واسيني الأعرج

أحمد الزين: قد تكون الرؤية أكثر وضوحاً من هنا من هذه المدن أو من هذه الزاوية التي تمنحك منظاراً خاصاً للمشاهدة، قد تكون الرؤية أوضح رغم طغيان الرمادي لكن الشعور بالرحابة وبالحرية وبالهواء يجعل المرء أكثر قدرة على قراءة المشهد، وأحوال البلاد القائمة على الضفة الأخرى. والحسرة دائماً مرجحة، هنا لست بحاجة لبرهان لتتأكد أن مصادرنا والبلاد التي جئنا منها مصابة بالتلف وبالنسيان.

على كل حال إن سحر هذه المدينة هو دعوة دائمة لاكتشافها، وبالتالي لاكتشاف الذات واختبارها، هنا ليس من شيء مطلق سوى جمالها هو أيضاً يدعوك للتأمل والتفكر والتجوال محرض على الافتتان والسؤال.

ربيع باريس كان شديد البرودة لهذا العام 2009 لكنه لم يمنع واسيني من التسكع قليلاً في الحي الذي أحب نواحي جامعة السوربون وأزقة الحي اللاتيني بحثاً عن أطيافه الماضية، لم يمنعه صقيع الربيع من معاودة التأمل في سمو هذه الكاتدرائية هذا السحر المعماري، وفي إعادة تخيل أحدب نوتردام كما فعل يوم جاء باريس للمرة الأولى وعرج على ساحة الكاتدرائية. أما المرور ببسطات الكتب على ضفاف السن وتقليب صفحات عتيقة، فهي واحدة من عادات من أصيبوا بلوثة الكتاب. دائماً تعثر هنا على ما يثير فيك الفضول للمعرفة.

اعتاد واسيني على حيه هذا، ألفه ودخل منظومة وعيه وعلاقاته، وهذا المقهى لودبارك أصبح واحداً من عناوين واسيني، قد تجده هنا يتأمل العابرين أو قد يأتيك على موعد ويطل من خلف الزجاج كواحد من أبطال رواياتها يأتي لتفقد أمكنته.

واسيني الأعرج: هون واقع من بين ثلاثة مواقع بحبها كثير، يعني فيه المكان اللي أعلم فيه وأدرس فيه السوربون باريس الرابعة، وعندك من ورا باريس الثالثة جامعة اللغات، هاي جامعة متخصصة اللغات أنا أدرس فيها أدب عربي، وفيه كمان معهد العالم العربي مكان بحبه كثير. بعدين هون المكان الجميل ولودبارك تحديداً وهذا مقهاي من ساعة ما كنت طالب هون في الثمانينات، المكان هو محمل بذاكرة يعني ما فيه مكان حيادي ندخل لمكان ممكن تعبره عبور وتروح، لكن فيه أمكنة محملة بالذاكرة. أنا هاي المكان تحديداً لودبارك لما كنت طالب فيه محمّل بأصداء الأصدقاء الأوائل قصص جميلة..

أحمد الزين: قصص حب صغيرة..

واسيني الأعرج: صغيرة عابرة هيك، يعني لا طبعاً كله له قيمة لأنه كل يؤثر فيما بعد الذاكرة. أنا عندي فترتين في حياتي خصبين هي فترة الشعر فترة دمشق هي فترة مهمة جداً، لأنه تقريباً خليني أقول هيدا لأنه تعرفه أن الشام رحت أعمل تقريباً عشرين سنة وطلعت منها عمري ثلاثين سنة عز العمر، يعني بعدين لما جيت لهون أنا كل حياتي هي عبارة تحقيبات في أمكنة مختلفة، يمكن مشان هيك أنا ما مرتبط بالأمكنة بس ما عندي مكان محدد يعني أكاد.. أكاد أقول بأني أعيش في مكان تقريباً يعني لأن هون باريس الجزائر كلها أمكنة مهمة في حياتي يعني مش مفصولة يعني..

أحمد الزين: واسيني الأعرج فكرت باسمك شي مرة؟

واسيني الأعرج: طبعاً فكرت لأنه أنا اسمي له قصة حكيت لها الوالدة، أنا عادة لما يقول لك أسمك من وين أقول من واسى يواسي واسيني..

أحمد الزين: من المواساة..

واسيني الأعرج: من المواساة يعني بس الحقيقة مو هاي طبعاً، الحقيقي هو أنه جاي في الأصل من قبيلة اسمها قبيلة بني واسي وفي هذه القبيلة فيه ولي من أولياء الله الصالحين أقام يعني وأصله أندلسي وجاء..

أحمد الزين: وهم كثر في المغرب وفي المشرق..

واسيني الأعرج: كثير يعني فيه واحد منهم اسمه سيدي محمد الواسيني، فالناس كثير بيزوره وبيروحوا له، فالوالدة كانت تزوره ففي ليلة من الليالي يعني قبل ولادتي بليلة أو ليلتين.. إجا طبعاً وقف حصان أبيض وقال لها سترزقين ذكراً لأنه كان عندها أكتر البنات، يعني فإما تسميه باسمي وإلا بعد يومين أمر وآخذه، يعني فصباح العيد أنا ولدت صباح عيد الأضحى فجدي مبسوط أنه هاي علامات خير يعني فراح يسميني العيد على فكرة اسم ما كان كويس.. يعني هلأ على الأقل، يعني أمي ركزت وقالت لأ ما لازم يتسمى العيد لازم يتسمى واسيني لأنه وحكيت له القصة، ومنها سميت التسمية وصار فيه تآلف بيني وبين اسمي.

أحمد الزين: يقيم واسيني الأعرج في هذه المدينة يعلم في جامعتها السوربون الأدب وعلم المنهج، جاءها عام 1994 عندما ضاقت به أحوال البلاد وحاصرته لعنة الموت مثل العديد من المثقفين في بلده الجزائر، ترى ما الذي يشغله الآن؟ أو ما هو السؤال الذي يشغل واسيني الأعرج كمثقف وكاتب وجامعي مقيم في باريس؟ كيف يرى صورة بلاده من هذه الضفة المقابلة؟

واسيني الأعرج: فيه أوضاع مثل هذه المعقدة أعتقد أن هناك قضيتين، القضية الأولى هو كيف يحافظ الإنسان على نوع من الصفاء الداخلي حتى ما تكون رؤيته متشائمة وإلغائية إقصائية إلى آخره، لأ بل لازم تكون عنده نظرة تأملية. والنظرة الثانية هو أنه كيف أن الكاتب يمكن أن يعبر عن لحظة حساسة في زمن معين، لأنه إحنا جايين نعيش زمن ونمضي يعني ولا ندري ماذا سيحصل بعدنا، يعني لكن على الأقل نحن أبناء زمن معين، أنا قلت كيف يمكن أن أعبر عن زمني؟ كيف يمكن أن أعبر عن لحظة أنا عشتها في زمن معين وفي لحظة معينة؟

أحمد الزين: وأنت بتكتب تحت وطأة هذا الهاجس؟

واسيني الأعرج: طبعاً أنا غير منفصل عما عم، يحدث وأكثر من ذلك يعني في كل لحظة وكل ما أكتب نص من النصوص، أحاول أن أعيد النظر في اليقينيات، تعرف مجتمعاتنا تعطينا يقينيات أكثر مما تعطينا أسئلة..

أحمد الزين: الأجوبة مطلقة..

واسيني الأعرج: طبعاً أجوبة مطلقة، بعدين الأجوبة المطلقة أنا في اعتقادي أن تقتل إنسان لا تدفع به إلى التأمل ولا تدفع به للذهاب بعيداً في رؤيته، فأحاول أن أتوقف لحظة ونعيد النظر بعدين نقول يعني هل أنا على حق أو على خطأ، هل ما كتبت له قيمة أم ليست له قيمة؟ لأنها فعلاً أسئلة مهمة، ويمكن بواسطة هذه الأسئلة يمكننا أن نتطور ونخرج من دائرة الضيق والجاهزية والإطلاقية واليقينية.

أحمد الزين: نعم. للأسف يعني عم نحكي عن شعوبنا وعن الأجوبة المطلقة اللي تعيش فيها بتعيش أيضاً بالخرافة يمكن أكثر ما بتعيش بالواقع، يعني أنت بس تكتب بتفكر بالقارئ العربي أكتر أو يعني للأسف أنه معظم الكتاب ينتظروا يترجموا إلى لغات أخرى حتى يتم الاعتراف فيهم بالغرب أكثر، وكأن القارئ العربي مش متوفر بالزخم اللي متوفر فيه القارئ الغربي؟

واسيني الأعرج: أنا معك تماماً هي ظاهرة لا يمكن أن تُنقل، يعني فيه كتّاب العرب حتى كانوا يكتبوا بلغة وصاروا يكتبوا بلغة أخرى في متناول المترجم، لأن المترجمين ليسوا دائمين جيدين ومستواهم اللغوي مش دايماً كويس، لكن مع ذلك قيمة الترجمة في مثل هذه الحالة هو النص ينتقل من دائرة معينة ثقافية وفكرية وحضارية إلى دائرة أوسع، وأحياناً هذه الدائرة هي التي تسمح للقارئ الأجنبي أن يطالعلك، أنا الكثير من كتبي في الحقيقة لم تُعرف باللغة العربية ولكن عرفت عن طريق اللغة الفرنسية فترجمت إلى اللغة الإسبانية وترجمت إلى لغات أخرى.

أحمد الزين: طيب خليني نحكي شوي عن نصك عن روايتك "شرفات بحر الشمال" مثلاً رواية مليئة بالأشواق والحنين والحب والخسارات والغيابات والرحيل، بطلها ياسين وفيه بطلات أخريات فتنة، هذا ياسين أديش بيشبهك؟

واسيني الأعرج: هو يشبهني أقول أنه يشبهني كثيراً طبعاً هو ليس أنا بالضرورة، طبعاً كما تعرف يعني أن الكاتب عندما يكتب أكيد يستعير عناصر مهمة من ذاته. لكن في هذه الرواية تحديداً فيها عنصر استعارة كبير على الأقل من حيث الجوهر، تعرف أحياناً نستعير الداخل حتى مو الشكل فقط، يعني البطل خرج من الجزائر تحت ظروف وظروف قاسية يعني ظروف الإرهاب، وهذا فيه شبه. لكن أهم شي في هذه الرواية هو أني نقلت مشهد الرواية ومشهد الصراع من مكان كان يمكن أن يكون طبيعي للمنفى وهو فرنسا لأنه لما جيت جيت مباشرة من باريس فأنا نقلته إلى امسترادم لسبب بسيط، هو أنه أنا كنت كتبت قبل ذلك شي ثلاثة أربع روايات حول الوضع القاسي للجزائر، فحبيت أطلع من هاي الوضع برواية حب مستقلة يعني ما فيها سياسة ولا فيها صراع، فنقلت ورحت حتى المكان أنا اعتبرته أنه مكان حيادي. تعرف امسترادم مدينة لطيفة وكان يسميها صديقي الكاتب اللي دعاني إلى امسترادم اسمه فانتور وهو كاتب مهم بهولندا، فيقول لي يا واسيني هذه المدينة هي مدينة بريئة، إذا ما شفت أنه فيها براءة فمعناتو فيه شي خلل إما فيك وإما في هذه المدينة، ويمكن هو كان دافع أنه صبغ على الرواية هذه الصبغة الدافئة، يعني رغم الحزن رغم القساوة بس شوف ناس..

أحمد الزين: فيها حميمية كتير..

واسيني الأعرج: جداً فيه بارات فيه أماكن موسيقية وفيه متاحف..

أحمد الزين: يبدو أن حالة الحب الملتبسة حالة دائمة الفشل، أجمل شيء فيها أننا نقضي مطلع العمر كله في ترميم الكسورات المترتبة عن هذه الهشاشة. عندما انتابتني غفلة الحياة ضيعت المنعطف الصغير الذي لا يرى بسهولة، وظننت أني لم أراه مطلقاً. إننا نذبل مثل النباتات التي تحيط ببيوتنا الصغيرة، ونموت مثلما تموت بعيداً عن الشمس في بلاد لا شيء فيها سوى الشمس، كل ممتلكاتي تنام الآن في قلبي المتعب. الملفت يعني في معظم أعمالك تلك اللغة عالية المزاج يعني إن صح التعبير، يعني هل هذا ناتج عن افتتان خاص باللغة، عن سحر هيك عن أسر أسرتك هذه اللغة؟

واسيني الأعرج: طبعاً أنا من الأول يعني أقولها دائماً أنا ذهبت نحو اللغة العربية، وبالتالي إصراري وانتسابي إلى هذه اللغة ليس انتساباً وراثياً، لو كان وراثياً يمكن أطلقها بس مش وراثي يعني عن حب، وعن عقد مسبق عقد داخلي تجاه جدتي وتجاه تكويني الخاص. ولهذا أنا دائماً أشتغل في عمق هذه اللغة، صراحة أنا ما بحب كثير اللغة المباشرة رغم أنه لها قيمتها لأنه في بعض النصوص تحتاج إلى شي مباشر، لكن أنا طبيعة كتابي هي كتابات تظهر نحو الداخل إذا لاحظت أنه كله يدور أحياناً.. كأننا نستيعد شغلات قديمة مرتبطة بالذاكرة، وهذا فعلاً يحتاج إلى لغة المفروض تكون فيها شفافية كبيرة. يعني أنا لا أدعي أني حققت هذا المطلب لكن فعلا ًأجهد نفسي لكي أحافظ على هذه الشفافية وهذه الرقة في اللغة، لأني أعتقد أن هذه الشفافية هي الوسيط الحقيقي مع القارئ، لأنها إذا ما تمس القارئ داخلياً مش ممكن تؤثر فيه أو تمسه.

أحمد الزين: صحيح، هناك من يجد أن تحميل نص روائي لغة هيك عالية تقع في الشاعرية أحياناً، يعني مثلاً فيني أضرب مثل فتنة عندك بالنص في شرفات بحر الشمال، فتنة بتحكي لغة عالية مع أنه هي امرأة عادية جداً، وكأنه أنت عم تعطيه من لغتك أنت لهذه الشخصية؟

واسيني الأعرج: ممكن، يعني هذا ممكن قد يكون ضعف الرواية لا أدري معناتو.. قصدي أنا مش في موقع.. لكن أنا الشيء اللي جعلت فتنة تتحدث فيه أنا جعلتها تتحدث انطلاقاً من داخلها، وفي الداخل له لغة خاصة قد أكون مثقف وأواجه امراة ليست مثقفة بالشكل الكافي، لكن لها عمق ولها غنى داخلي ما يجعلها مثيرة للانتباه والعكس صحيح.

أحمد الزين: طيب خلينا نحكي شوي عن المكان، طبعاً للمكان في أعمالك مكانة خاصة أيضاً، أنت من الناس المفتنونين بالأمكنة، وبتشتغل على المكان بتراقبه بتعاينه بترصده، حتى أبطال رواياتك كمان يتحدثوا عن المكان، فيه عبارة تتردد للأمكنة رائحة، شو مفهوك للمكان في نص الرواية؟

واسيني الأعرج: شوف أولاً أنا في حقيقة أظن أن المكان أولاً المكان يجب أن لا يُفهم على أساس أنه مساحة ثابتة، لأن المكان أحياناً قد يكون في الرأس لأن البطل اللي نقلته من الجزائر إلى امسترادم لكن عملياً هو لم يكن في امسترادم هو كان في الجزائر، فمعناتو المكان كان بذهنه. بس المكان اتضح أكثر لما بدأت أكتب رواية الأمير، يعني حتى أجسد لك القضية. في رواية الأمير طبعاً أنا زرت تقريباً كل الأمكان اللي أقام فيها الأمير إما قسراً وإما إرادياً..

أحمد الزين: عبد القادر الجزائري..

واسيني الأعرج: عبد القادر الجزائري تماماً، فرحت مثلاً لقصر أومبواز اللي كان الأمير مسجون فيه، يعني صدقني إذا قلت لك أني وأنا أدخل المكان شفت الأمير وشميت روائح عجيبة، يعني هي مزيج من البخور مزيج من العطور القديمة.. القديمة جداً، بس اللي أنا أنتسب لها مش عطور أوروبية يعني كأنها جاي من مكان آخر، وشايف الأمير فعلاً أمامي، يعني وهذا كله أنا أعتقد أنه يغيّر يلعب دور في الكتابة، فهي قصدي أن زيارة المكان هي دائماً إيحائية وتضع أمامنا عناصر غير محسوبة أبداً يعني.

أحمد الزين: نعم شو اللي خلاك تنتبه أو تذهب إلى هذه الشخصية؟

واسيني الأعرج: أولاً أنا كنت قلت لك قبل شوي حاولت أني أخرج من دائرة الإرهاب في الجزائر من ناحية الكتابة لأنها أثرت علي، وأثرت على جيل كامل قلت أطلع منها.. يعني فحاولت في شرفات بحر الشمال، شرفات بحر الشمال وجدت نفسي في عمقها تماماً يعني ما طلعنا ما أقدر، يعني بس بعدين إجت رواية الأمير عبد القادر فهاي كان أولاً سببها أنا تفاجأت تماماً أن هذا الرجل يتكتب عنه مئات الكتب والوثائق، كان عندي مكتبة خاصة فقط بالأمير لما كنت أكتب الرواية، فقلت طيب هذا اللي تكتب عنه كل هذا الشيء وبعدين ما فيه حد انتبه له ولا كتب عنه رواية لأنه الحقيقة الرواية تحرر التاريخ، تعرف أنه لما تكتب التاريخ فأنت داخل حقيقة بين قوسين مطلقة وهي ليست مطلقة، هي حقيقة منظور لها من موقع مؤرخ محدد. لكن الرواية ممكن تفجر هاي الحقيقة وتفتح أبواب ثانية غير معروفة في حياة الأمير، فلقيت الأمير عبد القادر مع أول قس بالجزائر هذا مسيحي وهذا مسلم أديش كان بيناتهم الحوار بمستوى عالي عالي جداً، هذا الحوار لا يقول التاريخ عنه ولا كلمة، هذا التاريخ يذكره في جملة، بينما هو أهم شيء الذي يوفر لفرصة الإجابة عن سؤال البشرية ممكن أن تتحاور في أقصى درجات العنف.. في أقصى درجات الحروب؟ بتعرف حتى الرواية التاريخية يجب أن تجيب سؤال ليش أنا رحت نحو التاريخ؟ وأنا أكتب على الأمير عبد القادر أجيب على سؤال صدام الحضارات، أنا أقوى لأ الحضارات تختلف وأحياناً تختلف بحدة، بس رهانها النهائي في نهاية المطاف هي أن تتحاور وإلا تأكل بعضها والبعض والبشرية تأكل بعضها البعض.

أحمد الزين: صحيح. في عمل آخر يصب في المنحى التاريخي هو سايكس بيكو أظن هاي المرحلة، طبعاً أنت ومجموعة كتّاب بتكليف ربما من دولة قطر في مرحلة، خبرنا عن هالتجربة الحقيقة شوي غامضة؟

واسيني الأعرج: هاي مشروع طُلب من الكثير كتّاب يعني يمكن 50 كاتب أعتقد يعني وسوّي مؤتمر فيما بعد اسمها الرواية والتاريخ، طُلب من العديد من هؤلاء الكتّاب أن يفكروا في فكرة هل يمكن أن ننجز رواية انطلاقاً من محور صغير هو "العرب من اتفاقية سايكس بيكو إلى اليوم" هي جملة صغيرة لكن من وراها قرن يعني من التاريخ ومن الإحباطات إلى آخره.. فأنا كان عندي حظ أنه كنت من بين هؤلاء الأسماء اللي طُلب منهم أن يفكروا في الفكرة، وفكرت فعلاً وتصورت مشروع، واستقر المشروع على ست كتّاب في نهاية المطاف عربيين، فطلب منهم أن ينجزوا هذه المشاريع. فالمشاريع استمرت تقريباً ثلاثة سنوات، أنا أنجزت روايتي سميتها الشرق في جزئين ضخمين، يتناول الوضعية العربية من بداية القرن بداية الحرب العالمية الأولى حتى سقوط البرجين التؤامين، أنا حبيت أقول في فكرتي الداخلية أنه هيك تقسيم وهيك وضع يؤدي لهيك بشر في نهاية المطاف يعني.

أحمد الزين: يعني الكتابة بهذا الهاجس شبه تكليف إذا صح القول أو بطلب معين يحدّ شوي من العملية الإبداعية؟

واسيني الأعرج: شوف لما تكون المحاور محددة، بس لما يكون عندك محور بصراحة أنا بالأول قلت بكل صراحة تقريباً رفضت يعني لأنه شفت في المسألة فعلاً من منطق هاي حد الحرية، لكن لما تشوف أنت المحور فيه مساحة قرن من الزمن، وأشهد أنه ما فيه ولا شخص يعني ضغط أو تكتب من وجهة معينة، طبعاً مستحيل تسوّي هاي مع الكتّاب وإلا يرفضون المشروع، يعني فكان بس المحور أنه العرب بين اتفاق سايكس بيكو واليوم، لكن بين اتفاقية سايكس بيكو إلى اليوم قرن من الممكن أن تتحرك فيه، الأمير عبد القادر نفسه يدخل تقريباً بهذا السياق بدون ما أعلن عنه.

أحمد الزين: صحيح. واسعة فضاءات واسيني الأعرج وحميمه ومتشعبة ومتداخلة، قصص حب وغيابات وخسارات وهزائم وبطولات صغيرة. شخصيات تأتي وتغيب ترمم انكساراتها، أبطال من صميم الواقع وآخرون من صنع الخيال. كتب عن أحوال الجزائر في جحيم الموت والإرهاب، وكتب عن تجربته في دمشق. بحث في حياة وزمان عبد القادر الجزائري وكان كتاب الأمير، وكتب عن أهل وأحوال فلسطين في شتاتهم وآلامهم سلاتة لأشباح القدس.

غزير واسيني الأعرج ومتدفق وصاحب مزاج لغوي، تُرجم إلى أكثر من لغة، ونال العديد من الجوائز منها جائزة السلطان عويس وجائزة الشيخ زايد، وكان عضواً في لجنة التحكيم لهذه الجائزة عام 2009، السؤال هو إلى أي مدى يكون المرء عادلاً عندما يكون في لجنة تحكيم ويقرر بلحظة ما أن هذه الجائزة يستحقها فلان؟

واسيني الأعرج: طبعاً هو أولاً هاي صعبة يعني أكيد يعني المسألة مش بسيطة، لكن في مقياس واحد هو أننا كيف نحكّم المقياس الموضوعي حتى خارج الذات، طبعاً رح تقول صعب الإنسان يكون خارج ذاته. لكن أنا أعتقد أنه فيه قدر من الموضوعية، ومقياس التحكيم أنه ما يتدخل فيه قيمة الكاتب كقيمة، طبعاً هي قيمة فارضة لكن الكاتب يمكن يكتب السنة هديك يكتب نص سيء، وبعدين أن الجائزة لا تعطى لمجمل أعمال تعطى للعمل، بدك إذاً تكون حذر أنه لا تكون هيمنة وسلطان الكاتب وشهرته وسيلة ضغط، يطغى عليك بعدين تعطيه جائزة يمكن لرواية لا تستحقه، فيه رواية لواحد شاب لساته طالع ويستاهل كل جائزة، أعتقد هذا هو السؤال الأساسي.

أحمد الزين: يعني الجوائز العربية بغالبيتها هي جوائز حديثة يعني مش متل الغرب، هي تقليد حديث مش مثل الجوائز الغربية اللي تمنح لكتّاب سنوياً ذات قيمة ومعينة، كيف بتقيم هالتجربة العربية يعني دون شك هي أظن أنها مفيدة بجانب منها..

واسيني الأعرج: بطبيعة الحال أولاً شوف في مظهر أول أن الكاتب أو المبدع أو الفنان يكتب لأنه له رغبة بالكاتبة، أنه مقتنع داخلياً أن ينتج بل أن الكتابة هي وسيلة حياة يعني بالنسبة له. فإذاً الجائزة تقع على الهامش يعني مش مهمة من هذه الناحية. لكن في الوقت نفسه الكاتب يحتاج إلى نوع من الاعتراف، والجوائز في أوروبا طبعاً أنت تعرف أن الإنسان لما يحصل جائزة غونكور أو جائزة فيمينا مثل بالنسبة للجوائز الفرنسية أو حتى جائزة نوبل، قيمتها ليس فقط في قيمتها المادية حتى قيمتها المادية أحياناً لا تكون مهمة مثلاً جائزة الغونكور مش كتير يعني، لكن قيمتها الفعلية هي أنه تتحول جائزة إلى جسر بينك وبين القرّاء..

أحمد الزين: هي أهم من القيمة المالية..

واسيني الأعرج: الجوائز العربية طبعاً لهلأ لم تصل إلى هذا المستوى، يعني هي تنبه قليلاً بأن هناك قاص وكاتب إلى آخره أنه يروح له، طبعاً هي أحسن من عدم وجودها لكن إلى الآن لم تحقق هذا المبتغى.

أحمد الزين: واسيني الأعرج نتابع في عوالمه.. نتابع في عوالمه ومناخاته وأحواله من جزائره إلى إقامات طويلة في دمشق إلى باريس، نتابع أطياف أبطاله ما بين جغرافية الواقع ومساحات الخيال. من بداياته العتيقة في الأندلس عبر حكايات الجدة، من غياب الأب مبكراً واستشهاده في الثورة الجزائرية إلى أبحاثه التاريخية لروايات قادمة عن أحوال العرب بعد سايكس بيكو. من هذه العلاقات والغيابات والهجرات والخيالات.

نتابع مع واسيني الأعرج حكايته أو بعض حكايته إنساناً وكاتباً، هنا في وطنه الآخر باريس في دارته الصغيرة يواصل مع زوجته زينب الحلم والكتابة والأمل، يستعينون بعشق معتق لكأسيهما ولمزاولة الرحلة.

زوجة واسيني الأعرج: الحياة هي من مجموعة من التناقضات والإنسان في حد ذاته هو إنسان إشكالي يعني داخلياً، وبالتالي يحاول الإنسان قدر المستطاع أن يبحث عن الأجمل في داخله وحتى في اللحظات ربما اللي تكون صعبة يحاول يفكر في الحاجات الجميلة اللي جمعت اثنين يعني مع بعض، ويرمي وراه ربما هاي الشغلات البسيطة اللي يمكن ثؤثر في لحظة من اللحظات. الإنسان يحاول، ثقافته تجربته يستغلها من الجانب الإيجابي حتى تؤثر إيجابياً على حياته الزوجية والحياة العائلية والمحيط، ونحاول نمد هيك إشعاع ولو صغير يعني للمحيط اللي نعيشه مع طلبتنا ومع عائلتنا ومع الناس المحيطين بنا.

أحمد الزين: نعود مع واسيني الأعرج إلى أحضانه القديمة إلى كتابه الأول وكتّابه، إلى دارة الأهل وبدايات الخطوة. طيب خلينا نرجع لبدايات تلمسان وحكايات الجده الجميلة اللي من أصول أندليسية، شو بتخبرنا عن تلك الأيام عن الجده عن الأهل؟

واسيني الأعرج: أولاً أنا بصراحة يعني أنا أقول دائماً أن معلمي الأول هو جدتي فاطمة يعني في الحقيقة فاطمة نقول لها فاطمة بالجزائر فطنه، فهي التي علمتني وهي التي كانت.. طبعاً هي مش مثقفة ولا متعلمة ولا أي شيء، لكن كان لها سرعة بديهة وقوة ونظر وذاكرة خصوصاً الذاكرة هي كانت مخزون الذاكرة الجمعية، أنا بفضلها سويت بيني وبين العصر اللي ما كنت أعرفه هي الوسيلة، يعني فهي كانت تحكي عن جدودها الأندليسيون اللي أجوا من أندلس إلى آخره.. فأنا هذا ربتني بهذه الثقافة وبهذا الإرث. كنت آخذه كإرث حكائي مش كإرث تاريخي، بعدين تحققت طبعاً من الجانب التاريخي، لكن كانت تقول دائماً جملة أنه إذا أردت أن تتعرف على أجدادك يجب أن تتعلم اللغة العربية بدون هيك ما فيه.. يعني تعلم اللغة الفرنسية ما فيه مشكل لأنه نحن وقتها كانت الفرصة الوحيدة أنك تتعلم اللغة الفرنسية المدرسة الفرنسية ما كانش فيه مدرسة عربية، واللغة العربية كانت ممنوعة من حيث التعليم والمدارس، كانت أمام اللغة العربية فقط الكتاتيب والمساجد يعني أما ما عدا ذلك.. فأنا تعلمت فعلاً رحت الكتّاب وتعلمت اللغة العربية، بالبداية كانت أكثرها إرضاء لجدتي مش أكثر من هيك، يعني لكن فيما بعد فعلاً أحببت اللغة العربية وبشكل متوازن، ويمكن كان لها الفضل أني صادفت نص جميل يعني ألف ليلة وليلة..

أحمد الزين: أول كتاب سرقته..

واسيني الأعرج: فعلاً كنت أقرأ القرآن، لكن صادفت كتاب بدا لي كأنه غريب لا يشبه ما كنت أقرأه.. أولاً منزوع يعني الغلاف بس هيك من فوق، يعني فقلت لا هذا مش طبيعي، بعدين حبيت الكتاب بشكل غريب بصراحة يعني أنه قلت لا بعدين أقنعت نفسي تخيل طفل عمره خمس سنوات حتى أقل من خمس سنوات، يعني عم بقنع نفسي لا هذا عيب الكتاب ما لازم يكون هون هذا في مكان مقدس كتّاب وكذا.. بعدين الكتاب يحكي حكايات مو كويسه، فأخذته وضعته في عبي متلما يقولونه وخبئته وطلعت فأوقفني الشيخ أو الفقيه متلما نسميه أو سيدي كما كنا نقول له، قال لي كان سميني الأزعر الحمصي الأزعر الحمصي مش بالمعنى الشرقي بالمعنى الأشقر الحمصي اللي لونه من حمص يقول لي اسمع يا أزعر الحمصي وين رايح، قلت له سيدي.. وأنا خايف وارتعد.. فراح لمس راسي فوجد نوع من الحرارة حرارة الرعب أنا خايف أنه يكتشف الكتاب ويفضحني، يعني فقال لي طير روح قول لأمك تسوي لك زهورات يعني فانبسطت ورحت بالكتاب فرحان، أول ما دخلت دخلت في الفراش وسحبت الكتاب وبلشت أقرأ. يعني فكانت الجدة كل ما تشوفيني أقرأ الكتاب فخورة جداً، وتقول لخالاتي تقول أنه أنا كبرت شوي في المجتمع النسائي أقولهم شوفوا أنا الوحيد اللي ورث من أولادي اللي ورث عن جده تقليد القراءة والاهتمام بالقرآن الكريم هو ابني واسيني، أنتم كلكم لا تصلحون طبعاً مسكينة ما كانت تعرف..

أحمد الزين: والله لم تخطئ..

واسيني الأعرج: أنا كنت أقرأ في الحقيقة كتاب ألف ليلة وليلة وليس.. لأنه ما كان عنده غلاف ما عندي قدرة عارفة أنه مش القرآن طبعاً الكريم بس نص آخر يعني..

أحمد الزين: يمكن هو اللي أسس مملكة الكاتب على الأقل الكاتب..

واسيني الأعرج: أنا بصراحة أعتقد لأنه أولاً كان أول عصيان سرقته، أول عصيان لشي كبير يعني انه مش ممكن تعصى أنت المكان وحرمته إلى آخره وتسرق من داخله كتاب.

أحمد الزين: طيب بتقول أنه أنك تربيت في مجتمع نسائي، يمكن مشان هيك منشوف حضور كثيف أحياناً للنساء برواياتك؟

واسيني الأعرج: أولاً المنبع الأساسي لهذا الحضور النسائي صحيح أنا شوف مثلاً في بيت كان فيه الأم والأخوات الثلاثة والجدة وبنات أخوالي وبنات خالاتي، وبعدين غير المحيط تبع القرية فكل النساء رجال قليلين لأنه ليش هذه ممكن تفسرها تاريخياً، أحد الرجال الكبار الجيل الأول مات في الثورة ما بينهم والدي استشهد في الثورة الله يرحمه، الجيل الثاني ما فيه عمل فراح على فرنسا يشتغل يعني فجاء لهون واشتغلوا، فبقى جيل الأطفال صغار، فأنا كنت صغير فعلاص ومرتبط بهذا.. وشفت معاناة الأم يعني وهي عايشه لحالها شفت معاناة الأخوات شفت.. ولهذا ما بعرف تكونت عندي عاطفة خلينا نقول استثنائية يعني تجاه المرأة من ناحية إنسانية ومن ناحية داخلية.

أحمد الزين: مشان هيك حاجتك لها حتى بالرواية مريماتك بالروايات يخزي العين كتار..

واسيني الأعرج: إي كثير..

أحمد الزين: نعم. بتقول أنه لديك عمل جديد عن شخصية اسمها مريام تيجي بتحاسبك ككاتب وكذا، أنه تفضح لك أكاذيبك وهذه الحيل اللي كنت تعملها؟

واسيني الأعرج: نعم، شوف أنه كل روايتي تقريباً باستثناء اثنين أو ثلاثة يعني بس روايتين من العشرة تقريباً كل شخصياتهم الأساسية مريم، بس مريم تتلون يعني من رواية لرواية مش نفسها يعني لكن التسمية هي نفسها. وأنا عم اشتغل في الرواية الأخيرة أنه شخصية مريام هي التي ستحكي، وبعدين تعطي نوع من الإيهام كأنه صح وصراحة أقول لك مو صح حتى نطمئن، يعني فتجي تحاسب الكاتب فتقول حقيقتها في الوقت نفسه تقول حقيقة الكاتب، أنا بالنسبة لي هي متلما يقولون أنها مرآة تخرج فيها الباطن الذي لا يرى يعني للإنسان، قد يكون باطني أنا لكن قد يكون هذا الباطن مقتسم مع كتّاب آخرين ومع ناس آخرين ومع القرّاء، لأني أعتقد أن جزء من وفائنا نحو القرّاء هو أن نمنحهم في كل كتاب حق المشاركة، ويجب أن نهز فيهم شيء عميق نائم لأنه شوف أستاذ أحمد أن النص.. طبعاً لا ننجح دائماً يعني مفروغ منها لكن نحاول أن نهز هذا الشيء النائم فيهم، ولا يرونه ولا يلمسونه لكن الكتابة من حين لآخر توقظه. فأنا هاي المرة شفت إيقاظ عن طريق المرآة الشخصية اللي هي نفسها مرآة القارئ ومرآة الآخر.

أحمد الزين: طيب من دمشق إلى باريس السوربون طالباً ثم يعني أستاذاً من خمسة عشرة سنة، فينا نقول أنه باريس كانت هي مرحلة خصبة في نتاج فضاء فتح أمامك آفاق قد تكون مغلقة أو مسدودة في مطارح الأخرى؟

واسيني الأعرج: أستاذ أحمد أنا جيت لباريس بالأول مش خياراً بصراحة، يعني أنا في 94 جيت كان في ظرف في الجزائر صعب وقاسي..

أحمد الزين: الإرهاب كانا بلش يعني.

واسيني الأعرج: كان قاسي، بعدين أن بقيت تقريباً سنة أنا وزوجتي وابني مخبين في بيت يعني ما منطلع، يعني حتى مفهوم المقاومة أحكي لك بصراحة ما صار له جدوى تقاوم من بأية وسائل، وبعدين كيف؟ يعني أنت لما تكون ببيت ومغلقة عليك ومخبي في بيت أنه خايف تطلع بس يطخوك يعني شو قيمتها، بعدين جتني دعوة للمدرسة العليا للأساتذة فقضيت الست شهور الأولى مدرساً يعني مع الأستاذ الكبير المستشرق الكبير دانيال يعني لأننا مع بعض نساوي سيمنار وكنا نسوي سيمنار حول الأدب العربي وعلاقته بالثقافة الأوروبية تحديداً الرواية كيف نشأت، يعني لكن باريس أنا أعتقد يعني فيما بعد صارت محطة أساسية بالنسبة لي من الناحية الكتابة، لأن الكتابة أصبحت رهاناً حياتياً يعني كيف تقاوم المنفى إذا صح نسمي هيك، يعني كيف تخلق لنفسك مكان وهو مكان قد اندثر، يعني مكان أصبح في الذاكرة نتكلم عن الجزائر لما جيت أول مرة هون لباريس، كيف تخلق رابط. بعدين أنا قبل ما أغادر الجزائر تكون عندي إحساس غريب هو العلاقة مع الموت، تعرف أنت لما تواجه متل اللبنانيين يعني بفترة من الفترات الحروب الأهلية لما تواجه الموت يومياً، فكيف تصير تقول أنا كنت أكتب وقتها أكتب سيدة المقام، وبعدين كتبت رواية أخرى اسمها "ذاكرة الماء" فهاتين الروايتين أنا أتذكر جيداً ظروف اللي كتبت فيهم الروايتين، كنت أمشي في الشارع وأقول: يالله لو الله يمنحني شوية عمر فقط يعني أني على الأقل أخلص روايتي، طيب كل الرهانات معلقة.. فتصير رواية وسيلة حياة، بعدين بس خلصت سيدة المقام صرت أراهن على نص آخر مشان تستمر مشان تعيش أكثر.

أحمد الزين: عندما انتابني جدي من أمي سيدي بومدين الأندلسي وأنا في غفوة على الجهة الأخرى من ساحل البحر الميت، كان واقفاً عند رأسي يتمادى بعينه بعيداً نحو الضفاف المقابلة، قبل أن يمد يده اليمنى في الفراغ اللذيذ لتحط في عمق كفه فراشة بآلاف التدرجات والألوان، نظرت إليه ملياً بعينيها الصغيرتين ثم نامت ولم تستيقظ أبداً، حاول إيقاظها بنعومة، ولكنها استمرت في إغفائتها. أدرك سر الإشارة في عمق العلامة، لا أدري ماذا حدث له لحظتها ولكني رأيته يتضور ألماً ويمسح عرقاً تصبب على جبينه فجأة لم يقل شيئاً كانت الفراشة ما تزال نائمة، جرني ورائه وهو يسرع الخطى نحو حي المغاربة في عمق القدس ليبني في نهاية المسلك مقاماً جليلاً نام في حضنه بعد أن تعطر ولبس برنسه بألوانه الزاهية، ولم يستيقظ أبداً. كيف اكتشفت نفسك كاتباً؟

واسيني الأعرج: أنا أول خياراتي أولى خياراتي في الكتابة كان في كتاب ألف ليلة وليلة، بس قبله كان بلشت أفكر كيف أنسج قصص مثل الجدة، لا نقل دائماً أنه أول.. يعني فكنت مثلاً في الثانوية أجمّع حولي أصدقاء أنا كنت في النظام الداخلي يعني داخل الثانوية ما أطلع لأنه البلد بعيد، من الإعدادية حتى البكالوريا كلها قضيتها داخل الثانوية. فداخل الثانوية جو صعب يعني فبدك تخلق هيك جو إنساني، فكنا بعد العشاء نطلع مجموعة أصدقاء أنا أحكي لهم الحكايات فصرت آخذ مكان الجدة..

أحمد الزين: صرت حكواتي

واسيني الأعرج: وصرت أدون المشكلة أنه.. بعدين قلت لهم كلهم أنه بكرة أنا عارف القصة بكرة أحكي لكم وأنا لا أعرف شيئاً، بس بدي باليوم أفكر شو أحكي للشباب.. بعدين طبعاً اكتشفت نصوص عربية مثل ألف ليلة وليلة، واكتشفت خصوصاً نص آخر هذا في وقت لاحق.. فشكل لي النصان يعني دافع وزخم وحالة تثبت، هذا يستجيب لشيء إسباني موجود في أعماقي ثقافياً أتكلم أندلسياً، والثاني يستجيب لجانب تراثي ثقافي إنساني في الوقت لكن نفسه له علاقة بالأندلس، ففي نهاية المطاف يعني دونكي شوت وألف ليلة وليلة بالنسبة لي في الصورة كانت في ذهني هما انعكاس أو انعكاسات مثل الأيقونة لنص واحد يعني هذا النص كان بذهني، فأنا أعتقد أنه..

أحمد الزين: فيك شيء دنكي شوت..

واسيني الأعرج: قد يكون، أنا أعتقد أن هذه النصوص فعلاً كانت هي النصوص المحركة طبعاً فيما بعد أنا سأدخل المدرسة الفرنسية وأتعلم اللغة الفرنسية، وأتفتح على الكتابات الكلاسيكية قرأتهم في وقت متقدم جداً يعني بس طبيعي لأن المدرسة كانت هيك لأنه كانت مدرسية فرنسية مو مدرسة جزائرية.

أحمد الزين: عندما حاز واسيني الأعرج على منحة للتخصص خارج بلاده الجزائر خيّر بين لندن وباريس ودمشق، فاختار دمشق، ويقول: لا أعرف تحديداً لماذا اخترت دمشق، قد يكون شغفي باللغة هو الدافع الأساس أو يكون الحلم القومي آنذاك، ودمشق كانت مدينة حية ومكاناً فسيحاً للقاء والتفاعل. جاءها ابن عشرين سنة وغادرها ابن ثلاثين عشر سنوات من سبعينات القرن العشرين أمضاها هناك، حاز خلالها على شهادة الدكتواره، وألف كتباً وحباً وأصدقاء. ثم غادرها ليبدأ بعد سنوات قليلة محطة جديدة في باريس، وباريس كما يقول تجعلك تعرف معنى آخر لنفسك وفرديتك فضاء يحرضك على البحث والسؤال، إنها مدينة تُخصب الخيال. واسيني الأعرج موزع في الأمكنة كما أحوال أبطاله ما بين باريس والجزائر، يزاول مهنة التدريس في باريس من أجل العيش اما في الجزائر وفاء للمكان ولذاكرته كما يقول؟

واسيني الأعرج: تعرف أنت هو لما تعرف عندك قدر من الحرية عندك قدر من الحياة من الحركة إلى آخره.. لكن لما تصير أستاذ وتصير مدرس طبعاً أنت حامل على ظهرك مسؤولية أناس أنت تتعامل معهم يومياً، وأنت معروف كجزائري وعربي أنك تعطي ثقافة للآخر، يعني هل أنت عندك إمكان لإعطاء هذه الثقافة على أحسن وجه، أنت جاي من بلد آخر لكي تعلم ناس في بلد متقدم، فكيف ممكن تكون على صورة هذا التقدم في الوقت نفسه، تقدم هذه المعرفة المتنوعة يعني اللي لها الجانب هالأوروبي لكن لها كذلك جانبها الشرقي لأنك أنت من هذا المجتمع الشرقي. لكن أنا باريس وحدها لا تكفيني بصراحة يعني أنا أذهب شهرياً ويمكن أحياناً حتى أقل للجزائر لسبب بسيط هو مثلما قلت تماماً كلامك صحيح أنه نوع من الوفاء للجامعة، بعدين أنا أقول نوع من واجبي أنه أشعر بأن هناك حاجة إليه من طرف طلابي. حدثت لي حادثة بسيطة لو أحكي لها.. يعني كان عندي طالبة أنا وزوجتي تعرف هي كذلك طالبة كثير جميلة، وكانت تأتي من مدينة بعيدة يعني تقريباً شي 300-400 كيلو متر على الجزائر العاصمة، وتقطع الجبال وكذا حتى تيجي فقط تدرس يعني تكون موجودة في.. يعني فمرة من المرات أنا عرفت أنها كانت تأتي من هذه المدينة البعيدة، فقلت لها أنا في عرضك مرة ثانية لا تيجي ممكن الإرهابيين كان بذاك الوقت الوضع صعب يعني ممكن يلقى عليك القبض وتقتلين وأنت عمرك هيك في عمر الورد، يعني فقالت هذه الكلمة اللي يقولها العاصميين شو رح يساوي يقتلوني يقتلونني أنا عندي رغبة داخلية أجي وسأظل أجي، وبعدين صرت أنا أشوف يعني الجملة هاي والله يكون باريس لما أذكر أقول أنا على الأقل عمري شي خمسين سنة أو أكثر، يعني عشت جزء من حياتي يعني وأفكر في الخوف، بينما شخصية مثل هذه لساته في مقتبل العمر وتسوي هيك، أحسن نموذج لكي تدفع بك أنه تروح، وفعلاً والله صرت أروح ربما هي لا تعرف كل هذه القوى التي منحتها لي مع أنها طالبتي، وأروح وأنا سعيد تماماً أني أقدم شيء بهذا الوضع اللي أعطاني الكثير.

أحمد الزين: تقوم بمقاربة بين الجامعتين يعني بين السوربون على مستوى الطلاب..

واسيني الأعرج: طبعاً ما تقدر ما تقارن مستحيل سواء خصوصاً في الجانب المنهجي وأنا أستاذ في المنهجية. من الناحية الثقافية تشوف الناس بسرعة تتأقلم، لكن مشكلة المنهجية كيف أن الإنسان يدخل إلى موضوع معين، ما هي الوسائل ما هي الإمكانات الفكرية إلى آخره.. فهي ألاحظ فرق، لكن الفرق هذا يدفعني إني أعمل أكثر في الجزائر.

أحمد الزين: طيب كيف تكتب؟ متى وكيف تكتب؟ وأين؟

واسيني الأعرج: أنا عندي مكتب صغير فوق بالبيت أكتب فيه أو أكتب في الجزائر كذلك عندي بيت صغير كمان على البحر.

أحمد الزين: تكتب يومياً؟

واسيني الأعرج: تقريبا يومياً أنا عادة أكتب صباحاً باكراً، أستيقظ حوالي الساعة السادسة والنصف السابعة لما ما يكون عندي درس بالجامعة عندي يومين بالجامعة خميس وجمعة بعدين كل الأيام تقريباً متفرغ للكتابة، فأكتب صباحاً باكراً وأكتب خصوصاً بالليل كمان.

أحمد الزين: سألت حالك ليش عم تكتب شي مرة لماذا أكتب؟

واسيني الأعرج: طبعاً أكتب لأستمر بس يعني يوماً.

أحمد الزين: أنت الآن على هيك ببحر الخمسين مثلنا كلنا يعني تفكر بلعبة الزمن يعني بوطئته؟

واسيني الأعرج: طبعاً أفكر فيه، لكن أفكر في الموت كذلك لأن الزمن مربوط كمان بالنهايات. يعني أنت قلت بشكل مهذب القصد منه الموت. لكن شوف أستاذ أحمد حتى فكرة الموت أعتقد أن الإنسان علاقته بالحياة أنا علاقتي بالحياة بسيطة جداً، أنا أؤمن بمقولة كانت تقولها الجدة كانت تقول عاش ما كسب مات ما خلا، عاش ما كسب أموال كثيرة، ومات ما ترك إرث كبير. يعني فأولادي علمتهم ودفعتهم في الحياة باسم في القانون الدولي وريما في السينما، فمالهم بحاجة إلي. وأنا أعيش حياة بسيطة يعني لا بأس بها ومعقولة وخلاص. فإذاً العلاقة مع الموت هي علاقة طبيعية مع الزمن. أنت المهم كيف يقولوا أنه كيف تجعل من هذه الحالة من هذا الإحساس وسيلة للكتابة وسيلة للإبداع وسيلة للحياة.

أحمد الزين: للمنازلة يعني.

واسيني الأعرج: طبعاً للمنازلة.

أحمد الزين: وعلاقتك بالحب وبزينب بعدها بنفس الزخم اللي كانت زمن دمشق؟

واسيني الأعرج: أنت تعرف تطرح سؤال خطير يعني العلاقة تتلون وتختلف، شوف العلاقة الأولى هي العلاقة السرية، سرقة القبلة، الذهاب إلى محل إلى آخره.. هذا كله جميل ومتعب ومرهق كمان، لكن جميل لأن كل شيء تسرقه من الحياة وعلى فكرة أجمل الأشياء هي التي نسرقها يعني.