جواد الشاكرجي

أحمد الزين: هو الحال هكذا غالباً.. العراقيون قد تلتقي بهم دون تخطيط أو موعد، صدفة هنا أو هناك في هذه المدينة أو تلك.. يزاولون حياتهم وأحلامهم وأسئلتهم عن مستقبل بلادهم، ويتذكرون أيامهم بحلوها ومرها.

جواد الشاكرجي واحد من هؤلاء، فنان ومسرحي التقيته في أبو ظبي كان في أمسية يتحدث عن تجربته ومسرحه، يروي ويقرأ الشعر.

جواد الشاكرجي: لما احترفت الرحيل قبل عامين.. لما احترفت الرحيل تركت على دفتر أخضر صورتي.. ثم أمسكت فيها ملامح وجهي.. وكنت الوحيد الذي يتمنى إعادته في ثنايا الحدود.. وأبقيت حالي على حاله.. لم تغير به غربتي من مذاقي.. وأدمنت توقيت بغداد في ساعتي.. ثم أوثقته بوثاقي.. ورحت أصرف كل الزمان بوقت عراقي..

أحمد الزين: في القصيدة وعلى هامشها تجولنا قليلاً تجولنا على شاطئ المدينة وحدثني عن سنواته في العراق، عن محطات في التجربة، في السياسة، في المسرح. عن ظروف انخراطه في حزب البعث عن آمال عقدها آنذاك، وعن أسباب خروجه من الحزب. حدثني عن سنوات الحرب الطويلة على الحدود الإيرانية وعن الفواجع، عن تجربته جندياً في الجبهة ومن ثم في المعتقل لاحقاً، عن أحلام وطموحات منها تحقق ومنها تبدد في سنوات الحروب.

وجواد شغوف بالحديث عن تاريخ التاريخ الانكسارات منذ سومر مروراً بسقوط بغداد على يد هولاكو وصولاً إلى الحرب الحديثة والاجتياحات والاحتلالات، ودائماً في البداية يأتي السؤال سؤال العراق إلى أين؟ بس الواحد يلتقى بأصدقاء عراقيين لحاله السؤال بينطرح بتعرف إنه سؤال العراق هلأ هو شاغلنا جميعاً، ممكن الواحد يسألك بأنه كيف العراق حتى لو كنت بعيد شوي عنها أنت موجود في بلد مجاور هو دمشق، كيف العراق وأهل العراق؟

جواد الشاكرجي: والله يا أستاذ أحمد أنت طرحت كلمة جميلة أن العراق شاغل الدنيا الآن، يعني الاحتلال أياً كان.. وأياً كانت الذرائع أن العراق تحت ظل نظام شامل، نظام شمولي ديكتاتورية لكن الاحتلال بحد ذاته أبغض بكثير بكثير من شيء اسمه حاكم جائر..

أحمد الزين: أنت تقول بمكان ما في بعض اللقاءات اللي أجريتها أن الأميركان ما سمحوا لنا نحنا نقوم بالتغيير اللي نطمح له، بتقديرك كنتوا قادرين الشعب العراقي كان قادر يقوم بعملية تغيير؟

جواد الشاكرجي: أنا أعتقد جازماً بل أؤمن جازماً بأن الشعب العراقي صاحب التاريخ الثوري والعنيف قادر أن يغيّر النظام حقيقة، ولكن الأميركان لم يسمحوا أو لم يعطوا الفرصة الحقيقية للشعب العراقي الشعب المظلوم، للشعب صاحب القضية وصاحب المصلحة الأساسية، وأرادوا أن يعطوا درساً للعراقيين وللعرب بأن أميركا هي الوحيدة القادرة على إزاحة صدام حسين أو إزاحة أي نظام يقف أمام أميركا أو يقول كلمة حق أو يحاول أن يغيّر عكس ما يطمحون.

أحمد الزين: طيب طالما عم نحكي هيك شوية سياسة، كيف بتشوف مستقبل العراق يعني؟ إلى أين تسير الأمور؟ فيه نوافذ على الأمل؟

جواد الشاكرجي: في العراق الآن أنا هذا اعتقادي هناك نوعان من البشر، واحد سارق والآخر عاشق، العاشق هو الذي بقي في العراق مع معشوقته وحبيبته بغداد أو تربة العراق، والسارق هذا لربما من قوميات مختلفة عراقي كان أو عربي أو أجنبي مستفيد، وسيبقى مستفيداً لفترة طويلة لأن العراق منجم كبير، منجم بثروات كثيرة المعادن والبترول والكثير الكثير..

أحمد الزين: بناسه أيضاً..

جواد الشاكرجي: عفواً إذا أقدر أقول هو أعظم غنى وأعظم رأسمال هو الإنسان العراقي الموجود في العراق.

أحمد الزين: تقول إنه دائماً الألم والشجن هالمفردتان يعني يلازموك في كل عمل تقوم فيه، ليش دائماً فيه ألم وفيه شجن خلينا نقول بحياتك يعني الشخصية على الأقل؟

جواد الشاكرجي: إذا عدنا إلى الماضي دائماً نرجع.. الشجن والحزن موجود في العراق منذ عصر البابليين والسومريين، منذ ملحمة تموز ومنذ رثاء أور مروراً بملحمة الحسين وواقعة الطّف ومقتل الإمام علي والحجاج وما فعله بالعراقيين، وبكثير من الملاحم والأحداث الدامية في تاريخ العراق. أنا أعشق الألم والشجن لأنني أؤمن بأن الفن هو قوة وحنين، لا أؤمن بأن الفن فقط محاورة العقل مع العقل، أنا أؤمن بأن الفنان يفترض أن يفكر بعقله، وأنا كممثل عندما تخرج الكلمة من فمي على المسرح تخرج من عقلي تمر بقلبي وضميري وأخيراً تخرج من فمي، أنا أؤمن بأن الشجن والألم يدفع الإنسان إلى الإبداع إلى الخلق، خاصة أن المناخ العراقي بماضيه وحاضره ومستقبله مهيأ لهذه القضية.

أحمد الزين: طيب ما بتشوف أنه أحياناً الاستغراق في الحنين وفي استدعاء المآسي والفواجع من تاريخنا تشكل أحياناً عائق أمام تحركنا نحو المستقبل نحو الأمل؟

جواد الشاكرجي: نحن رغماً عنا بقينا أسرى لهذا الحزن ولهذا الألم، أسرى بفعل السياسات التي وضعتنا في هذا الهم، يعني لو العراق نهض عام 1970 واستمر بدون الخوض في حروب مثل حرب إيران ودخول الكويت وحرب الخليج الأولى والثانية والثالثة والعاشرة، والاحتلال وما أعرف بعد شنو حروب أما كان الإنسان العراقي أن ينهض وأن يتحرر نوعاً ما من هذا الحزن، ويتجه نحو الفرح ليخلق فناً فيه من الإبداع المبهج، وفيه دعوة إلى الحياة لبث الحياة من جديد، هذا حقيقة نطمح إله.

أحمد الزين: طبعاً أنت من الفنانين والمثقفين اللي بقيوا بالعراق خلال فترة حكم طويلة للنظام السابق وخلال فترة الحصار أيضاً لم تغادر، واشتغلت وأنتجت أعمال، كيف تدبرت أمر بقاءك إذا بدنا نقول إنه معظم المثقفين اللي كانوا يغردوا خارج سرب حزب البعث غادروا العراق، أنت اعتمدت على بعض من انتمائك القديم للحزب أنه هاي كانت شفيعة إلك تبقى في بغداد وتشتغل؟ أم كنت يعني تدبر أمورك بطرق أنا ما بعرفها؟

جواد الشاكرجي: حقيقة يعني أنا منذ بداياتي المبكرة كحدث وكشاب وكمراهق كنت ميال إلى البحث عن المجهول والبحث عن اللامألوف، وهذا هو سر من أسرار لربما تواصلي إلى يومنا هذا. في داخلي تمرد، وفي داخلي مشاكسة، وفي داخلي عدم رضا عن نفسي وعن ما أحققه.

أحمد الزين: هذه المشاكسة والاختلاف خارج السرب أدى بك إلى أين؟ عم تحكي عن بداياتك.

جواد الشاكرجي: أدى إلى أنه أبحث عن موطئ قدم أتنفس من خلاله أو أن أجد نفسي من خلاله، لربما أجد نفسي في الجانب السياسي أو لربما أجد نفسي في الجانب الفني، كنت أعشق عبد الكريم قاسم منذ البدايات، وكان أبي يعني لما يشوف عبد الكريم قاسم يأتي إلى منطقة الكاظمية اللي كان محل أبوي في الكاظمية، يقول لي جواد اطلع إجا حبيبك عبد الكريم قاسم وهو يمر في هذا السوق الشعبي، سيارة واحدة عبد الكريم قاسم كان يقعد في سيارة فقط معاه سائق والمرافق في الأمام، ويقعد عبد الكريم ويؤدي التحية بهذه الطريقة. أنا أكثر من مرة أقفز من محل أبي لألتصق مباشرة بالزجاج الذي نكون أنا وعبد الكريم قاسم وجهاً لوجه، كنت أرى في عبد الكريم قاسم الأخ الكبير، الأب، الوجه المشرق، الحنين، الوجه الباسم، وكان عبد الكريم قاسم له من المواصفات التي لا تزال هي طموح كل سياسي وطموح كل فنان، رجل عاش زاهداً لم يملك من الدنيا أي شيء كان متصوفاً لم يتزوج، لم يمتلك عقاراً، قُتل شر قتلة وهو مطلوب إيجار بيت لمدة عام إلى الدولة العراقية، يعني عبد الكريم قاسم مهما قيل عنه إذا توقفنا عند هذه الصفات العظيمة لهذا الرجل، يفترض علينا أن ننحني لهذا الرجل، عكس ما جاؤوا من بعده بحثوا عن الجاه وعن السلطة وعن الثروات وعن القصور.

أحمد الزين: ويروي جواد الشاكرجي أنه كان يبحث عن مكانة أو موضع يحقق شيئاً من طموحاته ويجد نفسه من خلاله، كان يعشق عبد الكريم قاسم، وحبه لهذا الزعيم دفعه للتعامل مع الشيوعيين أنصار قاسم في ذلك الحين، وكان ذلك من خلال انخراطه في فرقة مسرحية في المركز السوفيتي حيث تعلم الكثير من هذه التجربة، قرأ الأدب وقرأ المسرح وشاهد العديد من الأفلام السينمائية، بعدها انطلق إلى فرق أخرى، وفي عام 1968 انتمى إلى تنظيم الاتحاد الوطني وهو تنظيم شبابي ليصبح لاحقاً عضواً في حزب البعث، ويقول: لم يكن ذلك اختياراً بل رغبة في البحث عن فعل أقوم به. وبقي جواد يتردد على الحزب بحماس متفاوت حسب ما يروي حتى عام 1979 يوم تولى الرئيس صدام حسين الرئاسة، حيث وجد أنه في الموقع الخطأ وغير المناسب لطموحاته.

جواد الشاكرجي: توجت هذه الفكرة عام 79 عندما أُعلن صدام حسين رئيساً للجمهورية، وشاهدت بأم عيني الفيلم الذي كان في قاعة الخلد في هذا الاجتماع للقيادة، وينادى على الرفاق الذين اشتركوا في المؤامرة لربما المزعومة ويُسحب الرفاق تباعاً بهذه الطريقة، من هنا أدركت بأنني عليّ أو ينبغي أن أخرج من تنظيم حزب البعث، وأقرر بأن أكون فناناً حراً يعمل لفنه من أجل الإنسان ومن أجل الوطن، في حرب إيران أنا سُحبت إلى العسكرية عام 1980 واشتغلت في المسرح العسكري اللي يفترض أن به لديّ تنظيم ولم أُنظم، لذلك عام 87 نُقلت من المسرح العسكري في بغداد إلى جبهات القتال لمدة سنتين ونصف، وهذه السنتين ونصف اللي قضيتها..

أحمد الزين: عملت مسرحية "لو".

جواد الشاكرجي: عملت مسرحية "لو"، واشتغلت في مسلسل الأماني الضالة، واشتغلت عدة أعمال وأنا في الجبهة. والسبب في أنه أكان آمر اللواء اللي كنت تحت إمرته اللواء عبد الأمير المالكي الله يرحمه كان رجلاً متفهماً ومثقفاً وسياسياً محترماً، أدرك بأن وجودي في هذا المكان خطأ، ساعدني كثيراً. لكن هذه المساعدات أغاظت بعض الناس وسحبت أو اعتقلت عام 88 من قبل الاستخبارات العسكرية تحت تهمة أنه أنت ترشي الضباط أو لك علاقات خاصة أو ربما عندكم تجمع تآمري، تجربة قاسية منحتني الكثير وأضافت على فني وأصبحت عندي نقلة نوعية ومهمة على المستوى الفني وعلى المستوى..

أحمد الزين: خلال فترة السنتين اللي قعدتهم بالحرب.

جواد الشاكرجي: بالضبط، كنت هناك أتمرن وأحفظ نصوص مسرحية، كان يحفظني رفاقي في الجيش، لما أحفظ النص في الجبهة بعد أسبوع أرجع إلى بغداد لأتمرن على مسرحية، وهذه تحديداً المسرحية هي مسرحية "لو"..

أحمد الزين: أخدت عليها جائزة في مهرجان القاهرة أظن.

جواد الشاكرجي: القاهرة، مسرحية "لو" مسرحية كتبها الكاتب الروسي شايكوف بقصة قصيرة لا تتعدى خمس صفحات اسمها الألم، والمسرحية باختصار هي تتحدث عن حوذي عراقي معوق عُوق في معمل وطرده رب العمل وأخذ عربة وحصان يشتغل به، يدمن على الخمر لهذا العوذ، يدمن على الخمر لأنه فقد ابنه اللي عمره خمس سنوات، ولم يتبقَ له إلا امرأة زوجته اسمها نورية في ليلة عاصفة ممطرة باردة جداً، ينقل زوجته من بيته إلى المستشفى ويتحدث معها بتداعيات وذكريات، ويقول لها دائماً أتمنى لو أعود عشرين عاماً، أتمنى لو أعود 15، تتناقص هذه السنين بالـ لو يتمنى فقط لو عدتِ إليّ حية لأنها ستموت في نهاية الطريق عند باب المستشفى وينتهي العمل.

أحمد الزين: منرجع شوي عالبيئة أنت نجفي وكربلائي بحكم الولادة من أب وأم، أب نجفي وأم كربلائية. طبعاً هذا الإرث حامله في شخصيتك وأيضاً في سلوكك، يعني أنت تنتمي عقلياً وعاطفياً إلى هذا الإرث، وينعكس بتجربتك بشغلك؟

جواد الشاكرجي: نعم، أنا في الحقيقة ولدت في بغداد، كان بيتنا عبارة عن بيت صغير كانت تسكن معنا عائلة أخرى، كان أبي يعمل الزلابيا على الرصيف في بغداد، كان رجلاً بسيطاً فقيراً متواضعاً صاحب قلب كبير، أمي كانت أمية لا تعرف سوى قراءة القرآن ولم تستطع أن ترشدنا أو توجهنا في الحياة لأميتها، أبي أيضاً لم أتعلم منه الكثير لأنه كان يخرج من الساعة الرابعة صباحاً ويعود إلى البيت في العاشرة ليلاً، هذه التشكيلة أو هذه الخلطة لم تجعلني أنتمي انتماءً كلياً إلى طائفتي بل انتميت بحكم ولادتي في بغداد إلى بغداد عاصمة العراق، قلب العراق النابض لأنني أصلاً ضد أشياء ثلاثة: أنا ضد الاحتلال، وضد الطائفية، وضد التقسيم.

قصيدة

يا ضوء روحي العراقيون..
يا وجعي.. وكبريائي..
ويا عيني التي سملوا..
أنتم أضالع صدري..
كلما كسروا ضلعاً..
أحس شغافي وهو ينبذل..
فكيف تجرؤ يا أهلي بنادقكم على بنيكم
ولا تندى لكم مقل؟
وكيف تسمح يا أهلي خناجركم دما بنيكم
ولا ينتابها شلل؟
يا أهلنا ليس في حرب العدا خلل..
بل قتلكم بعضكم بعضاً هو الخلل..
لا تكسروا ضلعكم أهلي..
فما عُرفت أضلاع صدر لكي تحميه تقتتل..

أحمد الزين: بتقديرك ليش معظمنا في عالمنا دائماً بدو يتكّي على بطولة معينة، أنت ذكرت قبل شوي عبد الكريم قاسم إنه كيف كنت تحبه وتحب تشوفه عن قريب تحب تلمسه، يعني ليش دائماً بحاجة الواحد منا أن يتكئ على بطولة، بحاجة لبطل إن كان في التاريخ والبطل غالباً بيكون مأساوي، ليش؟ من أين أتت هذه البذرة؟

جواد الشاكرجي: هذه المنطقة العربية عموماً هبطت عليها يعني رسائل أو أليان كثيرة، ما بين هذا الاختلاط وما بين هذا التشتت والضياع هذا البحث عن الحقيقة الدائمة، يبدو وضع بالإنسان نوع من التأرجح ونوع من الضياع والتشتت لم يستطع أن يؤسس، الثقافة الغربية على فكرة وهذا لربما رأي خطير تفوقت علينا وتطورت لأنها أنهت منذ زمن طويل سلطة الكنيسة على الدولة، لذلك الفكر الغربي تقدم وتطور، ونحن لا نزال أسرى لأفكار سلفية قديمة وهذا طبعاً خطأ كبير، ولكن بالمقابل عليّ أن أجد طرق ووسائل جديدة لأن الزمن متغير والأجيال تتغير والأفكار تتغير.

أحمد الزين: يقول جواد الشاكرجي كنت أريد أن أكون مختلفاً، ولكن لا أحد انتبه إلى موهبتي أو إلى رغبتي، على عكس ما هو متوفر في العالم اليوم حيث الرعاية في البيت وفي المدرسة تنمي المواهب وتصقلها.

ويتحدث جواد عن سنواته الأولى بين أهله ومدرسته، حيث لم ينتبه أحد إلى طاقته التي كان يفجرها تارة في التمرد على الأهل، وأخرى في ممارسة الرياضة وأخرى في ممارسة ركوب الخيل مثلاً وفي السباحة وفي الشعر، إلى أن وجد نفسه أخيراً وحقق موهبته في التمثيل في المدرسة الابتدائية حيث شجعه أستاذ النشاطات الطلابية آنذاك، بعدها حاول أن يلتحق بفرقة 14 تموز المسرحية، لكن النصيحة كان أن يكمل دراسته ويبدو أنه لم يفعل ففًصل من المدرسة والتحق بالخدمة العسكرية، أما في المحصلة صنع جواد نفسه بنفسه، في بداياته حاول كثيراً هنا وهناك نجح وفشل، إلى أن التحق في أوائل السبعينات بمعهد الفنون الجميلة ليمضي خمس سنوات دراسة وتمريناً وتحصيلاً، بعدها بدأت هوايته تأخذ مسار الاحتراف حيث قدم الكثير من الأعمال ونال الجوائز، وكما يقول انخراطه في حزب البعث في البداية مهد له الطريق تقريباً، لكنه سرعان ما بدأ يعيق حركته كفنان، فماذا عن تلك التجربة؟ وماذا عن مشاركته في فيلم الأيام الطويلة عن حياة صدام حسين؟

جواد الشاكرجي: هذه الرواية كتبها الشاعر المثقف أو الأديب عبد الأمير معلى اللي كان في وقتها مدير عام للسينما والمسرح، التقى بصدام حسين بفترات طويلة وكتب هذه الرواية بثلاثة أجزاء، كان الجزء الأول تتحدث عن مرحلة الخمسينات وتحديداً عن محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم عام 59 اللي نفذها حزب البعث بمحاولتين..

أحمد الزين: هم اللي اغتالوه؟ صدام حسين؟

جواد الشاكرجي: محاولتين أو ثلاثة، صدام حسين كان واحد من السبعة الذين نفذوا عملية الاغتيال، وكان الوحيد الذي لا يزال فتياً في حزب البعث، الفيلم تحدث عن هذه الفترة. أنا في فترة انتمائي لحزب البعث كان النموذج بالنسبة إلي هو عبد الخالق السامرائي، لماذا عبد الخالق السامرائي؟ كان فيه شبه بين عبد الخالق السامرائي وعبد الكريم قاسم مع الفارق الكبير، لما طلب من عندي توفيق صالح المخرج المصري أن أمثل في فيلم الأيام الطويلة قال لي أنت رواية الأيام الطويلة؟ قلت له نعم قاريها، قلي تعرف شخصية راضي مختار؟ قلت له إي راضي مختار مسؤول محمد الصقر واللي معروف محمد الصقر هو شخصية صدام حسين، قال لي في الحقيقة مين راضي مختار؟ قلت له والله ما أعرف يعني ما منتبه بس أعرف. قال لي راضي مختار هو عبد الخالق السامرائي، أنا صعقت، كيف سأقدم هذا الرجل وهو أُعدم لم يمر أكثر من عام على إعدامه؟

أحمد الزين: أعدم.

جواد الشاكرجي: طبعاً أعدم عام 79 ضمن المجموعة خلاص، فأنا حقيقة كنت في حيرة من أمري كيف أقدم هذا الرجل بأمانة أولاً بتاريخه المشرف، وثانياً لعشقي له وهذا واجبي يعني واجبي أن أقدمه كما هو، فسألته لتوفيق صالح قلت له أستاذ توفيق هذا الرجل تاريخه هذا فأنتو شلون تريدون أن يُقدم حتى أعرف، قلي أن يقدم عبد الخالق السامرائي هو كما هو، قلت له شلون هو كما هو؟ قال لي إنه يطلع العراب لصدام حسين، المعلم الأول لصدام حسين، وفعلاً وطلع هيك لأنه قال لي أنا أخذت الضوء الأخضر من صدام حسين أن تظهر الشخصيات في التاريخ هي كما هي بغض النظر عن هذه الشخصية انحرفت أو خانت أو أعدمت.

أحمد الزين: وبعدما شاف الفيلم صدام حسين وافق على النتيجة؟

جواد الشاكرجي: الفيلم عُرض في القصر الجمهوري والحمد لله لم أكن موجوداً ضمن المدعوين، لكن الفيلم ما كان عاجبه. وما كان عاجبه الفيلم لأسباب بسيطة في وقتها فيه بعض الملاحظات يعني اعترض على أنه عفواً الحمار اللي كان يركب عليه ووصله من العراق من تكريت إلى الشام إلى البوكمال سوريا، الحمار كان في وقتها حسب رأيه الحمار أنه كان هزيل ويمشي بطيء، لكن اللي طلعتوه بالفيلم كان سريع ونشط وكأنه حصان مو حمار، فالاعتراضات كانت بسيطة حقيقة، بس اللي أبدع فيه حقيقة في الفيلم رغم أنه ليس ممثلاً هو صدام كامل اللي هو صهر صدام حسين اللي هو أخو حسين كامل اللي قتل في حادثة شهيرة جداً عندما خرجوا لمعارضة صدام حسين، وعندما عادوا بكلمة أمان منه، وقتل حسين وصدام وأخوهم أيضاً اسمه حكيم وأختهم في معركة غير متكافئة في مدينة بغداد تحديداً في منطقة الضباط اللي قريبة على منطقة الدورة.

أحمد الزين: نتابع مع جواد الشاكرجي جولتنا في سيرته وفي أفكاره، وكنا قد تعرفنا على بعض أعماله في الحلقة السابقة على شغفه بالدراما وبالجدي منه، تعرفنا على بداياته هاوياً باحثاً عن موقع له، عن ملامح أخرى لحياته ولإطلالته. جرب في السياسة وفي الحزب حزب البعث ونشط في المنظمات الشبابية، صنع نفسه بنفسه كما يقول، تعلم من تجاربه وامتحن الأشياء والسياسة، فشل في مطرح ونجح في آخر، لم تطل إقامته في الحزب غادره وعاد إليه وغادره ثانية دون عودة. ربما راهن على شيء لكنه في النهاية نجح في كونه ممثلاً يعرفه المتابعون في العراق وفي العالم العربي على منصته ممثلاً، وفي المهرجانات حائزاً على جوائز وحاضراً بزخم المبدع، نتابع مع جواد الجولة في سيرته وتجربته.

عادة بتقول حتى تعرفوا جواد أكتر لازم تشوفوا له كنتوا مسرحية عراق يا عراق، يعني هذه المسرحية كتير بتهمك يبدو هي كأنها علامة بتجربتك، علامة مميزة بهالتجربة الطويلة، هي توليفة شعرية على ما أظن للسياب وسواه.

جواد الشاكرجي: أستاذ أحمد عراق يا عراق هي قصائد لم تُمسرح قصائد شعرية، وأنا كنت سابقاً ولا أزال أقرأ القصائد الشعرية اللي أحبها بغض النظر عن الشاعر اسمه أو كبره أو انتماءه، يعني أحياناً آخد شاعر شاب يكتب قصيدة جميلة.

من قصائد عراق يل عراق

يا ليل بغداد هل نجم فيتبعه؟
من ليل باريس سكران الخطى ثمل..
الحزن والدمع ساقيه وخمرته..
وخيله شوقه لو أنها تصل.
إذاً وقفت على الشطآن أسألها..
يا دجلة الخير.. يا دجلة الخير أهل الخير ما فعلوا..
أما يزالون في عالي مرابضهم..
أم من ذراها إلى قيعانها نزلوا..
فأي صائح موت صاح في وطني
بحيث زلزل فيه السفح والجبل
وأي غائلة غالت محارمه.. وما لديه على إقصائها قبل.
يا دجلة الخير بعض الشر محتمل
وبعضه ليس يُدرى كيف يُحتمل؟

في هذا العمل كان الفكرة أن أقرأ هذه القصائد بمصاحبة آلة أو آلتين مثلما كنت أفعل سابقاً، ولكن وجدت عمق القصائد اللي اخترتها أكثر بكثير من أن ترافقها آلة أو آلتين، وتفتقت عندي الرؤية والصورة. لذلك حاولت أن أقدم هذا العمل بشكل مسرحي، أردت أن تكون الكلمة هي العليا ليساعدها جميعاً الصوت صوت الممثل مع حركة الممثل، أن تعينها أيضاً العناصر الأخرى الإضاءة والموسيقى والرقص التعبيري.

أحمد الزين: يعني هذا العمل أنتجته كاملاً كتابة وإخراجاً؟

جواد الشاكرجي: بالضبط، هو ليس كتابةً..

أحمد الزين: توليف.. إعداد.

جواد الشاكرجي: لكن حاولت أن أدخل بعض المقاطع من المشاهد المسرحية التي مثلتها سابقاً، هي مسرحية قصة حب معاصرة لمخرجها المرحوم هاني هاني، والمؤلف فلاح شاكر، ومن مسرحية الجنة تفتح أبوابها متأخرة أيضاً لمخرجها..

أحمد الزين: كيف كان وقع "عراق يا عراق" على الجمهور؟

جواد الشاكرجي: والله كان مؤثراً جداً، وكان أكثر تأثيراً في تونس.

من قصائد عراق يل عراق

وطن كلنا والجنان مناف
ونشتاقه.. ونشتاقه حتى أنا نحب اللصوص به
والسكارى.. وحر الزنازين في صيفه
والبغايا.. ومن أيدوا ثم من عارضوا
والمخبرين ومن أخبروا.. والسجون
وطن لا يقسم مثل الخرائط
لكنه نحن كل عراقي.. عراق
فكم وطناً يقسمون؟

أحمد الزين: كنا بدنا نتحدث شوي عن تجربة تونس، هاي التجربة ليش رحت على تونس بناءً على دعوة؟ أنت أردت تغير جو عن بغداد؟

جواد الشاكرجي: والله يا أستاذ أحمد أولاً أنا تونس عشقتها من السبعينات، ليش من السبعينات؟ خلال ما كان يوصلنا ونحن طلاب ونحن نشتغل في المسرح عن تجربة المغرب العربي تحديداً في تونس وفي المغرب، في المغرب كان يقودها الطيب صديقي وعبد الرحمن القاسم، وفي تونس كانت تخوض الحركة.. كانت فرقة المسرح الجديد اللي هو الفاضل الجعايبي، والجزيري وتوفيق الجباري، ورجاء بن عمار.. مجموعة وكانت تقدم أعمال هائلة، كان هناك أيضاً منصف السويسي، فالمنصف السويسي جاء إلى بغداد عام 77 ليقدم ثلاث عروض مسرحية نشاهد المسرح التونسي لأول مرة، حقيقة كانت ثلاثة عروض من أهم العروض اللي شاهدناها في تلك الفترة، وأعجبت وانبهرت بتونس وبهذا الاتجاه المسرحي، فكانت عندي رغبة شديدة في أن أتواصل وأن أصل إلى تونس في يوم من الأيام، كانت هناك فرصة أن أذهب إلى تونس عام 86 للمشاركة في مهرجان قرطاج السينمائي وشاركت في بطولة فيلمين، وتكررت التجربة عام 89 في أيام قرطاج المسرحية، كانت تجربة أخرى أيضاً في عام 91 في مسرحية "قصة حب معاصرة" العمل كان طالع من رحم المعركة، كان فلاح شاكر يكتب النص في البصرة، وكان القصف الأميركي أو قصف ثلاثين دولة على العراق يبتدئ من البصرة ليدّك الشمال، وعندما توقفت الحرب جاء فلاح شاكر وجاء هاني هاني من الموصل، وعدت أنا من النجف لأني عشت عشرين يوم في الانتفاضة وكانت هناك سهير إياد لنجتمع ونخوض تجربة جيدة ورائعة، كان مشروع لكتابة نص واشتغلناه بمشاعرنا وألمنا، لم نكن فنانين كنا مقاتلين، قدمنا قصة حب معاصرة وحصلنا في وقتها على جوائز عديدة، أفضل نص، أفضل مخرج، أفضل ممثلة، أفضل موسيقى تصويرية لنصير شما، بهذه المرحلة وأنا كنت متعب ثمان سنوات أنا سبع سنوات ونصف في حرب إيران، دخول العراق للكويت أنا دمرني في وقتها بعد انتهاء الحرب رحت إلى النجف كانوا أهلي هناك، عشت في النجف فترة الانتفاضة هاي الانتفاضة اللي دامت مو أكثر من سبع ثمان أيام، وجاء الجيش العراقي الحرس الجمهوري بأوامر من السلطة والقيادة لتسحق ثمان محافظات من ضمنها كربلاء والنجف، أنا كنت فيها وشاهدت الجثث وشاهدت.. وشاهدت.. وشاهدت إلى أن عدت من النجف وأنا إنسان آخر، إنسان آخر تماماً يعني نقطة تحول رهيبة، كنت أتمنى أن أخرج من العراق في أقرب فرصة، لذلك لم تتعدَ السنتين تزوجت عام 93 في شهر 6 من امرأة يعني فعلاً أهداني ياها الله كأي ملاك لتلملم جراحاتي لتعيدني إلى صوابي في عام 93 في شهر 10 جتني دعوة من قرطاج المسرحي كضيف شرف، وهناك حملت كل حقائبي ولم أملأ حقائبي إلا بحبي لوطني، فسافرت إلى تونس وأقمت أربع سنوات كانت رائعة، كانت جميلة، كانت غنية بالتلاحم مع الفنانين التونسيين مع الشعب التونسي الذي أحببته وأحبني، لكن بقت الغربة كبيرة بالنسبة إلي دائماً كنت أقول: بلادي وإن عزت عليّ عزيزة . . . وأهلي وإن شحوا عليّ كرام.

أحمد الزين: مثلما ذكرت إنه أنت تركك لحزب البعث وبقائك في العراق في أحلك الظروف وأشدها ما غادرت، الآن أنت غادرت إلى دمشق مقيم في دمشق، وكأنك مش راضي عن ما يحدث، طبعاً كلنا مش راضين عما يحدث على المستوى الأمني، يعني التجربة اللي كنت تطمح لإلها أو السلطة أو النظام أو بغداد اللي كنت تحلم فيها لم تتحقق، لذلك أنت موجود في دمشق؟

جواد الشاكرجي: لأنه أنا منذ البدايات كنت مؤمن بالتغيير من الداخل وهذا حكينا به، لأن الاحتلال لا يمكن أن يبقي في العراق شيء جميل وهذا ما حصل. وجود دبابة أميركية في الشارع العراقي وحدها تخليني أغلي. مشاهدتي للبسطار الأميركي يمشي في شوارع بغداد بحد ذاتها وكأنني أنتحر يومياً، لا يمكن أن أنسى عندما بيت اخترق من قبل الأميركان ويطلعون أطفال بعمر 5 إلى 10 سنوات يعني رافعين إيدهم بهاي الطريقة، لا يمكن أن أنسى علي هذا الطفل الذي لم يتجاوز عمره 12 سنة قطعت يديه ورجليه، لا يمكن.. يعني هو الحرب شنو هي؟ هو الحرب هو يدبون لنا شوكولاته، هي الحرب فقط أن يرفعون صدام حسين مثلما قال البعض هي عملية جراحية لسرطان استئصال سرطان وخلاص، طيب وينه؟ ما ذُبح الشعب كله، ما مات أكثر مما مات خلال 35 عاماً، يعني هالقد هو الدم العراقي سهل؟ هالقد دم الإنسان العراقي رخيص؟ ما أنا هذا اللي مجنني.

قصيدة

في المقبرة تل عجائز لا نبتة فيه
سود.. أكفان الموتى
أرأيت قبوراً بالمقلوب!
وحشد جنائز تبكي
وتلون خشب التابوت
من وحشة أم تحضن قرب القبر جنازتها
وتولول في قلب مفتوت
هذا أنا يما.. وياك أموت

جواد الشاكرجي:ثانياً يعني بدأت لغة الطائفية تطغى، أن يقتل الإنسان على الهوية على اسم! أنا اسم ابني علي لو اسم ابني علي الكرار والآخر اسمه حيدر أن يختطف مثلاً؟ أنا بالنسبة إلي جرح ابني يعني موتي، لذلك أنا لما خرجت عام 2003 قبل الاحتلال اتصلت بزوجتي قلت لها هيئي نفسك رح أجيبكم سوريا، وفعلاً جيت إلى سوريا وعدت بعد سقوط النظام، عدت لكن بقيت في مرارة، أشاهد وقلبي يتمزق، إلى عاد.. بعد ما عاد عندي قدرة أن أبقى غادرت العراق عام 2006 في شهر 5 أو 6 عندما انتهت السنة الدراسية لأولادي، ثانياً إحنا هذا الجيل وجيل فنانين كبار عاشوا في العراق قبل 68، لما جاؤوا من جاء مع الدبابة أو خلف الدبابة الأميركية صاروا يتحدثون بموضوع ثقافة الخارج وثقافة الداخل، مثقفين وفنانين الخارج ومثقفين وفنانين الداخل، وكأننا كنا نؤسس لهذه الدولة، وكأننا.. إحنا اللي أسسنا كيان صدام حسين أو النظام الشمولي، إحنا كنا مذبوحين، أنا لما أكرم في حياتي في العراق، لربما تكّرم الكثير والآن موجود في العراق يعني لعب على الحبلين في عهد صدام وفي هذا العهد، كرموا بسيارات وبشقق. أنا لم أكرم في عهد صدام حسين حتى ولو بقلم، وكان عندي موقف معارض وكنت أحكيه، حتى لما كنت أسافر خارج العراق في عام 2000 و2001 كنت أحكي هذا الكلام.

أحمد الزين: نرجع للمسرح شوي، في دمشق كان عندك احتكاك بالتجربة المسرحية السورية؟ اشتغلت مع مخرجين؟ ساهمت بشيء؟

جواد الشاكرجي: لأ إلى حد الآن لم أساهم في المسرح تحديداً في المسرح السوري رغم حبي واحترامي للمسرح السوري وفيه طاقات هائلة، أولاً لأنه لما وصلت سورية ما عندي رغبة حقيقة، المسرح يحتاج إلى مزاج وإلى تفرغ وإلى يعني شيء مزاجي عالي، يعني أعتقد مو مثل التلفزيون تحديداً، لذلك ما كان عندي هذا المزاج، فرحت على العمل في التلفزيون في المسلسلات التلفزيونية الدرامية..

أحمد الزين: في التلفزيون السوري؟

جواد الشاكرجي: إذا كانت العراقية وإذا كانت السورية وإذا كانت العربية.

أحمد الزين: طلقت المسرح حالياً؟

جواد الشاكرجي: لا.. لا، أنا بالعكس أنا ابن المسرح البار، المسرح بالنسبة إلي هو حياتي، التلفزيون أنا أشتغل به ربما لسببين السبب الأول أحاول أن أجدد، أحاول أن أنقل تجربتي إلى التلفزيون، يعني تجربتي ليست الكاملة وإنما هذا الحس وهذا الوعي وهذه الثقافة.

أحمد الزين: لكن التلفزيون ما بيحد شوي من طاقة المبدع، يعني الممثل المسرحي ما بيحس حاله هو على المنصة الحقيقية تبعه، هذا واحد. ثانياً التلفزيون يطبعك بطابع أو بشخصية ما بتكون أنت طامح لها مثلما عم يصير معك حالياً بالمسلسل أبو حقي، ما بيخسرك شوي من طاقتك الإبداعية التلفزيون؟

جواد الشاكرجي: الحقيقة التمثيل هو واحد، يستغل المسرح الفضاء المفتوح..

أحمد الزين: رحابته.

جواد الشاكرجي: بالضبط، هذا الأفق وهذا الفضاء الجميل، وبالتالي الممثل يستخدم كل أدواته اللي هي المعروفة الجسد والصوت والعين، وأقوى ما بالممثل هو العين. وروحه وهو هذا الأهم، هنا بالدرجة الأولى. بالتلفزيون هذا التحجيم باللقطة وبالمشهد أو بالزاوية نعم ستكون مقيداً بإنه أنت ما تحرك بجسدك بإيدك أو تروح، لكنه هنا ستكثف روحك، ستكثف وعيك، لذلك أنا أعتقد أهم الممثلين في العالم وليس في المسرح العربي في السينما والتلفزيون وتحديداً في السينما هم كانوا أبناء المسرح كلهم، لذلك أنا أعتقد الذي يأتي من المسرح سيكون له يعني تأثير كبير في التلفزيون على شرط أن يتخلص، لأنه فيه ممثلين يبقى التطبع المسرحي في التلفزيون، يستخدموا الصوت العالي بدون أن يشتغل على الوجه، هذا شيء الأساسي، في المسرح أنت تنطلق وتصل إلى حدود الإبداع وتشتغل وخاصة في لحظة العرض، لأنه لربما في التمارين هناك المخرج يحاول أن يحدّ منك أو أن يوظفك أو يخليك على طرق، لكن في لحظة العرض يكون الممثل هو سيد العرض كاملة، أنا والفضاء، وبالتالي حتى الجمهور أنا بالنسبة إلي كممثل حتى الجمهور ينتهي عندي، أنا في لحظة وقوفي على المسرح أرى بياضاً كأنه ضباب، وأتحرك في هذا الضباب في هذا الفضاء الأبيض لأرسم بخطوط سوداء حركة جسدي وصوتي وروحي ومشاعري التي تتدفق لتعطي لوناً جديداً لهذا الفضاء، هذا أعتقد تفسيري.. علاقتي ما بين المسرح والتلفزيون.

أحمد الزين: دائماً كانت أعمالك المسرحية يعني تروح عالجدية الآن شوي عالفكاهة على المزحة.

جواد الشاكرجي: أنا ما رحت لحد الآن، أنا طلعت في عمل، هي ليست برغبتي الشديدة ولكن الواقع فرض عليّ هذا، والواقع يبدو أنه إحنا جيناه متأخر، أنت تعرف يا أستاذ أحمد إن الثنائيات في الكون تتشكل من سالب وموجب دائماً، المرأة والرجل، القمر والشمس، الليل والنهار، الشر والخير، في الدراما منذ انطلاقها في عصر اليونان قبل المسيح الدراما تراجيديا وكوميديا، إذاً تتعكز الدراما على هذا وكأنها تمشي على ساقين، عندما تعوق الدراما تعوق الكوميديا تصبح الدراما تمشي على ساق واحدة..

أحمد الزين: عرجاء.

جواد الشاكرجي: الكوميديا لماذا لم تُهضم في الوطن العربي إلا في بعض المناطق؟ يعني فؤاد المهندس، في سوريا أعطاها دريد لحام، في مناطق عديدة في العالم شاري شابلن هو الذي بدأ في تأسيس كوميديا راقية كوميديا الموقف، ولكن مع الأسف بدأ اتجاه مغاير تماماً للدراما كلها وليس فقط التراجيديا، أنه جاء أناس من خارج الثقافة من خارج الوسط بدؤوا يقدمون أعمال سكتشات تهريج تسخيف تسطيح، وأخطر من هذا إلى حد أنها دون مستوى الشارع.

أحمد الزين: يمكن ما فيه كتّاب للكوميديا الحقيقة، لأنه كتير سهل تبكي الناس بس صعب كتير تضحكهم؟

جواد الشاكرجي: أنا أعتقد الكوميديا مش أعتقد الأخطر.

أحمد الزين: بدها كتّاب وبدها ممثلين كمان.

جواد الشاكرجي: وتعرف حضرتك تماماً أن الكوميديا أكثر تأثيراً وهذا ما اكتشفته أنا حقيقة، كنت أعرفه لكن ما كنت أتصور مدى تأثيره إلا عندما اشتغلت في أبو حقي. أبو حقي أنا دخلته في تجربة تحدي وجرأة لماذا؟ لأني فعلاً من عام 66 إلى يومنا هذا لم أشتغل إلا في التراجيديا، ومعروف عني محاربتي للاتجاه التجاري في المسرح تحديداً في العراق من عام 81 - 82 وكنت أنبه إلى هذا الخطر لأنه سرطان في الثقافة العراقية، ارفعوا مستوى الكوميديا، كان على العكس وخاصة بالتسعينات. دخلوا المسرح أو أدخلوا للمسرح نماذج ما أنزل الله بها من سلطان، وكلمات بذيئة لحد أنا في عام 97 لما عدت إلى العراق وتسلمت إدارة المسرح القومي، عملت جولة على المسرحيات التي تقدمها الفرق الأهلية لكي أرى إلى أين وصل المستوى العراقي، وكان آنذاك مرتبي الشهري كمدير للفرقة القومية دولارين فقط، دولارين.. وكان الممثل في المسرح التجاري يستلم مرتب يتقاضى ضمن أصغر ممثل بحدود 200 - 300 دولار إلى حوالي 2000 - 2500 دولار، فلما كنت أدور في هذه المسرحيات كانت معي زوجتي وكنت أشاهد العروض، رغم أنهم يخففوا الكثير من البذاءة والاستعراضات الجسدية والبذيئة، كنت أشاهد هذا وأنجن. زوجتي في إحدى المسرحيات قالت لي بالحرف الواحد، قالت لي: جواد إذا ضامنا الضيم بما معناه، ولقينا نفسنا إنه نحن في وضع مادي صعب حتى لا نقعد على الرصيف، فكرت أن تشتغل في هذا المسرح كي تقبض مثلاً 2000 - 2500 دولار بالشهر قل لي من الآن لكي ننفصل، لأنه لا يمكن أن أقبل أن أرى جواد الشكرجي في يوم من الأيام أن يكون مزحة وهزء يضحك عليه الجمهور، تصور أنت اقفز إلى عام 2008 أدخل في عمل كوميدي من هذا النمط اسمه أبو حقي وفي التلفزيون، لماذا؟ لماذا التجربة؟ حتى زوجتي سألتني، لأني رأيت في أبو حقي ليس كوميديا عادية كوميديا هادفة، كوميديا سوداء، وعمل سميته نكتة سياسية.

أحمد الزين: الإقامة في دمشق بدها تطول؟ كأني قرأت في مكان ما عم تستعد كنت بدك تهاجر لبلد أجنبي يمكن بريطانيا.

جواد الشاكرجي: أنا على فكرة لحد الآن على خلاف العديد من العراقيين لم أقدم إلى UN إلى الأمم المتحدة الموجودة في دمشق لطلب اللجوء أو على الأقل لاستلام الحصة التموينية الكبيرة اللي يستلموها الآن وعلى كافة المستويات، أنا أولاً أستكثر على نفسي أن أقف في صف طابور طويل إنه جاي أطلب المعونة من UN أن يعطوني حصة تموينية أو أن يهجروني إلى بلد لربما لا يكون منفى وإنما يكون جحيماً وموتاً، لكن سافرت إلى لندن في شهر اثنين في هذه السنة، وكانت عندي فيزا متعددة لمدة ست أشهر لمشاركتي في عمل مسلسل تلفزيوني، واقترحوا عليّ أصدقائي وشجعوني على البقاء، قلت لهم ما لا عندي هاي الفكرة أولاً، لكن ناقشت الموضوع مع زوجتي مع أصدقائي شجعوني، قلت أوكي، وفعلاً رحت لبغداد في شهر 4 صفيت كل أموري، ترجمت أشياء على أمل أن نسافر إلى لندن في يوم 2/7 بعدما قطعت التذكرة وهناك ربما أطلب اللجوء وأبقى، يا أستاذ أحمد أنا رحت قطعت التذكرة لو كأنه أنا قاطع تذكرة لموعد إعدامي الذي سيصادف يوم 2/7، كوابيس.. قلق.. توتر.. شحن أتعارك ويا زوجتي ويا أطفالي، أطلع مع أصدقائي ما مرتاح، كلها وأنا أعرفها كلها تنصب إنه شنو؟ شلون رح أروح؟ أنا شو رح أسوي بلندن؟ أمشي بالشوارع؟ شو أحكي بأي لغة؟ لغتي الإنجليزية ما مضبوطة؟ ما عندي ثقافة إنجليزية، كم سنة يحتاج لي وأنا في عمر 57 كم سنة.. وفي كل مرة أنا أصفر في كل مرة أبتدئ من جديد؟ الآن بعمر الـ 57 أقعد أصفر؟ ولمن؟ يعني أضيّع تاريخي هذا كله 42 سنة من العمل الفني والعمل الوطني والعمل الإنساني كله أضيعه! لكن فيها أنانية في المقابل، لربما أولادي يحتاجون إلى ضمان لدراستهم إلى ضمان صحي لأنه في المنطقة العربية ما تحصّل، أنا الآن في سوريا أعيش من أعمالي الفنية، في سوريا يعني عاطيني الإقامة ولكنه في الإقامة مكتوب لا يُسمح له في العمل داخل سوريا، هذه معروفة. يعني مو من حقي أن أشتغل في دائرة أو مو فقط أنا أي عراقي، تفاصيل كثيرة لربما هم يستفيدون، ولكن إذا أخذتهم وأنا سأعيش حالة التعاسة والمأساة..

أحمد الزين: ستنعكس عليهم.

جواد الشاكرجي: ستنعكس عليهم، لربما لا أنفي الفكرة مجدداً لربما آخذهم أدبر وضعهم وأعود إلى المنطقة وحدي لكي يعني يدبروا أمورهم، لا سيما أنا عندي ابن عمره 21 سنة هو عايش في أميركا وعنده الجنسية وعنده الجواز، ويترجاني ويطلب من عندي في أن يسحبني لأميركا، أقول له حبيبي وابني أنت ابقَ في أميركا لأنه أنا أميركا..

أحمد الزين: قل له أميركا عنا.