ميسون صقر القاسمي

ميسون صقر القاسمي: قصري هذا المكان كبير لكن نفسي أكبر منه.. إنه ضخم لكن الذاكرة فيه أعمق.. إنه قديمٌ لكن جدرانه تتجدد مع الضحك والسعادة.. إنه يحمل الذكريات لكنه رأف بها كما كان رؤوفاً بأجساد خرجت منه ملفوفة بالأبيات.. هذه الغرفة غسلت فيها أمي.. وجلست فيها ناريمان تهيئة لأن تكون ملكة.. هذه الغرفة ضمت مرض أبي وزار الملك فاروق زوجته فيها.. الملك الذي ترك وطنه مبعداً.. وأبي أبي الحاكم الذي ترك وطنه مبعداً أيضاً.. وهذه استوعبت حزني بعد موت أخي إنه مكان مناسب لأردم فيه كل متعلقات الأسرة وأخرج وحيدة إلى نفسي.

أحمد الزين: بالبداية هيك يعني اللي يفلت في هذا المطرح اللي ساكنة فيه ميسون، هذا البيت الجميل شو حكايته هذا البيت أو هذا القصر الصغير؟

ميسون صقر القاسمي: إحنا كنا ساكنين في بيت قريب منه من وأنا طفلة وكان مظلم جداً هذا البيت، لأنه كان فيه سفارة قبرص وفترة مقتل الكاتب يوسف السباعي، فأغلقت الأبواب وظل مظلماً فسميناه بيت الأشباح أنا وأصدقائي، فحين اشترته الوالدة..

أحمد الزين: هذا أي سنة تقريباً؟

ميسون صقر القاسمي: هذا في الثمانينات، فظليت أنا خائفة منه كيف ندخل بيت الأشباح اللي طوال الفترة كنا يعني نمر بجانبه ركضاً، يعني لكن حين دخلت البيت وأحببته صارت فيه علاقة كبيرة بيني وبينه، اللي بناه أحد الإيطاليين الذين كانوا يسكنون في القاهرة، كان صديق للملك فاروق وأعطاه الأرض فبنى هذا القصر ثم أهداه للملك فاروق في فترة زواجه من ناريمان، فعاشت ناريمان في هذا البيت قبل أن تزف إلى الملك فاروق..

أحمد الزين: يا نيالها ناريمان بهالبيت..

ميسون صقر القاسمي: ويا نيالي أنا..

أحمد الزين: بتقديرك البيوت يقال يعني إن المنازل والبيوت تشبه أصحابها، يعني بيشبهك هذا البيت من جوه من داخلك يعني نفسيتك؟

ميسون صقر القاسمي: مش كتير، لا أنا أتصور أن الغرف هي التي تشبه الأشخاص، الغرف الخاصة فيك لأنك تكونها أو البيت الذي تكونه حسب رؤيتك له، لكن البيت الذي تدخل عليه جاهزاً..

أحمد الزين: اللي بتورثه يعني..

ميسون صقر القاسمي: إي يكون فيه أجزاء منه تشبهك وفيه أجزاء لها ذاكرة معك، هذا البيت يشبه أهلي يشبه أمي ويشبه أبوي أكثر ما يشبهني.

أحمد الزين: غرفة حذو غرفة، باب موصد على باب مفتوح، شبابيك من الحديد والذكريات وخشب تأكله الحيرة، مطبخ مضاد للذاكرة، وسلّم من الحب مبني إلى الروح.. للبيت رائحة البكاء وطعم الزنجبيل.. هو مأواي وملجئي من ثلج العمر وتراكم الذاكرة كالزيت على جدرانه المشققة.. البيت مفرد وشخص ثالث في العلاقة.. والبيت مقبرة مهدمة وقبرة تصيح في الصباح وحين أنهض يكون للبيت اختبار اليقين بالظن.. واجتياح الحلم بالرؤيا..

هو بيت بالسلالة، أعادت ميسون القاسمي بناءه في القصيدة أعادت فتح أبوابه على صورٍ وذكريات، ذكريات من بنوا ومن عبروا ومن أقاموا ومن رحلوا، والبيوت أسرار وحكايات قد يطويها النسيان أو قد تجد من يفتح أبوابها العتيقة ويرويها رواية أو لوحة أو قصيدة.

ميسون صقر القاسمي وريثة بيتين بيت في الذاكرة حصن الشارقة في الإمارات، وبيت في القصيدة قصر ناريمان زوجة الملك فاروق الذي صار بيتاً للعائلة، وتملك خيطاً من الحنين بين مطرحين ترتق به فجوات النسيان.

ميسون صقر القاسمي: حنين إلى الذاكرة أكثر منه الحنين إلى المكان نفسه، أنا لا أتذكره من الداخل كثيراً إلا البوابة مثلاً إلا السجن الذي يبدأ به البيت، يعني الحصن كان أول ما تدخله كان فيه في بدايته سجن ثم تدخل إلى البيت الحكم داخل، فكنت أنا حتى أقول في روايتي ريحانة أن الحصن تدخله فتجد السلطة والسجن وتخرج منه فتجد الشعب..

أحمد الزين: ما بتروق لك كتير فكرة الحكم والسلطة يبدو؟

ميسون صقر القاسمي: أنا ما عشتها يعني..

أحمد الزين: بس والدك كان الحاكم يعني..

ميسون صقر القاسمي: كان حاكم في صغري يعني ما أوعى كثيراً وكان هذا قبل النفط أيضاً، يعني قبل.. كانت الإمارات يعني شيء بسيط لكن الآن مختلف طبعاً.

أحمد الزين: إذن متل ما ذكرتي أن مبكراً أتيتي إلى القاهرة، طبعاً هذا لم يكن خيارك أنت كنت طفلة آنذاك في الستينات كان هو خيار الوالد؟

ميسون صقر القاسمي: لا هو الوالد خرج لاجئ سياسي من الإمارات، وأتى إلى القاهرة كلاجئ يعني خيار الإنجليز في فترتها، الوضع يعني أظن ما كان مستحمل حالة مثل حالة والدي شاعر وحاكم في نفس الوقت.

أحمد الزين: طيب ميسون تقولين في مكان ما من أعمالك كأنني خسارتي أنا ابنة الزمن الذي لا يخصني كلما فتحت أبواب الكلمة، يعني هذا الكلام شوي أظن له علاقة بفكرة الانتماء يعني أنت إلى أي مطرح إلى أي زمن يعني تنتمي؟

ميسون صقر القاسمي: هو الشخص حين يكون ضمن أسرة فيها الكثير من النكبات السياسية والاجتماعية يصبح خسارة لنفسه، ومكسب لهذه النكبات، لذلك يعني في الكتابة الكتابة أكثر شيء قريب لنفسك أقرب شيء لوضوحك، فحين تكتب تصبح أنت نفسك أكثر مما تضحك وتكون في العالم وتعيش، في الكتابة أصبحت خسارة لنفسي الشخصية، لكن لأنك تفتح هول هذا العالم الذي عشته منذ السابق إلى الآن وظهر في الكتابة لذلك قل وكأنني خسارة..

أحمد الزين: حلو كتير كأنني خسارتي.. أنا ابنة الزمن الذي لا يخصني كلما فتحت أبواب الكلمة، وابنة هذا الليل الذي يكتم أسرارك التي تخصني إن بحت تبعثرت هذه الأشواق..

ميسون صقر القاسمي: هذه الأشواق صحيح، دائماً البوح يكون أقل بكثير من الحالة، الحالة الإنسانية والعاطفية والشخصية أنت تحملها أكبر بكثير مما تبوح به..

من عدن إلى أصيلة مروراً بالقيروان تنشق يداي عن فضة الأسلاف وقهوة البهو في الفنادق.. من عالم ممزوج بخليط الأساطير الطازجة إلى الأنباط بتاريخهم في مدينة رم.. ومن الماسي في نهر النيل إلى قلوب البحارين في الخليج.. إلى لؤلؤة داخل صندوق الشخص أبحث عنها.. هكذا تمر الحياة دون اكتراث.. وحين أسقط من بيروت إلى الجنوب عند بوابة فاطمة يسيل الدم من الجهات يصل إلى الحمراء.. الوردة تندفع فتمر انتكاسات كياني في حجر أرميه عند الحدود الفاصلة.. وأرمي عجزي وأعلم أن كل الطرق التي نسير فيها ستصل بنا حتماً إليها.. بوابة فاطمة كفاصل حقيقي في مواقفنا التي سنمر عليها مئات المرات مذبذبين، قبل أن نأخذ حجراً نرميه بقوة الماضي عبرها.

أحمد الزين: طيب ميسون في البدء أنت قادمة مثل ما ذكرنا من أسرة عريقة حاكمة كانت في الإمارات، وأتيتِ إلى التمرد قليلاً وإلى الشعر، على من تمردتي ولماذا تمردتي؟

ميسون صقر القاسمي: الوالد وجدي شعراء أيضاً، والوالد تمرد على الوضع وكتب في التمرد وهو حاكم، في التمرد على الحكم وعلى السياسة وعلى حتى الوضع الاجتماعي، يعني فأنا ابنته وسليلة هذا التمرد منذ جدي ووالدي وأنا، لكني حين كتبت أنا تمردت على كتابة والدي التي كانت تقليدية، وأنا يعني تربيت في مكتبته، كنت أحس أن شعره يشبهني لكن هناك شيء مختلف، أنا أبحث عن شيء آخر، فبدأت أكتب قصيدة النثر ولا يراها الوالد، ثم أصدرت الديوان بدون علمه، وفاجأته به، فهو حس أن هذا تمرد عليه وغضب مني غضباً شديداً واتهمني بالجرأة، فقلت له إذا كان هناك جرأة فهي فقد تعلمتها منك ومن كتابتك، فظل يعني يتركني أكتب ولكن لا يسألني عن الكتابة ولا يعترف بالكتابة، أيضاً اتهمني بأنني يعني ذهبت إلى المتمردات والكاتبات الجريئات في ذلك الزمن، ومنهم غادة السمان وجوليت خوري فقلت له إذا كنت قرأتهم فقد قرأتهن من مكتبتك..

أحمد الزين: واجهتك مشاكل أخرى آنذاك من البيئة من المجتمع؟

ميسون صقر القاسمي: لا بالعكس احتفي بي كثيراً، أول ديوان كان في جرأة صحيح كثيرة وكنت أسميه "هكذا أسمي الأشياء" وكان مجرد مجموعة قليلة جداً من الدواوين، عدد قليل يعني تقريباً 500 نسخة وزعت منهم 20 - 30 وظل عندي، بس خفت وظليت عشر سنوات ما أكتب خوفاً من والدي، ثم أصدرت البيت والريهقان وجريان في مادة الجسد دفعة واحدة، وقلت ليه حصلت..

أحمد الزين: اللي بده يصير يصير.. وشو كان ردة فعله آنذاك؟

ميسون صقر القاسمي: ما خبرته.. وهو علم من الخارج وما تدخل ولم يناقش يعني..

أحمد الزين: يعني عادة البنات لا يتمردوا على آبائهن يتمردوا على أمهاتهن أكثر الصبيان يتمردوا على الآباء..

ميسون صقر القاسمي: صحيح، أنا لم أتمرد عليه كأب أنا تمردت عليه كأب شاعر، وهذا مختلف قليلاًً، أنا أحبه كثيراً الوالد، وهي ارتبكت عنده في هذه اللحظة ما بين الأبوة والأبوة الشعرية.

أحمد الزين: أنت تشبهي بيّك أكثر أم الوالدة؟

ميسون صقر القاسمي: أشبه والدي أكثر.. الوالدة أكثر قوة ورصانة وعقلها سديد كثيراً، الوالد رحب وعاطفي جداً وشاعر.

أحمد الزين: بتقولي أعثر على جوهرة الحسرة لا قطار ولا يلهيني عشبٌ.. لا حقيبة ستحمل الماضي.. أنا مجردة حتى من الإثم.. طبعاً ونعثر هنا وهناك في القصائد والأشعار اللي بتكتبيها على بعض الألم طبعاً والحسرة اللي ذكرتي، ما هو مبعث هذه الحسرة؟

ميسون صقر القاسمي: يمكن حياتي، يمكن الوجود الإنساني بشكل عام، أنت تجلس في هذا العالم مجرد كعابر تخرج من باب وتخرج من باب، يمكن لأن الحياة تتسرب من بين أيدينا دون أن نستمتع بها بشكل جيد، يمكن تاريخي تاريخ الوالد الذي حملته على أكتافي طوال هذه السنوات أيضاً يجعلك متألم جداً.

أحمد الزين: يعني من يشعر بهذا الألم غير القراء والأصدقاء اللي يحبوكي؟

ميسون صقر القاسمي: لا هو ألم في الكتابة أكثر منه في الواقع، يعني حين تكتب يعني تنفتح كوة الألم أمامك دون أن تدري لأنك صادق فيها، لكن..

أحمد الزين: بتهمسي يعني بتهمسي بهذا الألم خارج إطار الورقة البيضاء والقصيدة لأحد ما لصديقة؟

ميسون صقر القاسمي: لأ الحياة صغيرة لا بد أن تعيشها بشكل جميل، ولا بد أن يكون صدرك متسع لأن آلام الآخرين أشد وأكثر.

أحمد الزين: وأيضاً نعثر يعني في جزء أو حالة من الوحشة هيك على الأقل أنا حسيتها أنا وعم بقرأ بعض القصائد، هيدي أيضاً الوحشة يعني وحشة وجودية أم نتيجة أيضاً هذا العبء التاريخي اللي حاملتيه؟

ميسون صقر القاسمي: الاثنين، والوحدة الواحد مهما يعني عاش في الحياة هو وحيد، هي الوحدة شيء هو شيء أساسي لأن تكون مبدع ولكنه مؤلم أيضاً كإنسان..

أحمد الزين: نعم، وهذا الخذلان هيك الخذلان والانكسار مين اللي كسر ميسون؟

ميسون صقر القاسمي: الكتابة والله..

أحمد الزين: الكتابة أنتي بتعبري عن الانكسار بالكتابة؟

ميسون صقر القاسمي: بالكتابة ويعني ما أدري ساعات أحس أن الكتابة أقل يعني أنا أقل من الكتابة ما قادرة أعبر عن أشياء كثيرة داخلها، مش قادرة أوصل لحالة الإشباع داخل النص.

عماك الذي أعادني إلى بيتي.. أنا البنت التي كنتها وأيقنت أنها حبيبتك.. أنا التي رميتها في حضن الحقل ورشفت شفتيها ثم وزعتها لماها على الذرة حولنا.. أنا هي تلك الطفلة التي أمسكت يديها أوصلتها إلى بيتها.. طرقت الباب طرقتين وحين فتحت أمي سلمتني إياها.. وقلت وجدتها في الضوء.. فأطفأت أمي الضوء عنك أخذتني إلى السطح.. هل كان عماك هو الذي سلمني إلى أيدي الآخرين ولتكن يد أمي.. أم أن الذرة التي كبرت وخزت عين اليقين منك فأسلمتني يدك.. وتركت قلبك حائراً فيما يمكن فعله لطفلة شقية لا تعرف كيف تقبض بأسنانها على يديك.

أحمد الزين: طيب في مستوى آخر من القصائد، هناك للجسد حضور وحضور كثيف بشغلك، عندك يمكن قصائد عديدة تحت عنوان الجسد وليف وحدتي، بتقولي أيضاً وأمامي الليل والجسد وفي الصباح العزلة.. بتقولي في مكان ما إنه ظفر العالم ينهش لحمي والخوف شبح هائم في الطرقات.. يعني هذا يعبر عن خوف ميسون من هذا العالم؟ أم من خوف المرأة يعني هذا صوتك الخاص أم أنت عم تحاولي تعبري عبر هذه القصيدة عن المرأة اللي بتعيشيها هنا وهناك يعني؟

ميسون صقر القاسمي: هو أنا أمثل حالة الخوف من العالم الرعب، أنا شخص مرعوب أخاف، دائماً أحس بوحدة ودائماً أحس بخوف من أي شيء، يعني حتى الجديد والخارج صحيح، ودائماً لأني يمكن لأني فقدت الكثير من أهلي، يعني إحنا أسرة صغيرة جداً التي عشتها في مصر أنا وأمي ووالدي وأخوي وأختي، أخوي ووالدي توفوا فظليت أنا وأختي فقط، فدائماً هناك خوف إنه دائماً أنت تحافظ على هذه الهشاشة التي عليها قشرة خفيفة جداً، من يلمسها قد تنكسر تتفتت أيضاً يعني..

أحمد الزين: طيب بتقديرك الشعر قادر وحده يعني على صد الخوف؟

ميسون صقر القاسمي: أنا أصد خوفي بالكتابة أصد حزني بالكتابة، أعيش بالكتابة أيضاً، يعني ما عندي شيء آخر أفعله في هذا العالم غير أني فقدت كل شيء وامتلكت الكتابة، فهي التي أعيش بها وهي تعبيري أيضاً في العالم.

أحمد الزين: أنتي تقرئي شعر أكثر أم أشياء أخرى ربما رواية أم تاريخ ربما فكر؟

ميسون صقر القاسمي: أنا أحب الفلسفة والأديان أكثر شيء..

أحمد الزين: والأديان؟

ميسون صقر القاسمي: والأديان إي يعني أحب كثير، لكن عندي كل فترة بعض الأشياء الأساسية في المعرفة، يعني مرة في الفلسفة مرة في الفكر مرة في السياسة، الشعر كنت في البداية أقرأ كثيراً الآن مجرد أتابع وأقرأ الجيد..

أحمد الزين: بتقديرك بعد للشعر حضور هيك بنفس الزخم اللي كان في السبعينات والثمانينات؟

ميسون صقر القاسمي: مختلف طبعاً مختلف، لكن الحياة نفسها اختلفت، يعني فكرة الشعر هي ضمن حياة عامة كاملة كانت فيها الواحدية أو الظهور الواحد الزعيم الأوحد والشاعر الأوحد والروائي الأوحد، الآن اختلفت هناك فيه تعددية، فيه أصبحت بؤر صغيرة في أصوات عديدة، في فترة السبعينات مثلاً كان هناك الجماعات، أصبحت الآن ما في فكرة الجماعة، بعدين أصبحت التجارب التجربة اللبنانية التجربة المصرية في الكتابة، أصبحت الآن مش موجودة أيضاً هذه، أصبحت يعني ضمن فكرة العالم قرية صغيرة، فأصبحت فيه هناك تفتت.. أصوات لكن ما في تجارب عامة كبيرة.

أحمد الزين: طيب ميسون في ديوان تشكيل الأذى طبعاً هناك ومضات مكثفة عن حالة أو رغبة أو صورة أو.. بتقديرك هل كنتي جريئة بالمقدار الكافي وحرة في البوح أو في قول ما ترغبي أنت تقولينه؟

ميسون صقر القاسمي: ما فيه حد عنده الجرأة الكاملة، أنا شخص جبان، ومع ذلك أظن أن تشكيل الأذى كان من أكثر الدواوين جرأة بالنسبة لي أنا يعني..

أحمد الزين: وأنتي ظاهرياً بتبيني خجولة كتير بس اللي بيقرأ الكتاب في طرق صحيح..

ميسون صقر القاسمي: في جرأة.. يعني حاولت إنه مثلاً هناك في أكثر من ديوان كل واحد منهم في جرأة في منطقة ما، لكن في هذا الديوان تشكيل الأذى في فكرة الجسد في فكرة الأذى نفسه، كيف تتعامل معه هي أيضاً جرأة، كيف تكتب عن الأذى، يعني لكن يعني كل شيء فيه حدود في العالم..

أحمد الزين: يعني تتحاشي التوغل أكثر في حالات الأنثى في شجونها في رغباتها في شطحاتها؟

ميسون صقر القاسمي: إيه طبعاً أنا ما أفتح الباب إلى آخره، ما أحب أيضاً أنا مجرد الكتابة..

أحمد الزين: يعني لديك معيار معين للبوح..

ميسون صقر القاسمي: عندي معيار أخلاقي وكتابي أيضاً، إذا لم يكن لصالح الكتابة ما أفعله، وطبيعتي شوي يعني أنا في كثير من القصائد لا أجرأ على قراءتها لا أجرؤ..

أحمد الزين: هناك الكثير من القصائد يعني منشورة ما بتجرأي على قراءتها، هل هناك قصائد مكتوبة لا تجرئين على نشرها؟

ميسون صقر القاسمي: لا أنا بعد كل ديوان أحرق كل ما لدي وما عندي شيء لا بالعكس..

أحمد الزين: يعني فيه أشياء كتبتيها عالية الجرأة وأحرقتيها؟

ميسون صقر القاسمي: لأ أبداً.

أحمد الزين: وعادة، بس تكتبي بتكتبي وبتخزقي كتير تمزقي الأوراق..

ميسون صقر القاسمي: كتير أنا أعيد كتابة القصيدة مثلاً 70-80 مرة حتى يطلع ديواني يكون عندي كم مثلاً هالقد من الأوراق ثم أتلفه، وما نشر وما لم ينشر لا يظل بقايا بعد ذلك..

أحمد الزين: ليه بتخافي من شو؟

ميسون صقر القاسمي: لا ما أخاف، لكن أحس إنه أصبح فكرة الكمبيوتر الحين تخزن كل شيء، أصبح أنك أنت اخترت زبدة الأشياء فليش تجعل باقي الأشياء، يعني مالها لازمة هذه كلها مسودات لقصيدة واحدة.

أحمد الزين: أيها الجسد الأشعث المغبر برائحة الموانئ.. المغترب في اليتم حيناً وحيناً تقبع في الشوق.. من سيقدر لك هذا العناء.. من سيفك رموزك.. أنت حبيس صوتك.. في ماضيك أحلامٌ تؤرقك تستدعيك الأنوثة وتستثيرك المنحنيات.. ها هو وهج قليل يؤججك.. ها أنت في الرتاج تقيم شهوات صلوات لأجل ملمس.. في استطاعتك أن تمتطي على كل جنب.. وأن تتكور مثل قنفذ.. كما يمكنك أن تحول العالم إلى نقاط ارتكاز لك بالظهر المحني أو المفرود على سطح سحابة ذو الصدر المليء بالشوق.

أحمد الزين: جالت بنا ميسون صقر القاسمي في الحلقة السابقة بين زمنين وبيتين وقصيدة، وعرفنا بعض ملامح من تجربتها وحياتها، شيئاً عن طفولتها في حصن الحاكم في الإمارات، وشيئاً آخر عن وطن ثاني وبيت ثاني في القاهرة وعن إرث حملته لم يكن خفيفاً وباعثاً على الراحة والطمأنينة، بل كان مؤلماً بمقدار معين وربما محفزاً على التأمل والبحث عن سبل للتخفيف من وطأته، جاءت ميسون إلى كتابة القصيدة من شغف ورغبة في الاختلاف أو في التمرد، فكتبت في بداياتها "هكذا أسمي الأشياء" ولعلها في جيلها ووسط بيئتها كانت الصوت الجريء الذي اختزن أسئلة كثيرة، محتجاً بهذا المقدار أو ذاك على عالمه وبيئته، فكانت الكتابة نافذة نحو ذلك الفضاء من التحليق، لتقول مثلاً: إذ أمر بالضحى تاركة معطف الخجل.. بنيت حديقة وعبرت.. سحبت الماء معي وفزت بالفيضان.. وتقول في مطرح آخر: كل ذلك يجعلني أشك في هذه الأحلام التي تدل على فلسفة مشبعة بهذيان يصعد بي عالياً لدرجة مرعبة..

وكانت لميسون أعمال كثيرة شعراً ورواية، نذكر منها: "البيت" "تشكيل الأذى" "أرملة قاطع طريق" و"جريان في مادة الجسد" "مكان آخر" و"الآخر في عتمته" وأيضاً كتبت في الرواية، ثم ذهبت إلى التشكيل وكان لها العديد من المعارض، وإلى التجربة في السينما لكأنها في كل ذلك تروي وتسرد سيرة أو سيراً وحكايات وتقطف لحظات عابرة في الحياة، طبعاً هناك عندك في قصائدك دائماً ميل للسرد..

ميسون صقر القاسمي: صحيح..

أحمد الزين: وعندك أيضاً عبرتي عن الرغبة بإنجاز عمل روائي هو ريحانة، يعني لأن القصيدة تضيق أحياناً في التعبير عن بعض الأشياء، يذهب الشاعر للكتابة السردية أو إلى كتابة الرواية أحياناً؟

ميسون صقر القاسمي: لا مش هذا بالعكس، أنا أحس لأن الشعر يعني بابه واسع كثيراً، لكن هناك فكرة السرد وفكرة القصيدة، السرد هي التي مغوية وتذهب من باب إلى باب إلى أن تصل إليك، كانت عندي فكرة السيرة الذاتية، ومن خلال السيرة الذاتية انا فتحت باب الرواية.

أحمد الزين: يلي هي ريحانة..

ميسون صقر القاسمي: اللي هي ريحانة، وكنت حابة أكتب عن فكرة العبيد وفكرة السلطة، وفكرة الانتقال من بلد إلى بلد، فكرة الحياة السابقة يعني فترة الزمن قبل ما يأخذوا صكوك الحرية في هذه المنطقة، فكنت أكتب عن هذه التجربة تجربة حياتية كانت كثير عميقة، وأنا شفت جزء منها فأحبيت أكتب، لكن الرواية عالم صعب مش سهل، لا بد أن تكون يعني لك علاقة بالتاريخ، لك علاقة ببناء الشخصية بالسرد، يعني بالعمارة عمارة العمل نفسه، فكان هذا يعني تجربة أنا أحاول أجرب فيها فقط، يعني لكن أني أكتبها مرة أخرى أكتب رواية أخرى ما أعرف يعني إذا كنت أستطيع ولا لا.

أحمد الزين: يعني هي كانت نوع من السيرة الذاتية اللي هي تطل على حياة سابقة للأناس آخرين عاشوا..

ميسون صقر القاسمي: أنا تكلمت عن فكرة الخروج من الإمارات ثم العودة، بحمل يعني طفلة صغيرة وعبدة، وكيف تتقلب الأحوال معهم في مجتمع مختلف تماماً ما في عبيد ما في هذه الأفكار، ثم الوصول إلى أن تكون الطفلة هي العبدة لميراثها وعاداتها وتقاليدها، وأن تكون العبدة تذهب وتعود وتختار العودة وتختار الزوج وتختار الحياة، ولكن يظل داخلها فيه هناك شرخ ما، لأنها حين تأخذ حريتها لا تعرف من تقلد إلا المسؤول عنها أو..

أحمد الزين: الناس التي كانت تشتغل عندهم..

ميسون صقر القاسمي: الناس التي كانت تشتغل عندهم..

أحمد الزين: كيف استقبلتي كشاعرة في مسقط رأسك وفي القاهرة مع تبلور التجربة؟

ميسون صقر القاسمي: كان جيد، أنا ما أركض وراء الديوان، أحس أن الديوان يريد له أحد يعمل وراءه وحفل التوقيع ثم التوزيع ثم النشر ثم الكتابة حوله ثم لمناقشة الأعمال، ساعات أحاول، بس أزهق بسرعة يعني نفسي مش طويل في هذه الأشياء فيذهب بشكل أو بآخر، لكن إلى حد ما يعني كان الحمد لله، أنا أعتمد على فكرة التراكم تراكم الخبرات تراكم الكتابة تراكم العمل هو الذي يدلل على قيمة العمل.

أحمد الزين: بس ما بتعتقدي أنه إضافة لهذا الشيء التراكم بآخره بده يبرهن أن هناك شخص ما عمل التجربة هذه كلها، بس بهذا العالم تحديداً بهذا الزمن ما بتحسي أنه مفروض تروجي لشغلك عبر الإعلام عبر يعني..

ميسون صقر القاسمي: إلى حد ما، يعني الترويج أنك تعلم الآخرين، لكن ما تركض وراءه وتصير خادم للكتاب، يعني أصبح.. يعني فكرة أيضاً مزعجة قليلاً، لكن أحاول أن أبعث لأصدقائي لأوزع الكتاب أعمله حفل توقيع وخلص.

كانت الحقول تشتغل.. كان أبي موسيقياً مغموراً على إيقاع أعواد الذرة وصباحات القرية.. من سامراء يبدأ العزف إلى نهر النيل وعلى ضفتيه الذهب.. كانت سيمته الفوضى وقدح الشاي الموضوع على الأرض الطينية كواقعة بين شريدين.. تصنعنا يد الصانع من طين الأنهار وفخار السنين.. يُحرق كي يزداد صلابة.. لم يبق شيء من طيننا إلا وأحرقناه.. انتظرناه في هذا العالم بدمه المراق في هزائمه.. انتظرناه إلهاً صغيراً يستعان به..

أحمد الزين: طيب ميسون أنت ايمتى تكتبي.. متى تكتبين؟

ميسون صقر القاسمي: في الليل..

أحمد الزين: في الليل، بتحبي الليل؟

ميسون صقر القاسمي: الوقت المناسب لي بدون أي ضوضاء وبدون أي حد يكون لي يعني ملكي..

أحمد الزين: وبتكوني عامله مخزون من القراءات قبل؟

ميسون صقر القاسمي: قبل بفترة طويلة، بس أول ما أبدأ أكتب لا أقرأ، يعني أقرأ سياسة، أقرأ فكر، لكن لا أقرأ شعر بالذات.

أحمد الزين: مين من الشعراء اللي بتتماثلي فيه إذا صح القول؟ بمين تأثرت؟

ميسون صقر القاسمي: الكثير.. كل فترة لك حد تتأثر به، ثم تقول لا ليس هذا شاعري إنما هذا، ثم تذهب إلى آخر.. لكن تأثرت أنا بشكل عام بتجارب، يعني مثلاً تجربة سليم بركات، تجربة أنسي الحاج، تجربة صلاح عبد الصبور في مصر صلاح شاهين، تجربة أدونيس طبعاً ومحمود درويش وسعد يوسف يعني هذول الثلاثة لا بد أنك تستوعبهم حتى تستطيع أن تجاريهم.

أحمد الزين: فيه أحد ما حاول يحارب ميسون، يحارب شغلها يحارب..

ميسون صقر القاسمي: لا ما في لأني أيضاً..

أحمد الزين: صوتك في هذا العالم العربي الشاسع، وفي القاهرة في مصر تحديداً آخذ حيزه الطبيعي؟ أم هناك..

ميسون صقر القاسمي: أنا ما أركض وراء شيء ما يخصني أو مالي حق فيه، دائماً حاطة نفسي في كتابتي أكتب وأنشر، أقصد أني غير متهافتة على أماكن الآخرين أو الوصول إلى مناطق أخرى مكتفية بما أكتبه، وبمنطقتي، وحتى لو قلّت لو أقل من منطقتي أجد أنها.. أنا مكتفية بالكتابة بالنص داخل الكتابة..

أحمد الزين: يعني تستمتعي بهذا الشغل الذي تنجزيه وما تبقى يعني إن حدث خيراً وإن لم يحدث..

ميسون صقر القاسمي: أنا أرى أن التاريخ ينصف، وأيضاً يصفي الكثير من التجارب طبعاً.

أحمد الزين: طيب، يعني إضافه لنشاطاتك العديدة، طبعاً شعر ورواية وعندك تجربة للأطفال، هذه التجربة رغم أنت لم تتزوجي يعني ما عشت تجربة الأمومة إذا صح القول، بأي هاجس جنحت لهذه التجربة تجربة الكتابة للأطفال؟

ميسون صقر القاسمي: ثلاث أشياء، أولاً أنا داخلي طفل مشاكس جداً جداً، وفيه طفولة ما أعرف أكتبها، يعني لأن الكتابة دائماً تطلع اللي فيك الجد، الصرامة، العامية والرسم والأطفال هم عالمي الذي أستطيع فيه أن ألعب هذا أولاً، ثانياً أنا كان تجربة أيضاً في فكرة مهرجانات الأطفال في المجمع الثقافي، أول من أنشا مهرجان الأطفال في أبو ظبي، ونجح، والحمد لله كانت علاقاتي بالأطفال جيدة وعلاقتي بأنشطة الأطفال جيدة، ثالث شيء بدأت مكان آخر في لحظة وفاة والدي وكأن هناك التاريخ كله يقع وتعود كطفل صغير فقد والده لحظة الوفاة، فكانت أني أنا ما بقادرة أرسم وما بقادرة أفعل شيء غير أني أنا أقطع الورق وأعمل كولاج ثم أكتب هذه القصائد القصيرة والذي ظهر منها مكان آخر..

أحمد الزين: نعم طيب زياراتك للإمارات أظن مش كثير غزيرة يعني قليلة مهيك، شو السبب؟

ميسون صقر القاسمي: لأ أنا اشتغلت فترة طويلة هناك وكانوا أهلي هنا، وبعدين بعد وفاة الوالدة أصبحت أنا مسؤولة هنا عن البيت وعن أختي وعن وضعي والاستقرار، يعني فأصبحت الزيارات قليلة بحكم عدم العمل، وبحكم المسؤولية أيضاً في مكان آخر.

أحمد الزين: على سيرة غياب الوالدة طبعاً غياب الوالد والوالدة وآخرين، يعني كيف تعاملتي مع هذه الغيابات؟ كيف ملأتي الفراغ؟

ميسون صقر القاسمي: لا ما فيه حد يملأ فراغ الآخر، هذا الواقع، أنا شخص أقتنع تماماً أن كل شيء حي فيه الموت الأكيد كما كنت أكتب، وأنت مقتنع بفكرة الموت أنه موجود يعني شيء واقع، فأنت لا بد أن تطوي هذه الصفحة، تتذكرها بحزن وبمحبة وكل شيء، ولكن لا بد أن تعيش حياتك.

ميسون صقر القاسمي: أبي كان صياداً ذهبت معه إلى الشاطئ وعدت.. ذهب في مركب صيد بشبكة مقطوعة.. حين عاد رفت أمي الشبكة وقطعت السمكة القليل الذي حمله ثم طهته.. في الصيف لم يجد سمكاً وافراً.. ذهب في حملة لصيد اللؤلؤ في مركب كبير.. لم تكن لديه خبرة لكن كان مديناً لصاحبه من رحلات السفر الكبير.. حين عادوا انتظرناه على الشاطئ لم يعد.. أعطونا شبكته المقطوعة فرفتها أمي مرة أخرى.. شبكته الخاوية ومبسم الأنف الذي لم يضعه حين غرس.. أكلته الأسماك وهو يبحث عن اللؤلؤ هكذا قالوا لنا.. كان صياداً ماهراً لولا شبكته المقطوعة.. كان صياد سمكاً لولا الدين الذي لف رقبته في العبودية.. أخذوه إلى الغوص وهي مهنة صعبة لم يتعلمها جيداً.. حين مات أعطونا الشبكة وأخذوا أخي إيفاءً بالدين..

أحمد الزين: فيه عندك بأحد الدواوين يمكن بـ "رجل مجنون لا يحبني" قصيدة حب طويلة في مطلع الديوان، يعني هذه القصيدة تخص هذ الرجل المجنون الذي..

ميسون صقر القاسمي: لا هو أنا اكتشفت بعد فترة أني بدأت أكتب القصائد القصيرة جداً، وخاصة في البيت في تفاصيل البيت أو تشكيل الأذى، وأن ما أكتبه طويل هو سرد أو نص سردي أكثر..

أحمد الزين: هذا يخص الواقع شوي أكثر..

ميسون صقر القاسمي: إيه، لذلك حبيت أن أعمل يعني قصيدة ما تكون طويلة شوي، فكانت في رجل المجنون لا يحبني، وثانياً في "أرملة قاطع الطريق" اللي إدراك القيمة، وكان فيها شوي نوع من المسرح أو الصوتي، لكن هنا احتمال لأن الفكرة ما كنت قادرة أمسكها، كيف رجل لا يحبكي ويكون مجنون، هل هو رجل عاقل يحبكي؟ هل هو مجنون لأنه لا يحبكي؟ فظلت أعيد وأزيد..

أحمد الزين: لشو توصلتي أنت؟ شو كانت النتيجة خارج إطار القصيدة؟

ميسون صقر القاسمي: لا خارج إطار القصيدة ما أعرف، لكن داخل القصيدة يعني أن أقول لماذا مجنون ليلى؟ لماذا يعني من يحب يكون مجنون..

أحمد الزين: هو الحب مش ضرب من ضروب الجنون الجميل إذا صح القول؟

ميسون صقر القاسمي: لماذا لا يكون ضرب من ضروب العقل والتعقل الجميل جداً في شكل هادئ وظريف.

أحمد الزين: فإذاً وصلتي إلى نتيجة، من يختار عناوين الكتب؟ يعني "رجل مجنون لا يحبني" مثلاً "أرملة قاطع الطريق" مثل ما قلتي هذا "تشكيل الأذى" أنت تختاري؟

ميسون صقر القاسمي: نعم، أنا بحب مغرمة بشكل تركيب أني.. يعني أنا يمكن لأني عملت أغلفة كثيرة لأصدقائي ولي، فدائماً أن يكون شكل الكتاب من بابه، الباب هو العنوان واللوحة والغلاف ثم تدخل إلى..

أحمد الزين: بتحبي الأبوب كتير؟

ميسون صقر القاسمي: جداً..

أحمد الزين: شو بتعني لك الأبواب؟

ميسون صقر القاسمي: الدخول والخروج من العالم من..

أحمد الزين: من الاختباء أحياناً أو التخفي..

ميسون صقر القاسمي: أجمل شي أنه الواحد صحيح يستطيع أن يغلق بابه في اللحظة التي يستطيع فيها ذلك، ويفتحه حين يريد، أنه ما تستطيع أن تفتح بابك للعالم دائماً وإلا ستكون شيء مشاع.

أحمد الزين: طيب احكي لنا عن الحب ماذا عن الشوق؟ لمن تشتاقي؟

ميسون صقر القاسمي: أشتاق.. ما سألت نفسي، أشتاق.. أنا ما أنظر للماضي كثيراً.. يعني دائماً اليوم السابق هو يوم.. لكن أشتاق.. أشتاق لأشياء كثيرة طبعاً، أشتاق لحياة جميلة، أشتاق لأن أحقق شيء حقيقي في الواقع، وحين أخرج من العالم أكون قد يعني رضيت عن نفسي وهذا شيء يرضني..

أحمد الزين: تتمني أن يتحقق هالشي؟

ميسون صقر القاسمي: أني أكون راضية فقط، الرضى شيء جميل جداً جداً، وبما أني متمردة يعني كلمة الرضا والتمرد..

أحمد الزين: ما بينسجموا مع بعض، أو ربما ينسجموا بس ما منعرف كيف..

ميسون صقر القاسمي: بعدني ما وصلت..

أحمد الزين: أنت يعني اجتماعية إلى حد ما، يعني بتطلعي كتير من البيت ولا بتحبي أكثر الانزواء..

ميسون صقر القاسمي: أحب البيت كثيراً..

أحمد الزين: من طفولتك أم هيدي إجت جديد معك هذا الشيء؟

ميسون صقر القاسمي: من طفولتي يعني إحنا لما جينا مصر يعني كانت الوالدة كأنها تحاول تحمينا كثيراً، لكن كل ما كبرت كان أكثر، يعني أنا ما حب السفر كثيراً ما أحب التحرر..

أحمد الزين: بتحبي الاستقرار..

ميسون صقر القاسمي: أحب الاستقرار، وأحس أنه شيء أساسي أنك تكتب وتنجز أنك تكون مستقر أو تكون موجود في مكان تكتب فيه يعني لك علاقة فيه، أنا أستغرب من الناس اللي تكتب في المقاهي ما أعرف.

أحمد الزين: كيف فيهن يعزلوا حالهم عن.. طبعاً أنا أيضاً اسأل هذا السؤال.

ميسون صقر القاسمي: أنا حتى في البيت لازم يكونوا نايمين أهلي كلهم، والغرفة مغلقة حتى أستطيع الكتابة.

أحمد الزين: بتحسي الكتابة أو.. نوع من السر عم بتقومي فيه؟

ميسون صقر القاسمي: لا هو نوع من السحر الذي لا بد أن تنصت له حتى يأتيك.

أحمد الزين: حلو شلتي الحاء مني، حكينا عن الشوق يعني شيء من الحنين، ما عندك حنين لأمكنة خاصة عم تحكي أنو أنت من الناس اللي يألفوا المكان هيك وبيصير جزء من حياتهم بقعدوا فيه..

ميسون صقر القاسمي: أحن لكن مثلاً أحنا كنا دائما ًفي لبنان نروح نعيش في بحمدون كان فيه بيت نستأجره كل سنة عند عائلة، هم في الدور السلفي وإحنا الطابق الأول، فكنت أحن له كثيراً، بعد الحرب ذهبت فما وجدت البيت ما عرفت كيف أوصل له، اختفى من ذاكرتي من طريقي إليه، فاكتشفت أني أنا ربما يعني ما أحب أذهب للحنين، يعني أحن له داخلياً لكن ما أجده على الواقع، أحن للوطن بس لما أذهب إلى الشارقة مثلاً أجدها مختلفة عن ما أحن لها تغيرت، فيصبح الحنين في الذاكرة أكثر منه موجود في الواقع..

أحمد الزين: الحنين إلى الصورة كما كانت وليس.. الأمكنة تتبدل.

ميسون صقر القاسمي: طبعاً..

أحمد الزين: وما بتشتاقي لحالك أنت وصغيرة طالما أنت بتلعبي بعدك طفلة..

ميسون صقر القاسمي: لا أنا كبيرة بس..

أحمد الزين: أنت كبيرة..

ميسون صقر القاسمي: كبيرة في السن..

أحمد الزين: عم بحكي عن الطفل المشاغب في داخلك..

ميسون صقر القاسمي: ما أحن له لأنه موجود..

أحمد الزين: حلو كتير..

ميسون صقر القاسمي: ما تغير، الحمد لله الواحد يحافظ على أنه يصبح صافي من الداخل ما يتلوث، كل فترة تعمل كلين آب يعني..

أحمد الزين: إعادة تنظيف للأشياء..

ميسون صقر القاسمي: إعادة تنظيف لداخلك حتى ما تتشوه بسرعة.

أحمد الزين: وهذا العالم ما بتحسيه صار أكثر قابلية لتشويه الناس؟

ميسون صقر القاسمي: لذلك تغلق الأبواب قليلاً، كلما كان الخارج شديد تغلق الباب حتى تهدأ العاصفة ثم تفتح قليلاً..

أحمد الزين: يعني ما افتكرتي تشتغلي سياسة ذات يوم؟

ميسون صقر القاسمي: أنا درست علوم سياسية، السياسة مهمة جداً أنك تفهم الحياة، ويخليك مهمة جداً أنك لا تشتغل فيها، لأنك كلما وصلت لمنصب ستسقط منه، لكل شيء نهاية الواحد أفضل أن تكون نهايته.. ما يقترب..

أحمد الزين: ما يقترب من هذا الجحيم..

ميسون صقر القاسمي: أنه يفهمه وخاصة أنه يعني صفة شاعر وسياسي صعبة، أنا اشتغلت طبعاً كمديرة إدارة ثقافية في وزارة الإعلام والثقافة، لكن وهو على فكرة منصب أيضاً فيه كثير من السياسة في العلاقات بين.. لكن أنا أجد أن الحياة كلها لو ما تكون هناك سياسة ما تعرف ترتب حياتك وتعيش فيها، لكن السياسية بشكل عام السياسة الواقعية شيء مؤلم في هذا الواقع العربي.

أحمد الزين: كونك عشت التجربة أنت، طيب هذا العالم اللي تعيشيه أنت رضيانه عنه شوي؟

ميسون صقر القاسمي: نعم، أنا مبسوطة.

أحمد الزين: أقصد العالم الخارجي العالم اللي في السياسة وفي الخراب وفي..

ميسون صقر القاسمي: من منا يستطيع أن يرضى عن هذا الواقع السياسي الحاد أو الواقع العربي اللي وصلت له بلادنا للأسف، لكن أبحث عن.. لا أبحث عن بديل ولكن أبحث عن حل من خلال المثقفين، كيف نحن كمثقفين نستيطع أن نفعل ولو نقطة صغيرة؟

دون ولع كبير أمام جسدي النحيل أقاوم رغبتي في الإطاحة بالعالم.. أغض نظري كلما تشاجر اثنان أقوى مني.. وأذهب إلى الملاهي لأرى أناس مختلفين عني.. يقبلون على الحياة كأنها قطعة حلوى.. حين أعود أختبئ تحت ملائتي.. أنام دون ولع كبير باصطياد أحلام لا تلائمني.. أبحث في يدي عن عشبة صغيرة تنبت بمحاذاة جدار مهدم.. أدخل بيتاً كأنني سكنته منذ ولدت.. وتحت الملائة سأمتلك حرية لن يراني معها أحد.. لذا نستطيع أن تنعانق دون خوف أيتها الحرية.