محمد دكروب

أحمد الزين: كل شيء في هذا البيت يتناقص تقريباً ما عدا الكتاب فهو في ازيادٍ وتنوّع، أشقياء هم غالباً أولئك الذين يعملون في الثقافة الجادة والمعرفة، تمضي أعمارهم ولا أدري إذا كانوا يعثرون أو لا يعثرون في أكداس الكتب والأفكار على ضالتهم، أيامهم صفحات كتاب صفحةٌ تخبئ صفحة تطوى، وأسئلتهم تولّد سؤالاً آخر، وأجوبتهم مفتوحة على احتمالات، أحياناً يرسون على يقين ولكن سرعان ما يتعرض لرياح الشكوك، وأحياناً الأحداث الكبرى تزعزع المسلمات الفكرية لديهم والقناعات فيقعون في متاهةٍ وحيرة، يبررون ذلك أو يقومون بمراجعةٍ لتجربتهم ويمضون من جديد إلى مزاولة الشقاء المعرفي. هذا السبعيني صبي الفوّال بائع الياسمين قديماً في حارات صور لا يكفّ عن مقارعة الوقت ومنازلته، وهو على علمٍ أن الفائز في نهاية الشوط هو الخصم لكن مناوراته يراها ربما كفيلةً في تخفيف حدة الطعنات أو تجنبها قليلاً، كأنه حين يطوي مسافةً في الوقت وفي الزمان يطوي كتاباً، وهكذا تعوّد أن يقطع المسافةَ في كتاب.

صرفت معظم سنوات عمرك بين الكتب وأمام الورقة البيضاء بتكتب بتقرأ بتبحث، على ماذا عثرت؟ ولوين وصلت؟

محمد دكروب: أنا بلاقي الهدف الحقيقي إلي من هالشغل كله هو الشغل نفسه، هو ساعات الكتابة ساعات الإنتاج الفرح لما بنتج شي بعمل شي هيدا هو الهدف، وتراكم هالأشياء هي بتخليني أوصل لشيء يمكن ما كنت أنتظره يمكن كنت أنتظره، بس مش حاطط قدامي يعني شي بدي أوصل إله يمكن أوصل مع آخرين مع غيري مع.. بس مش مخطط لهالشي.

أحمد الزين: على كل حال هم بسموك أو أنت بتسمي نفسك كمان شغيل ثقافة..

محمد دكروب: إي شغيل.

أحمد الزين: شغيل الثقافة، طيب شغيل الثقافة محمد دكروب ماذا يشتغل الآن ماذا تفعل؟

محمد دكروب: هلأ أنا اكتشفت بعد كتابات بالصحف بعد ما خلصت من.. أو من بعد ما وقفت مجلة "الطريق" وهي كانت بالنسبة إلي شخصياً كارثة، توقف مجلة "الطريق" لقيت حالي معي فضاء هون بيجي فضاء من الوقت حتى أستعيد بعض كتاباتي اللي مش ناشرها بكتب، اكشفت أنه عندي عدد من الكتب اللي بدها استكمال وعدد من المشاريع اللي بدها استكمال، فعندي هلأ حوالي 4.. 5 كتب بدهم استكمال، بس أعز كتاب بالنسبة إلي اللي بدي طلعه بعد فترة هو كتاب بعنوان: "على هامش سيرة طه حسين" هيدا نمط مختلف من الكتابة مش بحث ولا ذكريات..

أحمد الزين: نمط مختلف من كتابتك أنت؟

محمد دكروب: من الكتابة العربية..

أحمد الزين: بشكل عام نعم.

محمد دكروب: إي، هيك بدعي ليش؟ لأنه أنا مش عم بعمل بحث عن طه حسين، عم أعمل تنامي وعي جيل ومنهم أنا بالعلاقة مع فكر طه حسن ومعاركه إيجاباً وسلباً، لأنه لما تقدمت بعمل الصحفي وكذا ما بعرف إذا بتتذكر ذات عام صار فيه معركة بالخمسينات الستينات بين التقدميين المصريين وطه حسين، أنا شاركت فيها كمان ضد طه حسين رغم أنه أنا يعني ثقافتي انبنت كلها على العلاقة بفكر طه حسين.

أحمد الزين: فتنته أيام طه حسين، وفتنه الفكر الاشتراكي والماركسي، وفي الحقيقة فتنه الكتاب كل ما يقرأ ويثير السؤال، حين تزوره في بيته يعرفك على أصدقائه الأصدقاء الكتب، نعم هذا أحمد فارس الشدياق ويحدثك عن الشدياق وكأنه جارٌ له.

محمد دكروب: هو فارس الشدياق "عين زمانه" ميش يد زمانه أو ساعات زمانه، أنت قاري له شغلات لأحمد فارس الشدياق؟

أحمد الزين: إي.

محمد دكروب: كمان هيدي بيكتبوا أبيات شعر فيها مدح بصاحب الصورة، ومدح دائماً صاحب الصورة هو الوحيد..

أحمد الزين: (ضاحكاً) ويمكن هو اللي بيكتب المديح بنفسه.

محمد دكروب: (ضاحكاً) طبعاً.

أحمد الزين: الواحد كاتب رثاء بحاله قبل ما يموت.

محمد دكروب: يا هلالاً قد أرانا في الدجى وجهاً جميلاً.. سوف نلقى منك بدراً كاملاً يدعى خليلاً.

أحمد الزين: خليل..

محمد دكروب: خليل الخوري صاحب جريدة حديقة الأخبار.

أحمد الزين: ثم يهم إلى أول مجلةٍ بدأ حياته الصحفية فيها، يقلب في صفحاتها الصُفر وربما لم ينتبه أو ينتبه أنه حين يقلّب هذه الصفحات يستعيد وجوهاً وأسماءً وكلمات.

محمد دكروب: بهي تحديداً وبهي بلشت إشتغل صحافة بدون ما يكون عندي أي خبرة بالصحافة.

أحمد الزين: أي سنة هيدا أكثر من..

محمد دكروب: هيدا العدد 56.

أحمد الزين: هذا آخر عدد؟

محمد دكروب: لا آخر الأعداد 59.

أحمد الزين: هي بأي سنة؟

محمد دكروب: هي طلعت بالـ 1958.

أحمد الزين: هلأ هي أول تجربة لإلك كانت..

محمد دكروب: بالثقافة الوطنية، يعني جماعة اليساريين اللي كان عندهم امتياز هالمجلة بدهم يطلعوها كلفوا حسين مروّة وأنا نطلع هالمجلة، وأنت يا محمد دكروب بدك تتولى الشغل كله، أنا ما بعرف صحافة! تصطفل!

أحمد الزين: قرار حزبي هذا كان؟

محمد دكروب: إي، تصطفل! وأنا زلمة بتعرف مطيع بشكل غير معقول بهذيك الفترة، هلأ (يضحك)..

أحمد الزين: لعل روحه المرحة روحه الساخرة تخفف منسوب الحنين أو ربما تزيده وهذا شأنه، لكنه يمضي ويعرفك على عالمه صورةً وكتاباً وذكريات، ويتناول كتاباً قديماً قدمه له صديقٌ غامضٌ أو رفيق درب.

محمد دكروب: مكتوب إهداء من المؤلف نفسه "الفيكونت فيليب دي طرازي" هيدا كان أمين عام "دار الكتب" ومؤلف ممتاز يعني وتلصيقي يعني "وثائقي الموسوعة"، يعني هيدا من أهم الكتب عن الصحافة العربية ما قبل 13 أول كتاب ويمكن آخر كتاب عن هذاك، فأهداه هو تقدمة من المؤلف إلى المكان الفلاني في (23/حزيران/1928)..

أحمد الزين: حلو.

محمد دكروب: طيب، كيف وصل لمحمد دكروب هالكتاب؟ فيه تحت إهداء ثاني تقدمة من سارقه فلان الفلاني إلى الرفيق دكروب (1974)، هيدي أجمل سرقة أجمل سرقة..

أحمد الزين: حدثت في التاريخ.

محمد دكروب: يعني سرقة..

أحمد الزين: على كل حال أنت عندك كتاب سارقه أنت؟

محمد دكروب: أنا بقلك حلال من الكتب التي لا تستعمل حلال تسرقها.

أحمد الزين: نعم مثلاً هذا..

محمد دكروب: أما اللي بتستعمل من المحرمات الكبرى، يعني أن تسرق كتاب يستعمل.

أحمد الزين: هذا الإهداء لمين؟

محمد دكروب: من "توفيق المتني" كان توفيق المتني هيدا خيّه (أخوه) لنسيب المتني صاحب جريدة "تلغراف" كان عنده جريدة "التيار"، كيف سارقه هلأ ما عاد متذكر من مليون سنة يعني.

أحمد الزين: هذا هو محمد دكروب ساخرٌ وحالمٌ قديم بعالمٍ وضعه مرةً في ميزان والده ومرةً في ميزان الماركسية ليختبر فداحة الظلم وإمكانية تحقق العدالة، هو القادم من مدرسة الحياة التي تعلم في كتابها الكبير قبل أن يفك حرف اللغة في كتاب "الأيام". طيب طبعاً محمد دكروب بدأت حياتك مكافحاً على خطين خط العيش خط الكفاح الفكري والثقافي بدءاً من مدينتك الأولى بصور وصولاً حتى الآن، ولم تزل تقارع على هذين الخطين، يعني هل تظن أن بعض العمر قد مرّ سدى يعني هل ندمت على شيء؟

محمد دكروب: بالمطلق أنا مش ندمان على المسار اللي سرت فيه بالمطلق، رغم أنه فيه شي بيحز بنفسي لحد هلأ أنه ما قدرت إستكمل تعلمي المنتظم من مدرسة لجامعة لدكتوراه، هي بتحز بنفسي، لكن الطريق اللي مشيت فيه بدون تخطيط مسبق ما ندمت أبداً عليه، بالعكس أنا حاسس حالي أنه غني بهالطريق اللي سرت فيه..

أحمد الزين: في هذه التجربة.

محمد دكروب: وبشعر بحريتي الكاملة إذا صح التعبير بالكتابة وبهالمسار يعني ما بشعر..

أحمد الزين: يعني دايماً كنت حر أنت بخيارك طبعاً أنت..

محمد دكروب: حتى أنا اشتغلت بمجلات ليسارية من..

أحمد الزين: الثقافة الوطنية..

محمد دكروب: من "الثقافة الوطنية" إلى "الأخبار" إلى "الطريق" إلى آخره، ومجلات بالخط الماركسي العام، لكن بتحملي مسؤولية هالمجلات بالتتابع ما بتذكر يوماً ما كتبت شي بناءً على طلب يتناقض مع..

أحمد الزين: مبادئك..

محمد دكروب: مع قناعتي ومع مزاجي، واكتشفت بعدني لحد هلأ إذا كتبت شي خارج مذاقي ما بعرف أكتبه، مثلاً ممكن لحد هلأ أنا ما بعرف أكتب بيان مثلاً باسم مجموعة للمطالبة بشيء معين حتى لو كان بيان ثقافي ما بعرف أبداً، مثلاً الكتاب اللي كتبته عن التاريخ الأول للحزب الشيوعي..

أحمد الزين: هذا اللي كنا بدنا نحكي عنه، بس ممكن تحكي عنه هلأ.

محمد دكروب: لو ما أعطيت الحرية الكاملة بتقييم الشخصيات بدون خضوع لأحكام حزبية مسبقة ما كنت قدرت أكتب حرف، أعطيت الحرية الكاملة، قلت لهم: بعدين بتقروا، بس أنا لما عم أكتب ما ممكن أتقيد بشيء، وكان شرطي لأنه كان فيه أشخاص متهمين بالخيانة منهم مؤسسي الحزب، قلت لهم: هدول أنا بدي أحكم عليهم مش أي حدا آخر، وطلع خلال البحث تبعي أنه المتهم بالخيانة اللي اسمه "فؤاد سمالة" مات جوعاناً جوعاناً لو بقول لي "يوسف يزبك" وهو عم يبكي بقول لي: لو أكل رغيف لكان ما مات، فهيدا مستحيل يكون عميل، مستحيل فكتبت لأول مرة..

أحمد الزين: أنصفته.

محمد دكروب: لأول مرة ينصف هذا الرجل بكتاب كبير.

أحمد الزين: طيب على سيرة كتاب تاريخ الحزب اللي هو اسمه "السنديانة الحمراء"..

محمد دكروب: "جذور السنديانة الحمراء"..

أحمد الزين: "جذور السنديانة الحمراء" فيما لو أردت الآن أن تكتب هذا الكتاب؟

محمد دكروب: سألتني سؤال هلأ عم بشتغل عليه..

أحمد الزين: والله؟

محمد دكروب: هلأ عم إشتغل بالطبعة الثالثة لهذا الكتاب، هالكتاب مكتوب بنوع من الحماس والعاطفة وبعض الأشياء الاستنتاجات الفكرية اللي بنت زمن الكتابة كتب سنة الـ 1974، المقدمة كبيرة أحاول أن أجاوب على هذا السؤال، لو كلفت الآن بكتابة هذا الكتاب كيف كان يمكن أن أكتبه؟ بناقش؟

أحمد الزين: بناقش هذا السؤال يعني..

محمد دكروب: بناقش هذا السؤال ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وما بعد أزمات الأحزاب الشيوعية في العالم، ما بعد أزمة الحزب الشيوعي بلبنان والبلاد العربية وأزمة الفكر الماركسي..

أحمد الزين: هل ما زالت يعني على نفس المستوى القناعة بتلك المبادئ اللي أنت أرخت لبعض الشخصيات اللي اعتنقوها على الأقل؟

محمد دكروب: شوف هون أنا ماركسي وعندي انتقادات كثير لسلوك الأحزاب الشيوعية العربية ومنها الحزب الشيوعي اللبناني، طبيعي يعني عندي أخذ وعطا وكذا.. لكن أنا بعدني كما أنا.

أحمد الزين: حر.

محمد دكروب: حر وماركسي الفكر والنهج وخاصةً بالدراسات الفكرية، مش بالسلوك العملي لأنه أنا بعيد عن التنظيم من زمان، لكن أنا بهالسياق.

أحمد الزين: مبكراً انخرط محمد دكروب في متاعب الدنيا كما يقال، ترك مدرسته باكراً والتحق بدكان أبيه في مدينة صور ليسعفه في عمله، ثم نوّع في البحث عن أسباب العيش فوّالاً وسنغرياً وعامل بناء ولعل أجملها بائع الياسمين الجوال في حارات صور.

بسياق الحديث ذكرت أنه أنت إذا كنت ندمت على شيء ربما ندمت أنه أنت ما قدرت تتابع دراستك، طبعاً أنت من الناس اللي علموا أنفسهم، يعني بنيت نفسك بنفسك إنسان عصامي معروف عنك، طيب كيف بلشت حكايتك مع الكلمة والكتاب خلينا نرجع شوي على صور، باختصار كيف بلشت الحكاية معك؟ مع الكلمة مع الكتاب؟

محمد دكروب: هو بلشت مع الكلمة والكتاب بالفعل بالمدرسة، أنا بالمدرسة اللي انتميت إلها أربع سنين تقريباً توفقت فيها بمعنى أن مؤسسها رجل ثقافي اللي هو السيد عبد الحسين شرف الدين وكان ابنه جعفر شرف الدين كان مدير المدرسة وكان يطلّع مجلة اسمها "المعهد" بالوقت اللي أنا كنت فيه بالمدرسة، فهيدا ساعدني على أفق آخر، ولما أُخرجت من المدرسة أُخرجت بسبب ضيق وضع والدي يعني..

أحمد الزين: الأحوال المادية.

محمد دكروب: الأحوال.. أنه بدوا ياني أقعد معه بدكان الفوال مساعده لأنه كان فقير وإلى آخره أصر، فلقيت حالي أنا عنده وتارك المدرسة لكن على علاقة دائمة بالمدرسة، وواصلت الاطلاع والقراءة ولقيت حالي عم أكتب كمان بدون أنه والله أنا عندي عناد بدي أكتب وبدي..

أحمد الزين: وبدي أعمل كاتب.

محمد دكروب: لأ، بشكل كثير طبيعي كثير بينسجم مع مساري، فبلشت أكتب أشياء كثير صغيرة كثير بسيطة، كانت تصدر جريدة الحياة الحالية بهديك الفترة على زمن كامل مروة، كانوا يعملوا فيها صفحة "رسائل القراء" فبعثت رسالة شي صفحة نشروا لي 4 أسطر ونصف..

أحمد الزين: من الرسالة.

محمد دكروب: فحسيت حالي كاتب.

أحمد الزين: حلو.

محمد دكروب: جبت اشتريت كم عدد وحطيتهم تحت باطي وتمثل أنه أنا كاتب لأنه فيه إمضى محمد دكروب..

أحمد الزين: هي بأي سنة تقريباً؟

محمد دكروب: هي تقريباً بأواخر الأربيعينيات، فيك تتخيل؟

أحمد الزين: من قرن يعني، قبل شوي تقول عمرك مليون سنة، أنا هلأ صدقت.

محمد دكروب: في أواخر الأربعينيات، فهذا أعطاني إحساس أنه ممكن أكتب، وصادف أنه بهذيك الفترة تعرفت على "كريم مروّة"، تعرفت عليه هو كان بالمدرسة وأنا خارج المدرسة، أنا صرت إشتغل بدكان سنغري، وكان هالطلاب ومنهم كريم يجوا على هالدكان سنغري، كنا يوميتها مفكرين أنه سنحرر العالم العربي كله بعد كم يوم يعني، فكريم مروّة عرفني فيما بعد على "حسين مروّة" حسين مروة مارس تأثير منيح عليّ على ما أكتبه ويصحح بعض الأشياء اللي أكتبها، وعن طريق كريم.. حسين مروّة قدرت أنشر بسنة الخمسين تقريباً أول قصة إلي بمجلة "الطريق" وكانت هي بداية علاقتي بالطريق عن طريق حسين مروّة.

أحمد الزين: عسيرة كريم وحسين مروة طبعاً ونذار يعني هودي من الأصدقاء اللي كانوا من أصدقاء محمد دكروب..

محمد دكروب: أصدقاء عمر.

أحمد الزين: يعني مين اللي بقي من هالأصدقاء؟

محمد دكروب: كلهم، يعني بقي من الأصدقاء حسين مروة لحد هاللحظة..

أحمد الزين: رغم رحيله يعني؟

محمد دكروب: إي.. إي لحد هاللحظة حسين مروة من أول ما تعرفت عليه إجى على صور وتعرف عليّ ونحن أصدقاء دائمين ونذار وكريم، بقينا أصدقاء ومن الأصدقاء اللي كمان تعرفت عليهم بصور محمد عيتاني كان أستاذ بصور، وكمان بقيت أنا وياه أصدقاء حتى هذه اللحظة.

أحمد الزين: وأيضاً رغم رحيله.

محمد دكروب: رغم رحيله.

أحمد الزين: يعني بهالسياق طبعاً هدول الناس أنت كتبت عنهم معروف محمد دكروب بشكل عام أنه بكتابتك عن الآخرين، دائماً يعني كتابات نقدية وتحليلية وفكرية دائماً تتناول الآخرين في مستوى من مستويات الكتابة اللي أنت بتقوم فيها، طيب بأي هاجس يعني بأي دافع ذهبت للكتابة عن الآخرين وأنت قبل قلت بلشت حياتك قاص؟

محمد دكروب: آه، بتعرف بفترة الستينات كان فيه ثورة من التجديد الأدبي الإبداعي الفني المسرحي كان فيه فورة، هالفورة اللي كنت عايشها لكن اكتشفت أو أقنعت نفسي أنه أنا بكتابة القصة متخلف فنياً عن هذه الموسوعة، أكتب ما تزبط معي، فقررت ذات يوم لحالي أنه ما تابع الكتابة القصصية، لأنه عم شوف بعيني الناقدة أنه القصة عم تتقدم تشكيلياً وأنا مش عم أقدر واكب هالتجديد التشكيلي، لكن اكتشفت فيما بعد أنه لما عم أكتب عن الآخرين بعده الهاجس القصصي موجود عندي إلى درجة أكثر اللي كتبت عنه كتبت عنه كشخصيات روائية قصصية بأكثر من أنه عم بعمل بحث عن أدبهم، يعني بقيت هالغريزة عندي لكن ما رجعت لكتابة القصة.

أحمد الزين: نعم. يعني أنت بتلاحظ أنه معظم اللي كتبت عنهم تقريباً بدءاً من طه حسين والطهطاوي في كتابتك الأخير عن النهضة كلهم رحلوا؟

محمد دكروب: مش كلهم.

أحمد الزين: تقريباً يمكن ذاتاً..

محمد دكروب: يمكن رحلوا بعد ما قروه.

أحمد الزين: من وجوه لا تموت يعني طبعاً استعرت شيء من علمهم الحقيقة..

محمد دكروب: بس هون أكثرهم كاتب عنهم سابقاً.

أحمد الزين: سابقاً بكتاب آخر كانوا أحياء.

محمد دكروب: بس مش وفاء إلهم، لأنه اللي كتبت عنهم عندهم ما يقال عندهم إبداعهم.

أحمد الزين: طيب أستاذ محمد قبل شوي حكينا عن الطريق أنت يعني رافقت الطريق في البداية ثم كاتباً ومسؤولاً لأكثر من 35 سنة، وتوقفت عن الإصدار منذ 3 سنين أو أقل شوي، يعني هذا التوقف أكيد أحدث فراغ كبير في حياتك؟

محمد دكروب: وكارثة عاطفية وفكرية، توقف مجلة الطريق عن جد كارثة فكرية.

أحمد الزين: يعني هذه المجلة للي أظن سنة الثلاثينات بتطلع هي من أوائل الأربعينات؟

محمد دكروب: إي 1941..

أحمد الزين: سنة الـ 1941 حتى..

محمد دكروب: كذا 60 سنة.

أحمد الزين: يعني ما كان في مجال لإيجاد حل ما لاستمرارها خاصةً أنه هي فصلية ما بتطلع..

محمد دكروب: شوف اكتشفنا بعد فترة طويلة..

أحمد الزين: أنت ومين اكتشفت؟

محمد دكروب: أنا وكريم مروّة، لأنه هي لها فترة كانت تصدر خارج مش عن مؤسسة الحزب عن مؤسسة حالها يعني، وكانت التراج تبعها كبير، يعني كان بالنسبة للمجلات الفكرية العربية كان بين 5500 و6000 نسخة وهيدا رقم بالنسبة للمجلات الفكرية في عالمنا العربي المترامي الأطراف رقم مهم لأنه أكثر المجلات يعني بين 4000 .. 3000 لكن اكتشفنا أنه كل نسخة تباع بأقل من تكاليفها، فكان كل ما يزداد التراج الانتشار تزداد خسارةً، تراكم على المجلة كمية لا بأس بها من الديون، ما عدنا..

أحمد الزين: ما في حل كان؟

محمد دكروب: ما عدنا قادرين رغم أنه هذه المجلة كل الكتاب فيها وكتاب كبار عرب كبار ما كان حدا منهم يأخذ قرش أبداً.

أحمد الزين: محمد دكروب تستأنس بمجالسته ومنادمته الكلام والأفكار، والجلسة معه لا تخلو من المرح والطرافة، حتى لو احتدم النقاش في الجديات واشتبكت الآراء، واللقاء به دائماً يذهب إلى محطاتٍ وصورٍ ووجوهٍ قامات فكرية وأدبية واكبها في مسارات حياةٍ وعملٍ ونضال، نتابع معه في حلقةٍ قادمة حوارنا هذا لنتعرف على النواحي الإنسانية والحياتية التي عاشها ويعيشها محمد دكروب.

أحمد الزين: عندما تلتقي بمحمد دكروب تلوح في البال أحلام جيل وتحضر وجوه تتكثف في اللقاء وتطغى عليه، تحضر إنجازات في الكتابة كتب ومجلات كان لها دور وموقع في الحياة الثقافية والسجالات منذ أواسط القرن العشرين وحتى نهايته.

ومحمد دكروب محورها شاهد عليها ومساهم فيها كتابة وسجالاً ونقاشات، كتب في المسرح وفي الأدب وفي الفكر، وتناول أعمال مبدعين ومفكرين كثر، ودائماً على طاولته مشاريع أفكار وكتب ومقالات وأبحاث، وقد يكون فريداً بين أبناء جيله في نوع كتابته في السرد النقدي الذي تختلط فيه القراءة النقدية بالسيرة وتتقاطع غالباً مع حكايته أو سيادته.

المؤسف أنه حالياً يجابه الفكر النهضوي العقلاني بالمحاربة على صعيد العالم العربي كله، وحتى على صعيد الجامعات من قبل جماعات السلفيين التكفيريين، رغم أنه فكر عقلاني ولم يقطع صلته أبداً بالتراث العربي الإسلاميمحمد دكروب

أستاذ محمد أنت أيضاً في مسارات أعمالك وكتاباتك تناولت منذ فترة نصوص أو بعض النصوص لكتّاب نهضويين، بتقديرك إذا اعتبرنا أن هؤلاء الكتّاب قد وضعوا حجر الأساس لبناء مجتمع متقدم متنور متحضر، لماذا لم يكتمل هذا البناء أو إذا فينا نقول ربما انهار؟

محمد دكروب: شوف فيه إشكالية عن جد بين الفكر النهضوي أو المفكرين النهضويين وواقع المجتمعات العربية الإسلامية، واقع النظام الاجتماعي العربي، إذا أعدنا قراءة أكثر النهضويين كلهن منشوفهن إنهم عم يكتبوا بأفق يتخيل أن هذا المجتمع يشبه أو سوف يشبه النظام الاجتماعي بأوروبا النظام الرأسمالي، ولنهضة البلدان الرأسمالية وخاصة فرنسا بعد الثورة الفرنسية ترافقت مع النهوض الفكري، يعني كان فيه الطبقة البرجوازية التي بنت هذا المجتمع الرأسمالي كانت هي بنفس الوقت الحامل الاجتماعي للفكر النهضوي بهديك الفترة، فاستطاع الفكر النهضوي ما يبقى على صعيد كونه فكر وبس صار هو فكر المجتمع، يعني هو فكر هذا النظام الليبرالي الديمقراطي الرأسمالي، ففي المجتمعات العربية هذه الطبقة البرجوازية اللي بدها تعمل النظام الرأسمالي ما موجودة أو بعض منها بذورها ارتبطت منذ البداية بالبرجوازية الأوروبية، فصارت نوع من البرجوازية التابعة اللي ممنوع عليها أو ما بتقدر تبني مجتمعها، فصار هالفكر النهضوي تقريباً منفصل عن أو ما إله الحامل الاجتماعي اللي يحققه بالمجتمع.

أحمد الزين: هي أحد الأسباب أظن لأنه فيه أسباب دينية..

محمد دكروب: فيه أسباب إيدولوجية تحول بين هذه المجتمعات الإقطاعية والتطور الحر الليبرالي الديمقراطي.

أحمد الزين: وتلاحظ أن كتابات هؤلاء لا تدرس في المدارس أو الجامعات تقريباً بشكل عام.

محمد دكروب: تقريباً إيه بس المؤسف أنه حالياً هذا الفكر النهضوي المهم العقلاني يجابه بالمحاربة على صعيد العالم العربي كله، وحتى على صعيد الجامعات من قبل جماعات السلفيين التكفيريين، رغم أنه لما نرجع له فكر عقلاني ولم يقطع صلته أبداً بالتراث العربي الإسلامي أبداً، يعني نأخذ الذروة تبعه الليبرالية تبعه اللي هو طه حسين كان بنفس الوقت مفكر يتطلع إلى نظام أشبه بنظام أوروبا، ولكن مرتبط عميق الارتباط بتاريخ الفكر العربي ومرتبط عميق الارتباط بإسلاميته.

أحمد الزين: طيب أستاذ محمد أنت بمستوى آخر أيضاً كان عندك الكثير من الكتابات النقدية والقراءات النقدية لأعمال مختلفة في الأدب في الرواية في المسرح أحياناً، وواكبت يعني منذ الخمسينات حتى الآن الحركة الثقافية والإبداعية بالعالم العربي وفي لبنان خاصة، يعني إذا بدك ترسم خط بياني لحركة الإبداع في عالمنا بتلاقي هالخط هو ماشي بشكل تصاعدي من وجهة نظر نقدية طبعاً؟

محمد دكروب: شوف على صعيد النقد مثلاً.. على صعيد النقد الأدبي فيه نوع من الخط مش التصاعدي قد ما هو حركة انتقال من رؤى نقدية معينة إلى رؤى أخرى، من مثلاً حركة نقدية انطباعية كانت خلال الخمسينات لتكتب عن الأثر الأدبي من خلال انطباع الناقد مش من خلال منهج معين، إلى حركة النقد اللي سمي النقد الواقعي اللي كان عنده منظور متقدم للمجتمع، ويرى انعكاس المجتمع بالأعمال الأدبية، هذا التيار بالغ برؤية ما هو اجتماعي سياسي في الأثر الإبداعي، وأغفل كثير ما هو فني إبداعي تركيبي جمالي..

أحمد الزين: عم حكي عن المدرسة الواقعية..

محمد دكروب: المدرسة الواقعية أغفل كثير هالجانب، إجا نقيض لهذا التيار التيارات الحديثة والتيار البنيوي بشكل خاص، التيار البنيوي كمان بالغ، قدم وسائل وإجراءات لرؤية عمق الأعمال الأدبية الثقافية الشعرية إلى آخره، ولكن بالغ أيضاً بالقطع ما بين الأثر الإبداعي وعلاقاته بالحركة الاجتماعية، فصار يشوف ما هو تركيبي بقلب هالعمل كما لو أنه مفصول الصلة عن ما هو خارجه، فصار فيه مبالغة معقدة بالعمل النقدي مما أبعد العمل النقدي نفسه عن القارئ عن القارئ لأنه صار أكثر تعقيداً، وبرأيي أبعده حتى عن الكاتب نفسه، يعني صار يشوف تركيباته أكثر ما يشوف.. أعتقد حالياً فيه نوع من إعادة النظر بهذا المسار كله، نوع من إعادة تركيب يعني أخذ مكتسبات هالتيارات ومنها التيار البنيوي والتيار الحديث والتفكيكي إلى آخره، وفي إعادة نظر بربط هذه الإجراءات النقدية العلمية إلى آخره بحركة المجتمع، يعني انتقل إلى رؤية ما هو اجتماعي داخل العمل الأدبي وتأثير هذا الاجتماعي على تركيب العمل الإبداعي.

أحمد الزين: وبين الحين والآخر وفي سياق الحديث مع دكروب يعود إلى خزانته القديمة يخرج عدداً من الثقافة الوطنية، ويروي عن طبيعة الكتابة آنذاك في الخمسينات وعن طبيعة النقد، ودائماً تلك العودة إلى الماضي لا تخلو من طرافة محمد دكروب وطرافة بعض المبدعين.

محمد دكروب: شوف مثلاً هيدي صفحات بعدد خاص بالقصة القصيرة في العالم العربي، فلقينا لازم يكون في صور كاريكاتورية تتناسب مع العدد، فشاركوا عدد من الرسامين المصريين المشهورين بهديك الفترة، مثلاً جمال كامل كان بروز اليوسف مشهور كثير، فشوف هالصورة هاي في انتظار الإلهام قديش فيها سخرية من عدد كبير من الكتّاب وحاطط وراه تمثال واحدة عارية، هون مثلاً الشاعر الكبير والرسام المهم صلاح شاهين حاطط هالصورة نوع من القصاصين في معترك الحياة، شوف معترك الحياة عم يدق راسه، وكان يومتها فيه موضة الأدب اليساري ومعتر ك الحياة والمجتمع وكذا.. هي صورة لهبة عماين أنا بحبها كثيرة وادرك شهرزاد الصباح، حلوة كثير يعني.

أحمد الزين: هذه لوحة ساخرة لصلاح شاهين، وهذه قصية قصيرة للمسرحي أو للكاتب المسرحي والقاص يوسف إدريس وهذه صور للأصدقاء، هذا حسن حمدان مهدي عامل المفكر الذي غيبته يد الإجرام الأصولي، وهذا المفكر الشيخ حسين مروة الذي هو أيضاً غيبته يد الظلام، وهذا عاصي وفيروز وهذا نزار مروة الصديق القديم وهذا وهذا.. ويستعرض محمد دكروب شريط الحياة والأصدقاء ما بين التهكم مرة والحسرة مرة أخرى، ثم يمضي إلى كتابه إلى صفحاته ملاذه الأخيرة.

أحمد الزين: حين يروي محمد دكروب عن حياته لكأنه يروي عن الآخرين يروي عن الأصدقاء، أو لكأنه يروي عن نفسه من خلالهم، صوره وحياته وتجربته كلها متداخلة مع من رافقوه ورافقهم على مسار السنوات التي قطعها، لكأن حياته رواية أبطالها من كتب عنهم، منذ كان فوالاً في دكان أبيه أو بائعاً للياسمين في حارات صور وحتى هذه اللحظة يكتب عن الآخرين فتتخفى سيرته في سيرهم.

أحمد الزين: من خلال كتاباتك هيك يعني نكتشف إنه تنثر بعض سيرة محمد دكروب هنا وهناك، بس تتناول شخصية مثلاً مثل محمد عيتاني تحكي عن محمد عيتاني تحكي شوي عن حالك كيف شفته بصور في المرة الأولى، وتحكي عن العلالي وآخرين كيف التقيت فيهم، طيب متى ستجمع أو ستكتب سيرة محمد دكروب خارج إطار سيرة هؤلاء؟

محمد دكروب: أنا هون وقعت بإشكالية يعني عن أكثر اللي كتبت عنهم كنت عم اكتب نوع من السيرة الموازية أو السيرة الخلفية لسيرة فلان أو فلان أو فلان، يعني خلف صورة محمد عيتاني فيه سيرة محمد دكروب، خلف صورة العلالي ومعاركه وكذا فيه سيرة محمد دكروب موازية، الجواهري الكتاب الحالي عن طه حسين فيه مسيرة يعني تكون الثقافة مع خط هالرجل هيدا، يعني فيه سيرة حاسس كأنه هالكتابات يمكن حدّت من ضرورة الهوس بكتابة السيرة الذاتية، لأني حسيت أنه لما بدي أكتب هالسيرة الذاتية بدها تكون حتماً متقاطعة مع فلان وفلان وفلان في..

أحمد الزين: في جوانب إنسانية حميمة عائلية مثلاً، علاقتك ببيك علاقتك.. اشتغلت كذا مهنة أنت فوال..

محمد دكروب: هاي بدي ناوي حاطط بذهني بدي أكتب هالفترة منذ من البدايات إلى وصولي لرئاسة تحرير الطريق وأوقف هون، يعني هالشيء اللي ما ذكرته كثير بكتابتي عن الآخرين، يعني أكتب هالسيرة يعني وعم تجول بذهني أني اكتبها روائياً يعني مزيج بين كتابة الوقائع روائياً.

أحمد الزين: رواية بطلها محمد دكروب..

محمد دكروب: رواية بطلها فلان الفلاني لما كان كذا وكذا وكذا..

أحمد الزين: الشب الجميل الأشبهي..

محمد دكروب: الله يخليك إن شاء الله بدي رأي غيرك بدي رأيك.

أحمد الزين: طيب، أستاذ محمد أنت الآن تعيش تقريباً شبه وحيد في هذا البيت، هل تشعر بالوحشة احياناً؟

محمد دكروب: تصدقني لأ.

أحمد الزين: أبداً.

محمد دكروب: أبداً.

أحمد الزين: يعني بعد ما غابت رفيقة عمرك اللي هي زوجتك صورتها وهي صغيرة خلفي أظن.

أحمد الزين: هيدي شيء آخر، هيدي وحشة مريعة مجرد غيابها شي قطع بحياتي، قطع مسار إنساني عاطفي يعني بعد غيابها صرت شخص آخر، يعني كنا عشنا سوا شيء ثلاثين سنة بانسجام هائل يعني..

أحمد الزين: فأحدث غيابها هذا الفراغ..

محمد دكروب: كتير.. أنا عم أحكي هون مش عم بحس وحشة من الناحية الأخرى ناحية علاقاتي مع الناس من علاقتي مع ولادي.

أحمد الزين: ما بتخاف..

محمد دكروب: من شو بدي خاف؟

أحمد الزين: مثلاً الواحد لما يقعد لحاله بيخاف من الموت مثلاً؟

محمد دكروب: ويموت، لأنه إذا مات..

أحمد الزين: أنت عم تحكي عن واحد ثاني ولا عن محمد دكروب؟

محمد دكروب: يعني إذا مات هالشخص بيكون مات، يعني ما عاد عنده الشعور بأنه هو مات أو هو لازم يعيش، لكن أنا اللي يؤرقني عن جد..

أحمد الزين: يعني هيدا المنطق اللي عم تحكي فيه المنطق العلمي..

محمد دكروب: لا مش العلمي أنا عم بحكي شعوري مزاجي ما له علاقة بالعلم أبداً.

أحمد الزين: بس بكتاباتك ما منشوفه منشوف فيه رقة بالكتابة..

محمد دكروب: مشان هيك ما عندي هاجس الموت وإلا ما بتجي هالرقة، بصير بكتابتي الخوف مبين دائماً بكل كلمة، في حين بكتابتي فيه نوع من الفرح بالدنيا، أنا بحب الدنيا إلى درجة إنه إذا متت بكون يعني متت، بس اللي يؤرقني ويرعبني عن جد أني مرض أعجز فيه وأحتاج لمساعدات الآخرين هاي ترعبني، وإذا مرضت هالمرض هيك بدي أنتحر ثاني يوم.

أحمد الزين: لا بعيد الشر بدك تخلص هول الكتب طول بالك..

محمد دكروب: لا ما عاد فيّ أعمل شيء، بمجرد ما بطل أعمل شيء أكتب شيء أعتبر حالي عن جد متت.. عن جد متت..

أحمد الزين: طيب على المستوى المادي خلينا نحكي هيكي مالياً، كيف تعيش أنت؟ كان فيه عندك شوية مصدر من مجلة الطريق بحكم إنك أنت مسؤول عنها مجلة مهمة وبعض الكتابات في الصحف، هل يكفي هذا لعيش يعني بالحد الأدنى؟

محمد دكروب: أنا زلمة بعيش عن جد بالحد الأدنى وما عندي أي..

أحمد الزين: دخل..

محمد دكروب: عندي دخول هيك بسيطة هون وهون وهون شغلة هون شغلة هون وشغلة..

أحمد الزين: كتابات بالجريدة.

محمد دكروب: كتابات من قلمي، وما عندي أي طموح بالمطلق لعيش أحسن.

أحمد الزين: على كل حال لاحظت في هذا البيت أنا أتيت يمكن من شيء عشرين سنة المرة الأولى وأكثر شوي كل شيء يتناقص فيه إلا الكتب تتزايد.

محمد دكروب: رح قلك إلا الكتب، فما عندي يعني أي يعني مكتفي بمعنى أني يعني مؤمن هلأ حياتي لمدة سنة مثلاً بعدها..

أحمد الزين: بتخاف من العوز؟

محمد دكروب: أكيد بخاف من العوز، أكيد أكيد بس طالما أنا أكتب والصحف تنشر وباخذ شيء بسيط بطلع كتب إلى آخره.. يعني عايش بهيدا، ما فيه عندي أي مدخول آخر بالمطلق أبداً أبداً أبداً أبداً.

طفولة فقيرة ومهن مختلفة

أحمد الزين: طيب تحن لطفولتك؟ تحن لمحمد دكروب الصغير بصورة محمد دكروب الفوال مش الكاتب؟

محمد دكروب: شوف مش أحن لكن أتذكر هالشيء بحنان، يعني ما بحن لأنه..

أحمد الزين: ما بتحنّ ترجع فوال.،

محمد دكروب: أتذكره بحنان، وبتذكر ما بعرف أنا رغم أني كنت فقير كثير أتذكر ما كنت تعيس ما كنت تعيس كنت يعني راضي بما أعيشه، فقط فيه شغلة مؤلمة أتذكرها دائماً اشتغلت ذات مرة في البناء..

أحمد الزين: بناء البيوت عامل يعني..

محمد دكروب: إيه كنت أحمل بقفة حجارة وطلعها على سلم على السطح حتى المعلم يشتغل فيها، فهي آلمت كتافي، فبتذكر في بعض اللحظات صرت أبكي من الألم مش من وضعي من الألم من الوجع يعني من وجع كتافي يعني، وغير هيك ما بعرف كنت آخذ الحكاية بنوع من المرح، مثلاً كنت أبيع ياسمين كان عندنا ياسمينة أمي تقطفهن تحط هالياسمين بورق هيكي يقولوا جريدة ورق النخيل وهو الياسمين مطبق، بعد شوي هالياسمين يعني من عشية للصبح يفتح تصير هيك مفتحة هيدا الياسمين كنت بيعه بالمقاهي بمقاهي صور وخاصة بالميناء.

أحمد الزين: وشو تعمل بالفلوس؟ تاخذهن لأمك ما تشتري فيهن كتاب أو شيء مثلاً؟

محمد دكروب: يومتها ما كان فيه عندي هوس كنت أشتري بعض شغلات، لو تعرف من مين كنت أشتري؟ تعرف ياسر نعمة كان عنده مكتبة ولا تزال المكتبة، كنت أشتري من عنده هونيك بعض الكتب بعض الصحف بعض الشغلات يعني بقروش بسيطة.

أحمد الزين: يعني كنت بياع ياسمين ذات يوم.

محمد دكروب: فذات يوم كنت نادي على الياسمين، ياسمين ياسمين كنت ماشي على شوارع ما معي ياسمين شوي اكتشفت إنه عم نادي ياسمين ياسمين اكتشفت حالي ما فيه ياسمين اطلعت عم يطلعوا علي وصرت اركض هربت.

أحمد الزين: بس هيدي مش كاتبهن عم تقلي سيرتي هون وهون لأ هيدا.

محمد دكروب: بعت فلافل كانت تقليهن أمي، وأنا أعمل هيدي تبعت الفلافل لما كنت سنغري.

أحمد الزين: كما اشتغلت سنغري.

محمد دكروب: فهالفلافل مش بيعه بدكان بصينية صدر.

أحمد الزين: تحطه على راسك وتمشي..

محمد دكروب: حطه على راسي وأمشي بيع، وبالليل كنت أبيع فلافل وترمس بالخمارات..

أحمد الزين: حلو كثير هيدي بهنيك عليها، علاقتك ببيك كانت جيدة بمقدار علاقتك بالوالدة، كنت تحب بيك أنت وتتأثر بشخصيته؟

محمد دكروب: بيّ كان عن جد صديق، بيي عجيب يعني أميّ لكن متسع الفكر مثقف..

أحمد الزين: أنت بس تركت المدرسة بإرادة والدك يعني هو.. ما زعل لأنه تركك المدرسة؟

محمد دكروب: بإرادته بس كان هو حابب أبقى بالمدرسة، كان كثير يؤازرني بالمدرسة، لكن لما كان فوال وفقير ونظره ضعيف كل ما يجيب واحد يشغله عنده كان يحط الغلة بكباية هيكي، يجي هيدا يحط طحينة ما هو فوال وبياع حمص يحط لحسة طحينة بكعب الكباية، فيجي بيي ما يقشع منيح يعمل الكباية هيك يلزق كم ربع ليرة نصف ليرة بالكباية ياخذهن هذاك..

أحمد الزين: أسلوب متطور..

محمد دكروب: يتناسب مع ا لعصر، فاكتشف بيه أول ثاني واحد ثالث واحد نفس الشيء يبدو يعلموا بعضهن البعض قالي دخيلك بدي ياك، ألح..

أحمد الزين: ولحق وعرفك أنه في وجهك الآخر محمد دكروب المفكر الكاتب.

محمد دكروب: كان دائماً يتابعني على درجة كان يعرفني على عشيقاته.

أحمد الزين: طيب، أستاذ محمد نحنا كثير سررنا بهذا الحوار، ونطلب لك المزيد من الأيام والمزيد من الكتب..

محمد دكروب: الله يخليك.

أحمد الزين: شكراً.

محمد دكروب: أربع كتب هالسنة رح طلع.

أحمد الزين: إن شاء الله