبه بتأثير الثمار عندما توضع في تربة، عندما تكون التربة هذه ممهدة نمو الثمر يبقى أسرع، لكن الثمار بالمناسبة لا بد أن تثمر في النهاية، يا أخي الطبيعة تعلمنا أن الثمرة تثمر الزهرة البرية تخرج حتى من وسط الصخرة، فما بالك بالعقول البشرية.

أحمد الزين : صحيح طب على المستوى الشخصي هل كتبت أو تستطيع أن تكتب كل ما تفكر به مثلاً أو هيك تتجرأ أن تنشر ما يدور في جلسة خاصة أحياناً مع بعض الزملاء يحملوا نفس الهموم الفكرية؟

جابر عصفور: لا طبعاً بصراحة من الآخر، بالعكس أنا أكتب أحياناً عندما أكتب بالإنجليزية أشعر بدرجة من الحرية أكثر، لأنه لا تنسى أنه فيه داخل كل منا أصبح هناك رقيب داخلي.

أحمد الزين : بدنا شي 500 سنة بعد.

جابر عصفور: بلاش 500 سنة خلينا نتفاءل نقول أقل 450 مثلاً..

أحمد الزين : أحياناً التهكم يسهم في تخفيف المرارة والحزن ويرفع منسوب الأمل، لا بأس لو عالج المرء بعض أوجاعه ساخراً من صنوف الدهر، جابر عصفور نتابع معه في حلقة قادمة رحلة التعرف على ملامح سيرته وتجربته.

أحمد الزين : جابر عصفور لن يعديك بالأمل وحسب بل يحرضك على أخذ مطرح لك في مواجهة الطوفان التخلف، فالكلمة الحرة هي حربة في قلب الظلمات كما يقول أو كما رسمها ناجي العلي، جابر عصفور ابن زمنٍ جاحدٍ إذا صح القول، يبدو فيه وشلة من المثقفين التنويريين كأنهم بآخر الفرسان في معركتهم مع جحافل الظلمات والعقول المتحجرة، ولكنه ماضٍ في مسيرته معولاًَ دائماً على أن زعزعة اليقين ولو بسؤالٍ أفضل من السكونية المطلقة، وعلى هذا الأساس والقناعة راكم جابر عصفور عشرات الأعمال النقدية والأبحاث والدراسات فكراً وأدباً مؤرخاً بقراءاته الفريدة لحقبة من الإبداع الأدبي والفكري، عرفنا في الحلقة السابقة بعض مواقف وآراء جابر عصفور من قضايا الحياة والفكر، ونتابع في حلقتنا هذه الرحلة في مسار حياته وتجربته فكيف بدأت ومن أين أتى؟

جابر عصفور: أنا من مدينة صناعية صغيرة اسمها "المحلة الكبرى"، وهذه المدينة الصناعية تتميز بدرجة عالية من الانفتاح، وهي كانت من المدن التي بدأت فيها الحركة العمالية مبكرةً، ومن هنا أحدثت نوعاً من الاستنارة، ولهذا كان من الطبيعي جداً عندما دخلت للمدرسة أن أجد حتى باعة جاهلين على عبرات خشبية يبعون ويأجرون كتباً للقراءة، فكان من الطبيعي جداً أن أبدأ القراءة من هذه العربات بقرش الكتاب أو بقرشين، وعندما الكتب أصبحت مرتفعة الثمن ظهرت فكرة الإيجار فبقينا نقدر الكتب في اليوم أو من أسبوع وندفع مثلاً مبلغ بسيط، وشيئاً فشيئاًَ تطورت القراءة إلى أن أصبحت عادة، يعني أنا قرأت كل كتب طه حسين قبل أن أدخل الجامعة، قرأت مثلاً للعقاد قبل أن أدخل الجامعة، وأنا مدين لبداية المحلة الكبرى ولمصادر المعرفة فيها، أما الذي ارتكب أكبر جريمة في حياتي الثقافية والمعرفية فهو طه حسين، أنا عرفت طه حسين منذ أن كنت طالباً يعني ربما في بداية المرحلة الثانوية أو قبلها بقليل، قرأت كتاب "الأيام" الجزء الأول وعلى فكرة أن لا أزال أحتفظ في هذا البيت إلى الآن بالنسخة القديمة التي قرأتها أولاً، عندما قرأت الجزء الأول من "الأيام" شعرت بأنه هناك زلزالاً قد حدث في تكويني، وأنني لا بد أن أعرف هذا الرجل، هذا الرجل الأعمى الذي يرى أكثر مما يرى المبصرون الذي يعيش في بيئة من الجهل والذي استطاع أن يحيل هذا الجهل إلى معرفة كيف فعل هذه المعجزة، فقررت أن يكون..

أحمد الزين : أن يقالع ظلمتين.

أحمد الزين : نعم. بالزبط ثلاثة كمان، وكون النفسي بالجسم الخبيث كما يقول أبو العلاء المعري، أنه بقول: "أراني في ثلاثة من سجون.." إلى آخره، عشان كده هو تكلم عن سجن أبو العلاء وقال أن ده ثلاث سجون: العمى، ومحدودية الحركة، وكون النفس في الجسم الخبيث، ووجود الإنسان في مجتمع لا يقدره ولا يعرف قيمته. فهنا كان في ذهنه يعني في الفترة ديه أني أن أقلد هذا الرجل وأن أكون مثله، طيب أعمل إيه؟ عندما دخلت المدرسة الثانوية كان هناك ما يسمى بالتخصص فقررت أن أتخصص في اللغة العربية لكي أمضي في طريق طه حسين، فلم أجد يعني تخصصاً للغة العربية في المدرسة، فوجدت أقرب تخصص إلى اللغة العربية التاريخ دخلت التاريخ إلى أن حصلت على الثانوية العامة فوراً على جامعة القاهرة جامعة طه حسين وعلى قسم اللغة العريبة قسم طه حسين لكي ألتحق به، وبالفعل التحقت بقسم اللغة العربية، أبحث عن طه حسين لا أجد طه حسين لأن طه حسين كان قد كبُر ولم يكن يأتي إلا للدراسات العليا، قلت لنفسي: لا بأس، سأنتظر إلى أن أدخل الدراسات العليا فأرى طه حسين، وصلت إلى الدراسات العليا كان طه حسين ضعف صحياً جداً فلم يعد يأتي إلى الجامعة، لكن لحسن الحظ أخذتني أستاذتي الدكتورة سهير القلماوي عليها رحمة الله لكي نزوره في منزله، وزرته بالفعل..

أحمد الزين : وخبرته الحكاية؟

جابر عصفور: وأخبرته فابتسم ضاحكاً وقال لها يا سهير أستاذتي سهير القلماوي ابنك هذا سوف ينبغ في النقد لأن له عقلية فلسفية، كيف أدرك أنني عندي عقل فلسفي؟

أحمد الزين : فظيع.

جابر عصفور: هذا الشيء.. ولكن هذه النبوء هي التي تحققت.

أحمد الزين : فإذن دكتور أنت بالجامعة بالقاهرة كنت طالباً وأستاذاً وحالماًَ، يعني كيف بتشوف مستوى الجامعة اليوم بالقاهرة، هي هي يمكن معيار الواحد لحتى يوقف إن صح التعبير معيار يشوف المجتمع فيه؟

جابر عصفور: لا. المعيار يجعلك تشعر بالحزن على ما آلت إليه أوضاع الجامعة في الأوطان العربية، لأنه الحقيقة ما حدث في جامعة مصر أو ما حدث في الجامعة المصرية لا يختلف جذرياً عما حدث في كل الجامعات، وهذا أمر طبيعي، يعني عندما تعيش في مناخ من الاستبداد السياسي وغياب الحرية الفكرية والعقلية والعلمية فلا يمكن أن تكون النتيجة إلا ده، وأضف إلى ذلك كارثة الفقر في البلدان المكتظة السكان، ستكون هناك لا توجد هناك جامعة بالمعنى الحقيقي، يعني كيف يمكن أن تكون هناك جامعة وأنت كأستاذ أولاً ليست مسموح لا مسموح لك بحرية التفكير ولا بحق الاجتهاد ولا بحق الوقوع في الخطأ، وإذا وقعت في خطأ يا أخي ده الإسلام نفسه..

أحمد الزين : خطأ من منظورهم هم.

جابر عصفور: خطأ آه مثلاً: يعني أنت عندك في الميراث الإسلامي "أنه من اجتهد فأصاب له أجران، ومن أخطأ له أجر" يعني معناها أنه حتى الخطأ عليه أجر المحاولة فعندما لا تملك حق الخطأ ولا حق الاجتهاد ولا حق المخالفة ولا حق المغايرة والعلم لا يمكن أن يتطور إلا بهذه الأشياء، تكون النتيجة أن عقلك سيكون عقل تقليدي وتكتفي بما يردده السابقون، والنتيجة هي التخلف.

أحمد الزين : عاش جابر عصفور منعطفات حاسمة ودراماتيكية في الحياة المصرية والعربية وفي حياته أيضاً حياته الشخصية، عقد الأمل على مراحل وخزلته مراحل، لكنه لم يذهب إلى عزلة صامتة بل أخذت تجربته خطاً بيانياً تصاعدياً ناقداً ومفكراً وناشطاً في الحراك الاجتماعي، وإذا كان في زمن عبد الناصر رفع عنه الغبن كما يقال ليأخذ مطرحه الطبيعي في الجامعة كان زمن السادات زمن إعادة الغبن والإزاحة حيث فصل من الجامعة.

جابر عصفور: السبب المباشر كان هو في ذلك الوقت اعتراضي مع من اعترضوا على كامب ديفيد على اتفاقية السلام في زمن السادات، ولم أكن أخفي هذا الاعتراض، كنت أكتبه وأنشره مع مجموعة أخرى، فهم يعني خلقوا مبرر آخر وهو إيه؟ مبرر صنعه السادات سامحه الله، هذا المبرر أننا أسهمنا على نحو غير مباشر في إشعال الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط تخيل، والتهمة الحقيقية هي أننا كنا من المعارضين لكامب ديفيد، وما زلت أنا شخصياً ضد السلام مع إسرائيل إلا بشروط..

أحمد الزين : حتى الآن؟

جابر عصفور: نعم. إلا بشروط السلام العادل، يعني ما قيمة سلام لا يحترم فيه إلا طرف واحد؟ ولا ينحاز فيه العالم إلا لطرف واحد، ويكون هذا السلام على حساب آلاف الضحايا الأبرياء، هذا ليس سلام يا أخي هذا استسلام، وأنا طفل يعني لا زال منقوش في رأسي "ما غاب حقٌ وراءه مطالب" أطالب بهذا الحق، وأستغل كل المنابر الدولية وكل الإمكانيات التي يمكن أن تساعدني في الوصول إلى هذا الحق وبالتأكيد في النهاية سوف أصل إليه، يا أخي منديلا في جنوب أفريقيا أخذ حقوق السود بعد 25 سنة..

جابر عصفور: بعد ثلاثين سنة في السجن.

جابر عصفور: طيب. هل يمكن أن أحرر إسرائيل بمجموعة من المهوسين دينياً..

أحمد الزين : مثلاً؟

جابر عصفور: الذين يفجرون أنفسهم، طيب لماذا نحن لا نتعلم من الشعوب أن المقاومة ليس لها شكل واحد وإنما لها عشرات الأشكال؟

أحمد الزين : لازم يكون عندنا حدا مثل منديلا مثل غاندي مثلاً 31 سنة بالسجن.

جابر عصفور: مثلاً، والثاني: هو اللي اخترع ما يسمى بالمقاومة السلبية.

أحمد الزين : صحيح. طيب دكتور جابر عصفور كيف هيك بالبداية تبلورت احتجاجاتك الأولى أو تمردك الأول يعني بمين تأثرت يعني سياسياً؟ خيارتك الفكرية كيف تبلورت؟

جابر عصفور: والله برضه حرجع إلى طه حسين، لأن طه حسين كان متمرد عظيم، ويمكن أهم حاجة تعلمتها منه أنني أنا أتمرد من خلال الفكر، وعلى هذا الأساس كنت متمرد على طرائق الأدب التقليدية، ويبدو أن التمرد على مستوى الفكر هو اللي بينتقل إلى أشكال أخرى من التمرد، وأظن هذه الظاهرة صحية ليه؟ لأني لن أنغمس في الممارسات السياسية بمعناها الحزب الضيق، ولن أفقد صفتي الأكاديمية، فحتى على مستوى السياسية كان لي بُعد يعني فكري عميق ويجنبني من الانحرافات الخطرة أو الاهتزازات أو التغيرات الخاطئة، ولهذا فيصل دراج على سبيل المثال يسميني أو يضعني على يسار اليمين ويمين اليسار، يجعلني مرة يساري ليبرالي أو ليبرالي يساري، ليكن أنا لا يهمني هذه التصنيفات، لكن ما يعنيني وأقول لك وأؤكد أهميته أنه عندما يبدأ التمرد من منطقة الفكر، فالفكر يظل دائماً بمثابة بوصلة أو بوصلة هادية للمسار، وتصحح المسار حتى السياسة.

أحمد الزين : صحيح. لأنه دائماً الثقافة والفكر هم أساسين باقيين هم سباقين.

جابر عصفور: طبعاً. لأنه مثلاً أنا لم أخدع بالمناسبة بكثير من الدعاوى السياسية لهذا الحزب أو ذاك.

أحمد الزين : مع مين تعاطفت يعني بشكل عام؟

جابر عصفور: لا بشكل عام أنا في آخر الأمر محسوب على قوى اليسار بس بمعناه الليبرالي.

أحمد الزين : نعم. طيب أنت عشت أكثر من مرحلة سياسية على مستوى السلطة في مصر يعني مع الناصرية وصولاً إلى كامب ديفيد اللي طبعاً حدث ما حدث في خلالها وطردت من الجامعة، وصولاً حتى الآن يعني، وين كنت أكثر مرحلة هيك حاسس بنوع من الأمل أو مستأنس أو مرتاح شوي إذا بدنا نقول.

جابر عصفور: بالتأكيد المرحلة الناصرية، أنت تعرف أنا حكيت هذه القصة قبل ذلك، أنا عينت في الجامعة بسبب عبد الناصر، أنا تخرجت من الجامعة سنة 1965 وكنت الأول على جميع أقسام اللغة العربية في الجامعات المصرية، ومع ذلك بسبب تدخل أشياء غير علمية تأخر تعيني في الجامعة، فمرت شهور وأنا أعمل مدرس في قرية صغيرة في محافظة الفيلوم وشعر بالظلم إحساس فظيع جداً، كيف أكون الأول وجايب ممتاز ولا أعمل في الجامعة، ويلقى بي في قرية نائية لكي أعمل مدرس؟ ففي وسط هذا الإحساس بالظلم كنت أستمع إلى خطبة من خطب جمال عبد الناصر فكتبت له مباشرةً خطاب، وأقول له: أنت تتحدث عن العدل والعدل وتتحدث عن كذا ولا كذا، وبحماس شاب تقريباً في العشرين من عمره كتبت هذا الخطاب، وأرسلته إلى رئاسة الجمهورية، الغريب أن هذا الخطاب وصل إلى جمال عبد الناصر، وفوجئت بأن جامعة القاهرة تنقلب بحثاً عني، ويستدعيني رئيس الجامعة وكان أيامها المرحوم جابر عبد الرحمن أستاذ مشهور جداً في القانون، وأعيّن فوراً في قسم اللغة العربية، بفضل تعليمات جمال عبد الناصر الذي قرأ هذا الخطاب الذي وصله بالتأكيد من وسط ملايين الخطابات، كيف؟ لا أدري. يعني لماذا وصل هذا الخطاب؟ ولماذا قرأه؟ لا أعرف. سألت مرة الأستاذ سامي شرف سكرتيره فقال لي: أنه كان يقرأ كل ما يرسل إليه بواسطة ملخصات، وأنه عندما كان يرى في الملخص ما يستدعي القراءة الكاملة يقرأ الكاملة، فلم أكتب له حتى خطاب شكر، وهذه يعني من قلة الحياء لأن الرجل على الأقل كان يستحق خطاب شكر لكن للأسف وبصراحة لم أكتب هذا الخطاب، وليس كبرياءً وإنما خجلاً.

أحمد الزين : يبدو جابر عصفور في كل ما كتب حالة ثقافية ثرية وعقلاً نقدياً تنويرياً فسيح الأرجاء كما وصفه فيصل دراج، لقد تناول التراث وتفحصه، وتناول الحداثة ودعا إلى حداثة التنوع وإلى المجاورة بين المفاهيم، وهذا من شأن العقل العارف العقل السائل ومن شأن المثقف الحر الديمقراطي لأكثر تحديقاً وتمعناً في مسار التاريخ والأحداث.

طيب في بعض كتاباتك النقدية تطرح فيه عن مفهوم الحداثة، حداثة التنوع وتنوع الحداثة، بتقديرك هذه المفاهيم لها مطرح هيك معقول في مجتمعناتنا يعني في مجتمع أصلاً هو يعيش بسلوكه في الماضي يعني سلوكه في الماضي حتى لو ركب سيارة أو استخدم الموبايل.

جابر عصفور: عندك الحداثة بمعناها الإبداعي وفي مستوياتها الإبداعية المختلفة التي لا تنحصر لا في شعر، وإنما تمتد في كل أنواع الإبداع الفني والسينمائي والقصصي والمسرحي وإلى آخره، عندك حداثة الفكر في المجتمع وحداثة الفكر في المجتمع برضه لا بد أن ينطبق عليها المادة في التنوع، بمعنى إيه؟ أنه ما الذي يمنع أن يوجد متصوف حداثي؟ ما الذي يمنع أن يكون هناك عقلاني حداثي؟ ما الذي يمنع أن يكون هناك يعني معادي للعقل بالمعنى الباكونين الفوضوي وحداثي، يعني حداثة الفكر هذه ينبغي أن تكون أنماط متنوعة، يجمع بينها الحوار المبني على احترام الاختلاف، عندئذ تكون الحداثة أكثر غنىً وأكثر ثراءً وأكثر قوةً في دفع المجتمع إلى الأمام.

أحمد الزين : طيب تحدثت عن الشعر وأنت يعني تناولت في كتابات عديدة وكتب عديدة للشعر العربي قديمه وحديثه، الآن يعني هيك لو بدك توجز بلمحة مستوى القصيدة العربية، يعني هناك من يقول: "كثر الشعراء وقل الشعر".

جابر عصفور: لا أنا قلت قبل كده، ولا أزال أقول: أن الشعر في أزمة، وأن الشعر في العالم كله وليس في العالم العربي فيه أزمة، ربما لأن الزمن الطاغي الآن هو زمن القص، القص بكل معانيه، يعني القص الروائي، القص السينمائي، القص المسلسلاتي في التلفزيون، القص هو الذي أصبح له الغلبة وهو الأكثر طغياناً في المجتمع، لهذا السبب أنا عندما كتبت كتاب أسميته: "زمن الرواية"، طبعاً ثار عليّ الشعراء، هذا لا يقلل من شأن الشاعر ولا من قيمته، لكن القصيدة العربية المعاصرة شأنها شأن القصيدة في العالم كله فيها أزمة، لكن هذه الأزمة تختلف من ثقافة إلى ثقافة، فيه الثقافة العربية مثلاً جزء من الأزمة لا تزال درجات الأمية الثقافية، الناس لم تعد تقرأ بشكل عام والشعر بوجه خاص، الأمر الثاني: أن ثقافة هذا العصر تعتمد على الصور لأنه نحن عايشين على الصورة، الصورة على شاشة التلفزيون، والصورة على شاشة السينما، والصورة على شاشة الإنترنت، فأصبحنا عايشين: عصر الصورة، مش عصر الكلمة المكتوبة ولا الكلمة المسموعة.

أحمد الزين : إنه زمن الرواية هكذا يخلص الدكتور جابر عصفور إلى القول، ويصبح هذا التعريف عنوان كتابه النقدي المعروف بـ: "زمن الرواية" ويعلل أسباب ذلك ويشرح عنه، وعن العلاقات الاجتماعية والمدنية التي تتطلب وسائل التعبير عنها ربما أو تنتجها.

جابر عصفور: إن الرواية هي شعرية الزمن الحديث، هي الشعرية التي تتناسب مع الآلة ومع الماكينة ومع المعقد المجتمع المعقد الذي يتكون من ملايين الجماهير الذين تختلط جنسياتهم وتتعقد هوياتهم ومشكلاتهم.

أحمد الزين : هي بنت المدينة أكثر.

جابر عصفور: لا الرواية بنت المدينة وبنت..

أحمد الزين : حتى لو كان الكاتب آتي من الريف بس هي تأتي من..

جابر عصفور: الرواية هي بنت المدينة واحد، وبنت واقع المدينة المؤقت، ولهذا لن تجد الرواية بين الصحراء واحد.

أحمد الزين : حتى لو كان الروائي حكي عن الصحراء؟

جابر عصفور: ممكن، بس لا هو بيحكي عن الصحراء بوعي مدينة مش بوعي الصحراء، لو وعي الصحراء ما كان كتب رواية، كان كتب يعني أدب شفاهي ما كان كتب..

أحمد الزين : أو شعر.

جابر عصفور: أو شعر، الشعر في تقديري ابن اللحظات الحدية، يعني أقصى درجات الألم في الانفعال أو أقصى درجات الانفعال في حالات الحزن أو غير الحزن، لكن الرواية بقا الفن الهادئ الذي يرصد المتغيرات واللوحة المعقدة بتفاصيلها وبمختلف ظلالها ده أمر مختلف، وإدراك إبداعي مختلف.

أحمد الزين : طبعاً تجربتك النقدية تراوحت بين نقد التراث ونقد الحديث أدباً وشعراً وفكراً، يعني بتقديرك شو أفاد النقد بعض الكتاب أولاً؟ ثم إذا يعني إذا لم يتطرق النقد إلى النص الرسمي بجرأة هل يصوب ما نقوم به ما نعيشه ما نفكر به؟

جابر عصفور: هذان سؤالان، وكل واحد فيهم عبارة عن قنبلة، السؤال الأول: أنا أعتقد أنه النقد له أدوار متعددة وقد أداها في حالاتها المتميزة، ولا يزال يؤديها، دور الإرهاص دور التبشير دور معاونة الأديب على استكشاف ملامح رؤيته التي قد تكون غامضة للأديب، مساعدة المبدع على أن يرى في عمله ما لم يكن يراه عادةً، فيمضي بخطى أكثر ثباتاً ده جوانب إيجابية للنقد، أداها ولا يزال يؤديها، ولا تنسى أن قصيدة أدونيس وقصيدة الشاعر الحر مثلاً هذه القصيدة لولا زخم النقد الذي كتب بالتبشير بها والدفاع عنها ما كانت قد وجدت ما وجدته من أرض ممهدة ومن أصوات داعمة أو مؤيدة ده أمر، الأمر الثاني: أنه فكرة بقا النقد يرتبط بالحياة طبعاً بالتأكيد، لا يمكن أن يكون هناك ناقد كبير إلا إذا كان صاحب رؤية شاملة للحياة، بمعنى أنه يكون عنده تصور لما يمكن أن يفعله الأدب في هذه الحياة، لأنه عندما تتحدث عن عمل أدبي فأنت تتحدث في آخر الأمر عن قطعة من الدنيا وعلى ذلك كل نقد أدب هو ناقد للحياة، ومن خلال الأدب كل ما يحدث أنه يرى الحياة من عدسة العمل الأدبي.

أحمد الزين : فيه الشق الثاني من السؤال يمكن ما حتجاوب عليه.

جابر عصفور: إيه هو؟

أحمد الزين : قلت كمان هناك النص الرسمي يعني الناقد إذا ما تناوله الناقد يعني الموسوعي إذا صح التعبير النص الرسمي التراثي الديني وغير الديني إذا ما تناوله هيك وحطه تحت المجهر الحقيقي بتقديرك ما بيكون شغله شوي..

جابر عصفور: كويس أنا نسيت ده واحد النقد في تعريف من تعريفه: فعل مسائلة بامتياز، وكونك تضع أي نص موضع المسائلة هذا يعني أنك تضع رأسك برأسه بالمعنى العام وأنك لا تكون أقل، أو تشعر بالدونية إزائه، وعلى هذا الأساس عندما تكون ناقد ينبغي أن تضع في بعد من أبعاد عملك النص الذي تنقده موضع المسائلة أياً كان هذا النص، يقدس بشري يعني سياسي مدني إبداعي غير إبداعي فكري غير فكري أي نص ينبغي أن تضعه تحت المسائلة، يعني تحطه موضوعاً لفعل المسائلة، وتنطلق مع هذه المسائلة إلى مداه ومنطقه.

أحمد الزين : طبعاً لك اهتمامات عديدة منها مثلاً كتابات عن المرأة، يعني هل يحزنك اليوم حضورها الغائب خلف الحجاب؟

جابر عصفور: طبعاً. أنا شخصياً رأيي وكتبت ده أنه الحجاب نفسه هو فعل من أفعال ممارسة العنف ضد المرأة.

أحمد الزين : وهي أحياناً تختاره؟

جابر عصفور: حتى عندما تختاره هي لأنه خذ بالك أحياناً المقموع يتشرب أيديولوجيا القامع فيتحول هو نفسه إلى قامع لنفسه وللآخرين، وأنا برأيي أن صلاح أبو الصبور أشار إلى هذا يعني في معنىً من المعاني عندما قال: نحن المقتولين القتلة.. نحن المقتولين القتلة، يعني نحن الذين نقتل أو الذين نقمع فنتحول إلى قامعين لأنفسنا ولغيرنا.

أحمد الزين : طيب قد تكون يمكن من أكثر الكتاب العرب هيك تفرغاً للمعرفة وخدمتها والاشتغال بها، بدون شك أكسبتك متعة المعرفة متعة، وأكسبتك حضور مميز في عالمنا العربي، يعني هل تزايد المعرفة وتزايد الأسئلة عند المرء يزيده غربةً وحزناً؟

جابر عصفور: طبعاً. كلما ازددت معرفةً ازددت وعياً بجهلك، وأنه هناك آلاف وملايين الأشياء التي لا تعرفها، وكلما عرفت ازددت حزناً بالمناسبة لأنك سوف تكتشف بعد المسافة بين الحلم والواقع، بين الممكن والخاص.

أحمد الزين : وبينك وبين الآخرين.

جابر عصفور: طبعاً.

أحمد الزين : بتحس أنه عندك أشياء كثيرة ينبغي أن تقولها وأن تكتبها وهناك لا وقت لذلك؟

جابر عصفور: أفكرك بالذي يقوله ناظم حكمت وأن أجمل الأشياء ما لم نقله بعد، هو كاتب ده في قصيدة إلى زوجته أو حبيبته عندما كان في السجن، وقال لها إيه: "أجمل بحار العالم.. ما لم نزره بعد، وأجمل ما أود أن أقوله.. لك لم أقله بعد" أنا بقى بضيف لده: وأجمل ما أود أن أكتبه أو أقرأه لم أكتبه أو أقرأه بعد.

أحمد الزين : ندمان على شيء قمت به أستاذ؟

جابر عصفور: آه طبعاً. الإنسان خطاء بطبعه، وفيه أشياء أنت بتعملها، ولا يوجد إنسان بالمناسبة نقي النقاء الكامل أو كامل الأوصاف كما تقول الأغنية، وإنما هو إنسان، أنا فيه بيت شعر أحفظه لتعود ترجمته أنه: "أنا لست شيطاناً، ولا ملاكاً ولكني إنسان".