فاروق حسني

أحمد الزين: شو هالبيت هذا متحف مش بيت؟

فاروق حسني: يعني أنا عايز أعيش في متحف، مهو أمنية أي أحد أنه يعيش في متحف، بس المفروض المتحف يكون أيضاً يدّيك حالة حميمية عشان تعرف تنام فيه، وزيه كان في تصوري يعني إنه وأنا اشتريت الأرض كان في ذهني أبني بيتي ازاي، بيت أحلم به مش أكبر منه ولا أصغر منه، يعني هو ده مقاسه مزبوط تماماً يعني.

أحمد الزين: هذه اللوحة لي، وهذه يوم كنت صبياً في الإسكندرية، هذا والدي، وهذه أمي التي شجعتني على المضي في رحلتي، هذا الركن للأصدقاء، وهذه الزاوية جمعت فيها بعض عمري وأشيائي، فمنذ طفولتي كنت أجمع أشياءً أجد فيها سحراً ومتعة عرفت مغزاها لاحقاً حين وجدت أنها تشبهني أو تشبه أطباعي، وهذا وهذه وتلك.. أشياء تحف لوحات مقتنيات لكل منها حكاية.

هكذا تبدأ الجولة مع هذا الرجل أو لابد أن تبدأ على هذا النحو، فالمكان يستدعي زائره للتعرف على سره وسحره، البيت متحف وصاحبه ليس بهاوٍ وحسب بل بصانع وصائغ وعاشق لتلك الإبداعات الإنسانية، ولتلك الذاكرة المتجسدة تارةً في لوحة ومرة في منحوتة، وأخرى في سجادة أو في فضية أو في قطعة نادرة، لا داعي للتجوال خارج البيت لكي نتعرف على أهله أو على صاحبه، فالأشياء هنا هي تجليات للسلوك والمزاج وللرؤيا والشغف وللعلاقة بالحياة وبالمدينة وبالتاريخ، وعبرها نكتشف من هو فاروق حسني؟ ولكن خارج البيت وفي أنحاء المدينة والبلاد أيضاً صنع بيوتاً وألف بيوتاً من نوع آخر إبداعات أغنى وأهم لا يسكنها بل تسكنه هاجساً ورؤيا.

فاروق حسني فناناً ووزيراً للثقافة، يسكن متحفه الخاص أو بيته وتسكنه مصر بكل تاريخها وبكل إرثها وحاضرها ومستقبلها، 20 سنة وزيراً للثقافة خاض معارك عديدة لجعل الصورة على مقدار من البهاء والجمال ولتخليص لتراث من النسيان. وجعل المعرفة حصانة وطريقاً نحو المستقبل، وفي تجسير العلاقة بين المثقفين والسلطة السياسية لخلق روح الحوار والسجال.

فاروق حسني: أنا في اعتقادي العذاب اللي كان في هذه الفترة من أهم المتع اللي أنا عشتها، لأني تعلمت فيها حاجات كثير، أدركت في ذاتي، يعني ذاتك يمكن أنت ما تعرفهاش إلا بالتجربة، يعني لما يبقى فيه تصادفك مصاعب أو تصادفك أي نوع من أنواع أشياء غير متوقعة أنت تختبر ذاتك، تختبر أيضاً هل أنت قدرت تعدّي المحنة دي ولا لأ. فكل المحن اللي مرت خلال العشرين سنة دي تجارب أنا أعتز بها جداً، لأني أدركت فيها أبعاد أنا لم أكن أعرفها الحقيقة.

أحمد الزين: امتحنت جوانب في النفس ما كنتش تدركها في السابق؟

فاروق حسني: أو ما كنتش تعرفها الحقيقة..

أحمد الزين: طيب، معالي الوزير منذ قدومك إلى الوزارة سنة 87 على ما أعتقد.. أخذت على عاتقك طبعاً فيه جملة من الهموم، بس يمكن كان الهم الأساسي اللي كان عايش معك هو إجراء نوع من المصالحة بين السلطة السياسية والمثقفين، السؤال أول بداية أنت هل استطعت أن تعمل مصالحة بينك وبينك؟ بين الفنان اللي فيك وبين السياسي لأنه بالآخر العمل الوزاري هو أيضاً عمل في مستوى سياسي؟

فاروق حسني: هو السؤال جميل، يعني بس هو المصالحة هنا مع الذات يمكن أنا اعتبرتها مهمة، أي بوسط آخذه أعتبره مهمة.. مهمة خدمة، ويمكن في طبيعتي أنا كشخص يعني أنا محب للعطاء ما عرفش آخذ، حتى حقه ما عرفش آخذه، وإن كان في أي حد عنده طمع فيما أملك أو فيما يعني أنا أقتني على طول أتركه، يعني إذاً بالتالي عملية إني أنا أتصالح مع ذاتي من خلال الوازة وكدا، أنا اعتبرت أنه دي والله يعني عملية اكتشاف ذات، وعملية أيضاً تجربة في تطبيق أشياء القيم الجمالية التي لا تتاح لي، أنا رجل القيمة الجمالية أنتجها بفني في لوحة، لما تجي وطن عشان أنت عايز ترسمه أو تعمل له حالة قيم جمالية معينة دي فرصة أنا أفدت منها تماماً، فالتصالح دا موجود أساساً. لكن مع المثقفين أنا أدركت أني أنا مندوب هؤلاء لدى الحكومة، مندوب المثقفين لدى الحكومة، والمندوب دا لابد أن يحصل على أكبر قدر ممكن من.. وأيضاً من مكاسب المثقفين ودا كان كل همي، أنا ما همنيش الجانب السياسي أنا همني الجانب الفكري والثقافي و الإنساني بكل أبعاده يعني الحقيقة، ولذلك أنا أعتبر أنا نجحت تماماً أن أفرض على النظام أن يكون للثقافة دور هام جداً، وخصوصاً أنا في اعتقادي أن الثقافة دي كيان اقتصادي كبير للغاية، ماذا تعتمد مصر؟ المفروض تعتمد على كيانها الإرثي الثقافي والحضاري.

أحمد الزين: يعني أن يكون المرء وزيراً للثقافة في بلاد مثل مصر أتصور هذا حمل ثقيل جداً، يعني بتقديرك أيهما أثقل يعني هذا العبئ التاريخي أم العبئ اللي تواجهه من بعض الأطراف؟

فاروق حسني: العبئ التاريخي دا أنا بعتقد أنه مريح جداً وجميل جداً كمان، لأنك أنت يعني جعلت نفسك له يعني ضحيت بوقتك، أو عملت يعني قربان زمني من حياتك لهذا الإرث لأنه عبقري وعظيم. وإحنا بالنسبة له شيء يعني تاريخياً لا يُذكر، لكن تقديرنا له هو دا المفروض الإنسان يحطه في اعتباره كشيء أساسي، التراث هو شيء يعني تعرف تخاف عليه، وتقدر تحميه وتقدر تضعه في مكانه اللائق لأنه في النهاية هو رح يستجيب، أنا رجل أقوم بعمل ثقافي لكن لا أخترع مبدع ولا أخترع أديب ولا أخترع شاعر، دي يخترعها الله سبحانه وتعالى.

أحمد الزين: طيب معالي الوزير بحكم موقعك ودورك مثقفاً وفناناً، فيما لو أردت مقاربة بين القاهرة اليوم وبين القاهرة الأمس، بتقديرك يعني القاهرة بمعناها المدينة شو بتشوف؟

فاروق حسني: لا في اختلاف كبير جداً، اختلاف الفرد والمجتمع وماديات المدينة نفسها، المدينة هي الوعاء العبقري اللي يحتوي إنسان ويحتوي تاريخ ويحتوي تراث إنساني ماثل أمامنا، النهار دا القاهرة أولاً ليست قاهرة التلاثنيات أو الأربعينات أو الخمسينات، أنا أتكلم عن فترة الزخم الثقافي. فيه فترة زخم ثقافي تبدأ من العشرينات والثلاثينات والأربعينات بداية القرن ابتدت الإرهاصات العظيمة جداً وكانت حركات التحرر، وأيضاً كان القرن الماضي الحقيقة حبا مصر بكمّ هائل جداً من المبدعين في كل المجالات، أنا عايز أقول أن الإنسان هو مشكّل الظروف الكاملة لحضور المدينة عبر التاريخ وعبر الزمن، فكمان أحياناً زي ما نرى في الدنيا كلها أنه يكون في ظروف معينة فيه فيضان أو إغداق إبداعي، وأحياناً أخرى تكون هناك تحاريق. لو نظرنا للعالم كله الآن ح نتكلم عن فيضان إبداعي كان يعني أغدق العالم كله، كان يغدق على العالم، مصر من بين هذا العالم الحقيقة كان فيه هناك يعني شيء رهيب، أنا أقول أنه نحنا في فصل تحاريق ولكنها تحاريق إبداعية يعني تختلف عن المراحل اللي راحت، لكن بكل المعايير النهار دا نجد مثلاً كم متحف أصبح؟ كم مركز ثقافي النهار دا؟ كم مكتبة؟ كل دا زاد يعني الآلة الثقافية زادت، إنما زي ما نقول هل هناك طحين؟ يعني آلة ضخمة جداً.

أحمد الزين: هذا اللي بقصده أنا؟

فاروق حسني: للأسف هو إحنا مش نعمل لمسائل آنية، وأنت تعمل تعمل لتاريخ ممتد، الآلات دي ممكن قوي تستقبل بعد كدا يعني من يعطيها من كيانه ومن فكره ومن إبداعه كمّ كبير جداً.

أحمد الزين: بتخاف على مصر؟

فاروق حسني: ما فيش حد ما بيخافش على وطنه يعني أي إنسان بيخاف على وطنه.

أحمد الزين: الإشارات اللي تولد هذا الخوف يمكن صارت أكثر اليوم تجلياً من الأمس؟

فاروق حسني: أنا عاوز أقول شيء أنا بخاف من المجتمع مش بخاف على المجتمع، بخاف منه لأنه كما أقول أن اليوم فيه كثيرين جداً ابتدوا ينسحبوا من الحياة وينظروا للآخرة فقط، في حين إنه دا ضد مشيئة الله سبحانه وتعالى، أن تعمر هذه الحياة وتعمر الكون بكل ما تملك من إمكانيات إبداعية أو مادية، النهار دا الناس الذين ينسحبوا من الحياة.. حتى أنت تجد الناس تغطي نفسها النهار دا تضيع، بعدين أوقات يعني أنا أحياناً كدا أتأمل ألاقي أ، هناك من يربي ذقنه وشنبه أو كذا.. أنت عاوز تقول إيه؟ أنت من أي دين؟ ما كل الأديان تربي ذقونها، أنا بشوف أن المظهريات ظهرت بشكل كبير جداً على حساب المضمون، على حساب المنطق الداخلي في الإنسان، على حساب الإيمان الحقيقي والتوجه للحياة، والتوجه أيضاً للإله. فالإله هو اللي أعطانا الحياة إذاً لابد أن نكون بالحياة وفي الحياة وللحياة.

أحمد الزين: أن نعيشها كما ينبغي، وكما تستحق ونستحق.

فاروق حسني: كما ينبغي.. بالفعل..

أحمد الزين: يبدو أنه أراد أن تكون تجربته في الوزارة نوعاً من التأسيس لثوابت، والدفاع عما هو في خدمة الحياة والتاريخ والفكر التنويري، فلم ينسحب فاروق حسني من المواجهات منذ توليه منصب وزير الثقافة عام 1987، منذ ذاك الحين بدأ بخوض معاركه. بداية في خلق صندوق مستقل التنمية الثقافية، وبالتالي في وضع حجر الأساس في مشروعات بدت للوهلة الأولى صعبة التحقيق وخيالية كترميم الصروح التاريخية مثلاً، وبناء المتاحف الحديث، والنهوض بالقطاعات الثقافية والمهرجانات.

اتفق معه البعض واختلف الآخر، حاربه البعض وآزره البعض الآخر، فتلميذ طه حسين كان دائماً عالم في نبرته التنويرية سماه البعض بالرجل المشاكس وبمشعل للسجالات، لم يكن تقليدياً في إدارة الأمور وتسييرها بل كان خلاقاً أشرك المثقفين في القرارات الأساسية في جعل دور أساسي وتنويري للعمل الإبداعي والثقافي، ولكن ترى هل هذا الصوت المشاكس أو في الواقع هذا الصوت العاقل التنويري، هل بدأ بالتراجع وخف تأثيره في الحياة حتى بدا وكأن التأسيس قام في الفراغ؟

فاروق حسني: أولاً أنا هادئ جداً يعني أنا من صفات مهمة أنا أحبها..

أحمد الزين: ممكن يكون المشاكس هادئ مش بالضرورة يحمل سيف..

فاروق حسني: وغير كدا صبور للغاية، وأيضاً متسامح إلى أبعد حد، ما أهربش من الحوار وما أهربش من المواجهة، ودا تقول أنه عيب أو تقول أنه ميزة أنا ما أهربش من المواجهة، يعني لا أختفي من المواجهة أياً كان عنفها، وما فيش شك أنه دا يمكن هو سبب اللي حضرتك تقول عليه إني أنا مشاكس لا أنا مش مشاكس أنا بتشاكس بس أنا دا رد فعل مش فعل، ده شيء. الشيء الآخر بقا أن الانحسار والمسائل دي وإنه فيه هجمة شرسة جداً من أفكار متخلفة النهار دا هي اللي تسود أنا موافق، لأني أقول لحضرتك أصبحنا في وقت أنه تجد إنسان يعني في علماء في الفقه في علماء مبجلين ونحترمهم ونحترم آرائهم ونحترم فكرهم، ونقرأ ونعيش به. لكن هناك أصحاب الصوت العالي الجهلاء هم أقوى من الجميع، أقوى من العلماء وأقوى من المثقفين لأن الجاهل ممكن يعني يجمع تحت تفكيره كمّ هائل من المجتمع.

أحمد الزين: لأن خطابه يكون عاطفي غرائزي.

فاروق حسني: وغبي وأيضاً متخلف، ودوْل كثيرين. لدرجة أنه لا المثقفين ولا رجال الثقافة ولا رجال الدين العظماء قادرين عليهم، دي بقت مسألة..

أحمد الزين: من أين أتوا هودي؟ كيف فرخوا كيف طلعوا مين سبب بهيكي بانبثاقهن بأن يلعبوا دور؟

فاروق حسني: المال، المال أساسي في هذا الموضوع، ومش الدين.. أصل الدين كلنا متدينين طبعاً وكلنا جوانا يعني الله أقرب إلينا من حبل الوريد، يعني طبعاً ما حدش أنا بشوف إنه إنسان كدا يعيش بدون النقطة البعيدة جداً اللي يمسك منها وتؤثر فيه وهي الناحية الإيمانية المطلقة، تجد أن التخويف الجارف والصوت العالي والزعيق و.. وإلى آخره.. دا يؤثر في جهلاء كثيرين ما حدش قادر يتعمق ومحدش قارئ الدين، اللي يوصل دا يوصل أفكار أحياناً مغلوطة تصل إلى ناس لم يقرأوا يعني والخوف هو المسيطر عليهم، وبالتالي ينسحبوا من الحياة وأنا أطلق على هؤلاء المنسحبون من الحياة..

أحمد الزين: المنسحبون من الدنيا.. من الحياة، أستاذ فاروق حسني فناناً ووزيراً أيضاً قمت بترميم عدد هائل من الصروح التاريخية والثقافية من قصور ومساجد وكنائس إلى ما هنالك، يعني أعدت ترميمها وأعدت بهائها إلى الحاضر وإلى الحياة، ربما استطعت بمساعدة بعض الأصدقاء والآخرين اللي يهتموا عندهن هذا الهمّ، السؤال مش هون ربما هذا سهل جداً.. بتقديرك العقل العربي سهل ترميمه ونفض الغبار هذا غبار الزمان يعني وغبار الخرافات والغيبيات؟

فاروق حسني: المشروعات يمكن تقدر تحط لها زمن بداية ونهاية، إنما العقل دا يحتاج لحياة كاملة، ويحتاج أيضاً لمفهوم جمعي لمعنى الحياة ومعنى التفاعل ومعنى التعامل ومعنى العيش، دي مسألة لازم نحطها في اعتبارنا. أنه ما فيش شك أن الانهيار سريع جداً والبناء يأخذ وقت طويل جداً، ولذلك ما أقول أنا عندي مشروع أعرف النهاية إيمتا سوف أنتهي منه أكان بنائياً حديثاً أو كان ترميمياً، الترميم يأخذ وقت أطول لكن تدرك في النهاية دا له نهاية، إنما العقل دا إيمتا تقدر تعرف دا حياة كاملة تبدأ إيمتا وتنتهي إيمتا دا إشكال.

أحمد الزين: جار النيل هكذا أراد أن يكون يوم جاء القاهرة أن يكون جاراً لهذا الماء، الإسكندراني الذي ولد وترعرع على شواطئ الإسكندرية وفي مناخاتها التعددية سكنته الزرقة، فألف على ضفة النيل بيتاً وواصل أسئلته، وكأن العبرة في الجريان الذي لا يتوقف. هكذا ينظر إلى حال مصر اليوم، فالسؤال الذي يشغل أي مثقف عن تلك الأسباب التي أسست لظهور التيارات الأصولية وانحسار ما هو تعددي وعلماني وقومي، تشغله كما يقول. فأبناء الثورة ذلك الجيل الذي عايش مراحل مختلفة من حياة مصر من الملكية إلى الثورة إلى فترة الرئيس السادات، وصولاً إلى هذا اليوم. ذلك الجيل الذي كان يحلم بالعدالة والحرية وخذلته السياسات، كيف يقرأ اليوم تلك التجربة؟ ومن هو المسؤول عن تقويض تلك الأحلام وفشلها؟

فاروق حسني: هو اللي زينا نسمي أنفسنا أبناء الثورة، لأنه يعني كان السن صغير جداً جداً يعني ما عشناش الفترة الملكية، لكن كان لها تأثير في الفترة اللي عشناها. الناحية العاطفية كلنا عشناها يعني تتكلم عن التحرر تتكلم عن العدالة تتكلم عن وعن وعن.. دي كلها مسائل فلسفية تجد صدى كبير جداً عند الإنسان، وتجد أيضاً إحساس رائع جداً واستمتاع بممارسته نفسياً، لكن الأنظمة المفروض تفكر في مسائل أخرى، تفكر في أشياء أولاً أساساً التعليم، دا يعني الدول تجدها عظيمة أو غير عظيمة بنوعية التعليم، فأنا أرى إنه بالفعل أن هناك خطأ معماري كبير جداً..

أحمد الزين: في بناء الإنسان.

فاروق حسني: في بناء الإنسان ودا من فترة طويلة، أنا برضه أقول بالنسبة لمصر الكمّ الهائل من الخلفة يعني ازاي.

أحمد الزين: الولادات يعني..

فاروق حسني: الولادة وكيفية إنك بتجد العيلة النهار دا سبعة وثمانية في منهم عندهم 10 أو 12 في الأرياف، دا وبال على العائلة نفسها وعلى الشخص لأن حقه من الحياة يقل تماماً، حقه من التعليم حقه من التربية حقه من العلاج حقه من أشياء كثيرة جداً لأنها تنقسم على..

أحمد الزين: تتوزع على العشرة.

فاروق حسني: إذاً هو.. أنا برأيي لا بد وأنا يمكن أحب المواقف الحاسمة اللي تفصل بين المسائل، أنا في رأيي لابد أن يكون هناك قانون حاسم، رح يقلك الدين وربنا وإنه ما حدش وما يعملش لأ، هو فيه ربنا ما قلناش إنه إحنا نخلّف أبناء كي نعذبهم في الأرض. دا الخلفة دي عظيمة جداً ودا يعني المال والبنون زينة الحياة الدنيا، دا شيء رائع جداً. إنما قدّ إيه مال وقدّ إيه بنون؟ هل أنا أطمع في المال إلى ما لا نهاية، وأطمع في البنون إلى ما نهاية، مش لا بد أخطط لنفسي.

أحمد الزين: زينة الحياة الدنيا.. لم تنته الجولة مع الوزير فاروق حسني، هذا المتعدد في المهام والرؤيا والناشط كلما أقفل باباً على إنجاز تحقق يفتح آخر، وكلما أضاف صرحاً حداثياً يرمم ما أتلفه الإهمال، وكلما عثر على جواب يتخذه مصدراً لسؤال جديد، يبدو هو من تلك القلة التي تعامل الأشياء كأنها بشر فتعتني بها وتؤمّن ما يضمن لها ديمومة في الحياة وفي التاريخ.

أحمد الزين: هناك بعض الرجال تصنعهم المناصب، وهناك رجالٌ يصنعون المناصب ويضيفون عليها مهاماً ورؤى ووظائف، فاروق حسني حين أصبح وزيراً للثقافة سنة 1987 يبدو أنه حول المنصب هذا إلى ورشة عمل ورسم خطةً للنهوض بإرث حضاري عريق، وبإضافات تعطي لهذا الإرث بعده المعاصر، ولعل الفنان الذي فيه ساهم بشكلٍ جلي في تحقيق سياسته وزيراً في عملية التنمية الثقافية والإبداعية، بالطبع ليس بمجالٍ لتعداد ما حققه خلال أكثر من عشرين سنة، ولكن هناك عشرات المتاحف والصروح الثقافية والمراكز والقصور القديمة وورش العمل التي تعني بأنواع الإبداع عامةً والمهرجانات الدولية والفرق الشعبية والمعاهد تشهد على سنوات طويلة من العمل.

متاحف رُممت أعيدت إلى رونقها وبهائها، قصورٌ وأماكن عبادة مكتبات ودورٌ للإبداع شُيّدت تغطي أنحاء مصر تجاوب ماضيها بلغة العصر، وتؤرخ لهذه الورشة المستديمة. وإذا كان في بداية عهده عمل على ما سماه المصالحة بين المثقفين والطبقة السياسية، وعلى المصالحة بينه فناناً ووزيراً وسياسياً ترى كيف يتابع فاروق حسني هذه المصالحات وهذه المهام المتعددة؟

فاروق حسني: هو في سستم بالآخر مهو أنت تنجح في العمل عندما يعني تتفق مع تقسيم المسؤولية، وتقسم المسؤولية الخيال أولاً لا بد أن يكون خيال.. يعني لو تعطي فكرة أنت محتاج أيضاً لمن يعطي فكرة، وفي النهاية تبقى يعني رؤيا جمعية وخيال جمعي وتقتسم العمل تعطي لكل.. أنا ما فيش واحد في إدارة مش واحد خطاب الوزير أنا عندي 18 مؤسسة..

أحمد الزين: يتحمل المسؤولية كاملة؟

فاروق حسني: آه لكن في النهاية في رؤيا موضوعة واضحة تماماً، وإحنا ابتدينا في البداية أنا يعني أعترف وأقول أنه دي الوقت ما فيش تعب زي البداية، البداية كانت لأنك لا بد وأن تعطي لكل شيء وقت، مثلاً يعني تبني مكتبة لازم تبقى بالشكل ده فأنت وراء المكتبة لحد ما تنتهي، إذن بالتالي تبني عشرات المكتبات تأخذ نفس القيمة ونفس الظروف ونفس.. تبني متحف لا بد أن يأخذ نفس القيمة عشرات المتاحف بنيت إذا لا بد أن تكون بنفس.. المراكز الثقافية وقصور الثقافة وكل ما هو.. إذن لا بد أن تعطي مثل حي أمامك كي يُستكمل، يعني مرفوض أن تكون هناك يعني قبول لشيء أقل من هذا، فدا السستم في النهاية، وتختار رجال تقدر يعني تعتمد عليهم ويطبقوا الفكرة الكلية وبالتالي تبقى مستقر، النهار ده بقى دلاب العمل يسير كما وضعت الخطة الأولى..

أحمد الزين: مطمئن يعني؟

فاروق حسني: الحمد لله..

أحمد الزين: بس فيه ناس مش كثير مستأنسين يعني بتهموا الوزير أو بعض المؤسسات اللي تتبع لحضرتك أنه عملوا امبطروريات على حسابهم؟

فاروق حسني: الوقت سيثبت عكس هذا، الوقت.. ممكن قوي حد يتهم أي حد لكن هناك.. ولازم في مقاييس حتى للأخطاء مش كده وإلا أيه، يعني لما يجي خطأ ما تساويليش خطأ بسيط جداً بخطأ كبير جداً، آه حقيقي اللص لص أو المهمل مهمل، يعني أهمل في شيء صغير أو أهمل في شي كبير، هناك من يسرق شيء بسيط وهناك من يسرق شيء كبير، هناك من يعني مثلاً يتعاطى أي أشياء في الحياة يعني المفروض هنا بقى التقييم المنطقي للأشياء، الامبراطوريات دي أنا اللي عاملها لأنه لابد أن.. إحنا فقدنا وقت طويل جداً عايزين نلحق يعني..

أحمد الزين: ضيعنا وقت كثير..

فاروق حسني: ضيعنا وقت سنوات طويلة جداً لازم وأنت بتجري عشان تلحق الزمن ممكن تغلط.

أحمد الزين: حالمٌ هكذا يقال عنه حوّل ما هو خيالي إلى حقائق، وأعاد إلى الواجهة عظمة تاريخ بلاده، وأزاح الستار عن العديد من الانجازات. يبدو أن هذا الراجل لا يعرف التعب ولا التراجع حتى في المواجهات الصعبة، ولكي يصنع نوعاً من الاستقلالية المالية أنشئ في البداية صندوقاً للتنمية الثقافية لتمويل المشاريع، ولعل أكبرها هي المتحف الكبير ومتحف الحضارة، فهو يعتبر أن ثروة بلاده تكمن في كيفية تقديم هذا الإرث الهائل، هذا بالإضافة إلى مئات المراكز الثقافية والإبداعية ذات الجدوى الاقتصادية التي تؤمن لنفسها ديمومةً واستمرارية. المتحف الكبير في صحراء الجيزه؟

فاروق حسني: نعم.

أحمد الزين: خلص هذا المتحف؟

فاروق حسني: انتهى جزء كبير جداً منه الحقيقة، المتحف ده..

أحمد الزين: أنت معول عليه كثير هذا المشروع؟

فاروق حسني: دا أكبر مشروع في العالم متحفي، يعني ده متحف القرن القادم كله وما بعض القرن..

أحمد الزين: يضم فقط يعني آثار وإرث القاهرة أم إرث الإنسانية والعالم بشكل عام؟

فاروق حسني: لا الحقيقة هو المتحف سيضم 100 ألف قطعة فرعونية، وده في حد ذاته ده زي ما بقولوا ماي بيبي، من 12 سنة دا خاذ جهد رهيب عشان تبدأ تبنيه يعني..

أحمد الزين: تمويله على المستوى المحلي الحكومي أما فيه مساهمات من الخارج؟

فاروق حسني: لا هو إلى الآن يعني هو من وزارة الثقافة مش من حتة ثانية..

أحمد الزين: من ميزانية الوزارة..

فاروق حسني: من ميزانية الوزارة اللي الوزارة هي حصلت عليها من ذاتها، وجزء آخر قرض ميسر من اليابان، اليابان أعتنا قرض 300 مليون دولار..

أحمد الزين: ممتاز أنت اليابان بيحبوك على فكرة وكرموك مرة..

فاروق حسني: والله وأنا بحبهم، آه فعلاً يعني.. أما المتحف الآخر هو متحف لا يقل ضخامة يعني كثيراً عن المتحف الكبير متحف الحضارة، وده بقى يأخذ حضارة مصر مما قبل التاريخ إلى اليوم.

أحمد الزين: يسموك أنت ببعض الصحافة الغربية بوزير أبو الهول؟

فاروق حسني: نعم، ده أول معركة كبيرة جداً يعني صادفتني، بعدما جئت بثلاثة أربع شهور كده فيه جزء من كتف أبو الهول وقع، قلت هو مستنيني بقا له 4500 سنة مستني فاروق حسني عشان الكتف يوقع، المهم رحت، فلقيت الترميم كان خاطئ بشكل مرعب. أبو الهول ده تمثال عظيم أكبر تمثال على وجه البسيطة، وتمثال أن يقوم بهذه النسب العبقرية بهذا الحجم أنا مش عارف ده تم ازاي، يعني من وراه.. التأمل هنا يدعوك إلى أن أن تخاف أنه أنت يحدث لك شيء من الرعب أمام مين اللي عم ده، فأنا وجدت التمثال الحقيقة في حالة يعني أولاً تعمل له مسخ في جسمه بغباء وبجهل، النقطة الثانية أن الأحجار نفسها لم تكن موائمة..

أحمد الزين: مع طبيعة الحجر القديم..

فاروق حسني: القديم، ولقيت تشريح الجسم اللي كان موجود في الصور اتمسح لأن اللي عاملها عامل وأي إنسان كده، التمثال ده مثّال اللي عمله، إذن محتاجين إلى مثال كي يقوم بعمل الترميم.

أحمد الزين: فهذا اللي حدث..

فاروق حسني: فأنا ناديت آدم حنين من باريس وهو مثّال طبعاً معروف، وهو ارتعد من الطلب، وقال لي مين يلمس أبو الهول؟ قلت له: تعال بص، قال لي: دي جريمة وكلام من ده، قلت له: طيب إحنا لو لمسناه رح يتحسن ولا سوف يبقى كما هو لا سوف يتحسن، خلاص دي مسؤوليتك، فابتدينا جبنا بقى المسائل العلمية الرسومات يعني كل حجرة جبنا من زمان بقى الصور القديمة وأرجعناه إلى ما كان عليه تماماً بالنسب التشريحية..

أحمد الزين: فرح أبو الهول فرح..

فاروق حسني: فرح أبو الهول قعدنا عشر سنوات على..

أحمد الزين: طيب لنعد يعني إليك تشكيلياً حكينا كثير في هذه الأمور، متى ترسم وأنت كل الوقت على ما يبدو مشغول بهذه الانجازات وهذه المشاريع؟

فاروق حسني: طبعاً مشغول على طول الحقيقة حتى ولو فاضي فأنا مشغول، يعني إنما الفن هو اللي يجد وقت مش أنا اللي أختار له هو اللي يناديني، وأنا ما أعرفش أخش المرسم وأنا يعني لست مدعواً منه، جالي استدعاء سريع لدخول هذا المرسم، أنا في الأول خفت أن أقعد شهرين ثلاثة بدون ما أدخل مرسمي، لكن بعد كده تيقنت وأدركت أنه أحسن أني أنا أغيب عن المرسم حتى تتبلور رؤى أخرى وتختلف.

أحمد الزين: حتى تشتاق لك الألوان؟

فاروق حسني: أنا أشتاق لها وهي تشتاق لي، وأيضاً تختزن أفكار جديدة تطلع برؤى جديدة بدل ما تبقى أنت يعني مسروق باللي أنت تعملوا، فتضطر تتكرره.

أحمد الزين: يعني بهالمعنى ما فيه شي بيجي على حساب شيء آخر؟ يعني ما في شي بسرق من شي؟ بيلقحوا بعضهم، يبدو هذه المهمات تلقح بعضها البعض؟

فاروق حسني: دي فكرة جميلة جداً والمسؤولية مسؤولية، يعني وأنت مسؤول مسؤول بفنك مسؤول برؤيتك مسؤول برأيك مسؤول.. المسؤولية دي جوا يعني.. يعني فيه مثلاً ناس أنت تمسك لها الكرباج، إنما الكرباج جواك هو اللي يضربك دي الأصعب بكثير.

أحمد الزين: ولد فاروق حسني في مدينة الاسكندرية تلك المدينة البحرية التي كانت تعتبر من بين أهم المدن المتعددة الثقافات والحضارات، في هذه المناخات والموروث نشأ فاروق حسني وكما يقول عن نفسه ولدت كبيراً، حيث شغلته أفكار التأمل والإبداع. وكان البحر هو نافذته الكبرى على الوجود.

درس الفنون في جامعة الاسكندرية وتخرج منها سنة 64 تأثر بفكر طه حسين وبالأفكار التنويرية، وعبر عن أسئلته الأولى عبر اللوحة مأخوذاً بالتعبيرية آنذاك، ولعل والدته ساهمت في تحفيزه وفي خلق المناخات التي توفر له الشروط الابداعية.

فاروق حسني: والدتي أول من تبناني في هذا الشكل وأخي الأكبر يعني، الوالدة يعني طبعاً كانت تعتبرني أولاً لعبي وكانت يعني خائفة تماماً على مستقبلي.

أحمد الزين: أنه تضيع..

فاروق حسني: أيوه أنه أضيع وهي عائلتها بالذات يعني عائلة أمي عائلة دراسة يعني.. دكتوراه كل واحد عنده اثنين ثلاثة دكتوراه ولاد خالتها وولاد أخوتها..

أحمد الزين: خذلك واحدة من خالك وخلاص..

فاروق حسني: فهي كانت مرعوبة من الحكاية دي، وأنا مش في ذهني الموضوع ده على الفكرة يعني ما كانش بذهني خالص، أنا كان في ذهني التصور والتصوفية في الفكر نفسها التأمل طول الوقت، ولذلك كانت يعني لما أقعد كثير أمام البحر فهي كانت تخاف، الولد ده قاعد بعمل أيه تحت يعني ما يجي يشتغل ما يجي يذاكر ما يجي كذا وكذا لكن..

أحمد الزين: كانت عندك هذه النزعة التأملية أنك تقعد لحالك وتفكر بالأشياء؟

فاروق حسني: ما كنت قلتلك قبل شوي أنه أنا ما حسيت أني طفل مولود عجوز، وطول الوقت حاسس بأنه جواية حاجة مسؤولية لازم تتعمل ولازم أخلص منها بسرعة يمكن دي أفادت كثير جداً، إنما الوالدة وأخي الأكبر هم أول من ساهما تماماً في تكويني الفني. وبعدين برضه أنا كنت في البيت واخذ أكبر أوضة أعملها الأتيلية بتاعي ومكتبتي ومكتبتي الموسيقية، وكنت بقا يعني غاوي جداً موسيقى كلاسيك وأنا صغير سن 11 أو 12 أو 13 سنة وكنت أعلي البيكر جداً وما كانوش يستنكفوا يعني ودا شيء جميل، فكنت أطغى على حرياتهم بحريتي بس كانت يعني حاجات جميلة يعني، لما تعينت مدير لقسم الثقافة في الإسكندرية، كنت يومها صغير جداً جداً يعني أصغر واحد فوكيل الوزارة مزكي عني كان رجل قوي البصيرة يعني اسمه الأستاذ سعد كامل، كان أيام الدكتور ثروت عكاشة كان وزيراً للثقافة آنذاك، فأنا لقيته يقول لي تبقى..

أحمد الزين: مدير لهذه المؤسسة؟

فاروق حسني: ما كنتش مصدق كنت فاكر إنه هو يعني يختبر شيء يعني، فقلتله أنا أرد على سيادتك يعني ما جاوبتوش على طول يعني، وأنا في القطر بقى في القطار راجع الاسكندرية لأنه هو استدعاني للقاهرة، فأنا قعدت كده تخيل طب أنا أعمل إيه في الأستاذ الدباح طب أعمل إيه في الأستاذ .. أعمل إيه في الأستاذ كذا دوْل كلهم كبار يعني في السن وأقدم مني، فأنا الحقيقة كنت متردد جداً، لحد ما جاءتني فكرة.. فكرة إيه؟ أنا مدير أفكار مش بني آدمين أنا أمامي الورق اللي أتعامل معاه، أما الإنسان فده ملك نفسه ما حدش يديره ده ربنا بس اللي يديره، فمن هنا يعني هل أنا قادر على يعني طرح الأفكار أم لا؟ فجاوبت نفسي لا أقدر لأني أنا عملت أفكار، ولذلك الرجل ناداني عشان الأفكار دي، إذن أنا مدير الأفكار مش مدير البني آدمين.

أحمد الزين: والدك معالي الوزير قلت لي كان يعمل شي..

فاروق حسني: محافظة الاسكندرية والمسؤول عن..

أحمد الزين: عن جمال المدينة؟

فاروق حسني: في هذا الجهاز اللي هو اسمه في التفتيش الفني والمسائل دي كلها..

أحمد الزين: موجودة هذه المهنة موجودة الآن؟

فاروق حسني: لا ما أعتقدش ده كان المجلس البلدي...

أحمد الزين: المفروض تكون هلأ موجودة؟

فاروق حسني: آه المفروض ما إحنا عملنا أنا بقى الظاهر ورثت منه حاجة برضه دونما أربط..

أحمد الزين: في مهنة جميلة جداً الواحد يحافظ على الجمال يعني..

فاروق حسني: ولذلك أنا أنشأت جهاز في وزارة الثقافة اسمه الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ده الجهاز اللي رح يملك مفاتيح القيم والجمال ويحافظ عليه.

أحمد الزين: تبدو فكرة المصالحة مع الآخر ومع النفس ومع الأشياء ولدت مبكراً معه، فعندما عُين سنة 1965 مديراً فنياً للمركز الثقافي في بلدة الأنفوشي في منطقة الإسكندرية، جرب ذلك التوجه أو بالأحرى اختبره بعفوية مع من هم أكبر منه سناً وتجربة، لكأن كيفية إدارة مؤسسة لا تحتاج إلى دراسة بمقدار ما تحتاج إلى موهبة ورؤية واجتهاد، وهكذا أسس فاروق حسني لأسلوب عمل واصله في باريس عام 1971 عندما عُيّن ملحقاًَ ثقافياً في السفارة المصرية، ثم عندما عُيّن عام 1979 مديراً لأكاديمية الفنون المصرية في روما التي تأسست سنة 1927 من بين 17 أكاديمية عالمية، حيث جعل من هذا الصرح منبراً لتقديم إبداعات بلاده جاعلاً في كل مرة جسراً بين حضارتين. طيب اليوم على ما يبدو فاروق حسني يستعد لمغادرة مصر إلى موقع آخر لليونيسكو؟

فاروق حسني: دي تتوقف على انتخابات وموافقة دول..

أحمد الزين: نعم أنت عندك استعداد لهذا المنصب لهذه المهمة الجديدة؟

فاروق حسني: يعني حقيقة مهياش أمنية يعني..

أحمد الزين: هي حقيقة نفسك؟

فاروق حسني: آه وأنا زي ما بقول لحضرتك أني دائماً المنصب أنا أعتبره مهمة، والمهمة أنا يعني لو وضعت فيها يبدأ الفعل، أنا أعرف ذاتي في هذا الموضوع. أن تكون مديراً عاماً لمنظمة كاليونيسكو هذه المنظمة الهامة، أنا أرى أنها مسؤولية كبيرة جداً، وخصوصاً عندما أكون عربي وأتحمل مسؤولية عربية لأنه..

أحمد الزين: بتصير مضاعفة المسؤولية؟

فاروق حسني: أيوه لأنه أول مرة ممكن لعربي يدير هذه المنظمة، إذن المسؤولية مسؤولية كبيرة جداً مش مسؤولية وطن دي مسؤولية قومية أمام العالم أجمع..

أحمد الزين: طيب، عفواً حطيت خطوط عريضة يعني لهذه المهمة فيما لو يعني تحققت؟

فاروق حسني: طبعاً فيما لو تحققت فمشروعي الأساسي هو التصالح..

أحمد الزين: بين وبين؟

فاروق حسني: التصالح بين كل الإمكانيات التي من شأنها دفع المجتمع الإنساني إلى الأمام، بمعنى التصالح بين الأديان مثلاً، النهار ده في خناق كبير جداً بين الأديان، فالتصالح بين الأديان هناك أديان سماوية وأديان أرضية، قبل كل الأديان السماوية فلتتصالح مع بعضها وتتصالح مع الأديان الأرضية أيضاً التصالح..

أحمد الزين: هذه أول مهمة صعبة؟

فاروق حسني: تصالح أيضاً الغنى والفقر، وبالتالي أنا أرى لن يستقيم المستقبل بكل ما أوتي من منظومة علمية وتكنولوجية وأشياء إذا..

أحمد الزين: إذا لم تتم هذه المصالحة هذا تحدي كبير..

فاروق حسني: تحدي آه..

أحمد الزين: هذا يعني مهمات الدول ربما أنت تطرح هذه الأفكار؟

فاروق حسني: أيضاً تصالح المناخ مع المناخ، يعني يجب أن نتصالح سوياً ثم نتصالح مع المناخ مع الطبيعة أنا عايز أقول أنه إيه..

أحمد الزين: يعني عندك هذا الهم التوازن توازن هذا العالم وتوازن النفس والمجتمعات مهمة شاقة؟

فاروق حسني: كله ده تصور إنما آليات التطبيق محتاجة بقى.

أحمد الزين: طيب أستاذ فاروق يعني ما يزيد عن 40 سنة في العمل والإبداع، وقت اللي تلتفت إلى الوراء بتحس حالك أنجزت ما كنت تفكر به، يعني أو تشعر بنوع من التوازن، تطمئن إنه والله فاروق حسني ترك شيء له معنى في هذه الدنيا؟

فاروق حسني: مش عارف أقولك ما بعرفش ده إشكال ولا إيه، ما بعرفش أبص ورا، دايماً يعني أنا متجه للأمام بشكل غريب..

أحمد الزين: يعني تنجز وتمشي وتنسى؟

فاروق حسني: وأنسى، أما حدا يخبط لي كده على كتفي يقولي بص كده شوية أبص آه..

أحمد الزين: تستأنس بما فعلت بتنبسط؟

فاروق حسني: أكيد هو طبعاً شوف الإحساس بالاكتفاء ده موجود، إنما شبق الإنجاز الدائم هو المقلق وهو الدائم في الوجود.

أحمد الزين: نعم، طيب قلت أنت وصغير كنت تقعد على البحر وتتأمل وتغيب الشمس ويصير لون الماء أسود لأنه ما عاد فيه ضوء، الآن وين بتقعد تتأمل؟ وإيمتى؟

فاروق حسني: هو البحر الحقيقة له سحر غريب جداً لأنك وأنت تجلس قبل الغروب يعني ساعة العصاري زي ما بقولوا في الإسكندرية، كان النورس يبدأ يتعامل يبقى قدامك عامل زي السنفونية كده له حركة زي يد المايسترو يعني بتجدها وزبد البحر ده بكون.. ازاي يلتقط وازاي وأنت قاعد بتراقب ده، الموج دايماً جاي يعني على الشاطئ وكأنه بيجيب لك أشياء جديدة، فكان دائماً تغنى تماماً بالإحساس ده، بس الموجة هي الموجة نفسها هي تتراجع وتجيء تتراجع وتجيء، ولذلك أنا آثرت أني أنا لازم أسكن على النيل، والنيل برضه يعني إيه حقيقي ماهواش في اتساع البحر لكن بيجيب في الخيال حاجة امتداده التاريخي وامتداده الحضاري وامتداده الطبيعي، وتجد إيه بقى إن النقطة المائية الآن أنا بجانبها هي تمر وستأتي نقطة أخرى من المياه، يمكن ده اللي بيعوضني عن البحر واتساعه المياه هي رمز الحياة هي رمز الوجود.