رفعة الجادرجي

أحمد علي الزين: يعرفه العراقيون جيداً فهو وريث عائلةً عريقةً في انتماءها وفكرها ونضالها السياسي، وله في العراق ما يدل عليه ويذكر باسمه، كذلك في بعض البلاد العربية عمارةً أو نصباً أو كتاباً أو قصةً تروي جزء من حياته، "جدارٌ بين ظلمتين" كتابٌ عن أيام الاعتقال كتبه مع زوجته بلقيس شرارة. يعرفه العراقيون وأخرون كثير في مدن العالم أستاذةً وطلاباً وفنانيين معمارياً وجدلياً وصاحب رؤية بدأ مبكراً في تصميم مشاريعه.

رفعة الجادرجي: هادي أعمالي أول ما بديت هاي أول شغلة أنا مسويها، سنة 53..

أحمد علي الزين: وتعرف به كتاباته، تعرف به كتاباته الفكرية في فن العمارة، وتعرف به البيوت التي ألفها وتعرفه بيوتٌ أخرى وصروح فهو كان قد وثق لها بالصورة وثقل حياةٍ ومنازل قد تزول بفعل الهجر والإهمال، وبغياب عقلٍ غافلٍ عن الذكرى فخلد آلاف الأمكنة والوجوه في الصورة.

رفعة الجادرجي: نقدر نقول خلال الخمسينات والستينات القادة العرب اجتمعوا بدون ما يجتمعون في مكان، وإنما قرروا هدم التراث الفكري العربي. هاي بيوت قديمة مهدمة، هذه بيوت ريفية، بس هذه كلها البيوت البغدادية وأنا رحت وصورتها شوف مهجور هذا البيت كلها بيوت قديمة عوائل قديمة هاجرينها للبيوت.

أحمد علي الزين: هلأ هاي بعدها قائمة البيوت ولا هدمت؟

رفعة الجادرجي: أكثرها هدمت، أكثرها.. يعني حسب علمي تقريباً هاي في الموصل ما بقي شيء كلها تهدمت..

أحمد علي الزين: بس كنت عم تصورها كان عندك احساس أنك يمكن تزورها؟

رفعة الجادرجي: أنه هذه مو ما ممكن تبقى، أنا أعرف العقل بالسلطة والعقل المجتمع يمحي الذاكرة.

أحمد علي الزين: هو مفكرٌ ومعماريٌ ومصمم مدن وأنصاب ومصور، صفاتٌ واهتمامات خلاقة اجتمعت فيه، رفعة الجادرجي خلفه الآن ثمانين عاماً طواها عمارات ومنازل وكتباً، له إقامات أوطانٌ صغيرة هي البيوت جعلها مرآةً تعكس رؤيته للمكان والفضاء.

رفعة الجادرجي: البيت كأنه في القرون الوسطى لاحظ.. بنفس الوقت حديث جداً ويبقى حديث، يعني هذا قبل حوالي أربعين سنة لاحظ..

أحمد علي الزين: هنا في بلدة حالات على الشاطئ اللبناني ألّف بيتاً آخر تمكنه الشرفات والنوافذ الصغيرة أن يقوم برحلةٍ، يصنع شراعاً يحمله في تلك الزرقة اللانهائية نحو بغداد مثلاً وبيت قديم على ضفاف دجلة إلى مطارح وأشواق. طيب أستاذ رفعة يبدو في كل ما صممت وانجزت في العمارة لم يكن فقط يعني لوظيفة أحادية الجانب يعني لغاية مثلاً فقط أن هذا مأوى، وكأنك أردت أيضاً في العمارة أن تحفز النفس والخيال على التأمل والتفكر هل هذا صحيح؟

رفعة الجادرجي: أنت باشرت بوظيفة العمارة، وظيفة العمارة كمفهوم بدأ في بداية القرن العشرين وأسيء استعماله كثيراً، وظيفة العمارة هي ثلاثة وظائف أحياناً متداخلة وأحياناً متناقضة، الوظيفة الأولى هي الوظيفة النفعية أي تهيء لنا ملجأ، الوظيفة الثانية هي تعبر عن هوية الفرد أو تعبر عن موقعة في المجتمع، يعني مثلاً القصر يمثل ضخامة وسلطوية أصحاب القصر أو سلطوية السلطة، نفس الشيء المعابد تعبر عن هوية المجتمع بالنسبة إلى إيمانهم، هذه وظائف طبيعية بيولوجية. الوظيفة الثالثة وهو الاستمتاع بالوجود خارج البقاء وضرورة البقاء وهو الاستمتاع بالجمال. فالعمارة لأننا نحن نعيش داخلها وبين أزقتها وبين شوارعها تمثل المادة الأهم في التفاعل بين حسية الإنسان وما ينتج الإنسان من إبداع، فلهذا جمالية العمارة قضية ليس ترف وإنما قضية ضرورية يتعين على المجتمع تحقيقها.

أحمد علي الزين: وهذا أنت ما فعلته في معظم تصاميمك وإنجازاتك المعمارية؟

رفعة الجادرجي: أنا حاولت هالشيء بالطبع، ومحاولتي هي الجمع بين هوية المكان، أنا هويتي عالمية ولكن لأني اشتغلت في العراق وفي العالم العربي فحاولت أن أجمع بين التراث وبين الحداثة، أنا ما سمحت للتراث أن يهيمن علي، وإنما أنا كنت الذي اختطفت ما اشتهي، فالنقل من التراث هو بالحقيقة نقل خارج التاريخ. فهذا نقل معناته الهوية المهزوزة والعاجزة تنقل من التاريخ، الهوية الفعّالة تأخذ التاريخ وتعيد تنشيطه بشرط يتوافق مع الحداثة إذا ما توافق تهمله.

أحمد علي الزين: لم يعد إلى العراق منذ أن غادرها عام 1982 ويبدو أنه لا يرغب في ذلك، فرفعة الجادرجي كان مصيره كمصير الكثير من المثقفين العراقيين الذين لم ينتظموا في سربٍ فكان الاعتقال ولتهمةٍ غامضة ثم المنفى، ولهذه قصة مثيرة سوف نأتي عليها أو على ذكرها في سياق هذا الحوار مع رفعة الجادرجي، بحيث أن خروجه من السجن كان بطلب من صدام حسين لكي يعيد تنظيم مدينة بغداد، ولكن الجادرجي كان قد طلب في المقابل الخروج من بغداد بعد انتهاءه من مشروع إعادة تنظيم المدينة وهذا ما حصل بالفعل، غادر الجادرجي وعمل أستاذاً في جامعة هارفارد في أميركا لمدة تسع سنوات ليتفرغ فيما بعد إلى للكتابة وحتى الآن لم يعد إلى بلاده.

رفعة الجادرجي: أنا شخص مهني يهمني أن أشتغل واتتبع وهذا.. العراق فقد كونه مكان ممكن أحد يتبع به، الكليات أصبحت ضعيفة اصبحت هيمنة إما السلطة الشمولية وإما تحت هيمنة رجال الدين، فهذه بالحالتين هي هيمنة ما تسمح للتقدم المعرفي لأن السلطة الشمولية عندها فكر معين جامد، والدين عنده فكر جامد منذ أكثر من ألف سنة فكيف تقدر تعمل مع هذه العقلية.

أحمد علي الزين: بدي اسأل سؤال أنه صروح وأنصار وعمارات عديدة وبيوت ودور حكومية ومؤسسات أنشأتها أنت، وكان مصيرها أظن كمصير أهلها يعني حطام وخراب وموت. يعني أنت أمام هذا المشهد اللي بنيته ساهمت في بناءه سابقاً، ما هو السؤال اللي تطرحه على نفسك أمام هذا المشهد المأساوي في تدمير العراق تدمير هذا الإرث وتلك العمارة اللي أنت ساهمت في بنائها؟

رفعة الجادرجي: يعني شيء محزن جداً، تاريخ العراق هو تاريخ حزين جداً، العراق يختلف عن الكثير من بلدان العالم، وهو عبارة عن مدن التي تُنشئ نفسها لتصبح مراكز حضارية، وثم بعد مدة تضعف هالقيادة التي تدير أو تفسد بالحقيقة السلطة ويهجم الريف على المدينة ويحطم المدينة كلياً يحطمها، هذا حدث عدة مرات عشرات المرات في تاريخ العراق، منذ زمن السومريين، وهذا الريف المتخلف يجي إلى المدينة وثم بعد جيل أو جيلين أو ثلاثة يبدي يؤسس حضارة جديدة وينتعش حضارة ثم إلى أن يفسد هالحضارة اللي يكونها ويهجم عليها مرة أخرى الريف ويحطمه تحطيم كلي، الآن إحنا نمر في مرحلة التحطيم الحقيقة مو هلأ إحنا بدت من سنة 58، يعني العهد الملكي كان عهد تحت السيطرة الإنجليزية كان عهد دولة بكل معنى الكلمة لكن دولة فاسدة دولة ظالمة بس دولة، يعني فيه قانون بس قانون فاسد. منذ المجيء العسكر إلى الحكم ألغيت الدولة في اليوم الأول وأصبح وارثاً عن عصابات عسكرية متخاصمة، والآن أصبح عبارة عن رجال دين مع عمائم كبيرة متخاصمة عصابات متخاصمة.

أحمد علي الزين: نعم نعم، طيب بتشعر كأنك بس تشوف هذه البيوت اللي ساهمت في بنائها أنت وعمرتها، بس تهدمت كأنك خسرت شيء عضوي من نفسك من جسدك؟

رفعة الجادرجي: طبعاً شيء مؤسف تألمت كثيراً، يعني مثلاً أنا تألمت من شاهدت جندي المجهول في بغداد اللي أنا صممته، وكان كثير حسب علمي من البغداديين معجبين بهذا القطعة الفنية، وصدام قرر يهدم الجندي حتى يخلي تمثاله في الوسط. فأنا كنت ذاك الوقت مسؤول عن تخطيط مدينة بغداد الوقت اللي تهدم الجندي المجهول، ومسؤول من قبل صدام. خابرني أحد المساعدين عندي قالو لي بأمر من صدام باشروا الآن بهدم الجندي المجهول، فأنا رأساً أخذت كاميرتي ورحت للموقع وأخذت صورتي مع أحد الموظفين عندي كان يهدم الجندي المجهول، فهذا شي مؤلم بالنسبة لي، بس أنا دائماً أخفف الألم عن طريق الفوتوغرافي أسجل. هذا أحد الموظفين عندي اللي كان يهدمه هذا جيت أنا صورة نفسي معه.

أحمد علي الزين: غادر بغداد وترك خلفه ذكريات ومنازل، ترك نصباً صار ركاماً عن جندي مجهول. ولكأن العقل الذي أزاله من الوجود أسس للخراب الهائل الذي بدأ يأكل المدينة منذ ذلك الوقت حروباً واضطهاداً وعمقاً ونفياً، وحتى هذا التاريخ من ربيع عام 2008 ترك العراق وواصل حياته على ضفاف أخرى بعيداً عن دجلة، وواصل شوقه لعراقه الذي لم يتحقق. ماذا عن بيتك اللي سكنته في بغداد واللي كملته بلقيس زوجتك خلال غيابك في السجن ما بتشتاق للبيت؟

رفعة الجادرجي:كثير اشتاق له، لأنه هذا البيت ولو أنا عشت فيه فقط سنتين، البيت اللي قبله كان مجاور تماماً، بس البيت به مكتبة كبيرة وجميل جداً، وعشت به بعد السجن مباشرة مدة سنتين، وكان ملتقى الفنانين والمفكرين بحيث رجال الأمن ما ارتاحوا أنه يومياً أجانب، بالعراق كان ممنوع أي عراقي يلتقي أجنبي مع أنه في بيتي كان الخبراء الأجانب والأساتذة، فرجال الأمن ما ارتاحوا كثير. في إحدى الأيام خابرني مدير الحسابات في أمانة العاصمة قال لي قررت الحكومة تعطيك سلفة ألف دينار تصرفها على الأجانب، من تخلص أطلب السلفة الأخرى. يعني رادوا يخلون بيتي جزء من الدولة فأنا رفضت، قلت له لا..

أحمد علي الزين: في كتابك في حوار في بنيوية الفن والعمارة رويت عن قصة حب جميلة، قصة حب وهي بطلها بيترو ديلا شاب روماني سنة 1586 وفتاة عراقية اسمها ستي معاني.. تحول بيتها كما بيتك إلى مقر هيك لقاء للمفكرين والفنانين في ذلك الوقت، وأردت أهداء هذا الكتاب إلى تلك السيدة ستي معاني اللي هي توفيت في طريقها إلى جنوا، يعني هل قصدت هذا الإهداء للقول أن الحب هو حجر أساس في البناء الإنساني كما في العمارة مثلاً؟

رفعة الجادرجي:نعم هذا القصد منه وبه قصد آخر لا يقل أهمية أنه شابة في القرن 17 تترك بيتها في وسط بغداد، وتقرر أن تقوم بأعمال دراسة المواقع الأثرية في العراق في تلك الظروف في بداية القرن السابع عشر، هذا عمل فريد، امرأة هائلة. فأنا أردت هالحرية هذا العقل الحر الثائر أن أهديه لها.

أحمد علي الزين: حلو حلو كتير، طيب أيضاً في هذا الكتاب أستاذ رفعة أردت الإجابة على جملة من الأسئلة طرحتها على نفسك في مسألة العمارة هي كظاهرة إبداعية وليست كحاجة فقط، يعني يعني بحاجة للتأمل للدراسة وللتحليل، بس هناك الكثير في عالمنا العربي يعني من المساكن لا تخضع لهذه النظرية، يعني ويبدو قيامه كان فقط لضرورة العيش والبقاء والاستمرار.

رفعة الجادرجي:صيغة السؤال صحيحة منذ بعد العشرينات من القرن العشرين، أي عندما دخلت الحداثة عن طريق الاستعمار الفرنسي والإنجليزي إلى العالم العربي، بحيث أن الحرفي فقد وظيفته بالمجتمع ودخلت التكنولوجية الغربية، فالشعوب العربية لم تتمكن من التفهم والتعامل مع التكنولوجية الحديثة، النتيجة أن تلوثت العمارة. وبما أنه إحنا السلطة التعليمية ما واعية أهمية هذا التدريب الحس إلى الفنون بصورة عامة والعمارة بصورة خاصة، فأصبح المجتمع العربي بعيد عن الفن بالمية أكثر من 80 العالم العربي ناس أميين، فكيف تتوقع من مجتمع أمي أن يتلذذ في منتوجات القرن العشرين اللي هي مرتبطة مع تكنولوجية القرن العشرين ولو ارتباطها غير مفهوم وملوث.

أحمد علي الزين: يعني أنت بالطبع عندما تنظر إلى المدن القائمة حالياً تنظر إليها بعين الناقد والمفكر والمعماري في نفس الوقت، يعني كيف تقرأ هذا الازدحام الاسمنتي؟ وكيف يمكن.. هل من الممكن إعادة تنظيم هذه المدن بعد هذا الارتجال والفوضى المعمارية وفقدان الحس الجمالي والإنساني؟ هل من الممكن إعادة تنظيم هذه المدن؟

رفعة الجادرجي:الجواب على هذا جداً صعب ويحتاج عدة علوم حتى نجاوب عليه، بس أنا أجاوبك بقدر العمارة. أولاً لا يمكن تعمير متقدم مع الانفجار السكاني، أنا رحت إلى أبو ظبي في نهاية الستينات وجلست مع الأصدقاء على الأرض على الرمل، قلت في الوقت الحاضر هذا الرمل نفسه في الوقت الحاضر عمارة ليس عمارة جيدة وإنما عمارة تعمير، في العراق كان عندنا التعمير بسيط، في الوقت الحاضر ما كان التعمير هو عبارة عن أرض مليئة بالقنابل والعبوات والسموم فهناك أكو عقل معمر، هنا عقل ملتهي في أمور وهمية من قومية إلى دين إلى حل.. يريدون يحلون قضية فلسطين وهم يتعاركون بيناتهم، يعني أوهام لا نهاية لها أبداً نتيجتها أنه بدلاً من التعمير التخريب..

أحمد علي الزين: بالعودة إلى كتابك نشوء النظرية الجدلية في العمارة اللي كتبت جزء منه خلال فترة السجن، بأي هاجس يعني جاء ذلك البحث والتحليل والتوثيق؟ بأي هاجس؟

رفعة الجادرجي:أنا حاولت في هذا الكتاب أن أبحث إشكاليات العمارة مشاكلها، وحاولت أن أبحث ما هي الإشكاليات؟ ويش يترتب عليها وبعض الحلول الفلسفية وليس العملية، لأنه قبل العمل يجب أن يكون عندك فكر، فأنا أمنيتي كان في هذا الكتاب هي طرح عشرات إذا مو مئات من الأسئلة والجواب عليها، أنه يشاركوني المعماريين الآخرين والمؤرخين بحث هذه القضايا لأن العمارة هي ليست ترف..

أحمد علي الزين: شو رأيك اليوم بظاهرة بناء الأبراج الشاهقة وهذه الشواهق يعني شو بتقول فيها؟

رفعة الجادرجي:إن كانت في البلدان العربية أو حتى في أوروبا أنا لم أزل لم أتمكن من هضمها. يعني إلى الآن ما عندي رأي ثابت أو تفكير فلسفي نحوها، بس أقول لولا انفجار السكان كانت الأرض تكون أجمل وأكثر إنسانية، الأرض ما تكفي هذا.. الأرض الزراعية ما تكفي، يعني أنا أريد لكل شخص حديقة، وما هي حياة الإنسان هل هو أكل وعبادة فقط؟ الأكل والطعام ضروريات، أما الآخر الموسيقى والرقص ولدت مع الإنسان هي جزء مهم من الإنسان، الجهد الحقيقي يتعين أن يكون على الاستمتاع بالوجود وليس فقط إدامة الوجود، إدامة الوجود هذه ضرورية، لكن بعد الأدامة ماذا؟ الوفاة، فإذاً قبل الوفاة يجب الشخص يستمتع في وجوده.

أحمد علي الزين: طيب بالعودة إلى العمارة هل تظن أن الحداثة اللي اتبعت في بناء المدن العربية ضيعت الهوية ماعدنا نعرف هذه المدينة شو هويتها مين أهلها مين سكانها إلا إذا دخلنا البيوت يعني؟

رفعة الجادرجي:هذا الكلام بصورة عامة صحيح، قليل من المعمارين اللبنانيين والعراقيين والبصريين اهتموا في الحفاظ على التراث، أما بصورة عامة وبالأخص السلطات العربية التي تقريباً بدون استثناء سلطات جاهلة جداً فخربت التراث، يعني بالعراق عندنا صدام هدم كثير كثير من المناطق التراثية، والمعماري بصورة عامة يعني الحديث العربي مع كل أسف التدريب ماله مبني على الانبهار بالغرب، الغرب ما عنده المشكل الذي إحنا عندنا لأن الحداثة جاءته تدريجياً فتمكن أن يستوعبها ويهضمها ويوافقها بدرجة ما مع التراث ليس دائماً.

أحمد علي الزين: يعني هذا بخليني أطرح سؤال آخر يعني أنت كتبت سيرة التطور الفكري للحياة المعمارية بالعراق، السؤال هو إلى أي مدى يمكن للمعماري اللي يمتلك رؤية فنية وفلسفية وفكرية وجمالية أن يكون له دور في صياغة المكان وفضاء المكان، في وجود عقلية يعني تسطو على المكان أحياناً تسطو عليه وتهدمه أو تزيله؟

رفعة الجادرجي:الفرد كفرد لا يتمكن أن يحقق طموحه الإبداعي أو الفكري مالم يوجد كالتشر عام يدعمه أي مجموعة من المجتمع تدعمه وتتفاعل معه، حتى يتمكن يطور أفكاره وتطلعاته وحسياته، فالعالم العربي الآن لأنه هذا الكالتشر ما موجودة أكثر الشباب اللي عندهم قابليات هربوا من العالم العربي، النتيجة الآن إحنا الفكر الفعال هو هارب من البلدان العربية، الآن الخريج بعدما يتخرج يبقى في لبنان مدة سنة مثلاً، يلاحظ أنه هو ماله موقع، إذا كان شخص ذكي ما له موقع في العالم العربي فيتركه، فيتركه هناك مجال للعمل كثير وتقدير لهويته والتجاوب مع أفكاره الجديدة.

أحمد علي الزين: ونتابع مع رفعة الجادرجي في حلقة قادمة، نتابع التسكع في بعض أمكنته وبيوته وفي بعض أيامه الحلو منها والمر عن أيام السجن عن أيام المنفى وعن بيت الأهل.

رفعة الجادرجي: دماغ الإنسان إذا تعلّم على الشيء يعني إذا شاهده مرتين أو ثلاثة بسرعة يملّ من عنده، والسبب إذا ما يتعلم وجوده يتعرض للخطر. يعني هو الدماغ مبني على أنه يجب أن يتعلم ما هي البيئة حتى يعرف كيف يدافع عن نفسه، فإذا تكرر المشهد يملّه، البحر لا يتكرر المشهد. دائماً أكو حركة هادفة لهذا ما تمل من عنده، هنانة الدماغ يشعر بهالتنويع البسيط بيصير بهالتنويع بيصير فد فجوة في الدماغ اللي هي الالتباس، ضمن هالالتباس هو يحدد النقطة الذي هو اكتشفها، إذا يرجع بعد كام ساعة ينسى الدماغ وين النقطة بالالتباس شافها فيبقى على غير نقطة بالالتباس. فيبقى دائماً المنظر المتغير جميل بالنسبة له، بالنسبة للدماغ. الصخر الأول أول ما شاهدته قلت خلاص هذا المحل الذي أنا أريده.

أحمد علي الزين: حلو كتير ولأجل ذلك أنت اخترت المكان الذي لا يمكن أن تمل منه؟

رفعة الجادرجي: يعني وحتى في بغداد أنا عشت في بيت الوالد وثم بنيت إلي في حديقة الوالد، الحديقة كبيرة. بس بعدين قررت أعيش على نهر دجلة فجبت هاوس بوت بنيته وعشت بالنهر، أنا وبلقيس عشنا بالنهر.

أحمد علي الزين: رفعة الجادرجي عرفناه أو عرفنا شيئاً عن حياته وعن اشتغالاته في العمارة والفلسفة في حلقةٍ سابقة. رفعة الجادرجي وقّع العديد من المشاريع والمنشآت والصروح المعمارية وأيضاً وقّع عشرات الكتب المختصة في الفكر المعماري وتجلياته الفلسفية والجمالية. فهذا البغدادي المتحدّر من عائلة شغلتها المعرفة والسياسة والقيم الجمالية تتجسد فيه كل هذه المدارك والرؤى إضافةٍ إلى شغفٍ عالٍ وجميل بالحياة وعشق لها. فهذا الثمانيني يحتفل على طريقته بالنهارات كتاباً وقراءةً وكأساً وأفكاراً وفي ليله ينصرف لساعات طويلة للكتابة.

أحمد علي الزين: طيب بالعودة إلى شغلك وتجربتك بالعمارة تبدو دائماً أنك تستلهم بعض التراث في تصاميم المشاريع اللي نفذتها في بيوت وغيرها من صروح ومنشآت ومعالم، يعني هل هذا هو بغاية ترسيخ مفهوم للهوية؟ أم هو لترسيخ أسلوب وخاصية كأنها إمضاء أو توقيع للجادرجي؟

رفعة الجادرجي: هذا السؤال جداً مهم، أنا درست الحداثة، وهذه الحداثة في رأيي مبنية على تكنولوجية رح تعمّ جميع العالم، إذا عمت هذه التكنولوجية وطريقة استعمالها بالنتيجة رح يكون عندنا جميع العمارة في كل بلدان العالم هي متشابهة يعني فقد العالم التنوع الذي كان يستمتع به ما قبل الحداثة.

أحمد علي الزين: نعم.

رفعة الجادرجي: فأنا نظريتي أنه أحنا نأخذ نظريات الحداثة والتكنولوجي لكن نعطيها الطابع المحلي، أخذت التراث البغدادي مع تراث الحداثة الذي كان يصير في ألمانيا وانجلترا وأميركا وفرنسا باستعمال تلك التكنولوجية مع إخضاع التراث لها وليس إخضاع الحداثة إلى التراث.

أحمد علي الزين: نعم. طيب أستاذ العقل البشري تاريخياً كان يركز على بناء الصروح الدينية والمعابد والقلاع والقصور بحيث أن تبقى هذه مع الزمن يعني هيك تبقى في الخلود يعني. الآن تفاوتت هذه الاهتمامات لدى الشعوب يعني بنلاحظ مثلاً في الغرب لم يعد هذا الاهتمام قائم في ترسيخ السلطة ببناء قصر جديد للحاكم مثلاً أو لرئيس جمهورية أو في بناء كنيسة فائقة الجمال كما كان يحدث في السابق، ولكن هذا لم يزل قائماً في مجتمعاتنا العربية الإسلامية. بتقديرك هل هذا عائد لتلك الثقافة التي تخص الغيب أحياناً أو الخرافة أو..؟

رفعة الجادرجي: يعني نقدر.. وهذا سؤال كتير معقد. بس ممكن الواحد يختزله أنه أحنا لم نزل في دور العقلية الايديولجي مالنا، علاقاتنا الاجتماعية، علاقة الرجل بالمرأة، هي علاقة عقل زراعي متخلف، بينما أوروبا دخلت بالصناعة منذ ثلاثة قرون وبالأخص انجلترا وألمانيا وإلى آخره، فأصبح الفرد هو المهم وليس السلطة، أصبح الفرد أهم شيء في أوروبا، أصبح الفرد مواطناً، أحنا لا يوجد مواطن واحد حتى الحاكم هو ليس مواطناً وإنما هو رعية، هو رعية إلنا ونحن رعية له، فهو مصيره مرتبط بالثورات اللي أحنا نقوم ضده، ونصيبنا أحنا مربوط باستبداده. فنحن رعية له وهو رعية لنا. بينما في أوروبا الفرد هو مواطن، المواطن هو حر، حر في رأيه، حر في دينه، حر في عقيدته، حر في ملبسه، حر في أكله، هو اللي يقرر ما يتعين أن تكون علاقته بالفرد الآخر، في العالم العربي هناك ظواهر أنه إذا بدنا نطلع من العالم الزراعي مثلاً المرأة الآن بدت تطالب بحقوقها، قبل خمسين سنة هذا مو موضوع بحث، الآن أصبح موضوع بحث للأقلية، أعطيه بعد عشرة - عشرين سنة يصير موضوع بحث لأكثر الناس، بعد خمسين سنة المرأة أكو احتمال تاخذ حقوقها في العالم العربي.

أحمد علي الزين: العقل الحر المتنوّر دائماً هو عرضة للإرهاب والقمع في ظل أنظمة تمتلك الجواب المطلق والحقيقة الكاملة، والذين يمتلكون هذا العقل لا بد أن يغرّدوا خارج السرب وأن يدفعوا ثمن هذا الخروج قتلاً أو سجناً أو نفياً والتهمة في الغالب هي للاستفسار لمدة ربع ساعة هكذا كان يقول رجل الأمن عندما يطرق الباب. ذات يوم من آب عام 1978 أشياء كثيرة ستتغير في حياته لم يكن يقدرها ولم تكن بالحسبان. لم يكن يدري لماذا اعتقل وكم من الوقت سيمضي وهو خلف جدارٍ بين ضمتين كما وصفه في كتابه مع زوجته، لكنه على ما يبدو خطط في ظلمته خلف الأسوار لمزاولة مهنته كتابةً وفكراً، وعندما أفرج عنه الرئيس صدام حسين لغرض إعادة تنظيم بغداد أيضاً كانت الصورة واضحة أمامه هي الخروج من بغداد بعد تنفيذ ما أوكل إليه وهذا ما حدث ومرت السنين وتراكمت الأسئلة والكتب والأفكار ما بين أميركا ولندن وبيروت خارج جدارٍ وخارج ظلمتين.

رفعة الجادرجي: أنا ما سمحت إلى مدة السجن أن تروح هباء، كتبت بها ثلاثة كتب مع العلم دخلت السجن أنا لم أكتب سطر واحد في حياتي باللغة العربية.

أحمد علي الزين: بالإنجليزية كنت تكتب.

رفعة الجادرجي: كنت أكتب بالإنجليزي وكل دراساتي باللغة الانجليزية وكل كتبي وكل معلوماتي باللغة الإنجليزية. ففي السجن معايا كان صديق اسمه عطا عبد الوهاب، فكنا في بعض الحالات بعد الطعام نتمشى مدة عشر دقائق ربع ساعة يسمحوا لنا بالشيء هذا، فكنت أتكلم أنا عن العمارة وعن هاي.. فقال لي: لماذا لا تكتب هالمسائل؟ قلت له: أنا رح أكتب باللغة الإنجليزية، قال لي: لماذا لا بالعربي؟ قلت له: أنا ما أعرف عربي. قال لي: اكتب وأنا أصلّح لك، أول يوم تكلمت هو سجل، ثاني يوم كتبت صلّح، ثالث يوم كتبت صلّح أقل، في اليوم الرابع أو الخامس بديت أنا أكتب وصلنا إلى ربع الكتاب أصبحت تصليحاته قليلة لأنه علمني في تلك الفترة كانت الكتب الذي تدخل إلى السجن يجب أن تروح إلى الأمن وتسجل وإعطاءها رقم، حسب ما تقول لي بلقيس أنا بتلك الفترة قرأت 120 كتاب.

أحمد علي الزين: واستدعاك الرئيس صدام حسين كما ذكرت من السجن إلى القصر لغاية إعادة تنظيم بغداد كان آنذاك في مؤتمر ما؟

رفعة الجادرجي: إي. أنا كنت بالسجن وبالصدفة كان بلقيس معي الزيارة الشهرية، جاءني مدير السجن فقال تفضل معي فرحنا إلى غرفته وبدّل ملابسه فأخذني معه بسيارته ولاحظت أنا طبعاً أعرفها بغداد جيداً فلاحظت السيارة بدت تتجه نحو القصر، وصلنا أول باب طبعاً الحرس معه أسلحة أوقفونا بس مجرد ذكر اسمي.

أحمد علي الزين: الجادرجي.

رفعة الجادرجي: تفضل تفضل تفضل إلى أن وصلنا كأنه حريق بسرعة لازم نوصل يعني وصلنا بسرعة. فرحنا هناك إلى سكرتير مجلس القيادة قال لي السيد الرئيس يريد يخلّد اسمك بالتاريخ، قلت له: أشكرك. قال أنت الآن عنّا حضرنا لك دائرة كاملة أنت تصير رئيس الدائرة وتعيد تنظيم مدينة بغداد وإلى آخره. قلت له: يعني هلأ أروح للدائرة؟ قال لي: إي، قلت له: زين وبالليل وين أنام؟

أحمد علي الزين: أنت مش مصدق أنه خلص السجن.

رفعة الجادرجي: قال لي: تنام في بيتك.

أحمد علي الزين: حلو كتير.

رفعة الجادرجي: رحت نمت في البيت.

أحمد علي الزين: خلينا نرجع لبغداد شوي. إلى الحب يعني مثلاً كيف بدأت علاقتك ببلقيس شرارة ذات الأصول اللبنانية؟

رفعة الجادرجي: يعني أنا رجعت شاب إلى بغداد وكنت من اليوم الأول إلى أن تركت العراق كانت نصيحة والدي لا تتزوّج أجنبية لأن حياتك تتعقد بالعراق.

بلقيس (زوجة رفعة الجادرجي): أحنا بالحقيقة والدي بيتنا كان مفتوحاً يعني، والندوة الأدبية اللي صار فيها الشعر الحر أو بداية الشعر الحر في العراق هي بدت عنا في بيتنا في الستة والأربعين واستمرت إلى تسعة وأربعين يعني أربع سنوات بيتنا كان مفتوحاً كل يوم خميس كانت هذه الندوة اللي يحضرها حسين مروة، كان يحضرها حسن الأمين، فأنا طبعاً صارت عندي علاقات بالوسط العراقي والوسط اليساري بالحقيقة.

رفعة الجادرجي: فرجعت إلى بغداد فقررت أن ألقى رفيقة حياتي.

بلقيس (زوجة رفعة الجادرجي):صارت في تلك الفترة انتفاضة 52، أنا كنت في الصف الأول الكلية، كلية الآداب. طبعاً عدد الطالبات كتير أقل من عدد الطلاب اللي كانوا يشاركون في المظاهرات فكنا مبينين يعني بنات عائلات مبينين كلهم يعرفون أسماءنا حتى.

رفعة الجادرجي: سمعت عن بلقيس، كانت هي في الجامعة وسمعت عنها ونشاطاتها فأنطيتها خبر أحب ألتقي بها.

بلقيس (زوجة رفعة الجادرجي):في هالفترة واحدة من صديقاتنا كانت عم تدرس طب فاتصلت بي هي قالت لي: في شخص اسمه رفعة الجادرجي ويحب يتعرف عليكِ.

رفعة الجادرجي: التقينا في إحدى البيوت فسألتها عدة أسئلة عالفن وعلى الرسم وعلى الشعر وعلى الأدب وهي أسئلتني عدة أسئلة.

واحد عم يمتحن الثاني هل ممكن أنه نلتقي مرة ثانية ونتعارف أكثر؟ يعني هذا هو اللي كان اللقاء الأول. أنه أو نقطة على الطريق.

رفعة الجادرجي: خلصنا قلت زين اتفقنا، ما اتفقنا نتزوج اتفقنا على الأدب.

بلقيس (زوجة رفعة الجادرجي):أحنا كنا ذاك الوقت متفتحات ومتنوّرات بالنسبة إلي أنا ألتقي بشخص وأشوفه وأقرر هذا فد شي طبيعي أعتبره أنا، هسّا من المحرمات أصبح يعني شوف اشقدّ رجعنا إلى الوراء.

رفعة الجادرجي: كنت أتمنى أنه ما نتزوج. لكن العرف.. لأنه أنا أعتبر الزواج فد نوع من الظلم ونوع من التقيّد المرأة بالرجل يعني في أشياء أنا أعتبرها حقيقة لا حضارية، ولكن هذه التقاليد ويعني نمشيها يعني.

بلقيس (زوجة رفعة الجادرجي):حتى بحثنا قبل ما ننخطب أنه الزواج كيف يكون؟ لازم تكون العصمة أنا بإيدي يعني الطلاق بإيدي.

أحمد علي الزين: ولم تزل حتى الآن؟

بلقيس (زوجة رفعة الجادرجي):ولم تزل حتى الآن، يعني هذه أشياء اللي مثلاً ما يبحثوها أو يعتبروها من المحرمات في أن تبحث هذه القضايا مقدمة يعني.

أحمد علي الزين: نعم.

رفعة الجادرجي: فأنا وبلقيس نشتغل اثنيناتنا ويومياً الساعة 11 نجتمع، نشرب الشاي، يومياً الساعة 11 وثم وقت الغذاء نجتمع، وبعد الغذاء كلّ منا في غرفته بعيد عن الآخر، وننام أحنا بعدة غرف مو نفس الغرفة.

أحمد علي الزين: تاريخياً ولاّ من جديد؟

رفعة الجادرجي: لا تاريخياً لا لا.

أحمد علي الزين: حلوة.

رفعة الجادرجي: وبعدين الساعة خمسة هم نجتمع نشرب شاي سويةً وبالطبع بالليل يعني إذا بطلع عندهم ما نطلع سوا يعني حفلة أو

أحمد علي الزين: تتابعوا الموسيقى والمسرح.

رفعة الجادرجي: بالليل كل منا في مكانه يقعد يقرأ ويتتبع ويكتب وهذا، بس واحد يستشير الآخر عن الكتابات والمواضيع ونبحثها كثير كثير نبحثها.

أحمد علي الزين: اهتم رفعة الجادرجي بموازاة اهتمامه بالعمارة هندسةً وتصميماً وفكراً وتأريخاً اهتم بالصورة الفوتوغرافية من موقع المنتبه لأهمية التوثيق لحياة العراقيين ولتاريخهم ولحياتهم اليومية أيضاً.

رفعة الجادرجي: هاي أول ما انفتح شارع الرشيد.

أحمد علي الزين: هون هذا شارع الرشيد.

رفعة الجادرجي: إي أول ما انفتح.

أحمد علي الزين: هذه المئذنة، فلقد صور ما يقارب العشرين ألف صورة في العراق لأبنيةٍ وتراث إنساني وعادات وطقوس ووجوه، وعدداً آخر في اليمن والهند ولبنان. وبهذا يكون قد أبّد لحظات بالغة الأهمية لذاكرة شعوب وحضارات ولحياةٍ اجتماعية وعمرانية قسمٌ كبير منها قد زال من الوجود نتيجة إهمالٍ ونسيان وعدم اكتراث.

رفعة الجادرجي: أنا عشت مع والد كان يبحث دائماً التاريخ والموقف الأنثروبولوجي من الأحداث، وبنفس الوقت هو كان يصوّر المجتمع العراقي، كان يخبرني أنه هذه الصورة في المستقبل رح تمثّل مرحلة في العراق تنتهي، كان عمري عشر سنوات لما أهداني أول كاميرا، وأنا صورت جداً قليل لما كنت في العراق قبل الدراسة، بس لما ذهبت إلى الدراسة في إنجلترا باشرت في تصوير مواضيع معينة آخذ موضوع وأسافر في عدة مناطق في إنجلترا وأصورها، في 74 قررت أن أسجل الحياة اليومية في العراق، وأسجل العمارة التي أنا صممتها وأسجل عمارة المعماريين الآخرين وأسجل التلوث المعماري في العراق، يعني بالنسبة لي كانت متعة هائلة عندما أسجل مسائل كنت أدري أعرف

أحمد علي الزين: أنها ستزول.

رفعة الجادرجي: أنها تزول هذه. والآن نرجع إلى هذه التصاوير هي قسم منها زالت وبالأخص مثلاً الحِرَف، الحرف والطقوس الدينية.

أحمد علي الزين: وهل عرفت شيئاً عن بعض البيوت التاريخية اللي صورتها أنه إذا بعدها قائمة أم دمرت؟

رفعة الجادرجي: هالمدة الآن أرجع إلى العراق حقيقة عندي شيئين بودّي هذا. أرجع وأسأل الناس هل هم معيشتهم بالدار عندهم حس إلى الدار من ناحية سيكلوجية؟ كما أنا فكرت يتعين أن يكون حسّ الفرد في تلك الغرفة؟ مثلاً أنا كنت أصمم دار أحاول أفهم هذا الرجل والمرأة كيف يعيشون في غرفة النوم؟ كيف يعيشون في غرفة الاستقبال؟ كيف المرأة تستعمل المطبخ؟ وأصممه اللي بيرهم مع السيكولوجي مالها، بس بشرط أن يكون حديث، كثير كثير من البيوت أو العمارات، أنا قمت بأخطاء يعجبني أروح أسأل ما هي تأثير هالأخطاء على هذول الناس؟ وهلأ في الوقت الحاضر أفكر كيفية تصليح هذه الأخطاء فبودي أرجع أن أدرس الأخطاء وتأثيرها على الناس.

أحمد علي الزين: حلو كتير، على سيرة الصورة ويعني الموجز التراثي، مجتمعاتنا العربية الإسلامية تشكل عام يعني لا تهتم كثيراً ولا تعتني بهذا الإرث التراثي يعني من منجز معماري وحضاري ما بتحافظ عليه شو السبب بتقديرك؟

رفعة الجادرجي: هذا سؤال جداً جداً مهم. وأنا في دور تهيئة كتاب إحدى الفصول بيبحث هالنقطة بالتفاصيل، السبب الرئيسي أنه إحنا الحضارة مالتنا الأصل مالها الأصل البعيد هو بدو. بعيد عن الحرفة وليس احترام الحرفة وإلى الآن الشخص بالسلطة مهما كان الموقع مالو صغير في السلطة هو أهم من الحرفي، بينما الحرفي في البلدان المتقدمة مثلاً الصين اليابان كوريا بالأخص في أوروبا إيطاليا مثلاً الحرفي محترم، أحنا عندنا الحرفي غير محترم لأن البدو لا ينتج، البدو ينهب ويسرق والسرقة تحتاج شعر، بطولة، لا تحتاج الحرفي، الحرفي شخص غير مهم، هذه هالنوع من الحضارة انتقلت للعالم العربي بصورة عامة ومتأصلة بالدين الإسلامي، يعني بالدين الإسلامي لا يوجد في الوثائق أو النصوص الدينية تأكيد..

أحمد علي الزين: على أهمية.

رفعة الجادرجي: على أهمية الحرفة. وإنما تركيز على الإله الذي هو يعطي الإلهام للحرفة وليس الحرفي كإرادة عندها حسية ذاتية، لأن الأساس في الوجود هو ليس هذا العالم. نحن في انتظار إلى القفزة إلى ما فوق الزرقة في السماء.

أحمد علي الزين: الجادرجي من العائلات العريقة في بغداد. لعبت دوراً مهماً في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، رفعة الجادرجي هو وريث هذه الثقافات، والده كامل الجادرجي الليبرالي الثقافة والسلوك والرؤيا كان رئيساً للحزب الوطني الديمقراطي، شخصية واسعة الاطلاع والثقافة، نشأ رفعة الجادرجي في بيتٍ جمع ما بين الطقوس العراقية الدينية والدنيوية وبين الفكر الليبرالي والعقل الحر نشأ رفعة الجادرجي في هذا المناخ الذي يدبره دائماً عقلٌ متنور.

رفعة الجادرجي: يعني أحنا كعائلة عراقية فيها كثير من الطقوس البغدادية والدينية التي جاءت مع العائلة من أجدادنا واستمرت في العائلة، فأنا اطلعت عليها، والدتي كانت تقوم بهذه الطقوس وإلى آخره، كثيرة الطقوس. المهم في هذا أن والدي لم يتدخل في هذه الطقوس لا بالإيجاب ولا بالسلب نهائياً. يعني لا يعترض ولا يشجع، كل واحد عندنا في البيت هو حر، أنا علاقتي بوالدي وعلاقتي بوالدتي هو ليست علاقة ابن مع أب وإنما علاقة فرد مع فرد آخر، إذا قمت بعمل خطأ ما يؤنبني أبداً ما فد يوم أبداً أنبني على عمل وكنت أنا في بعض الحالات شرس يعني وأقوم بأعمال أخطاء كثيرة، فدائماً كان يطلب مني حضوري بشكل رسمي ويجلس هو خلف المائدة مالته بشكل جداً رسمي، كأنه حاكم ودائماً يطلب يبتدئ بالسؤال التالي، هل تعتقد أنت أنه أنا خبرتي أكثر من عندك؟ أقوله: نعم، يقولي فإذن اسمح لي أقولك رأيي بالشيء اللي أنت قمت فيه، يعطيني رأيه وخلاص ما يقول لي عدّل قضية تعود يمّي أنا.

أحمد علي الزين: يعني توصف عائلة الجادرجي بالعائلة الليبرالية.

رفعة الجادرجي: والوالد ليبرالي.

أحمد علي الزين: نعم.

رفعة الجادرجي: بس الحزب ديمقراطي. بس الليبرالية ما تدخل البلد إلا أن يصير مجتمع مدني. أحنا عندنا مجتمع أهلي، فما أصبح دور لأمثال كامل الجادرجي ولا إلى اللي يؤمنون بالديمقراطية أو غيرهم، وهالدور اضمحل لأنه موجود في العالم العراقي يعني هذه كلام الليبرالية في العالم العربي واهمة، الليبرالية تجي فقط مع المجتمع المدني وقت الفرد يعتبر نفسه مواطن، أحنا رعية، الانتقال من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي أو الانتقال من المجتمع الأهلي إلى المجتمع المدني عملية جداً جداً صعبة هذه، لأن هذه نقلة أساسية في تاريخ البشرية.

أحمد علي الزين: بدها وقت هيدي.

رفعة الجادرجي: بدها وقت.

أحمد علي الزين: نعم.

رفعة الجادرجي: فإحنا في هذا الدور إحدى مراحل هذا الدور هو المافيا، أحنا في دور المافيا، والآن عندنا ست سبع عصابات معممة في حالة معركة دائمية.

أحمد علي الزين: طيب أستاذ رفعة خلفك خلفك ثمانون عاماً.

رفعة الجادرجي: نعم.

أحمد علي الزين: عندما تلتفت قليلاً إلى الوراء هل تجد نفسك راضٍ عما قمت به؟

رفعة الجادرجي: أجد نفسي ضيّعت وقت كثير كثير من حياتي.

أحمد علي الزين: وهلأ.

رفعة الجادرجي: كثير كثير يعني أنا باشرت أقرأ بشكل جدي من صار عمري 17 سنة.

أحمد علي الزين: بتخاف على هذه الأشياء اللي أنجزتها؟

رفعة الجادرجي: يعني بالطبع مثل أي واحد مثل أنا ما عندي أطفال وهذا بالنسبة إلي.

أحمد علي الزين: أطفالك وأحفادك.

رفعة الجادرجي: كأنها أطفالي يعني هذا جزء من السيكولوجي مالتي يعني.