عيسى مخلوف

أحمد الزين: نسافر حتى نبتعد عن المكان الذي أنجبنا ونرى الجهة الأخرى من الشروق، نسافر بحثاً عن طفولاتنا عن ولادات لم تحدث.. نسافر لتكتمل الأبجديات الناقصة ليكون الوداع مليئاً بالورود.. لنبتعد كالشفق يرافقنا ويودعنا، نمزق المصائر ونبعثر صفحاتها في الريح قبل أن نجد أو لا نجد سيرتنا في كتب أخرى.

ويزاول عيسى مخلوف أسراره تارة في النص وتارة في المسافة نحوه ما بين الهامش والمتن، يكتب وينثر وبأناقة يبحث عن كنز ضائع أو دفين في ركام الأزمنة، التقيته في باريس هو مقيم هنا منذ أواخر السبعينات، يغادر ويعود إلى هذه المدينة التي لا تستنفد مهما أطلت فيها المقام، يحبها كحال عاشق راودته الحكمة. وعيسى حين تلتقيه يحرص على أن يأخذك بجولة إلى حدائقه حيث ينّزه أيامه مفتوناً بالورود.

على كل حال هو من سلالة الجبال والشجر وسحيق الأودية من إهدن شمال لبنان ما زالت تسكنه جباله الأولى بحزم وبخاصة في لهجته، إذاً اصطحبنا عيسى إلى حدائقه في البداية ثم إلى محطات رحلته شاعراً وكاتباً ومترجماً.

أحمد الزين: بتسأل بأحد كتبك في رسالة إلى الأختين بتقول: تسأليني عن الشاعر الذي جاء ومضى؟ وهو في كل ما يكتب يسعى إلى أن يكون خارج التسميات، خارج الشعر الذي تغير معناه حتى الكتابة هل تعرفين ماذا تعني؟ أنا بقلب السؤال وبوجهه لإلك..

عيسى مخلوف: يعني لا شك أن هناك تغيراً كاملاً لمعنى الشعر ولمعنى الكتابة في العالم اليوم، لم يعد الشعر كما كان في السابق من حيث المعنى ولا الكتابة ولا حتى الفنون التشكيلية والمشهدية، يشهد العالم اليوم ومنذ منتصف القرن العشرين تغيّراً في المعنى الثقافي بشكل عام هذا التغير جاء نتيجة التحولات الكبيرة التي عرفها العالم في العقود والسنوات الأخيرة على جميع المستويات، على المستوى السياسي والمستوى الاقتصادي وبالأخص على المستوى التقني والمعرفي، وهناك اندفاع العالم على الرغم من الأزمات الاقتصادية المتفاقمة يندفع العالم أكثر فأكثر في اتجاه العلاقة بالمال وفي اتجاه الاستهلاك.. الاستهلاك، يعني ما يحدد قيمة شيء ما هو مردوديتها المادية.

أحمد الزين: خلينا نركز الجواب عن نصك أنت شو بتسمي النص اللي بتكتبه؟

عيسى مخلوف: يعني آخر نص شعري كتبته بالمعنى الشعري المتعارف عليه كان بعنوان: "عزلة الذهب" وصدر عن دار الجديد في بيروت في التسعينات من القرن الماضي، صرنا نتحدث بقرون. بعد هذا الكتاب انكببت على كتابة نص تبطل فيه المسافة بين الشعر والنثر، نص أجد نفسي فيه حراً في التعبير يعني الشعر موجود في هذه الكتابة حاضر بقوة، لكن هذا الشعر يستند أو هذه الكتابة تستند وتغرف وتنهم من المعين الثقافي العام ومن الفنون الأخرى من الموسيقى من الفنون التشكيلية، وهو نص ينفتح أيضاً على الفكر والفلسفة. لكن كل هذه الثقافات كل هذه الأنواع الفكرية والفنية تنوجد في خلفية النص في كواليس النص، يعني النص يسعى أن يكون أكثر حرية من حيث التعبير وأكثر حرية من أسر التصنيف الأدبي المحدد الذي نعرفه بصورة عامة..

أحمد الزين: نعم يعني أنت عم تهجر الشعر إلى نص آخر فنيا نقول؟

عيسى مخلوف: ليست هجرة الشعر موجود في كل مكان، الشعر هو نظرة إلى الحياة والعالم. يعني هناك شعراء كبار بالنسبة إلي لم يكتبوا كلمة شعر واحدة، أرى شعرهم في نثرهم، أرى شعرهم في عملهم السينمائي، أرى شعرهم في لوحة جميلة منجزة بإتقان.

من الغيوم تستوحي السماء كائناتها غير الموجودة.. هنا لا مكان للمصادفات.. ولا خشية مما سوف يكون.. لا خشية على الكلمات من كاتبها.. ولا على الفردوس من تفاحته الكبيرة.. لم لا نجلس في ظلها تلك التفاحة.. نرى الوجه الذي لا تمكن رؤيته.. نتحسسه ذلك الوجه ويتحسسنا.. وجهنا هو شعلتنا المزدوجة.. يتقدم الصوت.. تعلو الموسيقى في الاتجاهات.. والوحيد لا يبقى وحده..

أحمد الزين: خلينا نرجع هيك لإهدن شو رأيك؟ نرجع لإهدن أنت غادرتها يمكن من 33 سنة تنقلت بهالعالم، خلينا نرجع نحكي شوي عن البدايات الأولى عن الأهل عن البيئة عن هالجبال عن هالسفوح المنحدرات؟

عيسى مخلوف: إهدن بالنسبة إلي هي مكان البدايات، يعني هي المكان اللي عشت فيه طفولتي صداقاتي الأولى حبي الأول علاقتي الأولى بالطبيعة..

أحمد الزين: يعني انحيازك للجمال والاهتمام بالطبيعة وباللوحة بالحدائق بالزهور هو ناتج عن تفتحك الأول على جماليات المكان في إهدن؟

عيسى مخلوف: يمكن، يعني بدون شك أن جمال الطبيعة في إهدن سكن عيوني وسكن كياني، لأن هذا المكان كل ما أذهب إليه أندهش الدهشة الأولى التي أصابتني يوم بدأت أعي معنى جمال الطبيعة، الجبل يُنظر إليه بشكل عام وكأنه جدار، أنا لم أرَ ابداً جبال إهدن بصفتها جدراناً بل كانت بالنسبة إليّ شرفات مطلة على سماوات شديدة الزرقة كأن محبرة فيك تغط فيها قلمك وترسم..

أحمد الزين: أكيد مش كل الناس ممكن بيشوفوا بهالمقدار من الجمال ومش مأخوذين مفتونين بهذا السحر والجمال اللي أنت بتشوفه، بتقديرك ليش الناس برغم كل هذا الجمال ما قادر يصقل أحاسيسهم بيظلوا الناس يذهبوا أكثر للعنف وللخراب والانتقام للثأر أحياناً؟

عيسى مخلوف: المسعى الجمالي هو تحدي وهو عمل يومي على الإنسان أن يبذله حتى يتمكن من رؤيته والتفاعل معه، يعني الجمال يحتاج إلى تربية لا تكفي الأحاسيس وحدها حتى نتحسس طبيعة جميلة أو حتى نتحسس لوحة جميلة، الجمال يحتاج إلى تربية في المقام الأول، يحتاج إلى ثقافة يعني بقدر ما تتعمق هذه الثقافة بقدر ما تعطي العين قدرة على النفاذ إلى جمال الأشياء، عملنا اليومي وأظن أن اللجوء إلى الكتابة.. اللجوء إلى الجمال اللجوء إلى الإبداع جزء منه المسعى إلى الجمال، لأن الكتاب هي فعل أمل الكاتب لا يستطيع أن يغير العالم، الكاتب لا يستطيع أن يوقف جيوش جرارة تريد أن تجتاح هذه المدينة أو تلك البلاد، لكن الكاتب يستطيع أن يطرح أسئلة جوهرية على ما يحيط به، ويستطيع أن يكون إذا كان فعلاً مأخوذاً بالبعدين الإنساني والجمالي يستطيع في لحظة ما أن يكون ضميراً لشعبه ولبلاده.

أكلما غفلت مخيلة ارتطم الملاك بالأرض.. الحالمات يتدلين من النوافذ من القمر يسقط حضن فضي على ركبهن.. في حديقة مجاورة.. تلهو الشجرة بالعصافير تسهو عن ثمارها.

أحمد الزين: نسافر لنقول للذين التقيناهم إننا سنعود ونلتقي بهم، يسافر ليتعلم لغة الأشجار التي لا تسافر لنلمع رنين الأجراس في الأودية المقدسة، لنبحث عن آلهة أكثر رحمة لننزع عن وجوه الغرباء أقنعة الغربة، لنسرّ للعابرين بأننا مثلهم عابرون وبأن إقامتنا مؤقتة في الذاكرة والنسيان، كما حال الكثيرين من اللبنانيين الذين غادروا بلادهم مؤقتاً فأصبح المؤقت دائماً، هكذا هي حال عيسى مخلوف. فحين غادر في أواسط آذار من عام 1976 إلى أميركا اللاتينية كان يعتقد أن أياماً قليلة سيمضيها عند أقربائه ويعود بعدها إلى بلاده، ولكن الأيام أصبحت سنيناً، فالحروب من جملة ما تلتهم تلتهم الأعمار على غفلة. على كل حال لم تذهب أيام عيسى مخلوف سدى، بل حاول أن يحصّن نفسه بالمعرفة والدراسة، فجاء باريس ودرس في جامعة السوربون الأنتربولوجيا وكانت أطروحته عن الحرب في لبنان، ثم بعد ذلك بدأ يؤسس لحياته الباريسية صحفياً يكتب في الدوريات اللبنانية والعربية، وأستاذاً في جامعة باريس بفرنسا.

عيسى مخلوف: سافرت بـ11 آذار عام 1976 من مطار بيروت إلى فنزويلا إلى عاصمة فنزويلا كاركاس حيث لي أقارب هناك، أراد أهلي أن أبقى هناك لفترة أسبوعين ثلاثة شهر على أكبر تقدير حتى تنتهي الحرب..

أحمد الزين: على أساس هي مشكلة صغيرة بين العيل وتنتهي..

عيسى مخلوف: لكن يبدو أن بعض الحروب تطول وتأكل الجزء الأكبر من حياة الإنسان يعني صرت مردد قدامي مرتين ثلاثة كلمة من 33 سنة بتخوفني لما بتقول 33 سنة لأني بقول وين راحت كل هالسنوات، كيف ممكن أنه إنسان يعيش 33 سنة جزء كبير منهن بالحرب والقصة الرمزية لهذه الحرب تطالعنا في التوراة بين قابيل وهابيل، يبدو قدر الإنسان على الأرض أن يحارب ويتحارب، وإذا ما تحارب مع عدوه بيتحارب مع جيرانه أو مع أهل بيته أو بالآخر بيتحارب مع خياله، من هيك كنا عم نحكي من شوي عن ضرورة ترويض هذا الوحش الكامن الشرس يلي ما بيخلينا نرتاح. ومن هون كمان إذا ما قدرنا روضنا هذا الوحش كيف تريد أن نروض أي كيف للإنسان أن يمدن العالم، نحن نحكي عن إنسانية لكن وجه الإنسانية للأسف هو وجه متوحش عندما نفكر بالحربين العالميتين، وعندما نفكر بالحروب التي تطالعنا في كل لحظة في كل مكان، وهناك حروب لا تستعمل فيها الأسلحة وهي لا تقل ضراوة عن الحروب التي تستعمل فيها الأسلحة، يعني حرب العبودية وحرب الاستهلاك وحرب الإقصاء والعنصرية وكل هذه النوازع السفلى هي شكل من أشكال الحروب التي يعيشها الإنسان يومياً في حياته، لهيك نحنا مدعوين يمكن بقوة أن نتمسك بالجمالات الموجودة بهالعالم يعني بالجانب الإيجابي..

أحمد الزين: على الأقل دفاعاً عن النفس..

عيسى مخلوف: إذا شئت..

عيسى مخلوف: حلق أيها الطير حلق عالياً.. حلق بعيداً في كل الاتجاهات.. تابع خفق أجنحتك ولا تهدأ.. لا تهدأ أيها الطير.

أحمد الزين: هذه الجغرافيا آفاقها مفتوحة أمامك، ولكن هذه الآفاق المفتوحة في مكان في الجغرافية شو فتحت لك آفاق على الداخل على نفسك؟

عيسى مخلوف: لا شك هذا السؤال شديد الأهمية بالنسبة إلي، لأن السفر لا ينطوي فقط على جوانب سلبية لأنه لما واحد بيسافر بيترك أهله وبيترك أصحابه وبيترك البنت اللي بيحبها اللي وما بيعرف إذا رح يرجع يشوفها، أحياناً الواحد بيترك ناس بحبهن وبيظل يفتش عليهن كل حياته ما بتعرف.. يعني اللي بده قوله أنه مش بس هناك جوانب سلبية في السفر وفي الهجرة، الجانب الإيجابي أجده في مناطق أخرى، يعني السفر بالنسبة إلي وسّع لي النظرة إلى العالم لأني كل ما كنت أسافر من لبنان إلى أميركا اللاتينية ومن أميركا اللاتينية إلى فرنسا ومن فرنسا إلى نيويورك الولايات المتحدة الأميركية ومنها من جديد إلى باريس، كنت أشعر كأنني أغيّر الزاوية التي منها أنظر إلى العالم نفسه هو العالم واحد، وبهذه الطريقة وهذا الأمل ساعدني ويساعدني على أن أكون أكثر تسامحاً.

أحمد الزين: شو اكتشفت بنفسك بهذه الأسفار؟

عيسى مخلوف: أكون أكثر تسامحاً أولاً مع نفسي ومع الآخرين من حولي، وأكتشف أن سبب الحروب التي كنا نتحدث عنها منذ قليل هو الإحساس بأنك تمتلك النظرة الواحدة الحقيقية للعالم، يعني أظن..

أحمد الزين: حقيقية بالنسبة لإلك؟

عيسى مخلوف: بالنسبة له نظرة ذاتية، أظن أن الفكرة حتى إذا كانت صحيحة حتى إذا كانت الفكرة التي تمتلكها صحيحة، لكن إذا كانت فكرة واحدة يعني لا تتزحزح عنها تصبح فكرة خطيرة حتى إذا كانت صحيحة، وتصبح مستبدة، وتصبح يعني تقول إن لوني هو اللون الأفضل ووطني هو الوطن الأفضل وفكري هو الأفضل وجنسيتي هي الأفضل ولغتي هي الأفضل، هذه الأيدلوجيا، كل ما يقع في الأيدلوجيا يصبح مكمن خطر يهدد بإندلاع حرب، يعمي، من هنا بالنسبة إلي يعني كشفت لي الهجرة.. كشف لي السفر أنه ثمة نوعين من الضوء، هناك الضوء الذي يعمي كما ذكرت ويبهر وهناك الضوء الذي ينير الطريق والذي يفتح الآفاق.

أحمد الزين: نسافر حتى لا نرى أهلنا يشيخون ولا نقرأ أيامهم على وجوههم، نسافر في غفلة من الأعمار مبددة سلفاً، نسافر لنبلّغ الذين نحبهم أننا لا نزال نحب، وأن البعد لا يقوى على دهشتنا، وأن المنافي لذيذة وطازجة كالأوطان. باريس بالنسبة لعيسى مخلوف هي أكثر من مكان للعيش، هي وطن آخر ينتمي إلى جماليتها وثقافتها، ينتمي إلى مسارحها ومتاحفها ومقاهيها، هي حديقة ورد وحديقة معرفة، هي كتاب تتوالد صفحاته، ولوحة كلما شاهدتها تصاب بالدهشة، وخلف لون باريس الرمادي كما يقول هناك ضوء لا يبهر هناك ضوء يضيء أمامك الطريق.

عيسى مخلوف: هناك ضوء آخر عميق يلازمك حتى في منتصف الليل هو هذا الضوء الذي يحمل إليك الدهشة ويغويك ويخفف عنك عبور الوقت، يخفف عنك البشاعات التي تحيط بك من كل جانب، يخفف عنك اللا عدالة السائدة بالعالم، ألا وهو ضوء الإبداع وضوء الجمال. يقولون إن باريس هي مدينة النور، أنا لا أرى النور إلا نادراً في هذه المدينة شحيح النور والضوء بباريس، إنما هي مدينة النور بدءاً من عصر الأنوار بدءاً مع فلاسفة عصر الأنوار، أي أنا اليوم عندما أتذكر مثلاً على سبيل المثال لغوي وفيلسوف ومفكر مثل ديوني ديدهو الذي لا يقل أهمية عن فولتير وعن ديكارت ولو أنه ما منحكي فيه متل ما منحكي بفولتير يقول منذ الثامن عشر أنه في غياب وحدة الفيزياء يعني وعي الإنسان لجسده ولكيانه والأخلاق الأخلاق هنا ليس بالمعنى الديني والوعظي، والشعرية يعني الجمال الجمالات اللي عم نتحدث عنها بغياب وحدتها وحضورها لا يبقى أمام الإنسانية إلا احتمال واحد: البربرية، أرى أن هذا الكلام حديث كأنه مكتوب الآن للتو، وهذا الكلام هو أيضاً منير فيه ضوء فيه حكمة، إضافة إلى ذلك أشعر أنني في مدينة لا يمكن استنفاذها لا تُستنفد مدينة باريس، وهي من المدن الطويلة في العالم يعني يمكن نيويورك بس نيويورك شكلها متوحش بالنسبة لإلي نسبة إلى هذا الشكل الراقي الذي تتحلى به مدينة باريس وحدائق باريس، يعني هي من المدن القلائل التي تتجدد باستمرار، ومن المدن القليلة التي تمنحك ما ترغب فيه على المستوى الجمالي إذا كنت متعطشاً للجمال، وإذا كنت يعني مصاب بمجاعة جمالية. يعني إذا كان هالشيء بيعملك نوع من التوازن الداخلي مع نفسك ومع العالم، يعني هناك المكتبات هناك المتاحف هناك المعارض هناك الحدائق، الحديقة هي بحد ذاتها متحف ومعرض ومكتبة لأنها تختصر ثقافة قائمة..

أحمد الزين: تجلية من تجليات هذه الحضارة.

عيسى مخلوف: لا شك هي اختصار لثقافة مجتمع ما بهندسته لأنه فيها هندسة معمارية، بنحته فيها منحوتات والنحت عامل فني، برؤية توزيع المساحات كأنها لوحة فنية مثل السجادة الشرقية اللي هي حديقة داخل بيتك.

أحمد الزين: على سيرة المنحوتات تقول أنه وحدها قدم التمثال تعرف إلى أين تفر أو تسير عندما تقرر الهرب من الحديقة.

عيسى مخلوف: "تعرف إلى أين حين تقرر الهرب من الحديقة" أنا بحسدها يعني..

أحمد الزين: يعني يبدو أنت مفتون بهذه التماثيل والمنحوتات واللوحات اللي بحدائق باريس ومتاحفها، شو هو الحوار اللي بتقيمه مع هذه الأجساد؟ بتحكي معهن لهودي..

عيسى مخلوف: كأنها كائنات حية، يعني هناك تماثيل أحبها في بعض حدائق باريس سواء في حديقة الباكاتيل التي أزورها كل أسبوع تقريباً بالشتاء بالصيف بالربيع بالخريف، هاي الحدائق أنا عندي علاقة فيها علاقة خاصة لأنه داخلها أجد فسحة من التأمل لا يمكن العثور عليها وسط المدينة وضجيجها، يعني حديقة باكاتيل مثلاً هي أكثر حديقة في العالم تحتوي على ورود فيها عشرة آلاف شجرة ورد، وفيها هناك مسابقة سنوية لأجمل الورود في العالم. يعني أنا علاقتي مع هذه الورود مثل علاقتي مع الموسيقى، بعض الورود لجمالها أقترب منها وأصورها، البعض الآخر يعني بستحلي قرب منها وبوسها على تمها للوردة، المنحوتات ما بنظرلها فقط نظرة إلى منحوتة جامدة هي بالنسبة إلي كأنها كائن حي، يعني هذه كائنات تتنفس من حولي وأنا أحاول معها أن أعيش هاي اللحظة بفنياتها وجمالها.

هكذا كلما اختلط النور بدمائنا.. ننفصل عن ظلالنا.. نرتعش برهةً قبل أن يستيقظ فينا الرماد.

عيسى مخلوف: السماء ملعب نيزك، والأنجم حصى ملونة نسيها الرسام الأول.. التفاحة أسنان العاشقة.. وهج منتصف الليل على أطرافها.. غصن الأوركيديا نظرة ترتقي الضوء، وجه الجمال المستحيل، ساحة القديس مرقص دمعة المهرج بعد نهاية المهرجان.. اشتعال الموسيقى في مسرح الفينيتشة.. الريح هرب الأطفال من البالغين من العمر الذي يلاحقهم.. الانتظار جمر يحترق عند الأفق زرقة ما قبل الفجر.. المطر وراء النافذة حكاية تروي نفسها لنفسها.. بكاء امرأةٍ عجوز نسيت أن تحلم.. الكمنجة وجع الأنثى لحظة انتشائها، تنهد الذين انتظروا الصباح.. أنت الغصن كالألف بلسم الروح داوي الكآبة.

أحمد الزين: ونتابع جولتنا مع عيسى مخلوف في حدائقه وفي اهتماماته، مفتون عيسى بالحدائق والورود، وبقامات التماثيل التي وحدها تعرف إلى أين حينما تهم بالهروب، يقول في هامش من هوامشه: لنسترد ما نظن أننا خسرناه من حياتنا ولنواجه موت الطفولة السابق لكل موت لنشعر بالفسحة التي يحتلها الآخر فينا، الآخر الذي نكتب له الآن لنسعى إلى مسكن آخر لنقترب من الأشياء الضائعة ونحاول أن نلتقط ما يتعذر التقاطه. على هذا النحو يسعى عيسى في كتاباته وينوّع في الاهتمامات في رصد اللحظات والأشياء ومحاوله التقاطها، ولكأن ما يعجز عن فعله تأبيده في الكتابة يذهب إليه في لعبة التصوير أحياناً هي محاولة أخرى أو مسعى آخر نحو تأبيد اللحظات الهاربة.

عيسى مخلوف: أعتبر نفسي مصوراً هاوياً ولست مصوراً محترفاً، يعني أحاول أن أصور بعيني بنظري إلى الأشياء لكن أحمل معي الكاميرا من وقت إلى آخر، أصور بعض المشاهد لشعوري بعبور الوقت كما تقول بعبور الأشياء من حولي أو لتثبيت..

أحمد الزين: أو بعبورك أنت.

عيسى مخلوف: بعبورك أنت لأنه حتى الشيء الواحد يعني تراه اليوم بحلة معينة وعندما تأتي إليه أو لزيارته مرة أخرى يكون قد تحول أو قد تغير حتى التمثال الحجري.

أحمد الزين: وأنت اللي تغيرت.

عيسى مخلوف: وأنت تغيرت كما يقول الفيلسوف، من هون الصورة الفوتوغرافية تساعدني حتى عندما أعود إلى منزلي وإلى نفسي أن أعاود رؤية ما سبق أن رأيته في حديقة أو في متحف اللوفر أو بعض المتاحف الأخرى بالعالم، يعني كأني عم بمسك الشيء اللي هو عم يهرب من يدي، لأنه كل شي عم يهرب مثل الوقت..

أحمد الزين: عم تمسك عمرك، يمكن الواحد بس يصور هالأشياء عم يصور حاله بطريقة غير مباشرة.

أحمد الزين: ممكن بحاول كأنك عم تحاول تلقط لحظة عم تهرب من إيدك، حتى كل أنا الكتابة بعتبرها كأنه واحد عم يتعلق بلحظة هاربة وبده يتمسك فيها يقول لها ما تروحي أو إذا رحتي ما تروحي كلياً، لأنه نحن منشعر أنه الوقت ملكنا على الأقل الوقت اللي بيتعلق بعمرنا، إنما الوقت مش ملكنا الوقت ليس ملكاً لنا، نحن لا نستطيع أن نتمسك بهذا الوقت أن نمتلك هذا الوقت، مع العلم أن هذا الوقت هو وقتنا لكننا لا نستطيع أن نمتلكه.

عندما بلغت قرار الماء كان أعياها الانتظار.. بلغت تخوم الكلام ولم تعثر على لفظة تقول بها يا حبيب.. لذلك اختارت الظل بدلاً من الجسد.. ثمة ظمأ لا يمكن إرواؤه إلا غرقاً قالت.. واستسلمت للقرار. هيدا كتاب "عزلة الذهب" صدر بالتسعينات عن دار الجديد، هو كتاب شعري هيدا شعر يعني كثيف، فهيدا كتاب "تفاحة الفردوس" هو مجموعة تساؤلات حول الثقافة المعاصرة صدر عن المركز الثقافي العربي، بينما "الأحلام المشرقية" صدر بالتسعينات عن دار النهار، هو دراسة بالأول وفيه مجموعة نصوص أنا مترجمها عن كاتب أرجنتيني، "رسالة إلى الأختين" هيدي النصوص نثرية شعرية، هدول ثلاث أعداد من مجلة شعرية تصدر من فرنسا..

أحمد الزين: أنت واحد من مشرفيها..

عيسى مخلوف: أنا واحد من هيئة التحرير تبعها، ميراج هو الترجمة الفرنسية لكتاب عين السراب اللي وضعها نبيل الأذن وصدرت عن دار جوزيه كورتيه بباريس.

أحمد الزين: لنرى الوجه الذي فاتنا أن نراه فيما أوتي لنا من وقت ولنستدل عليه في عبوره لهذا نكتب، ولأشياء أخرى نجهلها كرسامي الكهوف الأوائل يستضيئون بالمشاعل ويرسمون على الجدران موضوعات رسومهم ومعها الظلال التي تتوالد من تلك الإنارة، نكتب للغائب. في هذه البقعة الشاسعة وحده الغائب هو الحاضر صمته يملأ الأرجاء، يقول عنه صلاح استيتية أو يقول عن كتابه عين السراب: "أشعر باتحاد كامل مع جمالية نصوصه الملغزة وعمق مفارقاته، فهو كتاب صغير شفاف ومرتعش إنه كتاب الساعات على غرار كتب الصلوات في القرون الوسطى، كتاب اللحظات الضائعة، لكن التي تم جمعها عبر الكتابة قبل لحظات قليلة من أفولها. يكتب عيسى مخلوف ليقر لنا بأن سر العالم فيما وراء الدهشة والانبهار قد يكون من طينة الكآبة". كمان عندك مفصل أساسي بتجربتك هو الترجمة ترجمة العديد من الأعمال يمكن من اللغتين الفرنسية والإسبانية إلى العربي، ماذا عن تلك التجربة؟ ماذا أضافت لإلك؟ ما هي الآفاق التي فتحتها قدامك؟ شو قالوا لك هدول اللي ترجمتهم حتى لو كانوا مش موجودين هن شو قالوا لك؟

عيسى مخلوف: يعني الترجمة هي جزء أساسي من تجربتي ومن حياتي الثقافية، بعدين الواحد بيترجم أحياناً الكتب اللي بيشعر أنه هو بيكون بحب أن يكون هو كاتبها، الترجمة تفتح آفاق، الترجمة توسع العالم أو بتساعد على الحوار مع الثقافات الأخرى، وبتعرف أكثر على الثقافات الأخرى باختلافها بتنوعها بغناها، لأني تعلمت الإسبانية حاولت أن أنقل بعض النصوص التي أحبها من الإسبانية إلى اللغة العربية، نشرت مثلاً قصص من أميركا اللاتينية هذا الكتاب الذي يتألف من عشر قصص لعشر كتاب من كتاب القارة الأميركية اللاتينية، وهم من الكتاب المعروفين البارزين يعني من أمثال ماركيز خوان روفو فوانتيس هالكتاب المعروفين، بعد منها اشتغلت على بورخيس وترجمت عدد كبير من أعماله التي تلتفت إلى الموروث العربي والإسلامي إلى الثقافة العربية القديمة، ألف ليلة وليلة مثلاً ابن رشد مثلاً وترجمت النصوص التي تتطرق إلى هذه المواضيع في كتاب بعنوان: الأحلام المشرقية الذي يبدأ بدراسة مقتضبة عن بورخيس وينتهي بمجموعة هذه النصوص المترجمة، يعني الترجمة بالنسبة إليّ كانت كلما أردت أن أغوص في نص بعمق أتسلح بالترجمة، يعني هي بالنسبة لإلي أداة أولاً لإلي..

أحمد الزين: بوابة فتحت لك على حديقة أخرى..

عيسى مخلوف: لا شك هي حديقة أخرى بالنسبة لإلي أولاً تساعدني على الغوص أكثر في نتاج هذا الكاتب أو ذاك، وثانياً: أشعر أنني قدمت هدية للقراء الذين أريد أن يتقاسموا معي فرح التعرف إلى هذا الكاتب..

أحمد الزين: بتكتب بلغتهم.. عجيب أنت ما كتبت بلغة غير لغتك الأساسية.

عيسى مخلوف: أكتب مثلاً البحث.. البحث وأشارك بندوات مثلاً باللغة الإسبانية أو باللغة الفرنسية، وأكتب البحث باللغة الفرنسية لأني كتبت أطروحتي..

أحمد الزين: ولكن اللي بصبوا بخانة النصوص الأدبية..

عيسى مخلوف: إنما الكتابة الأدبية يعني للشعر والنثر أشعر أن هذه اللغة الأم تستحوذ عليّ عندما أكتب يعني يذهب قلمي مباشرةً إلى اللغة العربية، العلاقة مع الترجمة هي علاقة بالمقام الأول وبالنسبة إلي ككاتب هي علاقة مع اللغة، خاصةً أنا بالنسبة لإلي كيف بالأحرى أن تكون كاتب باللغة العربية، يعني لغتنا تعيش نوع من الانفصام، لغتنا غرقانة بالإنشاء غرقانة بالبلاغية غرقانة بالمحظورات والمحرمات الدينية، لغة ما قدرت دخلت تطورت مثل ما كان مكتوب لإلها من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع بعض التغيرات التي طرأت عليها مع بعض الإصلاحيين من أمثال البساتنة اليازجيين جبران الريحاني نعيمة، يعني هاي اللغة بدأت تتغير إنما هيدا التغير ما بيّن مظهر بعد كما ينبغي بهذه اللغة، بعدين هاي اللغة لم تصغي بما فيه الكفاية حتى تتغير إلى تغيرات العالم ليس فقط على المستوى العلمي والمعرفي كمان أيضاً على المستوى التقني والتكنولوجي، يعني اليوم الإنترنت التلفزيون كل هالإشياء عم تفرض علينا شئنا أم أبينا إيجاد لغة..

أحمد الزين: أن نعرف لغة أخرى.

عيسى مخلوف: تقدر تعكس إيقاع العصر تعكس حياة العصر الجديد كيف يمكن أن تكون مفكر حديث..

أحمد الزين: يعني هذه اللغة هي لغة مهددة بالزوال إذا لم يعني.. إذا بقيت محاصرة..

عيسى مخلوف: إذا بقيت بهذا الشكل يعني الأبدي السرمدي بهالعبارات بعض العبارات الأبدية السرمدية التي لا تتغير ولا تتزحزح، كيف ممكن تكون صدىً لكل التغيرات اللي عم بعيشها العصر خصوصاً الثورة العلمية، كيف ممكن نحن ننقل..

أحمد الزين: هذا بردنا للسؤال اللي سألناه بالأول أنه فعلاً هل نحن نعيش الحاضر؟

عيسى مخلوف: هيدا الموضوع كيف ممكن نحن نكون حديثين بلغة قديمة تجديد اللغة يعني تجديد الفكر هو اللي بساعدنا أن نكون موجودين بالعصر، ما فينا نكون موجودين..

أحمد الزين: إشارة عن الحرية الكبرى الواحد عندما يتصرف باللغة.

عيسى مخلوف: مش ممكن إنك تكتب.. مش ممكن تكون حر مهما تغنينا بالحرية لفظاً إذا ما كنا أحرار بلغتنا، مش أنه كل يوم بيطلع لنا فتوى تصادر كتاب وتصادر مسرحية وتصادر فيلم سينما، ونترك هؤلاء المبدعين اللي هم صفوة المجتمع نسكر لهم أتمامهم ويصيروا كإنهن حتى لما يقدموا مسرحية كإنهن عم يرقصوا إنما مقيدين بالسلاسل.

أحمد الزين: هيدا "قدام باب السفارة الليل كان طويل"، بهيدا العمل تعرفت على نضال بشكل جديد حسيت كأني أول مرة بشوفها لما شفتها كيف عم تقدم كيف عم تشتغل عالخشبة.. هيدا الملصق اللي توزع لمهاجر بريسبان اللي تقدم ببعلبك سنة الـ 2004.

أحمد الزين: يعني ذهابك إلى ترجمة المسرح وإلى كتابة النص المسرحي يعني هذا التعدد والقفز من شكل إبداعي إذا صح القول إلى شكل ما بين الشعر والبحث والنص المفتوح والقصيدة والمسرح هيدا يغني التجربة أم بخليك تضيع البوصلة أحياناً بالاختصاص؟

عيسى مخلوف: أنا بالنسبة لإلي هناك تجربة واحدة حتى العلوم الاجتماعية المعمقة اللي أنا درستها في الجامعة في باريس حتى أسفاري التي تحدثنا عنها حتى الترجمات اللي..

أحمد الزين: تصب في النهر نفسه.

عيسى مخلوف: كل ذلك يصب في شيء واحد الكتابة، أنا بالنسبة لإلي هيدا النص يحمل هو نص لا شك مفتوح، غير مقيد بقوانين صارمة تحبسه بتصنيف معين، إنما هيدا نص ينضح بشاعرية معينة بجمالية معينة، وكل الثقافة اللي عم نتحدث عنها فكر فلسفة علوم إنسانية هيدي بتكون روافد للنص إنما موجودة في كواليسه موجودة من وراه مش ظاهرة عالسطح، العمل المسرحي أول ما بدأت كان ترجمة واقتباس لمسرحية مهاجر بريسبان التي كما ذكرت قدمت عام 2004 في مهرجانات ضمن نشاطات مهرجانات بعلبك الدولية، أخرج المسرحية آنذاك المخرج المسرحي اللبناني المقيم في فرنسا نبيل الأذن، النص هو نص لشاعر لبناني يكتب باللغة الفرنسية هو جورج شحادة وهو شاعر كبير، وكل ما كتبه شحادة سواء كتب مسرح أو كتب شعر أو حتى لما كان يتحدث بالمقهى أو في البيت أو في الشارع كان هناك وشاح من الشعر يغلف كل هذه الكتابات، من هنا كانت صعوبة ترجمة مسرحية مهاجر بيسبان وجدت نفسي أمام تحدي كبير لأن النص تصعب ترجمته إلى اللغة العربية، لا يمكن ترجمته باللغة العربية الفصحى ولا يمكن نقله باللغة الدارجة والعامية، فحاولت أن أستفيد من الإنجازين إنجاز اللغة الفصحى وإنجاز اللغة العامية، يعني الفصحى هي للمناطق العليا في النص للمناطق الشعرية، مثلاً عندما يقول جورج شحادة نداوي الكآبة بالأسرار.

أحمد الزين: يقيم عيسى مخلوف في باريس منذ أواسط سبعينات القرن العشرين، جاءها طالباً ثم استقر فيها أستاذاً وكاتباً وزع اهتماماته ما بين الشعر والبحث والمقالة والتعليم، عيسى مخلوف يعيش على مفترق ثقافات مختلفة بحكم معرفته بلغات كالإسبانية والفرنسية، له العديد من المؤلفات شعراً وبحثاً وترجمةً منها: "عين السراب" و"رسالة إلى الأختين" في الشعر، وفي الترجمة "مهاجر بريسبان جورج شحادة" التي تم تقديمها في مهرجانات بعلبك صيف 2004، وهو من المساهمين في التعريف ببعض أوجه أدب أميركا اللاتينية وبالأخص نتاج الكاتب الأرجنتيني بورخيس، إضافةً إلى ذلك وفي مجال الصحافة يعمل عيسى مخلوف مديراً للأخبار في إذاعة الشرق في باريس، وكان له في سياق تجربته محطة في الأمم المتحدة كمستشار خاص للشؤون الثقافية والاجتماعية للدورة الحادية والستين.

عيسى مخلوف: بهاي الفترة أنا اشتغلت هناك ونظمت ثلاث ندوات مثل الندوات السنوية التي تنظم سنوياً كانت مناسبة نحكي فيها عن حوار الحضارات، وكان هناك أسماء لامعة في جميع الميادين والحقول المعرفية شاركت معنا في هذا اللقاء، من العالم العربي اتصلنا برشيد الخالدي دعينا محمد أركون دعينا غسان سلامة، حتى الموسيقي الصديق عبد الرحمن الباشا إجا بهاليومين وقدم أمسية موسيقية داخل صرح الجمعية العامة، يعني المكان بالنسبة لإلي كان تجربة أحببت فيها أن أبتعد قليلاً عن باريس حتى شوفها بصورة أفضل بعد كل هالعمر اللي أمضيته فيها، وبعدين أقترب أكثر من الثقافة الأميركية اللي هي مهيمنة في العالم واللي هي حاكمة العالم اليوم ليس الثقافة فقط ثقافة الكتب يعني واللوحات الفنية الثقافة بالمعنى العام للكلمة، وهيدا تسنى لإلي إني كون قريب لإلها وشوف الميكانيزم هي كيف هي بتتحرك وكيف تتعاطى مع بقية ثقافات العالم، فكانت بدون شك كمان زاوية أخرى من الزوايا التي حاولنا النظر منها إلى العالم.

أحمد الزين: طيب والزاوية الأولى الزاوية اللي شفت منها العالم للمرة الأولى بإهدن؟

عيسى مخلوف: يعني كما يقول إدوارد سعيد في عمل جمعوه أخيراً وصدر في باريس وأتمنى أن يترجم إلى العربية ويقرأه جميع المشاهدين بيحكي فيه عن المنفى والمنافي ويتحدث عن الهوية والهويات، ويتحدث عن هذا البيت تحديداً أنه أحياناً انتمائنا ما بيكون انتماء فقط للمكان، أحياناً يكون انتماء لجمال محدد انتماء لإبداع محدد، وأنت بتكون مشدود لإله باستمرار هو اللي بخلي بعدين كل الأمكنة حلوة وجديرة بأن تعاش، وبيخلي العالم بالرغم من كل صعوباته جدير بأن يعاش، يعني مثل الحب بتناقضاته بثنائياته ببداياته الحلوة وأحياناً بنهاياته الصعبة المأساوية، كمان هيدا الحب هو هدف للإنسان وهو تطلّع دائم عند كل كائن حي يعني أنه خارج صراع العاشق والمعشوق لأنه يبدو البرمجة اللي برمجتنا ياها الطبيعة أنه دائماً بكون هناك عاشق وهناك معشوق، والعاشق هو قديس العلاقة إذا جاز القول هو تنعقد حوله علاقة الحب، المعشوق كسول متمهل هو يُحب مغنج مدلع مش بحاجة أن يبذل جهد، المشكلة وين؟ أن العاشق هو اللي يكون الضحية المقبلة دائماً، إنما فيما وراك تناقضات الحب ومشاكله وصعوباته يبقى هو أمل أيضاً يعني يقول دستوفسكي عبارة كتير حلوة بيقول: عندما تقول لشخص أحبك يعني أنك تقول له إنه لا يزال على قيد الحياة.

خارج العزاء خارج الخلاص والوعد المخلص.. كل شيء يمضي الجبال والبحار معاً.. خارج ما يأتي من الحياة والموت.. خارج عشبة الخلود التي تنبت على حافة الحلم.. خارج البقاء والرحيل.. خارج ما نعرف وما لا نعرف.. خارج الأمل واليأس.. خارج المراثي والمدائح.. أرافق الغيمة إلى مصيرها وضوء النجمة بعد أن ينتهي الليل.. أرافق النسمة الطالعة من الحقل ولا أسألها أين تمضي أرافق نبض قلبي هذا المجداف الذي يضرب في قاعٍ غامض.