سعد البازعي

أحمد الزين: لكل امرئٍ واحته، تتسع أو تضيق بمقدار السؤال وتنوعه وبمقدار افتتانه بالحرية. وصاحب العقل النقدي قد يكون أكثر من سواه محكوماً بالبحث والاجتهاد لتوسيع زاوية الرؤية أي لتوسيع هذه الواحة، أو لتسيلط الضوء على بقعة تشكل منطلقاً لفهم أو نظرية.

واحة سعد البازعي تمتد بين مكتبة وكتاب وجامعة ونادي ثقافي، ومرآة هي الآخر يرى بعض منه فيها ويقوم بمقاربته، هنا في الرياض في جامعة الملك سعود يدرس الأدب الانجليزي والنقد المقارن، في واحة أخرى في دارته يواصل اجتهاداته النقدية بين كتبه ومراجعه متوناً وهوامش يتنقل بينها، يختبر أسئلته ورؤيته ويجوجل المقاربات، يبدو أنه غير مطمئن إلى إجابة مطلقة أو إلى نهج متبع في تقييمٍ أو دراسةٍ للنص، لذا يبحث عن تمايزٍ وهوية أو خصوصية تتقاطع مع هذا المنهج أو ذاك. كثيره هي الأسئلة التي تشغله، في مقدمتها ربما سؤال الآخر الذي بدأ يتلمس في البدايات عبر لغته وتوالت أو تشعبت زوايا الرؤيا.

وإذا كانت أسئلتنا اليوم في غالبيتها مقرونة بأوضاع مجتمعاتنا المدفوعة نحو والغموض والإحالة على الغيب تتأرجح على حافة الهاوية، تُرى ما هو السؤال الذي يأتي في أولويات أسئلة سعد البازعي؟

سعد البازعي: يقلقني دون شك مدى دقة وانضباط المنهج والطريقة التي أتعامل بها مع النصوص ومع العالم طبعاً الذي ينتج هذا النصوص، بمعنى أنني أسائل نفسي عما إذا كنت أتعجل في اصدار الأحكام أحياناً، أو أصدر عن رؤية وثوقية أكثر مما ينبغي وبالتالي أحس بأنني بحاجة إلى مراجعة نفسي باستمرار، وهذه أعتقد أنها نقطة ضعف بشرية. يعني يصعب على أي أحد أن يدعي أنه ينقد نفسه كما ينقد الآخرين، لكن من الضروري أن نذكر أنفسنا بين الحين والآخر بأننا بحاجة إلى تسليط الضوء الداخلي بقدر ما نسلط الضوء الخارجي على الأقل.

أحمد الزين: نرى ما في أنفسها يعني؟

سعد البازعي: نعم.

أحمد الزين: يعني يبدو هذا على مستوى شغلك اليومي هذا السؤال يقلقك، يعني عم تفتش عن مقدار مصداقيتك مع هذه النصوص أو تلك التي تتعامل معها، وعلى المستوى الإنساني الاجتماعي السياسي.

سعد البازعي: على المستوى العام لا شك أنني معني كثيراً بأن لا أصدر عن رؤية أيضاً تغلّب مصلحة ذاتية على المصلحة العامة، وأن أكون قدر ما أستطيع صادق ومخلص فيما أقدم، بمعنى أن لا أتأثر أكثر مما ينبغي بالقوة الضاغطة والمحيطة بنا وهي لا شك قوى لا نستطيع مهما حاولنا.. من قوى سياسية واجتماعية وثقافية طبعاً واقتصادية، هذه القوى يصعب أن أدعي أو يدعي غيري أنه متخلٍ عنها أو بعيد عن تأثيرها. لكن أعتقد أن الاستسلام لها أيضاً سهل، والانقياد لما تمليه على الإنسان المعني بالشأن الثقافي طبعاً هو أيضاً سهل، ومن ثم فإنه من المهم جداً أن يصدر الإنسان عن لحظة صدق مع النفس قدر الإمكان أو أن يقترب مع هذه اللحظة فيما يصدر عنه أو يصدره من آراء ومن مواقف.

أحمد الزين: طيب، دكتور إذا كان العمل النقدي بشكل عام والإبداعي هو نشاط متحرر إلى حدٍ ما من مرجعيات مطلقة، وينمو ويتطور في مناخات من الحرية وأيضاً في مناخات إبداعية، يعني هل تجد نفسك أنت يعني كأنك تقول أحياناً نصف الأشياء في غياب هذه الأشياء التي ذكرتها؟

سعد البازعي: يعني إذا كان المقصود أنني أظن أو أنني في بعض اللحظات تتخيل أنني أقول الحقيقة كاملةً هذا طبعاً بعيد كل البعد، لأني لا أخدع نفسي إلى هذا الحد، أنا مؤمن كثيراً سواءً في مواقفي العامة أو في المواقف المتعلقة بالشأن الثقافي والنقدي والأدبي، مؤمن بأننا ننتمي إلى هذا العالم إلى حدٍ كبير، وأن ما يصدر عنا هو إنساني وبشري في نهاية الأمر محدود ومقيد بضوابط كثيرة، لكن هذا لا يعني أنه أيضاً عاجز عن كسر هذه الحواجز في بعض الأحيان عندما تتألق الرؤيا أو عندما نصاب بلحظة إلهام أو لحظة تجاوز..

أحمد الزين: يعني بتحس حالك دائماً فيه أشياء تريد أن تقولها ولكن هناك نوع من الموانع والمحرمات والتابوه ما فيك تقولها؟

سعد البازعي: مؤكد.. مؤكد هناك أشياء لا نستطيع أن نقولها، لكننا نحاول أن نقولها بطرق أخرى.

أحمد الزين: من شان هيك بدي أقولك من أجل ذلك تذهب إلى الآخر وبتشوف كيف اشتغل هذا الآخر وكأنك بتعمل مرآة..

سعد البازعي: صحيح، أكتب عن الآخرين وعن نصوصهم كما لو كنت أكتب عن نصوص لي أنا، وأنا أعتقد أن هذا يعني شرط أساسي للوصول إلى شيء معقول يعني نقدمه للعالم، لكن فعلاً هو توظيف الآخر سواء كان الآخر يعني غربي أو الآخر ثقافي يعني أو الآخر بالمعنى الفردي بسيط.

أحمد الزين: طيب إذا بدنا نسأل هيك سؤال تقليدي جداً يعني أنه كيف جيت على العمل النقدي؟ مع أنه هذا عمل مش متجذر بثقافتنا بشكل هيك واضح وجلي، معظم أبناء جيلك يمكن بيروحوا على الأدب يوجهوا الكتاب الإبداعي مثلاً شعر ورواية ومسرح إلى آخره يعني أو تاريخ ربما هذه العلوم الإنسانية المختلفة، يعني شو هيدا اللي كان قالقك حتى فكرت تحط النصوص على مشرحة وتفكر شو عم يعملوا الآخرين؟

سعد البازعي: طبعاً هي الأشياء تحدث تدريجياً، تعرف أنت ليس هناك لحظة تقرر فيها أن تكون هكذا أو تكون هكذا، لكن الأشياء تنبت في.. هناك شيء لا وعي يتحرك أكيد في داخلنا ونتفاجئ به أحياناً، نكون نحن يمكن آخر من يكتشف هذا الشيء في ذواتنا، يعني أنا منذ عرفت نفسي مثلاً وأنا معني بالقراءة يعني منذ مرحلة الابتدائية، وأذكر اهتمامي بالآخر في لحظات مبكرة في مرحلة يمكن السادسة الابتدائية، عندما قرأت مقالة في مجلة العربي ذات مرة وكانت تتحدث عن شعراء إنجليز، كنت أتوقع أن أكون شاعر في المقام الأول..

أحمد الزين: مثل كل العرب..

سعد البازعي: مثل كل العرب يبدو لي نعم، وفعلاً ظننت أنني سأكون هكذا وكتبت قصائد في المرحلة الجامعية وأريتها أساتذتي وكان هناك تشجيع وكذا، لكن أعتقد أن الانغماس في القراءة النقدية طبعاً كأكاديمي.. قراءة نصوص الانجليزية والعربية كنت أقرأ النصوص العربية بنفسي بدون طبعاً دراسة أكاديمية جعلني ألتفت إلى جماليات النص وإلى دلالاته، وتدريجياً بدأت أنغمر بهذا العالم وتوارى عندي الجانب الإبداعي المحض، مع أني أرى أن النقد لا يقل إبداعاً.

أحمد الزين: طبعاً. يبدو الدكتور سعد البازعي منذ بداياته فتنه النص ليس في لغته الأم العربية وحسب بل في الانجليزية أيضاً عبر القراءات الأولى، لذا كان من القلائل الذين درسوا الأدب الانجليزي في جامعة الرياض على آواخر الستينات، ليتابع تخصصه سنة 1975 في أميركا في هذه اللغة وآدابها وفكرها النقدي ليعود لاحقاً أستاذاً لها في جامعة الملك سعود، لقد فتح أمامه هذا التخصص معرفة الآخر حضارةً وثقافةً وسلوكاً وعقلاً نقدياً، وهذا ما دفعه إلى إجراء مقارباته بميزان جديد لا أرجحية فيه لما هو ثابت في ثقافته الأم، ولا إطلاق لمفهوم يمحو مفهوماً آخر أو يلغيه. فاللغة لسان وعقلٌ وفكرٌ وحامل لتراث وسؤال ومعرفة، عوامل محرضة على التفكير مولدة لأسئلة جديدة واكتشاف لنقيض أحياناً، ترى كيف أمكن التوازن؟ وما هي الأسئلة التي يطرحها المرء على نفسه في تلك المرآة؟

سعد البازعي: يمكن أهمها كانت اكتشاف الآخر بمعنى اكتشاف اختلافه، كان هناك اكتشاف لنسبية الثقافة. يعني اكتشفت أن ما لدي هو واحد من آلاف الإمكانيات والاحتمالات التي يمكن أن توجد إنسانياً وثقافياً في العالم، بدأت أنظر إلى الأمر لعلاقتي الثقافية بالعالم بطريقة مختلفة عما اعتدت عليه كشخص منغلق ضمن هذا الإطار، وإن كنت الحقيقة منذ كنت طالباً في دراسة الأدب الانجليزي كنت أتعامل مع الآخر، وأذكر في هذه ربما قصة طريفة هنا أنني طلب مني مع زملائي طبعاً أحد الأستاذة وكان بريطانياً.. طلب منا أن نكتب تحليلاً لقصيدة في الشعر الأنجليزي من القرن السابع عشر، والقصيدة كانت تتحدث عن قس يقرر فجأةً أن يترك الكنيسة، عنوان القصيدة "القلادة" فتعرف الكولار اللي يلبسوها القساوسة أيضاً، فهو يقرر أن يرمي بهذه القلادة بعيداً ويترك، في السطر الأخير من القصيدة يعود مرةً أخرى عندما يكون..

أحمد الزين: يعني هي بمستوى العمامة في الإسلام..

سعد البازعي: بالضبط بالضبط، سمعت أبي ينادي عد يا بني فعدت، أنا قرأت القصيدة في المنزل وكان مطلوب أن أكتب تحليل لها، فعبرت عن إعجابي بأن هذا القس ترك الكنيسة وحزني لأنه عاد. فكنت أعبر عن موقف استغربه الأستاذ لأن الأستاذ قال أن الشاعر يريد منك أن تفرح لأنه عاد، لكن أنا كنت أتحدث عن رؤية ثقافية مغايرة تماماً يعني. هذا الرؤيا تغيرت بعد ذهابي إلى الولايات المتحدة أو معايشتي يعني الأكثر تعمقاً للثقافة الغربية، ليس بمعنى أنني صرت أسعد لعودة القس أو أي شخص لكنيسته ليس بالمعنى الحرفي هذا، ولكن بمعنى أنني صرت أكثر رؤيةً أو أكثر إدراكاً للاختلاف الثقافي ولأهمية إدراكنا أن للآخرين رؤاهم المختلفة عن رؤاك.

أحمد الزين: طبعاً والآخر مش فقط بهالمعيار يعني..

سعد البازعي: بالزبط الحاد يعني.

أحمد الزين: يمضي سعد البازعي في قراءاته النقدية إلى أبعد من حدود قراءة في نصٍ إبداعي، وهذا ما قام به لسنوات طوال في البداية، يبدو أن مسألة المناهج النقدية الغربية التي يتبعها النقد العربي الحديث بشكل عام هو ما يشغله تحديداً، لكأنه يجد أن النقاد أو عملية النقد حيث تتبع نهجاً جاهزاً تتبلبل قراءة النص لاعتبارات الهوية والخصوصية، ويقول إن كثيراً من النقد العربي الذي اطلعت عليه وتمثل في بعض أشهر أقطابه يقوم على الكثير من التهالك على النظريات والمناهج الغربية والاستعجال في تمثلها، وبهذا المعنى أو السياق كان لسعد البازعي أبحاث ودراسات تأتي تحت عنوان: "نقد النقد" وهذا بالطبع يستدعي جلداً ومعاينة ومقاربات دقيقة لما قام به النقاد العربي لتبيان الخلل في القراءات والشوائب التي يقترفها الناقد أحياناً في عجلاته في تمثيل هذه المناهج، فهل النقد العربي أساء قراءة نصه الإبداعي لأنه اتبع نهجاً جاهزاً أدى إلى تشويش أو بلبلة في القراءة؟

سعد البازعي: المشكلة الحقيقية في تصوري هي مشكلة الثقافة المعلبة، بمعنى أنك لست بحاجة إلى أن تفكر تفكيراً مبدعاً وأصيلاً وتكتفي بما هو مهيأ، فأنا أعتقد أن كثير من المثقفين العرب يتهالكون بالفعل على هذه المناهج لأنها جاهزة ومهيئة، وتطرح أسئلة لا تحتاج إلى الكثير من التفكير، يأخذ المعادلة ويطبقها على النص العربي. هذا لا يعني بطبيعة الحال أن هذه المناهج ليست إنسانية في نهاية الأمر، يعني فيها ما يمكن أن يفيدنا في دراسة النص العربي وغير العربي، لكني أعتقد أنها أيضاً تتضمن أسئلة وصلات اجتماعية وثقافية ليست معنية بوضعنا الثقافي المختلف، سواءً المختلف زمنياً أو المختلف يعني من النواحي الأخرى فلذلك نحن مهيئين لإساءة قراءة النص عن طريق طرح أسئلة قد لا تكون أصلاً مهمة على النص العربي، فالمطلوب ليس الانعزال بطبيعة الحال لأن هذه التهمة جاهزة، لكل من يقول أعيدوا النظر في المناهج الغربية أنك تدعو إلى القطيعة، لا ليس المطلوب هذا، المطلوب هو التعامل مع هذه المناهج تعامل نقدي ومبدع يعني بمعنى أنني أغربلها أستفيد منها، أرى ما يمكن أن أستفيده منها. وفي نفس الوقت أتيح للنص العربي النص المحلي أو غيره أن يكون أشياءه خارج عن إطار المفاهيم الجاهزة والإسقاطات التي تأتي، بمعنى أن لا أبحث دائماً عن البنية، البنيوية تقول نبحث عن البنية في النص، أنا أطالب النقد العربي أن يسأل أولاً لماذا أبحث عن البنية؟ هل هي من الضروري أبحث عن البنية؟ فهذا سؤال نقدي لأن سؤال البنية في النص هو سؤال فلسفي في بداية الأمر، فهل أنا معني بهذا السؤال أم لست معنياً؟ قد أكون معني وبالتالي أسير لكن لدي مبرراتي المعرفية والفلسفية تماماً كما هو رولان بارت مثلاً أو جاك ديريدا لديهم مبرراتهم المعرفية، نقادنا العرب ينطلقون إلى هذه المناهج دون مبررات معرفية أو فلسفية، وبالتالي هم يعني لا يبدعون حتى لهذه المناهج شيئاً لا يضيفون إليها.

أحمد الزين: يعني فيك تقول أن النقد العربي لم يحقق شيء في هذا المجال، يعني ما فينا نحكي عن نقد عربي أضاف شيء أو عمل شيء موازي لا يوجد؟

سعد البازعي: أعتقد أن هناك إضافات محدودة على مستوى الأسئلة التي طُرحت يعني أنا ذكرت الكتاب نفسه..

أحمد الزين: والنقد مش بمستواه الأدبي والفني حتى النقد المعرفي العام نقد الفكر يعني..

سعد البازعي: بالضبط يعني أنا أقرأ أمس لأحد المفكرين العرب وأسميهم مفكرين ينفي أن يكون هناك فلاسفة عرب، نعم ليس لدينا فلاسفة عرب، يعني كلمة فيلسوف بالمعنى الذي نطلقه على هايديغر أو سارتر لا يوجد، يعني معنى شخص لديه منظومة معرفية متكاملة ويصدر عن رؤيا هذه المنظومة لتفسير العالم وتفسير الحياة والواقع ليس موجود.

أحمد الزين: شو السر مش موجود عنا؟

سعد البازعي: قد يكون الواقع الثقافي بشكل عام..

أحمد الزين: أي ثقافة الديني يعني؟

سعد البازعي: نعم قد يكون الواقع الثقافي الديني، يعني وانقياد الكثيرين للأجوبة الجاهزة، بمعنى وحتى يعني حتى دينياً نحن في الواقع أحياناً نسيء إلى الدين نفسه نحوله إلى أشياء جاهزة وثابتة لا تقبل النقاش، هناك الكثير في الدين نفسه مما يحثنا على التفكير، وإلا لما تميز المفكرون المسلمون في يوم من الأيام. يعني في القرن الرابع الهجري والسابع الهجري والعاشر الهجري حتى، ابن خلدون كان مفكراً عظيماً وابن رشد كان مفكر عظيم نحن الآن عاجزين عن مفكرين..

أحمد الزين: بس صار كثير عظيم بتصور منعوه يمكن؟

سعد البازعي: بالتأكيد هو خرج عن إطار العقلية الفقهية المتحجرة في ذلك الوقت التي لا تقبل الحوار.

أحمد الزين: هناك في عالمنا العربي حضور لنصوص عربية عالية المستوى، بتقديرك ليش ما نبني بموازاتها نص نقدي بهذا المستوى؟

سعد البازعي: أنا أعتقد أن هناك نصوص نقدية متميزة أولاً، لكن هذه النصوص تتميز عندما تتخلى عن محاولتها أن تطبق مناهج جاهزة، يعني عندما يكون الناقد نفسه ولا يكون غيره أو لا يحاول أن يتلبس بلباس أو بلبوس معرفي ومنهجي جاهز، عندئذ يتعالى النقد. وهناك أعمال نقدية رائعة في الحقيقة يعني بدون ذكر أسماء، لكن هناك أنا عندما أقرء ربما لو سمينا لعبد الفتاح كليطو مثلاً من المغرب أو أقرء أحياناً لمحمود أمين العالم بعض القراءات أو يعني هناك نقد جميل..

أحمد الزين: عم تحكي عن النقد الأدبي الفني؟

سعد البازعي: النقد الأدبي وفي بعضه معرفي فلسفي، يعني هذا النقد أنا أعتقد أنه يكون رائعاً وعظيماً عندما يتخلى الناقد بشكل أو بآخر عن هذه الجاهزية المعرفية.

أحمد الزين: طيب دكتور إذا كان يعني كيف بيقدر العقل العربي أن ينجز مثلاً نصاً نقدياً؟ إذا هو هذا العقل لم يتحرر من الطغيان الخرافي والفكر الغيبي والأجوبة الجاهزة إلى ما هنالك، يعني طبعاً فكرة الصح والخطأ والحرام والحلال وهذا.. كيف هذا العقل بيقدر ينجز نص نقدي منقدر نقارنه بالنصوص اللي أنجزها الآخر، نحنا مضطرين دائماً نعمل هالمقاربة لأن الآخر حتى قدر أنجز النص تحرر من هذا الطغيان اللي عم نتحدث عنه؟

سعد البازعي: أولاً الناقد أو المفكر بشكل عام هو جزء من المنظومة الثقافية والاجتماعية التي تحيط به، حتى لو لم يتبنى هذه العقلية الخرافية. قراءه ينتمون إلى هذه الفئة، يعني وهو أيضاً عاجز ولن يستطيع بشكل أو بآخر يعني أن يتخلى تماماً عن التعامل مع هذه البيئة الثقافية نحن أبناء بيئتنا بشكل أو بآخر، لكن أعتقد..

أحمد الزين: التخلي كيف التخلي يعني؟ إذا الواحد إذا تجرء قليلاً يعني وقال على القليل ما يشعر به أو ما يشكك به بيكون عم يتخلى، هناك بعض المفكرين يدعون إلى القطيعة مع التراث القطيعة النهائية إلا ما يحضر منه بشكل للضرورة يمكن أحياناً؟

سعد البازعي: هذا طبعاً موجود، يعني هناك أناس حوكموا بالعصر الحديث بسبب خروجهم على هذا النمط، يعني نذكر صادق جلال العظم مثلاً يعني محمد أركون هناك كثيرون يقفون ضده..

أحمد الزين: نصر حامد أبو زيد..

سعد البازعي: نصر حامد أبو زيد هناك أمثلة كثيرة، والآخرين يخرجون. ولكن الخروج يختلف.. يختلف بين خروج سافر وحاد وانقطاعي أو قطائعي مع التراث ومع المجتمع المحيط، وهناك خروج ذكي أنا أسميه ربما يكون أكثر..

أحمد الزين: دبلوماسي شوي..

سعد البازعي: نعم دبلوماسي، يعني كتابات الجابري فيها نقد هائل للثقافة العربية مثلاً، لكنه لا يصل إلى حد القطيعة، فأنا أعتقد أن مثل هذا النقد هو الذي يوسع هامش النقد نفسه النقد الفكري وليس الحادث..

أحمد الزين: بس هاي المسايرة عفواً وصلنا هيك شوي الحوار أخذ المنحى.. هذه المسايرة ما بتضمن شيء من السلبية يعني تؤجل قيام الأشياء وتحرير العقل.. يعني دائماً تؤجل تؤجل؟

سعد البازعي: هي تؤجل تأجيل نسبي لكنها تضيف، لا ينبغي أن ننظر للنصف الفارغ من الكأس أيضاً، هناك النصف الآخر أيضاً جيد، وأنا أعتقد أنه بُثت هذه الروح المعنوية كثيراً، نظل مشكلتنا الحقيقية أعتقد هي مع هذا العدد الهائل من القراء ومن المحيطين ومن الإعلام أيضاً الذي يتفاعل مع هذه الأعمال أحياناً تفاعل سلبي، فيجعل الكاتب أو الناقد في حالة دفاع عن النفس مستمرة.

أحمد الزين: يعد للعشرة قبل ما يحكي..

سعد البازعي: بالضبط، وبعدين أيضاً لا ينبغي أن ننظر إلى أن حالتنا حالة استثنائية تماماً، يعني أنا أعتقد أن العالم مليء بأمثلة في أوروبا وفي أميركا هناك حالات أيضاً من حلات التشدد الفكري مع من يخرج عن السياق العام للخطاب.

أحمد الزين: صارت هيدي استثناءات مش قاعدة. طبعاً أنت بتحكي بالكثير من الكتابات عندك أن هذه الحداثة الغربية ما كانت صارت حداثة وما كان هذا العقل تطور وطرح أسئلته المعاصرة، أسئلته على كل شيء على الدين وعلى الوجود وعلى الكون وعلى الحياة وعلى العدالة، لو لم يحقق هذا التطور هذا الفصل أو شبه تلك القطيعة التي حدثت مع الكنيسة، يعني هذا العقل تطور نتيجة.. يعني دفع ثمن كثير يعني دفع ثمن عالي حتى وصل لهون.

سعد البازعي: صحيح، وأنا أعتقد أنه نحن ندفع ثمن الآن، يعني هناك من يدفع ثمن، يعني نصر حامد أبو زيد وفلان يدفع ثمن، وفيه أناس تدفع ثمن، نحن هنا في السعودية أيضاً انتُقدنا جيل الثمانينات الذي ظهر في الثمانينات كنا وما زلنا ننتقد أننا حداثيون وأننا..

أحمد الزين: علمانيون..

سعد البازعي: علمانيون وليبراليون وهناك صفات كثيرة تطلق ليس بقصد الحوار والفهم، وإنما بقصد الاتهام ومحاولة العزل التام. يعني أعتقد أن هذا موجود هنا وفي الخليج وفي مناطق أخرى من العالم العربي.

أحمد الزين: ومين بيحميكم أنتو ككتاب ومثقفين عندكم أسئلة؟

سعد البازعي: أنا لا أعرف حماية بالمعنى الدقيق للكلمة، لكن أعتقد أن روح..

أحمد الزين: يعني يحميكم ليس بالمعنى الجسدي وكذا لأ، من يحميكم كمفكرين لأنه أنتو عم تساهموا بالآخر..

سعد البازعي: نعم نحن في دولة أيضاً فيه مؤسسات وفيه أنظمة وفي قوانين في يعني دولة ترعى هذا الكل.

أحمد الزين: يعني هي بموضع الحكم لازم تكون.

سعد البازعي: بالتأكيد، وأعتقد أنه لا أحد منا يستطيع أن يقول أنه يعيش بمفرده ويحمي نفسه بنفسه طبعاً، لولا وجود القانون والأنظمة والمحاكم والعدالة لتحولت المجتمعات البشرية إلى ذئاب مطلقة على بعضها البعض.

أحمد الزين: مبكراً اهتم سعد البازعي في كتابة نصٍ موازي أي النص الذي يتبين ويحلل سياقات الإبداع وتفتحها وتجلياتها، شغله الشعر وتناوله في أكثر من دراسة وكتاب، وشغله بشكلٍ أدق النقد عامة.. النقد في مصادره ومناهجه ومصطلحاته ونظرياته فكتب عن منابعه الاجتماعية والفكرية وعن أقطابه وما حاوله النقاد العرب في هذا المجال.

وقد عرفنا في الحلقة السابقة بعض هذه الجوانب في شواغل سعد البازعي، وبقي السؤال مفتوحاً حول تكوينات العقل النقدي، العقل الذي يستقبل الأجوبة ويحولها بدورها أو بدوره إلى أسئلة، والعقل الذي يختزن أجوبة جاهزة لا مجال حتى للتشكيك فيها. وكان السؤال عن الظواهر التي قد تنتج عن ثقافة مسيجة بالخطوط الحمر أو بالأسوار والممنوعات والمحرمات، ومنها ظاهرة التطرف التي على ما يبدو خرجت من مرجعية الثابت لتقف جداراً في وجه العقل النقدي والتحليلي.

سعد البازعي: إني أعتقد أنها إلى حد ما ردة فعل لما يراه هؤلاء من اندفاع نحو التحديث ونحو التطور والتغير وخروج على الثابت والتقليدي والمحفوظ، هناك حماية يحاول أن يمارسها هؤلاء..

أحمد الزين: يعني هو عم يحمي الدين ولا عم يحمي دوره ولا نفسه؟

سعد البازعي: يحمي معتقداته هو وما يرى أنه الدين الصحيح أو المعتقد الصحيح، هو يرى أن ما يقوله هو ما يقوله الدين، يعني ليس هناك مجال للنسبية أو لاختلاف الرأي وهذه مشكلة الأيدلوجي.

أحمد الزين: هو معتمد مرجعية دائماً يحصل عليها يقول هكذا قال..

سعد البازعي: بالضبط، وهناك من يعتقد مثلاً مفهوم السلفية يعني والسلفية نوع من الأصولية على أساس أنها شيء مستجد على الفكر الإسلامي وليس هناك أصلاً شيء مثل هذا، فهذه الأصولية يعتقد أنها جاءت كردة فعل لكنها يعني تحقق مساحة أو وسعت مساحتها أكثر مما ينبغي.

أحمد الزين: طيب في كتاب آخر لك دكتور بتحكي فيه عن التأثير اليهودي في الثقافة الغربية يعني تشير إلى الدور اللي لعبوه بعض المفكرين اللي هن من أصول يهودية مثل ماركس أو فلوريد أو سواهم يعني عن تأثيرهم وأثرهم يعني دورهم في الحداثة الأوروبية بشكل عام، ليش انتبهت لهالموضوع؟

سعد البازعي: أعتقد أن هذا يعود بالدرجة الأولى لعلاقتي بالثقافة الغربية بشكل عام والأدب الأنجليزي بشكل خاص، والمعروف طبعاً أن الثقافة الغربية تعتمد على ثلاثة مراجع رئيسية أو مصادر رئيسية اليوناني الروماني من ناحية، واليهودي المسيحي من ناحية أخرى، فوجود اليهود في أوروبا منذ ألفي عام تقريباً وجود عضوي في تشكيل الثقافة الغربية، وظلت الجماعات اليهودية تحتفظ باختلافها حتى القرن الثامن عشر تقريباً عندما بدأ التنوير في أوروبا فاندمجوا في المجتمعات الغربية، لكنهم لم يتخلوا تماماً عن موروث يرى الكثير منهم أنه يميزهم. واستطاعوا بالتالي أن.. واستطاع بعضهم على الأقل أن يستثمره بشكل أو بآخر، والملاحظ أن كثير من هؤلاء الذين لهم أصول يهودية يحبون أن يتحدثوا عنها وأنا أضرب مثال مثلاً ..

أحمد الزين: بيحبوا أن يتحدثوا عن أصولهم اليهودية..

سعد البازعي: عن أصولهم اليهودية وعن أهميتها بالنسبة لهم، يعني أذكر مثال الناقد الأميركي جورج تايلر من كبار النقاد الأميركيين يعني من أشهر مقالاته مقالات حول أصوله اليهودية وكيف استفاد منها وتأثر بها، جاك ديريدا ربما يكون أشهر منه الفيلسوف الفرنسي المعروف أيضاً يعني كتب عن نفسه وكُتب عنه والمعروف أنه يهودي جزائري، فالاختلاف الثقافي، معاملة المسيحيين لهم، هذه كلها أدت إلى أن يكون لهم دور مميز، طبعاً فرويد عنده مشكلة كبيرة لأنه عنده ازدواجية دائماً يقول لو لم أكن يهودياً لما اكتشفت اللاوعي، والبعض يشكك في صحة هذا الكلام. لكن أعتقد أننا بحاجة إلى فهم هذه الظاهرة وليس اتخاذ موقف عدائي لها بالضرورة، يعني لا أتخذ موقف عدائي تجاه اليهود كيهود، فهذا مكون رئيسي وأساسي هذه من ناحية. الناحية الثانية أننا بدراسة اليهود ندرس تأثير الأثنيات والأقليات على الثقافة بشكل عام، ولو درسنا الثقافة العربية الإسلامية من هذه الزاوية لاكتشفنا أشياء كثيرة مهمة تأثير السريان مثلاً تأثير الأكراد تأثير الفرس..

أحمد الزين: طيب دكتور بدنا نحكي شوي عن شغلك النقدي المباشر، يعني طبعاً أنت تناولت بكتاباتك نظير الشعر بشكل خاص يعني حركة الشعر العربي والنص الباقي أحياناً، وفي الكتاب الأول لك اللي هو بعنوان "ثقافة الصحراء" كأنك عم تقول فيه أن الحداثة بالشعر العربي جاءت على مستوى الشكل أكثر مما جاءت فيه على مستوى المضمون، يعني أخذت الشكل.. بمثل بسيط أكثر أنه حكيت عن الخيمة بطريقة ثانية بس الخيمة بقيت؟

سعد البازعي: صحيح، الحقيقة اللي حصل للحداثة أو حدث للحداثة هو نوع من التبيئة بمعنى أن.. وهذا ما يتوقع أن يحدث، لكل تيار فكري أو منظومة فكرية تدخل ثقافة مختلفة عنها، بمعنى أن المبدع يأخذ هذه المنظومة ويوظفها بطريقة تخدمه هو أيضاً فيحاول أن يوائم بين ما أستجد وما هو موجود أصلاً، في ما يتصل بالحداثة هنا في منطقة الجزيرة العربية ككل وليس السعودية لوحدها أو الخليج الذي حدث هو أننا نجد اتكاء ضخم لدى هؤلاء الكتّاب شعراء وقاصين بشكل خاص على موروثهم المحلي في نفس اللحظة التي كانوا فيها يتبنون يعني أشكال إبداعية جديدة، فكأنهم يحاولون أن لا ينقطعوا عن موروثهم وعن المكان وعن الناس الذين ينتمون إليهم..

أحمد الزين: وعن الذاكرة..

سعد البازعي: وعن الذاكرة، فيستمر البدوي في الحضور وتستمر الصحراء وتستمر الخيمة في إطار حداثي غريب هذه المرحلة بالمناسبة انتهت، يعني أنا أعتقد أنها لم تعد موجودة الآن لأنها استطاع كثير من الكتاب الآن أن يتصالحوا مع المدينة، فاللي نلاحظه الآن وأعتقد أن صعود الرواية في أدب مثل الأدب السعودي في السنوات الأخيرة هو نوع من التصالح مع المدينة، لأن صوت الروائي طغى الآن على الصوت الشعري لحد كبير، وما بقي من الصوت الشعري المتميز الحقيقي هو قصيدة النثر، يعني ما لدينا من شعر هو في الواقع قصيدة النثر وقصيدة النثر هي قصيدة المدينة بالدرجة الأولى قصيدة تفاصيل الحياة..

أحمد الزين: مثل القول أن الرواية بنت المدينة حتى لو كانوا الكتّاب من أصول ريفية..

سعد البازعي: بالضبط..

أحمد الزين: طالما عم نتحدث عن المدينة وعن الحداثة، بتقديرك شو اللي الممكن ينتج عن هذه الغربة بالشخصية التي تعيش سلوكين؟

سعد البازعي: يحدث أحياناً نوع من الازدواجية الضارة لأنه يعيش الإنسان على مستويين مختلفين، ويؤدي هذا إلى مشاكل نفسية لاشك واصطدام مع المجتمع، يعني لدينا ظاهرة الشاعر الصعلوك أو المبدع الصعلوك فلنقل، يعني هذا المتسيب الذي لا يعيش بنظام ويأكل بطريقة فوضوية وينام بطريقة فوضوية، هناك من في الحضارة العربية الحديثة من يتباهى بهذا، ويرى أنه يعني نوع من البوهيمية الممتعة..

أحمد الزين: نوع من الحداثة أو التمرد بشكل آخر..

سعد البازعي: وهذا ليس جديداً لدينا معروف في فرنسا ومعروف.. البوهيميون معروفون. لكن هذه من الظواهر التي نتجت أعتقد عن هذا التصادم بين نمطين سلوكيين في التحضر، يعني وبالمناسبة أنا أرى أن الاتكاء على الموروث وعلى الذاكرة ليس عيباً، يعني أنا أعتقد بالعكس أعتقد أنه احتفاظ بالهوية وعدم الوقوع في زيف التقليد الذي يجعل الإنسان تابع لا أقل ولا أكثر، فالاتكاء على الهوية والبحث عن الانتماء الحقيقي للإنسان، إذا لم يتحول إلى نوع من القطيعة أو سعي للقطيعة مع الآخر فهو ظاهرة صحية في تقديري، فإذا كان الإنسان صادق مع نفسه وهذا يعيدنا إلى الحديث في بدايته أعتقد أنه سيكون قادر على إحداث توائم أكبر أو تلائم أكبر..

أحمد الزين: في سلوكه على الأقل بينه وبين نفسه وبينه وبين الآخرين.

سعد البازعي: بالضبط، نعم..

أحمد الزين: لقد كُتب الكثير عن الظاهرة الشعرية عند العرب، وتناول النقاد والباحثين القصيدة العربية في قديمها وحديثها. ولكن يبقى دائماً السؤال حول هذا الموروث الشعري الغني الذي يطبع حياة الناس ويسكنهم في أكثر من حقبةٍ ومكانٍ وزمان، وكأن العرب حيث يولدون يولدون مشاريع شعراء يصفي أسماءهم الدهر، وإذا عاين المرء هذا التراث الهائل من الشعر وهذا الفيض المعاصر أيضاً، لابد أن يسأل عن هذا السر. وهل هذه الظاهرة هي إيجابية أم أنها تختزن شيئاً من السلبية في غزارتها؟

سعد البازعي: أعتقد أنها مؤهلة كأي موروث ضخم لأن تؤدي إلى الغرق في الجاهز والموروث والماضي، فيه نوع من الماضوية. هناك أناس يرون الشعر نفسه بل الحياة كلها من خلال الشعر الجاهلي أو من خلال الشعر في العصر العباسي، يعني أناس لا يفكرون بالحياة من خلال نصوصها الحديثة من خلال ما أنتج الآن، وإنما يسكنهم هذا التراث الضخم إلى درجة أنه يلون رؤيتهم للعالم، فيتخيلون أننا ما زلنا يعني لم نتغير كثيراً عن العصر يعني الأموي أو عصر صدر الإسلام أو العصر الجاهلي حتى، مع أن هناك في تلك العصور فيه أشياء مفتقدة الآن يعني نسيناها وأخذنا أشياء أخرى أيضاً، فالسلبية تأتي من هنا إذا كان هناك سلبية في هذا هي في كيفية التعامل مع الموضوع ليس في الموروث نفسه.

أحمد الزين: كما هو معروف كان للشعر الأسبقية في كل ثقافات العالم تقريباً، والرواية هي حديثة العهد إذا ما قورنت بالشعر والمسرح، فقد بدأت تتأكد في القرن الثامن عشر في العالم وبدأت ملامحها على نهاية القرن التاسع عشر في عالمنا العربي إلى أن اصبحت في الصدارة تقريباً على نهاية القرن العشرين، تُرى هل خفت صوت الشعر أمام وهج الرواية؟

سعد البازعي: أعتقد أنه نعم يعني فيه هناك من يرى أنه ليس هناك شيء على حساب شيء آخر، لكن لو تعاملنا مع الواقع كم يُباع من ديوان الشعر الآن؟ يعني هناك شعراء اثنين أو ثلاثة في العالم العربي الذين يستطيعون أن يقولوا أن دواوينهم تنافس الرواية بشكل عام، يعني لكن حقيقة الأمر أن الرواية الآن تتسيد الساحة الثقافية، وهذا يمكن أن يقاس بالأرقام وليس المسألة بالحكم الانطباعي، ينبغي أن يكون هناك توازن بين الأنواع الأدبية، لكن ينبغي شيء والواقع شيء آخر، الواقع هو أن الناس تشتري الرواية وتقرأ الرواية أكثر مما تقرأ الشعر، وأنا يعني من موقعي كمسؤول في مؤسسة الثقافية الآن أعرف كيف يتهرب الناشرون الآن من نشر ديوان شعري، يتهربون لأنه يقول أنه لا يبيع.. بينما الرواية مطلوبة مع الأسف حتى لو كان مستواها متواضع، يعني هناك استهلاك للرواية بغض النظر عن المستوى.

أحمد الزين: من شان هيك صار فيه موجة روائيين مدري كيف هيك طلعت فجأةً..

سعد البازعي: بالضبط

أحمد الزين: شو رأيك بهذه الموجة في المملكة وسواها خاصةً هلأ فيه موجة أنثوية نسائية في المملكة العربية اللي عم يكتبوا عم تتابعها طبعاً؟

سعد البازعي: هذه ظاهرة الحقيقة لها أبعاد أدبية وسسيولوجية في نفس الوقت، في العالم العربي يعني يمكن ليس غريباً أن يكون للرواية هذا الحضور، لأننا نعرف بعض البلاد العربية تأسست روائياً منذ خمسين عاماً أو يزيد وبعضها أكثر، طبعاً في مصر ولبنان. لكن في الجزيرة العربية بشكل خاص والمملكة يمكن بشكل أخص هذه ظاهرة طريفة وفريدة من نوعها لأننا نحن حتى يمكن قبل عشرة أعوام نتحدث عن ثمانين رواية فقط اُنتجت منذ بدء النهضة الحديثة في السعودية يعني منذ عشر سنوات ثمانين رواية فقط، في سنتين فقط أُنتجت ستين رواية.. آخر سنتين 2005 و2006..

أحمد الزين: ستين يعني..

سعد البازعي: ستين عمل روائي لأكثر من كاتب، لكن ظهر عدد هائل من الروائيين أسباب هذا كثيرة جداً..

أحمد الزين: هذه ظاهرة إيجابية يعني هيك اطلالة الأنثى أو المرأة على النص الروائي فيه منها يعني تتسم بالجرأة والشجاعة؟

سعد البازعي: بالتأكيد.. بالتأكيد، لكن هناك أيضاً من ركب الموجة وحاول أن يستغلها بطريقة فجة إلى حد كبير استهلاكي..

أحمد الزين: مثل ما بصير في كل مكان..

سعد البازعي: نعم يعني أنه شاف يعني اقتحام المحرمات والكتابة عن الجنس تحديداً أو عن السياسة بشكلٍ غير مبدع في الغالب..

أحمد الزين: طيب ما فيك تقرئها بوجهة نظرك كناقد يعني بشكل تحليلي أن هذه الإطلالة هي خرق لهذا النقاب أو الحجاب يعني؟

سعد البازعي: ليس للنقاب..

أحمد الزين: النقاب الثقافي..

سعد البازعي: الثياب بأكملها يعني وللجسد..

أحمد الزين: عم احكي عن النقاب بمعناه.. لأنه فيه نقاب مغطى العقل العربي..

سعد البازعي: صحيح، لا هي فيه كسر تابوهات لاشك، يعني لفتت الأنظار بعض الروايات التي تكسر هذا الحاجز، لكن تعرف مشكلتنا أنا كناقد أو كمعني بالشأن الثقافي والنقدي والأدبي يهمني أيضاً المستوى، لأنه من السهل اختراق الحواجز والحجب لكن بطريقة لا تغني الثقافة أصلاً ولا تغني المجتمع حتى، يعني هي تمثل يعني مثلما عمل مركز ديسات في يوم من الأيام أنه تحطيم الحواجز لكن دون إنتاج أدب رفيع، هو قد يكون له تأثير اجتماعي لكن تأثيره الثقافي أحياناً يكون سلبي..

أحمد الزين: مثل غوغائية بعض الأحزاب يعني أو بعض الجماهير..

سعد البازعي: السياسية الايدلوجية نعم ركوب الموجات والشعارات لا أقل ولا أكثر، هناك أعمال جمعت الاثنين حتى هنا في السعودية ظهرت أعمال تخترق بعض الحجب، الحجب الزائفة الحقيقة التي لم يكن ينبغي أن توجد سواءً على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الجسدي الفردي يعني، ولكن الأقلية كالعادة القليل هو الذي يبقى.

أحمد الزين: طيب خلينا نحكي شوي عن الطفولة عن المسارات الأولى، تجربتك طبعاً أنت من منطقة اسمها الجوف في الأردن؟

سعد البازعي: أنا الحقيقة عشت في الجوف فترة لكني لست من تلك المنطقة أنا يعني من منطقة القصيم عائلتنا من القصيم، إنما الجوف عشت فيها بحكم عمل والدي..

أحمد الزين: هذه القصيم الأكثر تشدداً..

سعد البازعي: نعم مناطق عن مناطق..

أحمد الزين: يبدو أنت شوي لين يعني؟

سعد البازعي: فيه مناطق بالقصيم أو في إحدى مدن القصيم سميت باريس نجد، سماها أمين الريحاني لما زار السعودية يعني لشدة انفتاحها على العالم، طبعاً قياساً لما يجاورها ربما وليس قياساً إلى الدول العربية الأخرى، أنا عشت في الجوف فترة كما تفضلت وأشرت.. أنا يعني عشت فيها طفولتي مبكرة ثم في مراحل مختلفة نتيجة وجود والدي هناك رحمه الله..

أحمد الزين: شو كان يشتغل الوالد؟

سعد البازعي: كان الوالد تاجر في البداية، كان تاجر وكان مع قوم من أهل القصيم يتاجرون في الشام وفي مصر ويسمون العقيلات، العقيلات اللي هم كانوا تجار رحل بين القصيم ونجد وبين الشام منطقة الشام والعراق أو يسموهم نحن نسمهم عقيل باللهجة الدارجة، فكان تاجر طبعاً هو كان افتتح على العالم من هذه الزاوية كان من أوائل الناس الذين امتلكوا الراديو في فترة من الفترات على أي حال..

أحمد الزين: من شان هيك بتحب الأغاني القديمة..

سعد البازعي: ربما.. ربما نعم، لكني عشت هناك وتأثرت لا شك بوجودي هناك.

أحمد الزين: ربيت بهذا الجو وحمسوك على الدراسة..

سعد البازعي: لكن الرياض على فكرة كان لها النصيب الأكبر من حياتي..

أحمد الزين: من الجامعة أنت درست في الجامعة..

سعد البازعي: في الجامعة لا حتى المراحل المرحلة الابتدائية معظمها درستها هناك والثانوية أيضاً، فأكيد الجوف كان لها تأثير من ناحية الانفتاح الثقافي نعم، أنا أذكر تأثير مكتبة افتتحها خالي في منطقة الجوف في الستينيات الميلادية.. مكتبة عامة..

أحمد الزين: عندك أحد الصور هون في واحد يبيع بمكتبة..

سعد البازعي: بالضبط هذه في الرياض الصورة..

أحمد الزين: طيب عندك حنين لهذه المناطق اللي تربيت فيها..

سعد البازعي: أكيد. أحن إليها سواء كانت في مناطق خارج الرياض أو في الرياض نفسها، أعود أحياناً لتلك الأماكن والتقط لها صور لأني مطارد بهاجس انمحائها، ونحن نعيش في مدن تنمو بشكل غير طبيعي. مدينة كالرياض تتغير كل سنة سنتين على نحو يهدد هذه الهوية بالإمحاء، في أجزاء كثيرة من مدينة الرياض هدمت مع الأسف ولم يُحتفظ بالكثير، بل أكاد أقول أنه لم يُحتفظ بشيء يُذكر من الرياض القديم وما هو باقٍ مهدد بالزوال الآن.

أحمد الزين: ليش الإنسان هيك متعلق بالأشياء اللي بتروح مش بالأشياء الجاية؟

سعد البازعي: أعتقد أنها مقاومة للموت لأن التمسك..

أحمد الزين: فيه شي جزء منك كأنه مات راح يعني عشان هيك بتمثل بتصورها..

سعد البازعي: بالتأكيد محاولة للعودة إلى الطفولة أو التمسك بالطفولة ولذلك نربطها بأجمل مراحل العمر..

أحمد الزين: حتى لو كانت بائسة بتبين جميلة..

سعد البازعي: بالضبط يعني أحد الأصدقاء يقول أننا يعني نقدس الماضي ولو عدنا إليه لكرهناه.

أحمد الزين: حفاة كنا نمشي مثلاً يعني..

سعد البازعي: نعم نبالغ نحن في هذا الجانب ولا ننظر إلى الجانب الجميل..

أحمد الزين: لو خيّرت بس رحت لأميركا وعملت دكتوراه بقيت فترة من الوقت هناك ثلاث أربع سنين بقيت..

سعد البازعي: أكثر، أنا عملت ماجستير ودكتوراه في مرحلة سبع سنين..

أحمد الزين: لو خيّرت أن تبقى في أميركا أم ترجع للرياض؟

سعد البازعي: لا سأعود للرياض بالتأكيد، أنا يعني..

أحمد الزين: ما سلبتك هذه..

سعد البازعي: لا أنا منذ كنت هناك وأنا أهيئ نفسي للعودة لأني أرى أن وجودي هو أصلاً لخدمة..

أحمد الزين: يعني كان عندك حاطط مهمة أمامك..

سعد البازعي: بالتأكيد. يعني أنا ذهبت وأنا مغروس بالثقافة العربية أصلاً، وكنت أرى أن علاقتي بالأدب الأنجليزي ستكون علاقة ثانوية هذه ليست لغتي وليست ثقافتي، وإنني حتى لو كرست نفسي لها.. وهذا أقوله لطلابي الآن.. لو كرست نفسي لها لما صرت شيئاً أمام هذا الحشد الهائل من المتخصصين، يعني ماذا يريد شكسبير مني أو هيمنغ ويه.. بل بالعكس يحتاجني نجيب محفوظ أو محمود درويش أو المتنبي أكثر..

أحمد الزين: يعني كانت واضحة الصورة أمامك أنك خلصت يعني هذا البلد يناديك وأنت بحاجة تساهم بشيء.

سعد البازعي: وعُمّق هذا الارتباط في مرحلة الدكتوراه عندما بدأ أصدقائي يراسلوني من هنا من السعودية، وأنا لا أعرفهم، يراسلوني قرؤوا لي مقالات كنت أرسلها للصحف السعودية فأرسلوا لي أعمال أدبية شكلت بدايتي النقدية وعلاقتي بالأدب السعودي وأنا كنت طالب هناك، فشعرت أن هناك من يقول لي مكانك هنا وليس هناك.