تركي الحمد

أحمد الزين: "كلما ارتفع السور ازدادت العزلة ربما شعرت أكثر بحريتك وهذا ليس بالأكيد". قال تركي الحمد وتابع الجولة في دارته في الرياض يعرفني على فضائه وأشيائه ومقتنياته ولوحاته، يبدو أن كل إضافةٍ هنا داخل البيت تعزز شروط الاحتمال وتمنح هذه العزلة بعض التنوع مكتبة، كتابٌ، لوحةٌ، منحوتةٌ، كلها بمثابة نوافذ على فضاءات تقع خلف حدود المكان.

ويبدو أن البيت هو محاولة لجنة صغيرة أو لحياةٍ ممكنة، هناك بعض الناس لا يشعرونك بمسافةٍ أو بجدارٍ يفصل بينك وبينهم، يقدمون أنفسهم لما هو عليه من شوق إلى عالم أكثر رحابة، تركي الحمد واحدٌ من هؤلاء يحاول النفاذ إلى هذا العالم من جدار العقل إذ كان قد بدأ يفتح نوافذ منذ وقت بعيد عبر الكتابة في الفكر والرواية، وإذا كانت الأمكنة تأخذك غالباً إلى أسئلتها الخاصة، تُرى هل هذه الأسوار المحيطة ببيوتنا وحياتنا هي انعكاس للسور الذي يعلو أمام العقل؟

تركي الحمد: يعني السور العالي يعكس حالة نفسية أو حالة حتى عقلية، بمعنى أنه الفرد يرتفع كلما ارتفع السور كلما عكس حبه للانعزال عن المجتمع، فبالتالي تختلف من بلد عربي إلى آخر من بلد إسلامي إلى آخر، ولكن مثلاً خليني أضرب مثال ببلدي هنا في السعودية، مثلاً لما تروح البيوت ستجد أنها في غالب الأحوال كبيرة وواسعة وجدرانها مرتفعة كثيراً، وهذا يدل على شيء معين أنه بيت الإنسان.. أتكلم عن السعودية بالذات.. بيت الإنسان هو مملكته الخاصة التي يستطيع أن يمارس فيها ما لا يستطيع أن يمارسه في الخارج، فبالتالي كلما ارتفع السور كلما هو تعبير عن طلب نوع من الفردية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يعكس شيء سلبي وهو أن المجتمع لم يعد مترابط بشكل أو بآخر كما كان في السابق، يعني في السابق لا تجد هذه الأسوار المرتفعة، يعني كلما أصبح المجتمع أكثر تعقيداً كلما تقدمنا مادياً.. لاحظ كلما تقدمنا مادياً حقيقةً انعزلنا اجتماعياً وانعزلنا نفسياً.. كمثال على ذلك أنا أتذكر أنا شخصياً عشت مثلاً في مرحلة لم تكن البيوت فيها بهذه العزلة، وكان الإنسان يعرف جاره وجار جاره إلى آخره.. الآن تعيش عشر سنوات عشرين سنة لا تعرف حتى بعض الأحيان اسم جارك، فالمجتمع يعني رغم أنه يبدو وكأنه متماسك إلا أنه حقيقةً عبارة عن لوحة فسيفسائية، عبارة عن مربعات متلاصقة ولكنها ليست مندمجة، وهذه مشكلة فعلاً يعني يجب أن نواجهها.

أحمد الزين: طيب تركي الحمد طبعاً روائي وتكتب أيضاً في شؤون الفكر والسياسة، وهذين النشاطين يعني يستوجبوا عدم وجود سور أمام العقل، يعني ببساطة أنه فيه شرط هو شرط الحرية، تعتقد أنك يعني تجاوزت هذا السور ونفذت؟

تركي الحمد: حاولت، لا أستطيع أن أقول نفذت ولا أستطيع أن أقول نجحت، ولكني أستطيع أن أقول حاولت بطبيعة الحال..

أحمد الزين: مرواح في محيطه يعني؟

تركي الحمد: طبعاً لما نتكلم عن بيئة معينة ومحيط معين، يعني لما تأخذ الروايات التي كتبتها أثارت ضجة هنا في السعودية...

أحمد الزين: بس أنت مرة كُفرّت أو على ما أعتقد أن رواياتك غير متوفرة في المكتبات؟

تركي الحمد: لا غير متوفرة، لا جميعها غير متوفرة، فأنا كلها قد تكون أثارت الضجة هنا، ولكن لو كانت في بلد عربي أخر أو في بلد آخر لكانت الروايات عادية جداً، فبالتالي المسألة نسبية. يعني التابوهات الموجودة في السعودية غير التابوه الموجود في لبنان غير اللي في مصر غير غير إلى آخره.. رغم أني الآن أشوف حركة إلى أن الجميع يتجهون إلى أن التابوه هو الأساس، يعني لم يكن هذا الوضع في الماضي، الآن يعني أرى أنه نحن نتقدم نحو أصبحت المحرم هو المسيطر، يعني أصبح كل شيء محرم ما لم يثبت أنه حلال، فهنا المشكلة هذه مشكلة المجتمع العربي، الثقافة العربية بدل أن نتقدم إلى الأمام نرى أننا يعني نرجع إلى الخلف، ويا ريتنا نرجع إلى الخلف بشكل عقلاني ولكن بشكل خرافي بشكل لا عقلاني حقيقةً للاسف.

أحمد الزين: يعني بتقديرك يعني هذه الأمة بشكل عام هي تعيش بالأسطورة بالخرافة أكثر ما بتعيش الواقع والحياة كما ينبغي أن تعاش؟

تركي الحمد: نحن ننتمي إلى عالم الآن يعيش بالعقل، يعيش على هذه الدنيا، يعيش وفق عقلانية معينة تنظر للمستقبل وفق مقايس معينة، وفق حسابات معينة. أما نحن فقد تركنا هذا المستقبل للأسطورة، نحن نعيش في عالم الغيب ولا نعيش في عالم الحاضر أهملناه تماماً، أنا أذكر الطرفه اللي سبق أني قلت لك أنه بالنسبة للغز أن هناك قطار يزن 1500 طن وسار على جسر 1000 طن ولكنه لم يقع..

أحمد الزين: جسر يحتمل ألف طن..

تركي الحمد: عقلانياً لا بد أن يقع القطار، ولكن الجواب كان يقولك الله ستر بكل بساطة.. بكل بساطة، لما نتكلم هذا الكلام سيأتيك من يقول أنت تشكك بالدين أنت تشكك بقدرات معينة، لكني أعتقد أنا أن لكل طرف منهج، يعني لا أستطيع أن أطبق المنهج الديني المنهج الغيبي في الحياة الدنيا، ولا أستطيع في ذات الوقت أن أطبق منهج الدنيا على المنهج الديني لأنك إذا خلطت المناهج لن تحصل على الحقيقة المطلوبة، لكلٍ حقيقته هناك حقيقة غيبية..

أحمد الزين: لا تحصل على الحقيقة ولا تحصل على الغيب.

تركي الحمد: ولا الغيب، هناك حقيقة غيبية منهجها هو الإيمان أما أن تؤمن أو لا تؤمن، وهناك الحقيقة الواقعية، هذه الحقيقة الواقعية لا نصل إليها إلا عن طريق العقل وعن طريق الواقع، إذا دمجت الاثنين وحاولت أن تحصل على حقيقة كلية فإنك تضيع بين الطرفين.

أحمد الزين: يعني أنت من دعاة محاولة فصل الدين عن الدولة..

تركي الحمد: شوف أنت حتى لو حاولت أن تفصل الدين عن الحياة لا تستطيع، لأن كل إنسان سلوكه.. ولكني أقول فصل المؤسسات الدينية عن الدولة، لأن الدين لما تتكلم عن الدين يختلف عن الكلام عن المؤسسات الدينية، لما تقول مؤسسة دينية تقدم تفسير معين تأويل معين هو الحقيقة المطلقة، إما أن تؤمن بها وإلا فأنت قد خرجت من الملة، أما الدين فهو شيء مختلف، الدين خبرات شخصية، إيمان فردي إيمان بالغيب هذا هو متروك لك أن تحدد سلوكك كما تشاء، وفق حقيقة دينية وفق حقيقة دنيوية هذا راجع لك، ولكن أن تفرض عليك حقيقة من قبل تفسير معين ومن قبل مؤسسة معينة أنا أعتقد هذا خطأ كبير.

أحمد الزين: ويصطحبنا تركي الحمد إلى الصحراء إلى بريته حيث يقيم طقسه الأسبوعي يفتح من خلاله على الماضي، يشعل ناره ويترك لحرائقه الصغيرة أن تسرقنا إلى وهجها وتسرقه إلى ماضيه، يحدثنا عن زمن غير بعيد عن طفولةٍ في الدمام، عن أهل ووالد كان يعمل في تجارة القوافل ما بين نجد ودمشق وعمان، وعن مجتمع كان أكثر انفتاحاً ورحابةً ورحمةً، وعن علاقات لا سور فيها إلا بحدودها الأخلاقي، عن أسفار هنا وهناك وعن تجربةٍ في السياسة قادته إلى السجن في زمن المد القومي، يبدو لكل زمنٍ مده حيث يكشف جذره لاحقاً أو انحساره عيوب هذا المد، والتجارب الخاسرة تبدو غالباً تؤسس لتجارب أخرى خاسرة لتبقى عربة التاريخ عالقة في فخاخ الايديولوجيات.

تركي الحمد: كان المجتمع أكثر انفتاح أكثر تقبل للرأي الآخر، أكثر تقبل للسلوك المختلف. ولكن جاء ما يسمى بالصحوة الدينية وأنا لا أسميها صحوة بل هي غفوة حقيقةً، وخاصةً مع الثورة الإيرانية ومع حركة جهيمان في الحرم الشريف عام 79 انقلبت الأمور رأساً على عقب، أصبح الموتى يفرضون سيطرتهم على الأحياء، يعني كمثال جهيمان كانت عنده أفكار متخلفة جداً قتل وقضي على حركته ولكن طُبقت أفكاره في النهاية، فكر جهيمان هذا والفكر السلفي بشكلٍ عام انتشر في العالم العربي ككل، وليس الفكر السلفي خلينا نقول المستنير الذي نجده مثلاً في أوائل القرن العشرين عند بعض مفكري الإسلام، ولكنه فكر سلفي يلتزم بمنهج معين بإطار معين بآثار معينة انتقائية لا أكثر ولا أقل فهذا انتشر، أنا باعتقادي السؤال هو لماذا؟ لماذا انتشر مثل هذا الفكر؟ هو نوع من آليات نفسية باعتقادي، لأنه مع كل الهزائم اللي حصلت للعالم العربي مع كل خيبات الأمل يعني كل ما مر في تاريخ القرن العشرين، لو تنظر لتاريخ العرب في القرن العشرين تجده من نكسة إلى نكسة من خيبة أمل إلى خيبة أمل، يعني المستقبل أصبح غير مضمون، المستقبل أصبح مظلماً وليس مستنيراً.

أحمد الزين: طبعاً كنا عم نحكي عن التردي والتخلف يعني أو التراجع اللي عم يصيب في مجتمعاتنا يوم بعد يوم بشكل أكثر، يعني إذا بدنا نسأل من أسهم؟ يعني لمين فينا نحمّل مسؤولية هذا التراجع يعني في مستوى الوعي والسماح للعقول التي تعيش في الكهوف الفكرية كما يقال أن تتحكم في مسارات هذه المجتمعات؟

تركي الحمد: لا تستطيع أن تقول طرف واحد، يعني إذا حددنا طرف واحد نكون مخطئين لأن الظواهر لها أسباب متعددة تتداخل وتنتج هذه الظاهرة، كمثال في حالتنا أنا ألوم السلطة السياسية، ألوم المثقف العربي، ألوم الثقافة السائدة، أشياء كثيرة كلها تداخلت. كمثال على ذلك عندما تكون الثقافة السائدة ثقافة متخلفة، وتأتي السلطة السياسية وتستغل هذه الثقافة لتجذير نفسها وهي لا تعلم أنها تدمر المستقبل هذا سبب، سبب آخر عندما يأتي مثقف مثلاً ويؤدلج كل شيء ويكون شعبوي يركب الموجة الشعبية يغازل الشعوب بدل أن ينورها يغازلها ويمشي وراءها، بدل أن تمشي هي ورائه هذا أنا ألومه بشكلٍ أو بآخر، الثقافة السائدة الراكدة التي لا تعترف بالآخر، التي لا تريد أن تعترف أنها ثقافة ضمن ثقافات أنها جزء من هذا العالم بل هي الثقافة هي العالم، وبالتالي يعني على رأي الشاعر الجاهلي وأنا أعتقد أننا ما زلنا نعيش هذه المرحلة، نحن قومٌ لنا الصدر دون العالمين أو القبر.. يعني إنما الصدر وأما القبر لا تستطيع أن تعيش بين الطرفين هذه المشكلة حين تأتي المشكلة.

أحمد الزين: فكرة هذا التصالح والقبول بالآخر يعني والخروج من هذه الأنا المضخمة كثير غير..

تركي الحمد: القبول بالآخر أنا أعطيك مثال على القبول بالآخر يعني دائماً نجد هذه المقولة سواء من بدايات القرن العشرين وحتى هذه اللحظة، نأخذ أفضل ما لديهم ونترك السيء منه، أنت لا تستطيع أن تفعل ذلك لما تنظر إلى منتجات الحداثة، تنظر إلى السيارة إلى الكمبيوتر إلى مش عارف، أيش كل هذه الأشياء هذه نتاج فلسفة معينة نتاج عقل معين، إذا تبينت المنتج وتركت المنتج هنا مشكلة لا تستطيع، لأن المنتج حديث ولكن العقل غير حديث نمشي وعيوننا إلى الخلف، إلى ما يقال لنا أنه السلف الصالح. أنا مسألة السلف الصالح هذه عندي موقف، من يحدد من هو السلف الصالح..

أحمد الزين: مين السلف الصالح؟

تركي الحمد: لا ندري هنالك وهنا لما نتكلم عن المؤسسة الدينية وعن خطاب ديني معين هو الذي يختار لنا، ينتقي من التاريخ هذا السلف الصالح، ولكن هل هذا هو فعلاً السلف الصالح؟ فيه مقاييس معينة وضعت، السلطة السياسية في غالب الأحيان هي التي تحدد الحقيقة الثقافية، والسلطة السياسية في تاريخنا كله لم تكن تقبل التعدد ولا القبول بالآخر.

أحمد الزين: طيب أستاذ تركي كنت عم تحكي أنه حملت مسؤولية لكذا طرف، يعني تحمّله مسؤولية هذا التردي التراجع التخلف إلى آخره.. ومن جملة اللي يتحملوا مسؤولية هم اللي ذكرتهم المثقفين أو بعضهم، طيب شو فيه يعمل المثقف بمواجهة يعني نوع من السلطات التي تستمد قوتها وسلطتها وقدرتها من أشياء مطلقة ما فيك تناقشها؟ يعني شو في يعمل.. أنت شو فيك تعمل كمثقف؟

تركي الحمد: المثقف العربي ضعيف ولا يستند إلى مؤسسة، وهو أضعف الأطراف حقيقةً في ظل ثقافة سائدة معينة تنبذ أي شيء يخرج عن الرأي الواحد والحقيقة الواحدة، ولا أستطيع أن أقارن المثقف العربي بالمثقف الأوروبي في بدايات عصر النهضة الذي كان فعلاً جريئاً، وكان.. يعني لا نستطيع أن أقول جريء ولكنه إما أو.. إما أن تستخدم العقل أو لا تستخدمه، أما أن تخلط بين الطرفين فهذا لا يمكن، لكن بالنسبة للمثقف العربي أنا لا ألومه على أنه أيش؟ على أنه يخاف مثلاً أو أنه يخشى الهجمة، ولكني ألومه على أنه يبرر في بعض الأحيان.. يبرر هذه الثقافة السائدة بشكلٍ أو بآخر، فعندما مثلاً تأتي تنظر إلى تاريخنا المعاصر الانقلابات العسكرية والايديولوجيات التي أدت بنا إلى الكوارث، سنجد أن المنظّر لها مثقف، فإذا لم تستطع أن تجابه إذن عليك أن تصمت على الأقل أو تذكر جزءاً من الحقيقة، ليس المطلوب أن تذكر كل الحقيقة، وليس من المطلوب أنك تكون يعني حاد في كل الأحوال، ولكن نحن كما قلنا في السابق أننا نسير فوق حقلٍ من الألغام، فعلى الأقل اطرح ما تؤمن به أو اصمت، أما أن تبرر وتشارك في كثير من الأحيان فهذه مشكلة، يعني نجد الكثير من الايديولوجيات التي قضت علينا كان المنظر لها مثقفين عرب كانوا ينادون بالديمقراطية والحرية وإلى آخره.. فهنا المشكلة، المشكلة ليست مسألة أنه يخشى المجابهة ولكنها مشكلة عملية التبرير هنا المشكلة.

أحمد الزين: يبدو أن تركي الحمد يحاول أن يحرك ما أمكن تحريكه دون معارك كبرى أو مجابهات من النوع الخاسر، وهو كما يصف شغله دائماً كالذي يمشي في حقلٍ من الجمر، يقول مثلاً أن الموتى يفرضون سيطرتهم على الحياة، هو يحاول أن يكون محاوراً وسطياً في كتاباته على مستوى الفكر السياسي والديني، ولكن رغم كل ذلك لم ينجو من المنع والتكفير أحياناً حتى في أعماله الروائية، وربما ما لم يستطع قوله في الكتابة السياسية قاله في الرواية أو أنه وجد في الرواية فضاءً أرحب للبوح عبر شخصيات وأحداث وأمكنة تتقاطع فيها التجارب الإنسانية التي تستحق أن تُروى. كيف جيت للكتابة الروائية وأنت طبعاً مثلما نعرف دراساتك وتجربتك بلشت في العلوم السياسية في المملكة وفي التخصص وفي التدريس؟

تركي الحمد: ليس هناك لحظة قلت فيها لنفسك أنا أريد أن أكتب رواية وبدأت تجهز، هكذا تكون عندك الفكرة وتترك القلم ينطلق بشكل أو بآخر، فمن ناحية الرواية أنا أساساً عاشق للرواية حتى وأنا أكتب في السياسة والفكر وهذه الأمور، ولكني عاشق للرواية. ومريت بتجربة هذه التجربة أحسست أنها تجربة إنسانية يجب أن أخرج منها بشيء.. يجب أن أخرج منها بشيء فكانت فكرة الرواية وخاصةً فكرة الرواية الأولى كانت يعني تدور في ذهني من أكثر من 18 سنة قبل كتابتها، وفي النهاية قررت أن أكتبها لأنه فعلاً اختمرت وأحسست أنه في شيء معين ممكن أخرج فيه من هذه التجربة الإنسانية، تقاعدت من الجامعة تقاعد مبكر وتفرغت لهذه الرواية، وطبعاً لأني كنت عارف لأني لو أكتب هذه الرواية وأنا ما زلت أستاذ جامعي سيكون هنالك متاعب سيكون هنالك أشياء معينة، فانتظرت حتى أتت اللحظة وتقاعدت مبكراً وتفرغت لهذه الأمور، فتسألني ما.. قرار الرواية يعني هكذا يعني لا أستطيع أن أفسر في أمور لا أستطيع تفسيرها.

أحمد الزين: نعم بهذه الثلاثية فيه هشام.. هشام اللي بجي من الدمام طبعاً هذا المتهم بقراءة النصوص المحرمة، يشبهك هذا هشام؟

تركي الحمد: قطعاً لابد كثيراً، طبعاً بصفة عامة بطل أي رواية لا بد أن يعكس شيء من كاتب الرواية، يعني عندما تنظر إلى كمال عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ أكيد يعكس من نجيب محفوظ أشياء كثيرة، وحتى في مقابلة مع نجيب محفوظ كمال عبد الجواد هو أنا، أنا لا أقول هشام العابر هو أنا، أقول فيه الكثير مني لأنه فعلاً.. يعني عندما تكتب رواية وعندما تكتب شيء أنت من أين تأتي بهذه المعلومات؟ من أين تأتي بهذه التجارب؟ أكيد أنك مررت بها، فهشام العابر بطل الرواية نعم فيه الشيء الكثير مني، فيه الكثير من صفاتي، ولكن هو أنا؟ لأ طبعاً.

أحمد الزين: آخر رواية لك.. ريح الجنة، هي تتناول فيها أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة، بتقديرك يعني وقت الكاتب أو الكتابة الروائية تتطرق لموضوع حديث يعني لحدث بهذا المستوى الدرامي يعني المأساوي، ما بتفقد شيء من التخيل، بتحدّ من النسبة الإبداعية عند الكاتب ومن قدرته على إعادة خلق الأشياء والأحداث، وبتخليه يوقع أكثر بالتقريرية؟

تركي الحمد: ليس بالضرورة أنا أقولك هنا متعة الرواية أنك تستطيع أن تدمج الخيال بالواقع، كمثال على ذلك الأحداث اللي صارت مثلاً في ريح الجنة كلنا نعرفها وهذا ممكن.. يعني وكلها مستمدة طبعاً من تقارير ومراجع، كيف حصل اللي حصل، ولكن الدافع محاولة أن تبحث عن الدافع، ما الذي يدفع شباب في مقتبل العمر إلى التضحية بشبابهم وحياتهم ومستقبلهم من أجل ماذا؟ طبعاً هنالك إجابات كثيرة في علم النفس في علم الاجتماع في في إلى آخره.. ممكن الكثيرون يكتبون، ولكن لما تكتب رواية عن التفاعلات في داخل النفس البشرية لما يأتي أحدهم ويفكر ويتكلم وأنه رايح للجنة إلى آخره.. هنا يأتي مجال الخيال، هنا يأتي مجال الإبداع. فبالتالي أنت تحاول أن تقدم صورة لماذا حدث ما حدث، من خلال قراءته من هنا، من خلال تخيلك من خلال طبعاً ليس بالضرورة تكون مصيباً، ولكنك قدمت صورة لما يمكن أن يكون تفسيراً.

أحمد الزين: يعني أنت وعم تكتب رواية يكون بذهنك أنه هذا العمل قد يفيد فيه هيك إسهام بتوعية الناس إلى حدٍ ما يعني؟

تركي الحمد: وهذا جزء من كتابة الرواية، أنا مرة سُئلت سؤال يعني لماذا لجأت إلى الرواية بشكل أو بآخر يعني تضع فيها أفكار معينة؟ بطبيعة الحال لأن الرواية هي الأكثر انتشاراً أكثر قراءةً، أنا لو أكتب بحث عن 11 سبتمبر لن يقرئه إلا مختصين وقلة قليلة، ولكن لما تكتب رواية سيقرأها عدد أكبر من الناس، وعندما يتحول هذا العمل إلى عمل سينمائي مثلاً يكون تأثيره أكبر، وعلى فكرة "ريح الجنة" رح تكون مسلسل رمضاني قادم إن شاء الله.

أحمد الزين: وكذا طبعة صار الرابعة أو الخامسة أو السادسة..

تركي الحمد: الطبعة الخامسة أيه..

أحمد الزين: الطبعة الخامسة، كل طبعة قديش تقريباً عم نحكي الآن عن شوية تفاصيل؟

تركي الحمد: تقريباً خمس آلاف نسخة..

أحمد الزين: والله : يعني رقم مهم بالنسبة..

تركي الحمد: بالنسبة للعالم العربي طبعاً..

أحمد الزين: يعني في قارئ بنقول دائماً ما فيش قارئ يبدو فيه قارئ؟

تركي الحمد: فيه قارئ لاشك، وخاصة أنت على فكرة في منطقة يعني معظم دور النشر الآن تعتمد على منطقة الخليج وعلى السعودية.. بالذات على السعودية بالذات طبعاً، هو فيه قارئ ولكن المشكلة في العالم العربي عموماً غلاء الكتابة، يعني في مصر مثلاً تجد هنالك قارئ ولكن الكتاب غالي ولا يستطيع.. فبالتالي فيه قارئ ولكن ضيق ذات اليد يجعلك لا تستطيع أن تقدرهم بالضبط.

أحمد الزين: طيب "ريح الجنة" طبعاً فيها هذه الجرأة أو الشجاعة في تناول الموضوعات، يعني في البوح يعني بما يفكر فيه هؤلاء الشباب اللي طبعاً معتمدين على نصوص دينية.. النص المقدس يعني تا يسهل أمرهم للوصول للجنة حتى.. ما واجهت بعض المتاعب على مستوى المملكة من بعض الأفراد؟

تركي الحمد: أنا واجهت متاعب من أول رواية.. منذ أول رواية فأصبح كل ما أكتب يعني يُقرأ بقراءة معينة تحاول أن تتصيد أشياء معينة، فبالتالي من أول رواية أنا واجهت متاعب، فمع "ريح الجنة" وهي الرواية السادسة يعني أصبح يقال هذا تركي الحمد يعني أكيد سيقول هكذا، فبالتالي أصبحت المسألة.. يعني لو كانت ريح الجنة أول رواية لي تخرج كان ممكن صادفت متاعب أكثر، ولكن ريح الجنة بعد أن ظهرت الروايات التي قبلها أصبح وقعها يعني أخف بكثير.

أحمد الزين: تعودوا عليك، تعودوا أنت مشاكس يعني..

تركي الحمد: أقولك شيء على تعودوا علي.. فيه عندي كتاب اسمه "السياسة بين الحلال والحرام" يعني هذا أول ما ظهر جاء انتقادات من الإسلامويين بشكل معين و.. وإلى آخره.. أحدهم صديق لي نزع الغلاف ونزع الاسم وقدم الكتاب لبعض الشباب المتحمس إسلامياً، فأعطاهم ياه وقرؤوه قالوا والله هذا كتاب طيب ويطرح أفكار جيدة وإلى آخره.. في النهاية جابهم قال هذا الكتاب لفلان الفلاني، قالوا إيش نقرئه مرة ثانية هذا يضع السم في الدسم.. فبالتالي شوف يعني المسألة.. مشكلتنا الآن نربط أي كلمة بالشخص نفسه، إذا اتُخذ موقف من شخص اتُخذ الموقف من كافة كتاباته وأقواله وهذا خطأ، علي بن أبي طالب يقول: (الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال) ولكن هذا غير مطبق عندنا للأسف.

أحمد الزين: اصطحبنا تركي الحمد في الحلقة السابقة إلى بريته وعرّفنا على بعض نواحي من مصادره وحياته، وحدثنا عن"شرق الوادي" واحدة من رواياته عن بطلها سميح الزاهل الذي يختفي ويظهر كأملٍ أو إشارةٍ أو يقين، وعن هواجسه مثقفاً متنوراً في مواجهة الثابت والمطلق، وعن واحات في الحياة الاجتماعية كانت فسيحةً في زمن الطفولة، وعن تجربةٍ في السياسة أرخ لها روايةً في ثلاثيته الأولى، ومواقف من الفكر السائد أفصح عنها في أكثر كتاب.

نتابع مع تركي الحمد رحلة التعرف هذه.. على هذه التجربة التي يجد فيها سبيلاً للإسهام في وضع حجرٍ في بناءٍ جديد يفتح على الآخر وعلى الذات بمقدارٍ من الرحابة والحرية والسؤال.

أحمد الزين: نلاحظ في بعض الروايات يعني ما تيسر أن قرأته يعني فيه نوع من الإسراف بالشرح وبالوصف بتقديرك كمان هذا الشيء مقصود عن قصد؟ لتسهيل الأمر أمام القارئ اللي أنت يمكن يكون في بالك أن هذا القارئ مش..

تركي الحمد: أقولك شيء.. أنا أقولك من ناحية فنية هذا يمثل ضعف صحيح في الرواية ولكن أنا قصدت هذا الشيء، لماذا؟ أنا لاحظت مثلاً أن الشباب في المملكة هنا في المملكة الذين يشكلون أكثر من 60% من سكان المملكة لا يعلمون شيئاً عن تاريخ المملكة ما قبل مثلاً 1975، اللي هو العام الذي بدأت فيه الطفرة والذي بدأت فيه الثروة تتدفق على المملكة، والذي بدأ التغير الاجتماعي الكبير يحصل فيها، ما قبل هذه الفترة لا يعلموا عنها شيئاً.. لا يعلمون عنها شيئاً، لا يعلمون عن العادات التي كانت ممارسة تلك الأيام، لا يعلمون عن كيف كنا نعيش تلك الأيام، لا يعلمون عن كيف كان الانفتاح الاجتماعي، يعني يعتقدون أن المملكة وجدت على هذا الشكل منذ الأزل، فبالتالي عملية الإسهاب في الوصف هي لإعطاء صورة بهؤلاء الشباب أننا لم نكون هكذا، أن الوضع لم يكن هكذا دائماً، أحاول أن يعني آخذ لهم التاريخ المهمش خلينا نقول وأعطيهم ياه، وأقول المملكة لم تكن هكذا ولن تستمر هكذا.

هل الروائي هو أيضاً مؤرخ ولكنه من نوع خاص؟

أحمد الزين: يعني تحس الروائي هو أيضاً مؤرخ ولكن نوع خاص؟

تركي الحمد: بشكل أو بآخر نعم، يعني لو مثلاً تأخذ الأدب الروسي، الأدب الروسي أنا أعتقد أني فهمت مثلاً التاريخ الروسي من خلال تولستوي و دوستويفسكي أكثر مما فهمت من قراءات معينة، التاريخ الاجتماعي الفرنسي فيكتور هوغو مثلاً بنزاك إلى آخره تفهم المجتمع الفرنسي في تلك الأونة، لو لم يسهب بالوصف والشرح لما فهمنا، الحياة في انجلترا يعني مع تشارلز ديكنز تستطيع أن تفهم كيف كانوا يعيشون بشكل معين إلى آخره، مع لورنس تعرف مثلاً كيف العهد الفكتوري مع كل العفة الموجودة فيه ولكن في المجتمع من.. في الأعماق كان يختلف تماماً، فبالتالي نعم أنا أعتقد أنه لولا هذه الأعمال لما فهمنا التاريخ الفعلي فأنا أحاول هذا الشيء.

أحمد الزين: يعني أنت تبدو بكل شغلك ترصد التحولات اللي عم تصير في المنطقة وتحاول عبر الشخصيات أنك تكتب نصك الروائي؟

تركي الحمد: هذا صحيح، ومحاولة إيصال هذه الصورة لأكبر عدد من من المجتمع يعني.

أحمد الزين: نعم. يحاول تركي الحمد كما يقول دائماً وفي كل ما يفعل أن يطرح سؤالاً يحرك سكونية الأشياء، فقد وجد في الرواية وسيلةً لإيصال سؤالٍ أو فكرةٍ أو فكرٍ أو رؤيةٍ ما عبر شخصياتها وأحداثها وأمكنتها لكأنه حملها ما لا يستطع أن يحمّله في الكتابة السياسية أو الفكرية، فالكتابة الإبداعية بالنسبة له وبمستوى ما هي نوع من التأسيس لوعي جديد، وعبرها يكون النفاذ أسهل وأكثر انتشاراً، فإلى أي مدى استطاع أن يخرق الجدار في بعض ما كتبه في الفكر. يعني إلى أي مدى كونك تعمل أو تكتب في هذه الموضوعات، يعني تستطيع أن تصل أو توصل صوتك أو تخرق هذا الجدار، خاصةً وأنت مثلما ذكرنا في البداية في كثير محرمات وتابوه.. والعمل بالفكر السياسي إذا ما كان شوي صدامي بتقديرك مجدي بيكون؟

تركي الحمد: ليس صدامي لمجرد الصدام يعني في الكثير.. وهنا مشكلة من مشكلات المثقفين..

أحمد الزين: لا أقصد صدامي يعني خالف تعرف لأ، بمعنى قول الحقيقة كما هي مش المراوحة كما يفعل الكثير من المفكرين؟

تركي الحمد: أنا أعتقد هذا صحيح، ولكن المشكلة زي ما تكلمنا مثلاً بعض المثقفين اللي هم سبب من أسباب أزماتنا، مثلاً يتخذون مواقف حادة إما مع السلطة مثلاً أو ضد السلطة بحيث أنه مثلاً لما السلطة تفعل أي شيء فهم ضده ليش؟ لأنه أتى من السلطة فهو عمل مشبوه.. فهو عمل مشبوه وهذا ليس بالضرورة. عملية أن يكون صدامي بمعنى أنه يطرح الحقيقة بعض الأحيان لا تستطيع أن تطرح الحقيقة كاملة، ولكن هذا لا يعني إعفائك من المسؤولية على الأقل حاول أن تطرح بعضاً منها، أو حاول أن تقدم تمهيداً لها على الأقل أنت تحاول أن تغير الصورة، وحقيقة أستاذ أحمد يعني خلني أقولك أنا بعد هذه الفترة من حياتي أنا متشائم جداً يعني من إمكانية تغير فعلية في ثقافاتنا وفي مجتمعاتنا، أرجو أن أكون مخطئ ولكن هذا لا يعني أنك لا تحاول، ستأتي الأجيال المقبلة وتتسائل ماذا فعلتم بهذا الشأن؟ على الأقل حاولنا على الأقل الإنسان طرح صوت طرح رأي، فهل.. هل استطعت أن أحقق نتيجة أو لا؟ هذا متروك للزمن، لكن أنا لست متفائلاً وكلما مرت الأيام أحس بتشائم أكثر في هذا المجال.

أحمد الزين: طيب هذا التشاؤم طبعاً ناتج مثلما بسياق الحوار نتيجة للتراكمات من الإحباطات والخيبات اللي عم يعيشها المثقف العربي والكتّاب والمبدعين، اللي بيحسوا أن الكتابة أحياناً يعني كأنه واحد عم بصرخ بوادي لا أحد يسمعه، ولكن لا بد ما أنه تؤسس لشيء.. مش معروف شو هو، طيب يعني إذا الواحد بده يساهم في تغير جذري مثلاً ويحط الأصبع على الجرح، مكممن الجرح وين؟ مبارح كنا عم ندردش تقول لي حتى نقدر نحدث تغيير وأنت بحكم تجربتك كأستاذ جامعي لابد من إعادة النظر بالمناهج مناهج التعليم بكل مراحلها، هل هذا مسموح إعادة النظر بالمناهج؟ بعدين بتكوين فكر جديد يعني عقل يطرح السؤال ولا يسمع الجواب دائماً؟

تركي الحمد: وهذا صحيح.. إذا أردنا أن نقفز للمستقبل فهذا ما يجب فعله..

أحمد الزين: أن ننقذ المستقبل..

تركي الحمد: أو ننقذ المستقبل، ولكن المشكلة أنه من الصعب إن لم يكن بعض الأحيان يقارب المستحيل أن تفعل هذا الشيء لماذا؟ لأن تغيير مناهج التعليم، إدخال المنهج العقلي بدل المنهج النقلي في هذه المواضيع، إنشاء عقول جديدة طبعاً يأخذ زمن إلى آخره.. المشكلة أن هناك أطراف غير مستفيدة من هذا الشيء، كمثال عندك المجتمع بثقافته السائدة التي بنيت خلال مئات السنين، يعني رُسخ هذا العقل أو جُمد هذا العقل على وضع معين فبالتالي أصبح المجتمع معادياً لك إذا أردت تغييراً، عندك السلطة السياسية التي تجد في مثل هذه الثقافة ركن من أركان الاستقرار لأن هذا ما يريده الناس، هذا ما يريده المجتمع والسلطة السياسية تريد الاستقرار، وبالتالي تسير وراء ما يعطيها هذا الاستقرار، فمن الصعب.. ولكن هنا النقطة إذا أردنا فعلاً على تعبيرك أن ننقذ المستقبل يجب البداية من الأطفال الصغار، وإعداد مناهج مختلفة تجعلهم متسامحين، قابلين للرأي الآخر، قابلين للآخر بشكل عام.. ثقافة السؤال وأن لا يكون هناك محاذير معينة، الآن كلها محاذير كلها تابوهات، فبالتالي كيف نستطيع أن نصنع مستقبلاً؟ لا نستطيع.

أحمد الزين: عدم الانتباه أو تأجيل الوعي أو السكوت الطويل والصمت ينمي الوحش، هذا السؤال تأسس على تجربةٍ امتدت من عمان حيث ولد إلى الدمام والتفتح في مناخات الستينات، وعبر ما كان يُحمل مع القوافل من كتب وأفكار، إلى الولايات المتحدة حيث تخصص في العلوم السياسية وأقام لحوالي عشر سنوات ليعود إلى المملكة أستاذاً في جامعاتها، ولكن تعاقد كما قال مبكراً لينصرف إلى الكتابة، مروحةٌ من الأمكنة والعلاقات تُرى ماذا شكّلت؟ وماذا أفادت أو ماذا أفاد هذا التنوع في الثقافات وفي الأمكنة؟ وماذا طرح عنده الآخر من سؤال؟

تركي الحمد: هذا التناوب اللي أستخلصه لما أفكر بكل هذا المرحلة من ميلادي في الأردن إلى حياتي في المنطقة الشرقية وانتقالي للرياض والدراسة في أميركا، والتجارب اللي مرت. كل هذه الفترة يعني تخرج منها بشيء معين أنه الاحترام الحياة، احترام الاختلاف، مرت فترة كنا قبل شوي نتكلم عن المثقف المؤدلج، مرت علينا فترات كنا فيها من المؤدلجين ومن لم يمر في هذه المرحلة.. ومرت علينا فترة..

أحمد الزين: بتكون عنده مشكلة إذا ما مر فيه..

تركي الحمد: إيه طبعاً، وهذه ذكرتني بمقولة أحدهم يقول: إذا في كنت عشرين ولم تكن شيوعياً فلا قلب لك، وإذا وصلت إلى الأربعين وما زلت شيوعياً فلا عقل لك. فبالتالي هذه تجارب يعني أحمد لله تجارب فيها السيء فيها الطيب فيها المر فيها الحلو، ولكن من خلال كل التوليفة هذه تخرج لك بنتيجة معينة هي التي تكون شخصيتك حالياً، لولا هذه التجارب لما وصلت إلى هذه الشخصية، أحدهم مرة سألني قال: ألا تندم على فترة السجن اللي مريت فيها؟ قلت له لا بل أنا أحمد الله على أني حصلت عليها، لماذا؟

أحمد الزين: خلينا نحكي شوي عن هالفترة، ليش سجنت أنت؟

تركي الحمد: كانت تنظيمات سرية في ذلك الوقت طبعاً، يعني في فترة الستينيات والخمسينات طبعاً كانت الفترة المد القومي مثلما هو المد الإسلامي..

أحمد الزين: كنت متهم بالشيوعية أم بالقومية؟

تركي الحمد: كان فيه تنظيمات سرية وكنت متهم بانتمائي للبعث، فطبعاً فأقولك يعني أتكلم عنها كتجربة إنسانية أنا نسيت كل هذه الأشياء من ناحية سياسية، ولكن كتجربة إنسانية لما تدخل السجن لسنة واحدة وتخرج فكأنك عشت سنوات خارجه، التجربة اللي تخرج فيها، تعاملك مع الأشخاص، معرفة أشياء كثيرة، يعني عندما أدركت أشياء كثيرة منها خرجت بعد سنة من السجن يعني وكأني كبرت عشرة خمسة عشر سنة من ناحية عقلية، أدركت أشياء كثيرة، فهمت أشياء كثيرة، فبالتالي لما سألني هذا السؤال قلت له أحمد الله على أنها حدثت لأنها لو لم تحدث لما حصلت هذه النقلة النوعية في شخصيتي وفي توجهاتي وفي أشياء كثيرة، يمكن لبقيت كما كنت عليه أو مثلاً أو حتى يمكن ذهبت إلى اتجاهات مختلفة، فبالتالي تقول لي هذه الحياة من.. إلى.. ماذا تنتج لنا؟ أقولك احترام الحياة، احترام الاختلاف، احترام التغير، احترام كافة الأراء لأنك خلال هذه الفترة مررت بأشياء كثيرة، صادمت أشياء كثيرة، أيقنت بأشياء كثيرة تبين بطلانها بعد ذلك، فبالتالي إذاً أحترم الجميع إذن هذه..

أحمد الزين: هذا الثراء اللي بيصير عليه الإنسان هو يتكون من السلب والإيجاب يعني بصير فيه عنده شوية معاير على الأقل.

تركي الحمد: ما فيه شك..

أحمد الزين: حلوة فكرة أنه يعني الواحد يكشف أديش مهمة الحياة احترام الآخر واحترام الاختلاف؟

تركي الحمد: بس المشكلة المشكلة أنك تدرك لا جمال الحياة وحب الحياة إلا بعدما تمر بكل هذه التجارب ولا يبقى من الحياة الشيء الكثير وهذه مشكلة.

أحمد الزين: أنت ندمان على شيء قلت يا ريت ما عملته؟

تركي الحمد: ندم بمعنى ندم لأ، يعني حتى الأخطاء التي فعلتها وما أكثرها.. حتى الأخطاء لا أندم عليها لأنه لولا هذه الأخطاء..

أحمد الزين: ارتكبت أخطاء كثير بحياتك؟ غير الخطأ الكبير أنك كنت بعثي..

تركي الحمد: من كان بلا خطيئة فليرجمها بحجر، فبالتالي كلنا الخطأ الأساسي.. شوف الحرية حتى حرية ارتكاب الخطأ هذا حق إنساني، وإذا ما أخطئت لن أصيب، ولن يأتيك أحدهم ويقول لك أنا فعلت الصواب بل حتى الصواب في نظره قد يكون خطأ في نظرك، فالقضية قضية تجربة إنسانية.

أحمد الزين: فكرة الصح والخطأ عندك..

أحمد الزين: كنا عم نحكي عن المروحة الرحلات والتجربة ما بين عمان والدمام وأميركا، يمكن وقت اللي رحت على أميركا صار هيك عندك ميل أو رغبة تبقى في تلك البلاد، يعني هروباً ربما ممن لا يعجبك. هيدي الرغبة بقيت قائمة لفترات أم خفتّ يعني مع الأيام مع الوقت؟

تركي الحمد: بصريح العبارة طبعاً أنه في ذاك الوقت كنت أعيش مثلاً في بلد زي الولايات المتحدة حيث تستطيع أن تفعل ما تشاء من ناحية فكرية ومن كافة النواحي، ورغد العيش وأشياء كثيرة، يعني طبعاً هذه كانت مغريات وخاصةً أن لما تخرجت كمان عرضوا علي عمل في الجامعة اللي تخرجت منها، فكان بالإمكان يعني تستمر وتجلس. لكن طبعاً رفضت ورجعت للبلد فكانت الرغبة هذه موجودة بين الخمسة إلى العشر سنوات الأولى، بعد ذلك خلاص انتهت أقدر أقولك خفت كثيراً لدرجة الانتهاء لأنك كونت نفسك واستقريت والأولاد كبروا، فصار لك ارتباط يعني بالمجتمع بشكل أو بآخر فبالتالي يعني انتهت هذه المرحلة.

أحمد الزين: يعني مع الوقت الواحد هيك بيحس بنوع من الرضا مع الواقع يتآلف معه يمكن تخف طموحاته؟

تركي الحمد: ليس الرضا ولكن خلينا نقول التوائم، التكيف.. التكيف مع الواقع، لكن ليس بالضرورة الرضا..

أحمد الزين: طيب على مستوى الكتابة ايمتى بتكتب أستاذ تركي؟ فيه عندك وقت محدد للكتابة مثلاً صباحاً مساءً؟

تركي الحمد: بشكل عام لأ ولكن دائماً أفضّل الكتابة بالليل في الساعات الأخيرة من الليل يعني يكون كل شيء هادي، ما شاء الله الأولاد يهدؤوا الحياة العائلية تهدأ، فبالتالي يبقى المجال لي أنا، أبقى أنا منفرداً مع ذاتي وأكتب فغالباً غالباً في الساعات الأخيرة من الليل.

أحمد الزين: طيب على مستوى النقد بتحس أنك نلت حقك أنت أو تناولك النقد كما ينبغي في العالم العربي، حكي عن تجربتك بشكل يرضيك؟

تركي الحمد: بشكل أساسي لأ، وحتى لما تناولوها وهنا أطرح قضية معينة يجب أن تُطرح، دائماً.. دائماً في العالم العربي لما يكون فيه إنتاج سعودي معين يُنظر له يعني نظرة المركز إلى الأطراف، بمعنى يعني من هؤلاء القادمون الجدد؟ فما يقرؤوها قراءة جادة، يعني لو تُقدم على أنها رواية لشخص مثلاً غير سعودي غير خليجي يمكن تُقرأ بشكل أفضل، ولكن لما يُؤخذ أن هذا الرجل سعودي أو خليجي تُقرأ بشكل معين وكأنك تفتش أو تنقب عن أخطاء معينة، ثغرات معينة إلى آخره.. ولكن ليس هذا حال الجميع، في الحقيقة في العالم العربي كتبت كتابات نقدية طيبة عن رواياتي وعن كتبي، فبالتالي لا أشكو من ذلك ولكن أتكلم بشكل عام، أن الانتاج الخليجي بشكل عام لا يُستقبل استقبال مثلاً الإنتاج المغاربي أو الإنتاج مثلاً اللبناني أو المصري أو.. فهنالك شيء معين بالنسبة للسعوديين والخليجيين..

أحمد الزين: مع أنه لازم يكون العكس لازم يكون فيه اهتمام أكبر بهذه التجربة، أنه كيف هذه التجربة عم تطلع من واقع ومن مطرح شوي فيه أسئلة؟

تركي الحمد: صحيح، هذا فعلاً الكثيرين استقبلوه بهذا الشكل، ولكن بصفة عامة دائماً نظرة الشك والريبة بالنسبة لأي إنتاج خليجي هذه موجودة عند المثقفين العرب بشكل عام، لماذا؟ يمكن تراكمات معينة، يعني طبعاً هذا ما أتكلم قبل شوي ما قبل خمسين سنة كنا انتقلنا من مرحلة الإبل مرحلة الجمال إلى مرحلة الشوارع الفسيحة اللي إحنا نشوفها، فبالتالي يمكن كان هذه أنه صار في ستيريو تايب، يعني كما في العالم أنه في سيتريو تاب عن العرب أنهم جمل وبئر بترول وجيمس، يمكن في ستيريو تاب عند العرب أنه الخليجيين هم بهذا الشكل وكذا.. وهذه المشكلة أعتقد أنها المفروض أن تعالج.

أحمد الزين: تأثراتك الأولى بالرواية مثلاً، يعني مين اللي لفتك من الكتاب قرأت كثير؟

تركي الحمد: بالنسبة للكتّاب السعوديين؟

أحمد الزين: سعوديين وعرب وغيرهم، يعني بمن تأثرت لابد للواحد أن يتأثر بأحد يعني؟

تركي الحمد: في بداياتي طبعاً الجميع تأثر بنجيب محفوظ، بس أكثر ما تأثرت طبعاً خلاف نجيب محفوظ عندك الأدب الروسي، الأدب الروسي أنا أعتقد أنه الأفضل رغم أني ما استطيع أن أقول.. لكن بشكل عام يعني الأدب الروسي هو الأفضل بالنسبة لي، يعني تربيت على الروايات الكلاسيكية خلينا نقول، يعني مثلاً نجيب محفوظ عندك الأدب الروسي دوفنسكي تولستوي بنزاك عندك تشارلز ديكنز الأدب الأنجليزي هذا اللي تأثرت فيها بشكل أساسي، هذا اللي تربيت عليها يعني قرائتي الأولية منذ زمن المراهقة كانت هذه القراءات الأولية وتأثرت فيها، وتجد هذا منعكس في رواياتي يعني رواياتي أقرب إلى الكلاسيكية منها إلى الرواية الحديثة.

أحمد الزين: صحيح، طيب لديك في الدمام طبعاً نافذة بحرية عندك بيت وطفولة يعني طبعاً يعني بتروح عليها أحياناً، وفي الرياض واحة بسور وعندك برية بتحب البرية، طبعاً أقمت لأميركا لسنوات طويلة وفي بيروت وفي أماكن مختلفة هنا وهناك، ولكن تبدو دائماً هيك غير راضي وقلق، بتقديرك كيف ممكن تحدث الطمأنينة؟ كيف الواحد ممكن يحصل على الطمأنينة ولو بمقدار وعلى بعض الرضا؟

تركي الحمد: إذا انتهى القلق أنت مثقف انتهى الإبداع، إذا أحس بالطمأنينة والسكينة أنا أتمناها أدعو الله أن يعطيني الطمأنينة والسكنية لا شك للراحة والسعادة، ولكن بعض الأحيان هذا لا يكون باليد. القلق شيء أنت لا تتحكم به، وهذا من طبيعة المثقف أنا باعتقادي لأن المثقف لا يرضى بحالٍ واحدة، لا يرضى بثبات مثلاً معين، يعني قد يحصل شيء مثلاً أنه مثلاً مطالب معينة أحلام معينة تحقق جزء منها ينظر إلى الأعلى وتستمر وهذه حياته، هذا هو قدره الذي كُتب عليه نقول ذلك.. فبالتالي من طبيعة المثقف، والقلق أنا أعتقد هو المحفز لأن ينتج، فبالتالي انظر إلى الجانب الإيجابي للقلق. جانبه السلبي أنك تخسر سعادتك النفسية سعادتك الخاصة سعادتك الذاتية، الجانب الإيجابي هو أنه محفز لأن تبدع لأن تعطي لأن تطرح رأيك في الحياة، لأن ترسم صورة الحياة كما تتصورها. فبالتالي أنا لست قلقاً من القلق.