2016-09-20

روافد مع السينمائي ميشال خليفي

إعداد وتقديم

كلما أتيت أو عبرت في هذه المدن تقع في فخ المقارنة وتُصاب بالحسرة إن كنت قادماً من بلاد وأوطان مزقتها الحروب وهدمها الاستبداد وفقدان العدالة لتبقى على هامش التاريخ في سكونيتها القاتلة، تجتّر ماض لم يبقى من إشراقاته سوى التحسر، وشعارات تعددت تحت بريقها الواهي أشكال السجون والقمع، هذا إذا كنت تمتلك حساً نقدياً حالماً بالحرية، أما إذا كنت تسعى في الوقت نفسه لتقديم أو صياغة صورة عن بلادك تشبه حلمك عنها وفيها عليك أن تمشي في حقل ألغام، كما هذا الرجل القادم من الناصرة فلسطين إلى بروكسل لصياغة صورته المشتهاة عن وطنه، عن إنسان حر يبني مجتمعاً حراً، فعلى قوله لا يمكن أن يبني المجتمعات الحرة سوى أفراد أحرار.

الفلسطيني المصدر والهوى والانتماء والبلجيكي الجنسية والإقامة، وجد جواز سفر آخر لعبور الحدود بين وطنه الأم والعالم، وهو فيلم طويل صاغه عن فلسطين بوجوه مختلفة وبأجزاء متعددة يربط بينها عشقه للبلاد، فهو يرى أن خطأ تاريخياً ارتُكب في حق وطنه وعليه الإسهام في تصحيحه ولو بمقدار "قل كلمتك الحق وامش" في هذه المدينة بروكسل التقيته فقام بدور الدليل ليس للتعرف على معالم المدينة وحسب بل القيام بجولة في الذاكرة، فاصطحبني إلى شعاب وبيوت الناصرة المكان الذي يسكنه إنساناً وقضية وإلى حكاياته مع الصورة.

إذاً السنوات الأولى من عمره مرّت في الناصرة، حيث كان يمنى عليه أن يغادر كما كل أهلها إلا بتصريح من الاحتلال، وربما هذا ما دفعه للبحث عن نافذة أخرى أو عن طريق تحمله إلى ما هو أبعد من جغرافية البلاد فكان الكتاب ممكناً للقيام في رحلة في أرجاء الأرض والمدن دون إذن أو تصريح، وكانت الصورة بسحرها الفائق نافذة أخرى، أو مطرحاً يقيم به ولو لحين مع رجل مسن كان يصطحبه وحفيدته وشلة من أطفال الحي الناصري إلى السينما لمشاهدة أفلام ذلك الزمن، وكما يروي ميشال خليفي كان يريد الخروج إلى مطارح قد يعثر فيها على إمكانات تحقيق بعض حلمه، وهو العامل الصغير في كراج لتصليح السيارات في بلدة الناصرة، ويوم قرأ ذلك الإعلان في الصحف عن طلب عمال لشركة الفولس فاكن في ألمانيا تفتّح خياله على عالم بعيد، وكما يروي أيضاً كان لديه أحد الأقرباء يقيم في بروكسل فجاءها كمحطة نحو ألمانيا، لكنها أصبحت محطة لإقامة طويلة، ولوطن ثانٍ ولحكاية مع الصورة ومع السينما.

منذ الذاكرة الخصبة الفيلم الوثائقي الأول الذي حققه عام 1980والذي اعتبره النقاد فتحاً في تاريخ السينما الوثائقية، وضع ميشال خليفي حجر الزاوية في تجربة وصفت بالجرأة والتمايز، مزج فيها ما بين الوثائقي والروائي، وكانت فلسطين هي محور أعماله، لكأنه أراد أن يوثق لذاكرة بلاده للناس وللأمكنة التي أزالها الاحتلال، ولعادات وثقافات تكاد تذهب إلى النسيان، وللذين تسنى لهم متابعة أعماله التي بعضها ممنوع من الرقابة في الكثير من البلدان العربية، يكتشف مدى خصوبة ذاكرة ميشال خليفي، ذلك الشاب الناصري الذي وظّف موهبته وثقافته في خدمة قضيته عبر سلسلة من الأفلام التي قدمت للمشاهد الغربي خاصة شهادة الحق، وصورة عن الظلم الجائر في معالجات إبداعية لحياة أهله في فلسطين أو للحياة الفلسطينية تحت رحى الاحتلال.

على أواخر الثمانينات التقيته في هذه المدينة بروكسل، المدينة لم تتغير كثيراً ولم تبدّل ملامحها حتى في إضافاتها وهذه ميزة المدن العريقة التي أنجزت حريتها، وهو أيضاً لم يتغير ولم يبدّل من رؤاه وإن بدّلت السنوات العشرين من بعض الملامح، فالزمن بالنسبة له حين يفكر به أيضاً هو فلسطين كما قال، واحتفاله الدائم بالحياة جعله أكثر قناعة بضرورة تبيان الصورة الحق، أو الإسهام في تصحيح الخطأ على قدر المستطاع، ميشال خليفي سألته آنذاك أي قبل عشرين سنة في إطار حوار صحفي هذا السؤال، إذا كان شرط الإبداع الحرية، فكيف إذا كان نص المبدع يتعلق مباشرة بالحياة اليومية للناس وتحديداً عبر السينما وفي وطن محتل وفي مناخات القمع والاضطهاد والإبعاد، قال لي آنذاك: أعمل كالذي يمشي في حقل من الألغام، وهو كذلك فقد تابع ميشال خليفي هذا المسار في حقل ألغام تعددت مصادره بعد حصار فكري آخر وتكفيري يطال المبدعين عامة، وفي كل مرة ينجو بعمل وربما كان عرس الجليل الأكثر جرأة والذاكرة الخصبة الأكثر تحدياً ومعلولا صورة على جدار المسنين وصورته دائماً هي فلسطين وطن أكثر بهاءً وحرية، هذا مشروع الحياة الذي عبّر عنه ميشال خليفي.

أعماله هي هوية بالنسبة له وجواز سفر وبطاقات بريد وعناوين ورسائل حب ومواقف وشهادات سمها ما شئت، ولكن على أرض الواقع لا بد من وثيقة تسمح للمرء أن يعبر الحدود، لا بد من جواز يبرزه على المعابر ولدى السلطات، لكن جواز السفر لا يعبر دائماً عن الهوية ولا عن الانتماء ولا عن رغبات المهاجرين والعائدين ولا عن أحلامهم، جواز السفر الحقيقي هو إنسانيتك كما قال ميشال خليفي.

كثرٌ الذين تمر أعمارهم خارج أمكنتهم الأولى ويبقى حنينهم بوصلة سلوكهم طيفاً يلاحقهم وكأن مطارحهم الأولى تسكنهم إلى الأبد وشعورهم بالغربة لا يمحوه مرور السنين، بروكسل وطن ثاني بالنسبة لميشال خليفي لكنها لم تكن البديل الدائم أبداً فلا بديل عن مطارح البدايات مهما كانت الإغراءات ومهما اتسع الفضاء، الأمر هكذا بالنسبة للكثيرين حتى لو كان الشقاء سمة الطفولة، ميشال خليفي رغم كل هذه السنوات تلتقيه مرة أخرى عابراً في هذه المدينة.

هذه الهواجس قد يستشفها المشاهد في أعمال ميشال خليفي الذي تزداد قناعاته يوماً بعد آخر بضرورة التفكر بجدوى العنف في مواجهة العنف، بين بروكسل وفلسطين تركتُ ميشال يجوجل بعض أفكاره لتكريم الناصرة بعمل يليق بالذاكرة وبالوطن فلسطين.

روافد مع المخرجة المسرحية نضال الأشقر

إعداد وتقديم

كانت ملكة ثم جارية من نيسابور، وكانت شقية ومتمردة وعاشقة، لها أسماء كثيرة وشخصيات متعددة تطل بها عليك. شجرة الدر، تمارا، زنوبيا، وسيدة فرنسية، هي بكل أحوالها امرأة من هذا الزمان.

نضال الأشقر لا بد أن اسمها من اختيار الوالد أسد الأشقر زعيم ومناضل قديم في الحزب القومي، من الواضح أن نضال لم تخرج من معنى ودلالة الاسم ولا من عباءة الوالد، إذ أنها ورثت منه فكره وأحلامه، واستمرت مناضلة على طريقتها الخاصة تشاغب وتصنع مشهدها.

نضال الأشقر هي ابنة عائلة فكرية وسياسية، والدها أسد الأشقر كان ركناً أساساً من أركان الحزب السوري القومي، يبدو أنه طبع نضال بفكره وبحياته وبحكاياته حراً وسجيناً، كذلك إخوتها سلكوا الدرب نفسه. وإذا كان الولد سر أبيه كما يقال فالبنت أيضاً سر أبيها، فلقد اكتسبت منه خصال الحرية والاختلاف والجرأة والتمرد كما تقول، كذلك العناد والمثابرة. وكان من أوائل المشجعين لها على دراسة التمثيل والمسرح، فكيف بدأت تلك الرحلة؟

وربحت عمتها الرهان وطلع كتير أشياء من نضال ابنة ديك المحدي التي تعني بالسرياني التلة الجميلة، ولكن هناك حكاية أخرى عن اسم القرية. تقول: إن امرأة كانت تقتني ديكاً مشاكساً كان يقضي في كل صيف على موسم العنب في العريشة اليتيمة، فقررت المرأة حدي الديك وحدته كي لا يستطيع التسلق ثانية فربحت رهانها، وصارت تسمى القرية باسم ديكها المحدي، من هذه الحكايات جاءت نضال، جاءت من حياة عائلة تشتت في المهاجر، ومن حكاية الأب والعائلة التي كان لها أيضاً رهانات وأحلام.

على مدار ما يقارب النصف قرن راكمت نضال الأشقر تجربة غنية في المسرح والسينما والتلفزيون، وأيضاً في المهرجانات محلياً وعربياً، ارتبط اسمها في الستينات في محترف بيروت، حيث قدمت مع روجيه عساف العديد من الأعمال نذكر منها: المفتش العام، مجدلون، كارت بلوج، وإضراب الحرمية. وقد شكلت تلك المرحلة نقطة انطلاق أساسية لمسيرة تنوّعت وتشعبت على عشرات الأعمال تمثيلاً وإخراجاً وإعداداً. وإذا جاز اختصار تلك التجربة بمحطات أساسية يمكن البدء بمحترف بيروت، ثم بالإطلالة العربية عبر فرقة "الممثلون العرب" مع الطيب الصديقي وذلك بافتتاح مسرح المدينة بصيغتيه القديمة عام 1995 في كلمنصو والجديدة في السرولا عبر نصوص لسعد الله ونوس وأمين معلوف، وكان مسرح المدينة نقطة ضوء ساطعة على مدار خمسة عشر سنة صاخبة بالعمل والإنتاج. بالطبع إضافة إلى أعمال أخرى هامة منها تحت إدارة فؤاد نعيم مخرجاً في البكرة والمتمردة والحلبة، ومع ريمون جبارة وشكيب خوري وعشرات الأعمال التلفزيونية نذكر منها: نساء عاشقات، وتمارا، وزنوبيا، وشجرة الدر، والمعتمد بن عباد، وحرب البسوس وأعمال أخرى عديدة. نضال الأشقر في كل أحوالها وإنتاجها هي ابنة جيل أثرى الحياة المسرحية والثقافية في لبنان، مناخ الستينات، زمن الصعود، والأحلام، والأمل.

نضال الأشقر صنعت صورتها بمهارة ومثابرة وعناد. يبدو أنها كانت تعرف ماذا تريد وساهم المناخ والعائلة والحزب والأصدقاء في شحذ همتها ودفعها نحو الهدف، عندما يذكر اسمها تحضر صورتها صبية مشاكسة على أواسط ستينات القرن العشرين على خشبة مسرح بيروت في المحترف الذي أسسته روجيه عساف وشلة من أصدقاء ذلك الزمان، ثم ويكر شريط طويل من حضورها في شخصيات عديدة لعبتها. قد يختلف الرأي حول شخصيتها وأعمالها، ولكن لهذه السيدة تاريخ طويل وتجربة غنية مرفودة دائماً بالأمل وبالحيوية هي نضال الأشقر.

2012-02-04

شــهيد الصبــح يشــيع شــهيد المســاء

إعداد وتقديم
سوريون.
حملوا حجارة على ظهورهم عند الظهيرة،
بنوا سلما طويلا طويلا نحو الله،
صعدوا اليه واحدا واحدا،
مثلما قتلوا واحدا واحدا،
وسألوه بعتب:

الهي،
كيف تركتنا وحدنا نهبا للوحش في الغابة؟
وكنا عراة ننشد لهاء اسمك،
نرفع على أكفنا طفلا قتيلا وسحابة!
الهي، وكنا ذهبنا الى معرة النعمان، الى قبر سيدنا ابي العلاء لندفن في جواره قتلانا، وفي الدرب كنا نقرأ من سورك سورة الرحمن ورددنا:
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحكا من تزاحم الأضداد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد.
ثم وبكينا من وجد حين وقع الصمت علينا، مشينا الى ليل البيوت نستدل بنجم في قبتك، نجم غارب كالروح.

الهي،
كيف تركت أطفالا كتبوا اللعب على الجدار، أن تسحب أصابعهم من الرسغ وينتشي من صراخهم الجلاد،
وأنت الذي أشرت بسبابتك للكون كن فكان!!
وكان، قد رسموا ظلالهم على الضحى، تسلقوا الظهيرة ليصلوا الى البيت، شاغبوا وهربوا من صف النشيد.

الهي،
كيف تركت منشدا، اقتلعوا منه الحنجرة، كوتر يقطع عن صدر الكمان!
أرأيت إلهي قوسا ينشج دون وتر؟
من اين تخرج هاء اسمك، إن أراد مناجاتك القتيل على آخر الروح؟؟
من أين تخرج هاء اسمك كي تعلو نحوك في السماء؟
وأنت في سابق علمك، انها صرّة الحروف وسرّ الغناء،
هاؤ (ه) تشبه قطرة ماء أو دمعة كرجت على خد ملوح بشمسك!
قالوا: إن المطر الذي بلل خدّ امه يوم قتلوا صبي درعا ليس مطرا بل دمعك!!
وقالوا، بكيت وأجلت العقاب إلى يوم القيامة! هكذا قالوا عن تلك السحابة التي حامت فوق النعش، وعندما انتحبت الأم على التراب وارتمت على القبر، قرأوا في السحابة اسمك.
أما ذاك الصوت الذبيح الذي شج الليل، فهو آخر من أهلي كان عائدا بقطيعه على المساء... تسلوا بالبهائم، قتلوها قتلوها، فبكاها الراعي، وظل ينشج حتى جف ماء النهر.

الهي،
كيف تركت البهائم تقتل في عرائك؟
وهي، لا سبب لها
ولا نسب
ولا حسب
حسبي انت، كيف تركت وجهي يداس بالنعل؟ وانا عمري كله حاف... حاف... حاف من عتبة بيت أهلي حتى آخر الدرب!!
حاف كالخبز الذي أقتات به تحت سمائك،
يابس حلقي كقش الدغل وجسدي إناء.
كيف تركت وجهي يداس بالنعل؟
وملامح وجهي هي رسمك!
سوريون حملوا قتلاهم على ظهورهم عند الظهيرة،
مشوا الى العواصم سألوا أهلها، ألديكم مقبرة كي نخبئ قتلانا؟
فالبلاد حيث ولدنا وقتلنا صادرها الحزب، كلما دفنا واحدا منا على الصبح يعيدون قتله على المساء، فصار،
شهيد المساء يشيع شهيد الصبح، وشهيد الصبح يشيع شهيد المساء!!
سوريون،
جاؤوا بيروت، لفوا بخبزهم الحاف ما حملوه في زادهم من سهل حوران،
خبأوا تحت رموشهم، شيئا يشبه الحزن،
رأيتهم يرسـمون بجبينهم حدود الصبح، وفي ظهيرة التعب يبردون بعرقهم قرص الشمس.
وفي العشية يشعلون جمر الحنين،
بين حمص وحماه نعى غراب البين
يمي العمر غفلي متل رمشة العين
يا طير سلم عهلي حملهن دمعتين
دمعة عخدك حماه ودمعة لبعدين.

شهر آخر من القتل

إعداد وتقديم
١٥ سبتمبر ٢٠١١

لا اعرف ماذا سيحدث غداً أو بعد لحظة من انتهائي من هذا المقال الذي بدأته الساعة الخامسة بعد ظهر يوم السبت السادس من آب (أغسطس) 2011, لعلني كسائر الناس المعنيين بما يحدث في عالمهم أتابع على شــاشات التلفزة آخر العواجل. مجزرة في حماة وملــيون ونصــف مليون جائع في الصومال يتناقص بفعل الموت ويزيد بفعل تمادي الجوع في عالم ترمى أطنان من موائده الباذخة في مكبات النفايات في الأشهر الحرم ولعلها تتضاعف على مدار الشهور الأخرى لانتفاء الرادع! ومن العاجل أيضاً: مصير حزين ينتظر الأسد كلام منسوب إلى الرئيس الروسي وبيانات شجب هنا متأخرة ولغو وتردد... أما الصور التي يلتقطها بعض الناس في غفلة من القاتل فهي وصمة عار على هذه الصفحة من كتاب التاريخ وعلى جــبين العالم، القتلة يقطعون الأوكسيجين عن أجنة في المحاضن فيقضون اختناقا، يا إلهي. كيف يعود القاتل إلى مائدته والصامت إلى إفطاره وحليف القاتل إلى صلاته وتراويحه؟

لا أعرف. ربما يطلع الجيش في سورية ببلاغ رقم واحد، ويتحول من قاتل تديره عصابة إلى منقذ مثل شقيقه المصري والتونسي. هذا ممكن في الواقع وحدث في التاريخ، أما أن تمطر في الصومال ذهباً وخبزاً، وتنبت بمعجزة بساتين مثمرة وتتحول الأسرة الدولية إلى أسرة متحابة عادلة أصيبت بالرحمة فجأة ونبذت العنف واستأصلت أسبابه، واتفقت على توزيع ثروة الكوكب بالعدل على الناس، بالطبع هذا يأتي في باب الأمل، أمل إبليس بالجنة كما يقول المثل الشعبي، وهذا الإبليس لا يشبه إبليس صادق جلال العظم في كتابه «نقد الفكر الديني». وبالتالي هو أمل مَن مثلي أيضاً، أمل العاجز عن فعل شيء عملي في مواجهة القتل الذي يمارسه بشري له اسم رحيم لا يعكس فعل القتل، وآخر له اسم مرعب، الجوع، لذلك الجأ لأسباب العجز فقط إلى الكتابة كنوع رديء من المواجهة الشخصية مع من أذلني.

لا ادري ولست في الموقع الذي تتسرب إلي معلومات من الذين بيدهم مصير العالم ومصيري، والذين بغالبيتهم على ما يبدو لا يقيمون وزناً للموت الناجم عن القتل أو عن الجوع إلا في سياق حسابات تعني مصائر دولهم وشركاتهم. أنا شخصياً استطيع توصيفهم بما يليق بموقفهم، استطيع القول انهم فاقدو الأخلاق وبعضهم عراب للقتلة وبعضهم قاتل. أما هم في التداول اللفظي والكتابي فرؤساء وحكام ودول على هوامشها منظمات تجميلية لسلوكها، كمنظمة حقوق الإنسان وسواها. ليس هذا ما أريد الوصول إليه، الذي أريد قوله إن أشياء كثيرة قد تحدث وتتبدل وأنا بصدد هذه الكتابة: قتل إضافي ومجازر إضافية وكلام شجب إضافي وضغوط إضافية لعل الأمور تذهب إلى حيث يرغب القاتل في ان تصير، اقتتال الطوائف ليبرر أسلوبه في القمع مراهناً على وقت يكسبه للمزيد من الفتك، ما يضمن احتمال بقائه لانتقاء البديل. أشياء كثيرة لم تكن في الحسبان ممكن حدوثها ومواقف كثيرة قد تتبدل، ما عدا قناعتي بأن السجون التي بناها المستبد المدني بكل أشكالها، سيعيد بناءها مستبد ديني تسرب مع الثورات والذي بشكل ما هو من نتاج سلفه، أو على الأقل تعاظم شأنه في زمن سلفه كضحية من جملة الضحايا، أو جعله بمكر، نموذجاً معلباً ومضبوطاً كان يهدد به حين تلوح في الأفق بوادر تغيير يهدد بقاءه. وكان يظهره في مواجهات يفتعلها بخاصة في الحروب اللبنانية. إذاً هذه السجون سيعيد بناءها مستبد ديني إذا لم يتم الخروج من السجن القديم الذي لا نوافذ له سوى على الخرافة والغيب. هو سجن العقل الذي سجانه غير مرئي وإن تجلى بملتح هنا أو بعمم هناك. لذا التعامل معه يستدعي جرأة مضاعفة بالقياس إلى جرأة المنتفضين الذين يواجهون بلحمهم الحي الدبابات، هي جرأة العقل في التمرد على سجانه.

وعد العاملون في الكهنوت الناس بالجنة تعويضاً عن العوز المهين في الدنيا وارتضى بعضهم هذا الوعد إرضاء للرب في امتحانه لعبده. وحين جاء حزب البعث وعد الناس أو الجماهير في المصطلح الحزبي، بالجنة على الأرض مع مفعول رجعي لمن ينتسب. تأجل قيامها بفعل الانصراف القسري للقضية الكبرى تحرير فلسطين، وما يتبعها من منازلات مع الإمــبريالية العــالمية، وما يمليه ذلك من الانخراط في جبهات كجبهة الصمود والتصدي وصولاً إلى دول الممانعة وكلها تسميات تشبه الصفة المشبهة بالأفعال، لا فعل فيها سوى الاجترار. وارتضى الناس هذا التأجيل ليس إرضاء للحزب بل لأن كل معارض لأولوياته يصبح نزيلاً في اول صرح بناه في جنته الأرضية وهي أقبية التعذيب.

ولزمن طويل كان الناس ضحايا هذه الوعود، السماوي منها والأرضي، سلبوا أدنى حقوقهم في العيش، حتى في حدودها الدنيا. وهذا الصبر الذي بدوا عليه لنصف قرن، لم يكن سوى صمت من لا يجرؤ على الصراخ لإدراكه أن ثمن صراخه سيكون أكثر ألماً من الآم القهر. لكن هذا القهر الضاغط يومياً حتى الاختناق أدى إلى هذا الانفجار. وما حدث هو أشبه بجمر مدفون تحت الرماد توهج في العاصفة وأشعل الحرائق، وهذا يعني أن الخروج بدأ ولم يعد من خيار سوى مواصلة هذا الخروج من نفق طال المكوث به. وأيضاً لهذا الخروج أثمان باهظة، فالذي مكث في السجن خمسين سنة سيتعثر كثيراً في طريقه إلى الحرية وقد يخسر الكثير في رحلته هذه، ما عدا كرامته وأمله وانتصاره على الخوف.

كل هذا في باب الكلام الذي يسعى لمواكبة هذا الخروج العظيم من «الألكتراز» الذي سيكون ثمنه باهظاً لأن السجان سيذهب إلى آخر الاحتمالات الدموية كي لا يصبح هو السجين.
لذا ليس من خيار أمامه سوى الإمعان في القتل لأن القتل صار دفاعاً عن بقائه. كل الكلام عن تسوية أو إصلاح، أو حوار يشبه الرهان على الماء في السراب. فالسجن لا يصبح منتجعاً بعملية إصلاح يقوم بها السجان ولا هو يصبح مديراً لفندق بسبعة نجوم نتيجة لرغبة دولية أو إقليمية، ولا المــساجين سيصبحون وفداً سياحياًَ جاء للاستجمام. فالذي يراهن على ذلك أو يأمل بذلك هو تماماً يعطي فرصة إضافية للمزيد من القتل. انه كالذي يراهن على الماء في السراب، إلا إذا حدثت معجزة وتآخى الذئب والغنم، وهذا اقرب إلى الحدوث من الرهان على نظام لا نظام فيه سوى سلطة العنف، ولو كان هذا الخيار ممكناً لبقي الاتحاد السوفياتي حين بدأ غوربتشوف البيروسترايكا ودامت آجال أنظمة مشابهة.

نحن المراهنين على الأمل لا نعرف ماذا يجري في كواليس الدول وما هي لعبة الأمم التي غالباً لا تخضع لمعايير أخلاقية أو إنسانية. فحساباتها غير حسابات كاتب مثلي مدفوع بالألم وبعدم الرضا عن هذا الخلل المعيب، وإلا لما كانت تعاملت تلك الأمم مع هذا المستبد أو ذاك لخمسين سنة، واقتضت مصالحها الآن تحديداً أن يصبح مستبداً ومارقاً وقاتلاً وكل هذه النعوت كانت متوافرة فيه ولكن المصلحة كانت تقتضي أن لا ترى.

الآن، وبعد مرور شهر كامل أعود إلى هذا المقال، في تمام عصر الــسابع من أيلول (سبتمبر)، فكرت أن اعدل بعض التوقعات وأضيف بعض المعلومات فلم أجد ما يستحق التعديل أو الإضافة. كل ما استجد خلال شهر هو كما ذكرت، المزيد من القتل، المزيد من الموت والمزيد من إذلال الناس وابتكار وسائل جديدة للمهانة. الجوع يواصل اغتيالاته في الصومال والقتلة يواصلون القتل في سورية والقذافي يواصل عرضاً خفياً لمسرحية دموية دامت أربعين سنة وعلي عبد الله صالح يزاول نشاطه رئيساً أحترق جسده ولم تحترق شهوته للسلطة، والعالم يتفرج، يهمهم، يلغو، يجتر كلاماً فقد دلالته، بحيث يبدو ضحلاً ومفضوحاً أمام همجية القاتل واستبساله.

لا ادري ماذا يحــدث غــداً وماذا تحمل الأيام المقبلة. وماذا يرسم في كواليس الأمم. لست متيقناً من شيء سوى مزاولة احتجاجي ضد المستبد وضد أوهامه بكل أنواعها الأرضية والسماوية.

لم أتوقع شيئاً من العالم أكثر من ذلك ولكن كان من المجدي أن تحل الجامعة العربية نفسها وأن تصرف موازنتها لإنقاذ الجائعين في الصومال. وأن يفكر الشباب العرب بهيئة أخرى تفرق على الأقل بين القاتل والضحية. أظن أن كرامات الناس تستدعي هذا العاجل وترفض هذا المعيب. كيف تحاكم مصر نظامها ورموزه وتقبل بجامعة عربية على أرضها، هي صورة عن نظام عربي فاقد للشرعية!.

صمتكم يقتلنا

إعداد وتقديم
١٠ أغسطس ٢٠١١

قالها الشعب السوري، قالها بكبرياء الفارس الجريح، المطعون في الظهر.

ليس أبلغ من هذا الوضوح، ليس أبلغ من هذا الاتهام. صمتكم يقتلنا. قالها الشعب السوري، اختصر كل ما نكتبه، اختصر كل الكلام الذي يبقى ناقصاً وفاقداً المعنى في هذا الوضوح، الكلام الكثير الذي لا يقول شيئاً.

اختصر الشعب السوري كل اللغة واتهم الناطقين فيها أولا، إنهم خذلوا دمه، خذلوا أصابع أطفال درعا، وحناجر اقتلعت لأنها هتفت للحرية.

صمتكم يقتلنا، نعم هو اتهام واضح، لأن الصمت شراكة في القتل، شراكة متوارية، ليس أقل، وقد تكون أكثر فتكاً وألماً لدى من يحمل قتيله ويلتفت إلى الوراء ويجد نفسه وحيداً يمشي في جنازة أخيه وصديقه وابنه.

قالها الشعب السوري وجاء ببرهانه، لكأنه يقول: هذا دمي اشهد هذا دمي، فمتى تشهد؟ إذا لم تشهد الآن ما معنى قلمك وشعرك وأدبك وتحليلك؟ ما الحاجة إلى سفاراتك وسفرائك وديبلوماسييك وجامعتك العربية التي هي الآن شاهد زور على دمي؟ إذا لم تشهد اليوم أنني أقتل فما حاجتك للغة؟ ألتمدحَ القاتل؟ ما حاجتك للكلام إذاً حين يطلب منك شهادة أنني أذبح وتخرج على الشاشة لتبرئة قاتلي؟ أنت الآخر الحداثي الذي صرفت أطناناً من الورق وأنت تنظّر للحداثة وكتبت البيانات لمناصرة شعوب الأرض، أليس التحرر من الاستبداد تجلياً من تجليات الحداثة؟ أنت الشاعر الذي استنزف اللغة لصورة بقيت رمادية في المعنى، ألا ترى أنه ليس من رمادي في الدم، وهذه هي القصيدة الآن؟ فمتى تشهد أننا نكتب الحرية كما الشعر بدم حقيقي، وليس بالحبر؟ وأنت أيها المقاوم الثوري وأيها المثقف الثوري ما الذي جعلك غريباً مني وعني؟ ما الذي جعلك في صف القاتل وكلانا القتيل وكلانا الشهيد، من زوّرك؟ لِمَ لا تشهد لشهادتي؟

نعم، أظن أن هذا هو التفسير الوحيد لهذا المبتدأ والخبر. صمتكم يقتلنا. وإذا لم تصدقوا اللغة، هذا دمنا في البلاد يوم أحد، وإذا لم تروا دمنا في يوم الأحد، اسمعوا، هذا صراخ قتلانا يوم جمعة والسبت للجنازات، وإذا لم تسمعوا فهذا الساخن على جبينك هو دم وليس مطرَ آب، وإذا لم تحسه، فاعذرني لم أنتبه أنك ميت، انتبهت أنك ميت من نتانة صمتك!

تمتمات كأنها تأتي من الغيب هنا، ونصف صوت، أو موقف هناك. كله يأتي في الصمت، وكله يؤسس للقتل وهذا ليس بحاجة لتحليل لأن البرهان واضح بوضوح الجملة التي لا تؤوّل ولا تحتاج لفقهاء أو ألسنيين. فالصمت على القتل هو تشريع له وللهمجية، هذا ما قاله المشرعون لحقوق الإنسان وهذا ما قاله المشيعون الذين يودعون في الجنازات الجماعية قتلاهم. وهذا ما تقوله الأمهات اللواتي ينظمن للأبناء مواقيت النزول إلى التظاهر وفي كل يوم واحد من أفراد العائلة، حتى إذا ما عاد أحدهم قتيلاً يبقى في البيت من يحرس الأيام المقبلة، يبقى من يأتي بالخبز. وهذا ما أتخيله من حوار بين الأمهات وهن يرجون الأبناء أن لا يخرجوا إلى القاتل، لكأنها القصيدة التي كتبها حسن عبدالله عن أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهداً، أظن أن حسن كتب للأمهات اللواتي انتظرن عودة الأبناء من جبهات المقاومة مع إسرائيل. ترى ما الفرق بين قاتل وقاتل؟ بين شهيد وشـــهيد؟ هل اللغة تحدث فرقاً؟ هل القتل بيد تكتب لغتي هو نوع من التأنيب لا يستدعي شهادة ما تأتي في الشعر أو في التحليل أو في الفكر؟ والقتل بيد تكـــتب لغة أخرى هو فعل همجي؟ هنا أسال الشعر والشعراء والمثقفين والحداثيين والتراثيين الذين أفنوا أعمارهم في البحث عن معنى، عن خروج من فكرة الكتاب الواحد والحزب الواحد والزعيم الواحد. أليست هذه الثورات بداية الخروج من هذا النفق؟ لكأن بعضهم في غيبوبة وبعضهم في غياب، وبعضهم يقوم في مهمته مثفقاً للسلطان وهذا أوضحهم... هذا ما يقوله القتيل، صمتكم يقتلنا.

أما في الكلام عن المستبد، فيبدو أن المستبد دائماً يخطئ الهدف، ويظن أنه هو الاستثناء، لكنه في زمن سقوطه يكرر خطأ شبيهه في كل مكان، يتهم شعبه بالتآمر حين يخرج شعبه مطالباً بكرامته، وبحريته، ويحشد الكتبة والمثقفين المقاولين و بعض مطربي المطاعم والمدّاحين والكوميديين إلى ما هنالك من كومبارس لتصوير «الفيلم» حيث يبدو فيه كأنه غرامشي، ويصوره بعضهم إسرافاً
في التماهي مع الدور، ضحية، ثم يمضي هذا الضحية إلى المهمة الوحيدة التي يتقنها بمهارة عالية هي الاستبداد بدءاً من إخفاء الصوت الآخر إلى القتل وإخفاء الجثة.

و كثيراً ما تكتب فيه القصائد، أكثر من الشهداء، وتكتب في فكره أطنان من الكتب، وبعضهم من غيرة أو طموح مفرط، يعلن نفسه شاعراً أو روائياً أو مفكراً وتعقد من أجل إبداعه الندوات والمؤتمرات... وحين يصبح في المأزق وفي الحفرة، أو تضاف عليه صفة ما، كالرئيس الهارب أو الرئيس المخلوع أو الرئيس المحروق أو الرئيس المختفي أو الرئيس المشنوق، والحبل على الجرار، كما أشار القذافي مرة في الجامعة العربية. يوم أعدم الرئيس صدام حسين شنقاً، قال القذافي: بكرا الدور جايي عليكم، وأشار إلى الرؤساء، واستثنى نفسه لأنه كما ذكرت، المستبد يعتبر نفسه دائماً مختلفاً عن الآخرين ولا يصيبه ما قد يصيبهم لأنه الأعدل وفق ظنه والأذكى والأثقف والأكثر شعبية وحباً من الجماهير. وهذه للآسف تضاف إلى جملة أوهام يعيشها المستبد الذي حين يصبح في الحفرة أو ما شابهها من مصير يختفي هؤلاء المدّاحون والمثقفون أو يلبسون دور الضحية التي أجبرت على أداء هذا الدور أو ذاك، ويعتبرون أنفسهم خارج دائرة الاتهام وغير معنيين بصرخة القتيل أو بعتابه: صمتكم يقتلنا. على كل حال، التاريخ هو العدل الذي يحكم، أما الصوت الذي سيبقى يتردد صداه لأجيال فهو هذا الواضح من ألم وعتاب ولوم للذين يشاركون بصمتهم في الجريمة.

2011-12-15

النلس نيام فإذا ماتوا انتبهوا

إعداد وتقديم

سيدي الرئيس، تلتبس السيادة في نهاية اللعبة، ويلتبس المعنى. أليس من الأجدى لك لو انتبهت الى ان كل شيء محكوم بالنهايات، وغالباً النهايات تقع في المأساة؟
ما الذي جعلك في غفلة؟
ما الذي جعلك في الغياب والغفلة؟ الاستئناس بما أنت عليه؟ والخوف من الشعور بالحسرة في ما لو تخليت لغيرك؟
لكأنك لا تصدق أن أشياء أخرى غير العمر تأكل من الحضور، وهي أشد فتكاً من لعبة الزمن في حال كان المرء في موقع يستدعي شيئاً من العدل والحكمة والتبصر، هي نفاد صبرالناس على فقدان هذه القيم واستفحال نقيضها.
لا أعلم ما الذي ينتظره الحاكم من شعب حوّله إلى قطيع أو أراده كذلك، ومن دون مرعى، وجعله في العوز والظلم، وقاده بأجهزة وظيفتها الأساسية إبقاء القطيع مطيعاً ومنتظماً في عرائه، وكل من يطل برأسه محتجاً تدبر له نهاية عاجلة لإسكاته. ماذا يتوقع في نهاية اللعبة؟

هل يتوقع ان تأتيه الناس بالزهور وتنشد له في عيد مولده أو عيد توليه ما يجعله في نشوة إضافية؟ او إنهم سيطالبون في حال إصابته بالزهايمر نتيجة العمر المديد باستنساخ بديل أو توريث البكر؟
ما الذي يتوقعه رجل أعلن نفسه قائداً ذات يوم بانقلاب أو ما شابه منذ عقود، وجعل شعباً بكامله في الأمية وتوج نفسه عبقرياً ونابغة وباركته فصائل من الكتاب والكتبة والمصفقين، وأمعن في شد الوجه ومقارعة الشيب واعطاب الترهل، حتى ظن مراراً، كما تروي الحاشية، انه التبس على نفسه وظنها آخر متآمراً جاء لينقلب عليه، فسدد مرة صوب المرآة مسدسه وأطلق، فتشظى الوجه في المرآة. هكذا هرع الحرس وساد الهرج والذعر قبل ان يبادرهم بالقول انه ظن نفسه في المرآة رجلاً يريد قتله فعاجله وأعجب البعض بسرعة الرمي والمباغتة؟

ولشدة ما يطول بهم المقام ولفرط العمر الذي أمعنوا في التوغل به، يظنون أن الناس هم الذين تدخلوا لإطالة الإقامة والعمر. الإطالة الأولى هي في نتائج الانتخابات التي تجعلها الأجهزة في منتهى الوفاء والنزاهة! والإطالة الثانية في العمر هي نتيجة تدخل الناس لدى الله بالدعاء المتواصل والصلاة كي يطيل من عمره لأن البدائل معدومة، وبغيابه ستذهب البلاد إلى الخراب العميم. والعجب أن معظم هؤلاء الحكام يعلنون نيتهم بدء الإصلاحات في نهايات أعمارهم وسلطتهم وكأن كل السنين التي أمضوها في الحكم كانت سنوات عدل ورخاء ورفاهية وفيض من الحريات العامة وانتظام العمل المؤسساتي بأداء مذهل، وأنها لا تستدعي أي إصلاح او حتى تقويم. والأعجب انهم في نهايات أعمارهم في السلطة وفي الدنيا، يحددون مهلاً بالأيام لتحقيق مطالب عمرها عشرات السنين ويعدون بتنفيذها العاجل ويتوعدون من يتأخر في تنفيذها بالمحاسبة الشديدة والعقاب. ترى، أين كانوا قبل وقوع المأساة التي غالباً تذهب بهم الى المهانة والذل كما حدث في العراق وتونس و...؟

ولماذا لم يبدأوا ما وجدوه محقاً وضرورة للاستقرار، قبل فوات الأوان؟ هل هم فعلاً في غفلة؟ أم إنهم يظنون ان تجويع الناس وقمعهم يجعلانهم أكثر رضوخاً وإذعاناً وطوعاً وتبعية؟! وهل يعقل ان يصدقوا هذه الأفكار البائدة؟ ام انهم اصبحوا في حالة مرضية تجعلهم في حالة من الهلع والتيه عندما يفكرون، ولو من باب التفكير فقط، انهم سيغادرون مواقعهم ذات يوم فيزداد تمسكهم بها، ويرتفع منسوب الرعب كلما شعروا ان اجل المغادرة قد حان، وهذا ما يجعلهم في حال من الاستماتة في الحفاظ على الحال، حتى لو اقتضى الأمر بعد تجريب اساليب التحايل وتمرير الوقت، القمع الدموي وحرق لبلاد بأهلها ووضعها في المجهول... والتاريخ الحديث مليء بهذه النماذج الدموية؟ وهنا لم يكن من باب الصدفة اوالإجحاف ان تحدد ولاية الرئاسة في البلدان الديموقراطية بمهل لا تسمح للاستئناس الطويل بالمنصب وتحد من من إمكانية الوقوع في حالة مرضية او من احتمال العدوى بها. سنوات قليلة لا تجعله في أسف أو حسرة أو مرارة...

أما غالبية هؤلاء فتتدرج في سلوكها نحو الألوهية حتى تتماهى بالإله وتظن أن غالبية الناس لا تعلم! لذا تنتشر صورها وأقوالها كالقديسين والأنبياء، وتأتيها التقارير من أرض الناس إلى كراسيها العالية في سمواتها الموهومة ان الشعب يسرف في الصلاة من أجلها لما هي عليه من رخاء وعزة وفائض في الحرية!
اما في احوال الشعب أو ما يسمى بالجماهير في قواميس الأحزاب االثورية، فتراها يوماً بعد آخر خلال سنوات الظلم، منهم يذهب الى اليأس بعد اكتشافه خواء الشعارات، والبعض يزج به في السجن إذا تمادى في إطالة اللسان وفي الاحتجاج، هذا إذا لم يقطع لسانه كما فعل الكثيرون من قادة الأمة بقطع الألسنة المشاغبة على صفاء الحكم والمعكرة له، والبعض يتوجه الى المنافي إذا توافرت له الإمكانية ووجد سبيلاً للخروج، والغالبية تلجأ إلى الله، وينتبه اليها من وظف الله من أجل مشروعه السياسي فينهال عليها بوعود الدنيا والآخرة... وهل من أحد لا يصدق وعود الله (وطبعاً على لسان ممثليه على الأرض) التي تصبح هي الشعارات البديلة، تصبح هي الخبز والحرية والعدالة.

وهنا في نهاية اللعبة تختلط الأمور في اللحظة التي يخرج فيها الناس من حالة الغياب أو الصمت أو الخوف، أو أي سبب آخر، في حال فكرنا في المؤامرة. وينتبه الحكام إلى أن سفينتهم جنحت في الأمواج فيلجأون إلى الحلول الأخيرة حتى لو اقتضى الأمر التخفيف من الحمولة، والحمولة في سفن الحكام هي من البشر، مثلما فعل أيضاً بعض «قادة الأمة».
والسؤال الذي في منتهى البساطة: ألم يكن بالإمكان التعلم من دروس التاريخ؟ ام ان الناس تعلموا من التاريخ ألا يتعلموا؟!

2011-07-28

يوسف العاني

إعداد وتقديم

الطحان يوسف هو يوسف العاني ابن أرض السواد، وحسب ما يُروى في العراق ولد سنة 1927، جاء من مصدر تواشج أعراق النخيل والشجر، وهذا فعلٌ سمّاه المؤرخون العراق، مثلما سمى يوسف نفسه في حكايته الأولى الطحان يوسف، والتي توالدت حكايات وحكايات ودار رحى الطحان الصغير لأكثر من 70 سنة، كم أنت جميلٌ أيها الطحان الذي على ما يبدو ما استطاع رحى الدهر والحروب والأيام أن يغلب قامة المبدع الذي فيك، بل نما.. نما كبذرةٍ زُرعت في أرض البيت العتيق، ونمت نخلةً باسقة تظللت لاحقاً بسعفها، هناك.. هناك يروى أنك ولدت ذات صيف على سطح تلك الدار بعد أن حملت فيك الوالدة 11 شهراً، هناك وسط مدينة الفلوجة التي يجرشها رحى الحروب، وفي بيتٍ متواضعٍ بسيطٍ ولدت ذات صيفٍ من عام 1927 مهيّأً لولادات أخرى ربما لانتباهك إلى اختلافٍ أصابك أو رغبة غامضة ألا وهي الموهبة التي سيّجتها وحميتها وسقيتها سنةً سنة وحصنتها بالمعرفة لتسعفك على الاحتجاج وربما على الخلاص من التيه، فخشبة المسرح فضاءٌ آخر للحرية، وربما أدركت ذلك مبكراً فذهبت إلى الناس في أحيائهم البائسة لتسعفهم على الفرح قليلاً وتخفّف من شقائهم وبؤسهم قليلاً.

لقد ذهبتْ الحرب بأشياء كثيرة بالبشر والحجر ولم تُبقِ على شيء حتى على الذاكرة أحياناً، وعندما سألت يوسف العاني عن صرخة احتجاجه اليوم ضد هذا الموت، روى لي أنه خلال الحرب فقد من جملة الأشياء الحميمة دفتر يومياته والذي بدأ بتدوينه منذ عام 1948 سنة نكبة فلسطين، لقد احترقت، هكذا قيل له في دائرة السينما والمسرح حيث كان مديراً لها، احترقت الدائرة كما الكثير من المؤسسات الرسمية وسواها وضاع دفتر اليوميات، وذات يوم بعد سقوط بغداد جاءه مخرج شاب، وطلب منه المشاركة في فيلمٍ وثائقي عن الحرب ليلعب فيه دور الراوي أبو شاكر، وخلال تصوير الدمار كانت تجول الكاميرا هنا وهناك لتلتقط مشاهد الخراب، فبان في زاويةٍ من زاويا مكتب يوسف العاني وفي بقايا الخراب دفترٌ أسود كتب عليه: أيامي يوسف العاني 1948، كان ذلك بالنسبة ليوسف أثمن من كنز، أو هو الكنز المفقود الذي عَثر عليه، أما صرخة احتجاجه كما قال كانت في الفيلم الذي وثّق للهمجية والخراب والقتل.

يقول (حميد المطبعي) في موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين وفي جزءٍ خصصه عن يوسف العاني يقول: حينما وقف يوسف العاني في مهرجان قرطاج المسرحي سنة 1985 ليتوّج رائداً من رواد المسرح العربي والأفريقي بكى من فرح ماضيه، إذ تداعت أمامه وفي لحظةٍ عابرة صور الماضي كلها، كيف نسج من ماضي الشعب قصة كفاحه الطويل، قصةً بدأها منذ منتصف الأربعينات من مسرح الأزقة إلى مسرح القاعة فإلى مسرح الإذاعة والتلفزيون حتى غدا يوسف نفسه دراما شعبية تُذكرنا بتاريخنا كله في الأربعينيات والخمسينات، وهو في نظر المنصف من النقاد فنانٌ يحترم ماضيه وحاضره، وفي نظر جمهوره إنسانٌ وطنيٌّ، فنانٌ وإنسانٌ يحترم سيرته وتراثه وكل عطائه، عرفوه فمنحوه لقب الرائد، كان هو وقليلون يبنون مسرحاً نظيفاً في شوارع مكتظة بالبؤساء، وفي مدارس وكليات تزدحم بشعارات الوطن والتحرير والمقاومة، يحرّضون وينتقدون ويعرضون صور الحال، وكان مسرحهم ينبض بالفعل والحركة، وبينهم يوسف يمدّ عنقه إلى أمام دون وجل، لأنه كان مؤمناً بقضيةٍ كان عليه أن يؤدي دوراً مزدوجاً ورائعاً، دور الممثل الفنان ودور السياسي الفنان، وفي مهمةٍ واحدة أن يكون دمه ثمن الحرية.

هذا الرجل المكلل بالشيب والسنين، قد يكون من أكثر الفنانين غزارةً وعطاءً والأكثر التصاقاً بهموم الناس وحياتهم والأكثر وفاءً، وربما انحيازه المبكر إلى الطبقات البائسة في الحياة جعله يفكر بدايةً أن يصبح طبيباً لتخفيف آلام الآخرين وأحزانهم، فالتحق بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، لكنه فشل في ذلك فذهب إلى الحقوق وبالهاجس نفسه برغبة المرافعة عن المظلومين والمضطهدين في الحياة وتجريم الظالم، نجح في القانون لكنه لم يمضِ في طريق المحاماة كخيار وحيد وأخير للمرافعة ضد الظلم وربما المنصة الأكثر عمقاً في التأثير والفعل وجدها في المسرح حيث كانت بالنسبة له المختبر الحيوي الأكيد فاختار هذه المنصة لمرافعات من نوع خاص جداً تجسدت في عشرات الأعمال الإبداعية وكانت أكثر فعالية وأكثر تأثيراً وعلى ما يبدو فاز بها بامتياز مما جعله جزءاً من ذاكرة العراق وواحداً من أبرز الممثلين والمسرحيين العرب.

المحامي الشاب في مطلع الخمسينات عرف أنه خُلق لمهمة المرافعة وعلى طريقته الخاصة فقط، وهي: محاولة إسعاد الناس وتطوير وعيهم عن طريق المسرح، فأن تُضحك الناس وأنت تدلّهم على سبب الجرح، يكون ذلك أفضل علاج يقوم به المرء وربما أجمل مرافعة، وهكذا منذ عام 1944 وحتى سنة 2004 ستون سنة لم يترجل العاني عن خشبته ولم يغبْ مرة عن دوره الذي يعتبره من المهام النبيلة التي يقوم بها الإنسان، فإن غادرها لوقت ذهب إلى الكتابة بشقّيها الإبداعي والنقدي، وله في هذا السياق حوالي 40 نصاً مسرحياً والعديد العديد الآخر من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، والكثير من الزوايا في الصحف اليومية فمن لا يعثر على العاني على خشبته أو على الشاشة يقرؤه كتاباً أو مقالاً أو ذاكرة، ويوسف العاني الذي وقف على الخشبة منذ عام: 1944م شغل بالإضافة إلى مهمته في المسرح مواقع إدارية منها: مدير عام مؤسسة السينما والمسرح، فكيف أجرى تلك المصالحة بين المبدع الذي فيه وبين الموظف؟

من غير الممكن اختزال حياة وتجربة يوسف العاني بهذه العجالة، فحياته بمستوىً من مستوياتها هي فصل من رواية ملحمية كبرى اسمها: "العراق" بين ثلاثينات القرن العشرين وبدايات هذا القرن، فإذا أردنا تبيان سيرة هذا المكلّل بالسنين والشيب والعاثر دائماً على الطريق المؤدي إلى عراقه يلزمنا الكثير من الوقت، لقد تُوّج رائداً للمسرح العربي والأفريقي منذ عشرين سنة، لكنه حتى الآن ما زال يُتوّج بنفسه المسرح العراقي والعربي بحضوره الدفّاق وثراء شخصيته وحبه ووفائه.

اكتشف المزيد عن سيرة يوسف العاني في الملف "حوار مع يوسف العاني"