2018-03-31
ثلاثية عبد الجليل غزال .. حافة النسيان
ثلاثية عبد الجليل غزال .. صحبة الطير
2018-01-15
معبر الندم
٢٠٠٧، دار المدى
2018-01-10
خربة النواح
![]() | |
| خربة النواح |
٢٠٠٧ دار المدى
2018-01-01
الطيون
2016-09-20
روافد مع الشاعر أدونيس
علي أحمد سعيد هذا اسمه في الهوية، وأدونيس اسم اختاره لنفسه خيار آخر وولادة أخرى في المسافات والمدن التي شهدت انبثاقات له وولادات في الرؤى وفي القصيدة.
ولد علي في قصابين قرية في الشمال السوري في شتاء ليل من عام 1930 ومن أبوين فقيرين، كان والده أحمد سعيد شوقاً بالمعرفة واللغة والشعر، وهذا كان الحجر الأساس في عمارة أدونيس لاحقاً.
نشأ بداية وسط هذه البيئة تعلم في كتّابها لحوالي عشر سنوات، ثم تابع دراسته في مدن الساحل في طرطوس واللاذقية، ثم إلى دمشق حيث نال إجازته في الفلسفة سنة 1954، ومنذ بداية الخمسينات بدأ يرسل قصائده إلى مجلة الآداب البيروتية.
القصابين وشقاء الطفولة في مدن الساحل في القرية، ثم دمشق حيث هب هوى العشق مع خالده رفيقة العمر صديقة وحبيبة وزوجة ومبدعة قرأته بهوى الفكر، ثم بيروت بيروت مجلة شعر مع يوسف الخال سنة 1957 كانت مجلة شعر حجر الزاوية في بناء القصيدة الحديثة، ثم مواقف مجلة أخرى أو منبر آخر لموقفه من الثورة من الحياة من الوجود ومن التراث، حيث يقول في افتتاحية العدد الثالث عام 1969 "الثوري العربي يحاصره عدوان خارجي مستعمر ومتطور، وداخلي متخلف وطاغية". لكأنه في كل مرة صاغ افتتاحية أو مقالاً أو دراسة أو معالجة للموروث أو للمعاصر، كان يضمّن كلامه بياناً من نوع آخر بياناً من أجل الحداثة بمفهومها الشامل وليس المقتصر على الشعر فقط.
من قصابين إلى باريس حيث ولادته الكونية كما يسميها بعد بيروت التي كانت الولادة الثقافية، 77 عاماً يضيء أدونيس عند كل ليل منها قصيدة وشمعة للأيام الآتية. وهكذا دارت عجلة أيامه وفق رغبته في تغيير مصيره كما كان يقول، ليحط فيما بعد ترحاله في بيروت على أواسط خمسينات القرن الماضي، حيث بدأ يشعل ناره وحرائقه في مسائلة الموروث فكراً وشعراً ونصاً وأنساقاً، فكان من بين أوائل الدعاة الحداثيين الذين صرفوا أعمارهم من أجل تهديم جدران السجن الكبير للخروج إلى المدينة الإنسان المدينة الحرية المدينة العدالة.
بيروت ولادتي الثانية، ولادتي الثقافية والشعرية، بيروت أتاحت لي الانطلاق والاتصال والتواصل مع العالم. خمس دقائق، خمس دقائق فقط غيرت مسار حياتي يوم عبرت الحدود إليها قادماً من دمشق، وكان ذلك إبان العدوان الثلاثي على مصر، لولاها لما كنت ما أنا عليه اليوم على الإطلاق. هكذا قال أدونيس. إلى هذا الحد كانت بيروت مهيأة في خصوبتها لانبثاق القامات المعرفية وفي احتضان من بهم مسّ من شعر وجمال؟ في هذا الحي البيروتي، الحي الجامعي سابقاً، الحي المتواضع، حيث كانت كلية الآداب، عاش أدونيس وعلّم أجيالاً أسماء كثيرة تغير مصيرها في هذا المربع، المربع الثقافي والأكاديمي ما بين كلية التربية وكلية الآداب، أسماء كثيرة أصبحت لامعة لاحقاً، مفكرون وأدباء وسياسيون وشعراء وثوار وحالمون، كلهم عبروا من هنا حيث كانت المنازلات أفكاراً تقارع أفكاراً، وقصائد تعلو وعشق يعلو، وهواء الحرية يهب ويطيّر الأحلام قبل أن تأتي الحروب والطوائف وتطحن كل شيء وتهدم عمارات من الأحلام والرؤى. عندما سألته تسكن جسدياً في أكثر من مكان؟ فأين يسكن الهوى؟ وأين تسكن الروح؟ فقال لي: بيروت أرجو أن لا تفقد هذه المدينة سحرها وعطرها وماءها الحي.
كتب كثيراً شعراً ونقداً وفكراً وكان مسكوناً دائماً بخلخلة الثابت، شاغله دائماً الآتي من الأيام، ليس على المستوى الشخصي، بل على مستوى أمته التي يخشى زوالها بالمعنى الحضاري، يخشى زوالها لافتقادها ما يؤكد حضورها على مستوى الإسهام في صياغة وجودها فعلاً ودوراً وإنجازات، وللنقصان الفادح في العدالة والحرية. كتب كثيراً وترجم إلى معظم اللغات المعاصرة، ونال جوائز عديدة، وكرم في أكثر من عاصمة ومدينة عربية وعالمية. وتراه شكاكاً غير راضٍ تماماً عما قام به، وأظن هذا من خصال المبدعين الكبار.
خلاّق لا يستكين ولا يطمئن إلى يقين، يزاول طرح الأسئلة والتنقيب عن أجوبة لها، فالشاعر الكبير لا يمكن إلا أن يكون مثقفاً كبيراً ومفكراً وسجالياً ومحللاً يتأمل دائماً في حركة التاريخ والزمان. تراه يشير في أجوبته إلى مواضع الأعطاب، يضيء طريقاً نحوها للعلاج أو للتخفيف من الألم، فهو يعرف تماماً أن الشحوب الذي يصيب هذه الأمة وهذه المجتمعات والضمور الفكري والعجز هو نابع من موروثاتها وتأويلات تطمح إلى ترسيخ المؤسسات الرسمية التي لا دعام لها سوى الغيبيات، وما تنتجه من وسائل للاستبداد والقهر والظلم.
حين تجالسه يذهب بك في شعاب المعرفة والتاريخ والشعر، ليس من حرج أن تطرق أي باب شئت، فباب الحب رحب يفضي إلى حكايات وحدائق، وباب الشعر عالٍ خلفه ألف قصيدة، وباب الفكر يفتح دائماً على الحرية، لكأن مسار حياته أبواب تفضي إلى أبواب يفتحها على الضوء، وكلما تعثر أمام جدار ما يفتح في قلبه كوة، وكلما علا جدار السجن كما يقول تصبح الخطيئة مقدسة.
ويأخذنا علي في ماءه يصعد بنا عالياً إلى النبع حيث أبجدية الماء، غيم وبستان وصبي معثر بتراب الحقل يبني بيتاً غامضاً، يرفع سقفه بالألف ويحني الحاء حصاناً يمتطيه نحو معرة النعمان، حيث المعري كتاب وعقل وسؤال ورؤيا، أو يغرّب والساحل السوري نداءٌ غاوٍ للمضي بعيداً في الكتاب أو للسفر إلى حيث يبتعد الوصول، ويطيب الترحال ولو في الخيال إلى الكوفة حيث يترجل المتنبي عائداً من مصر ليستريح من المديح والهجاء في بستان النخيل على قلقٍ وريح علي، ويهب النسيم مشبعاً بغناء وعطر ويصعد في البال حزن غريب، هي الرغبة ربما هي الرغبة الجامحة في تغيير المصير وهدم الجدار، هي الرغبة في التمرد في الجريان كالنهر أو في التجديف بعكس التيار، في الصعود نحو القمة العالية ليوقد النار للرعاة والليل. ويأخذنا علي يأخذنا إلى المطارح الأولى إلى الولادات الأولى إلى بيت عتيق في القرية، هو الحنين إلى طيف أنثوي إلى شيخ جليل يعلمه فك الحرف إلى دمشق إلى بيروت حيث الانبثاق ومخاضات وولادات وجنون وحب وشعر لا يمكن وصفه كما ينبغي أو كما تراه، فهو متعدد يسكن غابة الشعر تلمحه بين الظلال يعشب من الكتب القديمة النوافل، ويعثر على الذهب يلمعه ثم يذهب إلى ماءه ويواصل التدفق. يصعد إلى جبله ويوقد النار ويتأمل في هذا الليل العربي الطويل. أدونيس كلما هب نسيم يذكره وصلاً فيضيء على حافة الليل قصيدة ويرمي عصا الشك في كل يقين.
أدونيس هذا الرحالة في الأمكنة والأزمنة، هذا الطفل المتخفي بهيئة رجل سبعيني، لا يشبع شغباً ولا حباً ولا شعراً ولا نثراً ولا يتعب من سفر، فكلما طوى مسافة في عمره، طوى كتاباً، وكلما حط في مدينة يولد ليبدأ من جديد مساءلة ما يراه وما يقرؤه. هذا الشريد المنفي في اللغة تركته يزاول توسيع الكوة في الجدار وحياكة قصيدة على عباءة الليل.
فاجأتني حياتي كثيراً.. وها هي تشرف تمضي لأبعد مما توقعت.. سارت أمامي في شكل نهرٍ.. أتنصت أسمع صوتاً يجيء من الماء.. قال السفينة مرت تأخرت خذ موعداً آخر وخذ مقعداً وانتظر.. انتظر ربما بعد وقت قصيرٍ تمر السفينة.. هذه السفينة أو ربما تمر سواها.. أتنصت لا صوت.. ما قيل لي لا أراه ما أرى لا يقال.. وهذه حياتي تجري كنهر وجسمي لا ينتظر.. انحدر أيها النهر.. خذني في مائك المنحدر..
روافد مع برهان غليون
أحمد علي الزين: حكماً كلما حطت بك الرحال في واحدة من المدن الديمقراطية ستقع في فخ المقارنة وستصاب بالحسرة إن فطنت إلى مصدرك و البلاد التي تركتها خلفك حيث مطاحن الحروب و حطام التاريخ و ركام من أجوبة جاهزة و تكرار قاتل في مجانيته و اجترار للرداءات من الموروث، وأشكال مختلفة من الاستبداد، عالم مفتقد لشرطه الإنساني مصاب بعقم فكري، و من به توق لفتح نوافذ للعقل قد يجد نفسه خارج مكانه الأول أو قد يجد نفسه في وطنين و غربتين، وكما العادة في هذه الفضاءات و المدن قد يلتقي المرء برجل من هذا الطراز، اختار المتن بدل الهوامش الضيقة المتاحة في وطنه، اختار الفضاء الرحب حيث أن الحرس هنا لا يتدخل في أسئلة العقل و لا بحرية التفكير، و لا يملي شروطاً أو ينصب شركاً، برهان غليون واحد من المفكرين العرب، يقيم في هذه المدينة باريس، جاءها طالباً في السبعينات وعاد إليها باحثاً و أستاذاً في السوربون.
بداية ماذا يفعل الدكتور برهان غليون اليوم، هل الهموم الراهنة سرقتك من الفعل الحقيقي، أي البحث و الاشتغال بقضايا الفكر و الفلسفة؟
برهان غليون: أجل و لا. أجل لأن اللحظة التي يعيشها العالم العربي تستدعي أن لا نبقى على الحياد وخارج الممارسة، و لا لأن التحديات التي يواجهها العالم العربي تستدعي زيادة التفكير والتأمل. أنا أشعر أني مشدود بين البحث الذي هو ضرورة حتى نتحرك، و بين الانخراط بشكل أو بآخر بالعمل العام الذي صار مطلب حقيقي في مرحلة إرهاصات و تحولات كبيرة في العالم العربي.
أحمد علي الزين: أنت تعيش في باريس و تشغلك هموم الشرق و خاصة هموم سوريا، هل تشعر أن هناك دور عليك أن تلعبه تجاه منطقتك رغم هذه المسافة في الجغرافيا؟
برهان غليون: أنا أشعر أنه واجب أكثر من دور. أشعر أن الإنسان لا يستحق لقبه كمثقف و كمواطن و لا يستحق الانتماء لحضارة و ثقافة إذا تخلى عن مجتمعه في اللحظات الحرجة والحاسمة. أعتقد أن علم الاجتماع المجال الذي أعمل فيه لا معنى له إذا لم يهتم أيضاً في العلاقة مع حاجات المجتمعات. علم الاجتماع ليس نظرية فحسب وإنما أيضاً ممارسة، و هو بالنسبة للمجتمع هو مثل الطب بالنسبة للعضوية الإنسانية. أهمية الطب أنه يساهم في صحة الناس وأهمية علم الاجتماع أنه يساهم في سلامة المجتمعات و يتحقق من مشاكله و يكشف أسبابها. باعتقادي مسؤولية المثقف أكبر بكثير من مسؤولية الآخرين، لأن المجتمع كلفه بمعرفة أمراض ومشاكل المجتمعات. لهذا السبب لا يمكن أن ينسحب المثقف من معركة التغيير بالعالم العربي والناس مقتنعين بهذا الشيء.
أحمد علي الزين: أنت تقول أن ما يعيشه الشرق العربي اليوم هو معركة تنافس بين الأصولية الإسلامية وبين السيطرة الأميركية، بتقديرك لماذا انحصر الصراع في هذا المنحى تحديداً؟ هل هو فخ؟ أم هو نتيجة قصور للرؤى على مستوى النظام العربي العام؟
برهان غليون: السبب الذي أدى إلى انحصار الخيار بين الأصولية الإسلامية وبين الاستعمار أو التدخلات الأجنبية هو استقرار الأزمة داخل المجتمعات العربية وحصول ما يمكن أن نسميه نوع من الانسداد. قوى التغيير غير قادرة على أن تغير لأنها ضعيفة بسبب هيمنة السلطات الشمولية منذ أكثر من خمسين سنة على الحياة السياسية والفكرية. التفكير ممنوع، الممارسة السياسية ممنوع التنظيم ممنوع، المبادرة ممنوعة. سُحق كل أمل في تكوين قوى مبادرة داخل المجتمعات خلال السنوات الماضية. النخب الحاكمة تكلّست و تجمدت على مصالح كبرى لم تكن موجودة من قبل، وليس لديها أي مصلحة في أن تقوم بأي تغيير. والذي حصل إنه لا قوة تغيير قادرة على أن تغير ولا الحكومات قادرة على أن تقوم بإصلاح، ولذلك دخلت المجتمعات العربية فعلاً في حالة مأزق واستعصاء، نقول بالعربية مأزق يعني طريق مسدود، والطريق المسدود لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، هو الذي يثير بنفس الوقت حركات عنيفة من الداخل من أجل التغيير بأي ثمن هذا هو العنف، العنف بأي وسيلة وبأي ثمن، ويثير أيضاً مطامع من جديد مطامع الدول الكبرى التي لها مصالح في المنطقة للتدخل على أساس أن تستبق الأحداث والانفجارات، وتضع يدها أيضاً على مجتمعاتنا وعلى مواردنا من جديد.
أحمد علي الزين: أنت تقول أن سقوط بغداد واحتلال العراق من قبل القوات الأميركية والبريطانية هو التتويج الأليم لنصف قرن من السياسات اللاعقلانية بالمنطقة، بتقديرك هل النفق الذي دخلت فيه بغداد والمنطقة بشكل عام هو طويل الخروج منه صعب في المدى المنظور؟
برهان غليون: حتى الآن يبدو أن العراق قد خرج من نفق الاستبداد ودخل في نفق الاحتلال المفتوح على نزاعات أهلية عنيفة. اليوم بدأنا نتحدث عن احتمالات حرب طائفية في العراق. ما وصل إليه العراق و معظم البلدان العربية هو نتيجة تمسك النخب الحاكمة بصيغة سياسية من القرون الوسطى ترفض كل أشكال الحوار و التفاعل مع فئات الرأي العام الأخرى و تقود المجتمعات مباشرة إلى الهاوية. المسؤول عن دخول الاحتلال الأميركي للعراق و عن ما يحصل في العراق هو نظام الاستبداد. جميع مجتمعات العالم شهدت أنواع مختلفة من الحروب الأهلية و المواجهات العنيفة، لكن الدول العربية لم تخرج بعد من مناخ الحرب الأهلية ولن تخرج طالما استمرت النخب الحاكمة في تغييب المجتمع وقمع الحقوق السياسية الأساسية للأفراد.لأن النخب تعتبرالانفتاح فوضى فلا بد من أن تكلف بالتالي أجهزة الأمن بالسيطرة على المجتمعات واستبدال الأنظمة السياسية بالأنظمة الأمنية.
أحمد علي الزين: منذ كتابك الأول الذي صدر من حوالي 30 سنة تحت عنوان "بيان من أجل الديمقراطية" وحتى الآن تهتم بشؤون الحداثة و بعلاقة الدولة بالدين و بالأمة. تقول أن فرصة نشوء الحرية العقلية أو السياسية تبدأ عندما يصبح الشعب مرجع السلطات وتنتفي طالما بقي الفقيه أو الإمام مرجع السلطات. وأنت تعتبر أيضا أن الحداثة أو حتى الدولة بمفهومها الحديث لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم فصل الدين عن الدولة. هل من الممكن أن تتحقق الدولة الحديثة في عالم شبه متجمد فكرياً منذ قرون حيث حتى الدول التي تحكمها الأحزاب العلمانية تلجأ تتحصن بالأطروحات الدينية عندما تقع في المأزق؟
برهان غليون: منذ أن كتبت "بيان من أجل الديمقراطية" كما في جميع أبحاثي وجدت أن التراث لا يؤثر فينا عملياً بل هو مجرد شعارات سياسية وأن جوهر المشكلة هو نمط الحداثة الذي نشأ وتبلور منذ القرن التاسع عشر عند النخب في المجتمعات العربية المختلفة و وصل اليوم للطريق المسدود الذي نحن فيه. الحداثة هي أخلاق الحرية، أخلاق المساواة و أخلاق العدالة. الذي حصل عندنا هو العكس، نحن أخذنا من الحداثة السلع الإستهلاكية والأدوات التكنولوجية. في معظم البلدان العربية تم توظيف الكمبيوتر من أجل تفعيل الرقابة على المجتمع و خلق قواعد بيانات بأسماء المطلوبين و المعارضين ولم يتم توظيفه كأداة للبحث العلمي و لتطوير المعرفة. وقبل الكمبيوتر تم توظيف الإذاعة والصحافة و التلفزيونات كأداة لترويج دعاية السلطة، ولم توظف من أجل أن تساهم في تطوير وإخصاب الفكر العربي بالآراء المتعددة و النقاشات و المناظرات التي تسمح للمجتمعات في تطور ثقافة جديدة. الحداثة في المجتمعات العربية خلقت من القهر والفقر والبطالة والجوع أكثر مما خلقت من الحرية والعدالة والمساواة. هي اليوم المجتمعات الأكثر افتقادا للحرية، الأكثر افتقادا للعدالة و الأكثر افتقادا للمساواة.
أحمد علي الزين: يرى برهان غليون أن عدم قيام الدولة الحديثة في عالمنا يعود إلى إساءة استخدام الحداثة التي بقيت شكلية وسطحية ولم تنفذ إلى المضمون الإنساني. ولا يرى في الموروث عائقاً بل شعاراً ليس أكثر ترفعه بعض التيارات لأغراض سياسية، فلا أحد عملياً كما يقول يعيش في الماضي أو في التراث، هذه وجهة نظره التي يعتبرها إضافة على قراءات سابقة وجدت في الموروث الثقافي سبباً في عدم تطور المجتمعات وجداراً منيعاً في وجه التغيير. أعتقد أن البعض قد يوافق الدكتور غليون على الشق الأول المتعلق بإساءة استخدام الحداثة، لكنه قد يعارضه على تبرئته للموروث في بعض وجوهه السكونية في جعل هذه المجتمعات تراوح في دائرة مغلقة. ولكن دائماً كما يقال تراكم وجهات النظر بحد ذاته ضرباً من ضروب الإبداع والحرية ويؤدي في النهاية إلى نتائج مجدية. هنا في باريس راكم الدكتور برهان غليون تجربته أستاذاًَ وكاتباً وباحثاً وناشطاً في أكثر من حقل سياسي واجتماعي، كتب عشرات الكتب والمؤلفات التي تُرجمت إلى أكثر من لغة وكلها تدور في فلك الأسئلة التي تشغل مجتمعاتنا العربية. هنا في هذا الحي الباريسي يقيم وتشغله هموم دمشق، ويشغله أيضاً ربيعان، ربيع البلاد وربيع ابنته التي توازن بين عقل الأب وعقل المفكر، وتضفي على شيبه بعض الفرح وبعض الأمل، أما لربيع دمشق حصة وافرة في وجدانه، بل هو واحد من شاتلي حدائقه إذا صح التعبير أي من قادة المعارضة، فأين هو في نهايات خريفه من ربيع لم يأتِ بعد.
لنقل أن باريس سمحت لك أن تكون مثقفاً حراً ومنتجاً وقدمت لك مساحات من المعرفة والحرية، ماذا أعطتك دمشق و ماذا أعطيت أنت لدمشق؟
برهان غليون: أنا أعتقد أن دمشق أعطتني كثيراً، أعطتني أولاً نفسي، أنا أهتم بالعالم العربي وأهتم بسوريا لأن الشعور بالوفاء أيضاً لبلد أنا أحبه كثيراً و أعتبره فعلاً رمز للبلدان العربية الطامحة لمواجهة مصير التبعية والاستعمار، ولتكون رائدة في نهضة عربية شاملة. دمشق أعطتني العمق التاريخي للثقافة العربية وللتاريخ العربي السياسي والثقافي والروحي. ماذا أعطيت لدمشق؟ أنا أعتقد أنه بالرغم من أني أعيش في فرنسا منذ أكثر من 30 سنة الآن ما انقطعت بتفكيري عن دمشق التي أعتبر التفكير فيها جزء من التفكير بالعالم العربي الذي يشكل كل بحثي العلمي والعملي. كان صعب أن أطور أي رؤية للعالم العرب دون هذا الانتماء إلى دمشق.
أحمد علي الزين: دكتور برهان بتقديرك هل فهمت المعارضة والسلطة في دمشق درس العراق المأساوي والمرير؟
برهان غليون: الشعب و المعارضة فهموا الدرس لكن السلطة استفادت منه من أجل أن تزيد من مستوى الابتزاز للرأي العام و الدول الأجنبية والعربية التي تتعامل مع المنطقة. تبتز الشعب بالفوضى و العنف إن لم يخضع إلى السلطة و تبتز الدول بالإسلام المتطرف كنتيجة التغيير والإصلاح. يرى النظام السوري أن الإصلاح والتغيير ينبغي أن يسير في أطر مضبوطة وتدريجية و قد نجح في فرض رؤيته على الجامعة العربية التي تبنتها في مؤتمر قمة تونس سنة ٢٠٠٤ في وثيقة الإصلاح وسمتها وثيقة التطوير والتحديث. هذه الرؤية ألغت مفهوم الإصلاح في نظم المؤسسات وفي قواعد الممارسة السياسية مسألة الحريات، ولا مسألة العدالة، و مسألة القضاء و وربطت مفهوم الإصلاح بتطوير القدرات المعلوماتية والليبرالية وجلب الاستثمارات.
أحمد علي الزين: هناك أكثر من معارضةاً من الجماعات الإسلامية، من السيد عبد الحليم خدام الموجود في أوروبا حالياً، يعني هل حدث لقاء بينك وبينه مثلاً؟
برهان غليون: لا أنا ما شفته لعبد الحليم خدام لأني اعتقدت أنه ولا زلت أعتقد أنه أولاً واحد مثله مشارك شريك أحد المسؤولين الكبار في الحزب والدولة والإدارة إلى آخره.. كان لازم يعترف بمسؤولياته بشكل واضح أكثر ما كان لازم يتهرب من مسؤولياته، ويقول أنا كنت مسؤول عن السياسة الخارجية ولكن السياسات الأخرى ما لي علاقة فيها.
أحمد علي الزين: هذا الحوار تم في أوائل نيسان من عام 2006، ربيع آخر في باريس قضاه برهان غليون حالماً بربيع دمشق، وهو القادم من مدينة حمص مواليد سنة 1945، نشأ في بيئة متواضعة كان والده يهتم بتربية الخيول، تفتح على عالم كان يغلي بالأفكار أواسط الستينات، درس في جامعة دمشق ثم غادر إلى باريس إلى السوربون متأثراً بالفلسفة الوجودية وبسارتر، إذا كان يجد في الماركسية وفي الفلسفة بشكل عام ملاذاً للتعبير عن تمرده، اختار باريس كما يقول عن وعي لكونها معبرة عن الحرية، وقد جذبته ثورة الطلاب سنة 1968 ولكون الفلسفة الفرنسية أيضاً مرتبطة أكثر بالمجتمع وبشكل أعمق، لم يكن يخطط للبقاء في فرنسا بل العودة إلى دمشق، ولكن غالباً قد لا تتسع المطارح الأولى لأبنائها، ثلاثون سنة بدأها ببيان من أجل الديمقراطية وما زال يتلوا أشكال بياناته في قراءات لمجتمعه عبر عشرات الكتب والمقالات والأبحاث.
أحمد علي الزين: بتقديرك لو بقيت في دمشق كنت قدرت أن تحقق الذي حققته في باريس على مستوى البحث والكتابة وحتى المنصب الجامعي؟
برهان غليون: لو بقيت في دمشق على الأغلب كنت قضيت 20 سنة في السجن مثل كل الناس مثل كان أبناء جيلي أو قسم كبير منهم الذين كان عندهم إيمان بمثل و بمبادئ و قيم، وكانوا يعتقدون و يؤمنون بمجتمعاتهم ويؤمنوا بمستقبلها ويبذلون جهوداً من أجل مساعدتها.
روافد مع السينمائي ميشال خليفي
كلما أتيت أو عبرت في هذه المدن تقع في فخ المقارنة وتُصاب بالحسرة إن كنت قادماً من بلاد وأوطان مزقتها الحروب وهدمها الاستبداد وفقدان العدالة لتبقى على هامش التاريخ في سكونيتها القاتلة، تجتّر ماض لم يبقى من إشراقاته سوى التحسر، وشعارات تعددت تحت بريقها الواهي أشكال السجون والقمع، هذا إذا كنت تمتلك حساً نقدياً حالماً بالحرية، أما إذا كنت تسعى في الوقت نفسه لتقديم أو صياغة صورة عن بلادك تشبه حلمك عنها وفيها عليك أن تمشي في حقل ألغام، كما هذا الرجل القادم من الناصرة فلسطين إلى بروكسل لصياغة صورته المشتهاة عن وطنه، عن إنسان حر يبني مجتمعاً حراً، فعلى قوله لا يمكن أن يبني المجتمعات الحرة سوى أفراد أحرار.
الفلسطيني المصدر والهوى والانتماء والبلجيكي الجنسية والإقامة، وجد جواز سفر آخر لعبور الحدود بين وطنه الأم والعالم، وهو فيلم طويل صاغه عن فلسطين بوجوه مختلفة وبأجزاء متعددة يربط بينها عشقه للبلاد، فهو يرى أن خطأ تاريخياً ارتُكب في حق وطنه وعليه الإسهام في تصحيحه ولو بمقدار "قل كلمتك الحق وامش" في هذه المدينة بروكسل التقيته فقام بدور الدليل ليس للتعرف على معالم المدينة وحسب بل القيام بجولة في الذاكرة، فاصطحبني إلى شعاب وبيوت الناصرة المكان الذي يسكنه إنساناً وقضية وإلى حكاياته مع الصورة.
إذاً السنوات الأولى من عمره مرّت في الناصرة، حيث كان يمنى عليه أن يغادر كما كل أهلها إلا بتصريح من الاحتلال، وربما هذا ما دفعه للبحث عن نافذة أخرى أو عن طريق تحمله إلى ما هو أبعد من جغرافية البلاد فكان الكتاب ممكناً للقيام في رحلة في أرجاء الأرض والمدن دون إذن أو تصريح، وكانت الصورة بسحرها الفائق نافذة أخرى، أو مطرحاً يقيم به ولو لحين مع رجل مسن كان يصطحبه وحفيدته وشلة من أطفال الحي الناصري إلى السينما لمشاهدة أفلام ذلك الزمن، وكما يروي ميشال خليفي كان يريد الخروج إلى مطارح قد يعثر فيها على إمكانات تحقيق بعض حلمه، وهو العامل الصغير في كراج لتصليح السيارات في بلدة الناصرة، ويوم قرأ ذلك الإعلان في الصحف عن طلب عمال لشركة الفولس فاكن في ألمانيا تفتّح خياله على عالم بعيد، وكما يروي أيضاً كان لديه أحد الأقرباء يقيم في بروكسل فجاءها كمحطة نحو ألمانيا، لكنها أصبحت محطة لإقامة طويلة، ولوطن ثانٍ ولحكاية مع الصورة ومع السينما.
منذ الذاكرة الخصبة الفيلم الوثائقي الأول الذي حققه عام 1980والذي اعتبره النقاد فتحاً في تاريخ السينما الوثائقية، وضع ميشال خليفي حجر الزاوية في تجربة وصفت بالجرأة والتمايز، مزج فيها ما بين الوثائقي والروائي، وكانت فلسطين هي محور أعماله، لكأنه أراد أن يوثق لذاكرة بلاده للناس وللأمكنة التي أزالها الاحتلال، ولعادات وثقافات تكاد تذهب إلى النسيان، وللذين تسنى لهم متابعة أعماله التي بعضها ممنوع من الرقابة في الكثير من البلدان العربية، يكتشف مدى خصوبة ذاكرة ميشال خليفي، ذلك الشاب الناصري الذي وظّف موهبته وثقافته في خدمة قضيته عبر سلسلة من الأفلام التي قدمت للمشاهد الغربي خاصة شهادة الحق، وصورة عن الظلم الجائر في معالجات إبداعية لحياة أهله في فلسطين أو للحياة الفلسطينية تحت رحى الاحتلال.
على أواخر الثمانينات التقيته في هذه المدينة بروكسل، المدينة لم تتغير كثيراً ولم تبدّل ملامحها حتى في إضافاتها وهذه ميزة المدن العريقة التي أنجزت حريتها، وهو أيضاً لم يتغير ولم يبدّل من رؤاه وإن بدّلت السنوات العشرين من بعض الملامح، فالزمن بالنسبة له حين يفكر به أيضاً هو فلسطين كما قال، واحتفاله الدائم بالحياة جعله أكثر قناعة بضرورة تبيان الصورة الحق، أو الإسهام في تصحيح الخطأ على قدر المستطاع، ميشال خليفي سألته آنذاك أي قبل عشرين سنة في إطار حوار صحفي هذا السؤال، إذا كان شرط الإبداع الحرية، فكيف إذا كان نص المبدع يتعلق مباشرة بالحياة اليومية للناس وتحديداً عبر السينما وفي وطن محتل وفي مناخات القمع والاضطهاد والإبعاد، قال لي آنذاك: أعمل كالذي يمشي في حقل من الألغام، وهو كذلك فقد تابع ميشال خليفي هذا المسار في حقل ألغام تعددت مصادره بعد حصار فكري آخر وتكفيري يطال المبدعين عامة، وفي كل مرة ينجو بعمل وربما كان عرس الجليل الأكثر جرأة والذاكرة الخصبة الأكثر تحدياً ومعلولا صورة على جدار المسنين وصورته دائماً هي فلسطين وطن أكثر بهاءً وحرية، هذا مشروع الحياة الذي عبّر عنه ميشال خليفي.
أعماله هي هوية بالنسبة له وجواز سفر وبطاقات بريد وعناوين ورسائل حب ومواقف وشهادات سمها ما شئت، ولكن على أرض الواقع لا بد من وثيقة تسمح للمرء أن يعبر الحدود، لا بد من جواز يبرزه على المعابر ولدى السلطات، لكن جواز السفر لا يعبر دائماً عن الهوية ولا عن الانتماء ولا عن رغبات المهاجرين والعائدين ولا عن أحلامهم، جواز السفر الحقيقي هو إنسانيتك كما قال ميشال خليفي.
كثرٌ الذين تمر أعمارهم خارج أمكنتهم الأولى ويبقى حنينهم بوصلة سلوكهم طيفاً يلاحقهم وكأن مطارحهم الأولى تسكنهم إلى الأبد وشعورهم بالغربة لا يمحوه مرور السنين، بروكسل وطن ثاني بالنسبة لميشال خليفي لكنها لم تكن البديل الدائم أبداً فلا بديل عن مطارح البدايات مهما كانت الإغراءات ومهما اتسع الفضاء، الأمر هكذا بالنسبة للكثيرين حتى لو كان الشقاء سمة الطفولة، ميشال خليفي رغم كل هذه السنوات تلتقيه مرة أخرى عابراً في هذه المدينة.
هذه الهواجس قد يستشفها المشاهد في أعمال ميشال خليفي الذي تزداد قناعاته يوماً بعد آخر بضرورة التفكر بجدوى العنف في مواجهة العنف، بين بروكسل وفلسطين تركتُ ميشال يجوجل بعض أفكاره لتكريم الناصرة بعمل يليق بالذاكرة وبالوطن فلسطين.
روافد مع المخرجة المسرحية نضال الأشقر
كانت ملكة ثم جارية من نيسابور، وكانت شقية ومتمردة وعاشقة، لها أسماء كثيرة وشخصيات متعددة تطل بها عليك. شجرة الدر، تمارا، زنوبيا، وسيدة فرنسية، هي بكل أحوالها امرأة من هذا الزمان.
نضال الأشقر لا بد أن اسمها من اختيار الوالد أسد الأشقر زعيم ومناضل قديم في الحزب القومي، من الواضح أن نضال لم تخرج من معنى ودلالة الاسم ولا من عباءة الوالد، إذ أنها ورثت منه فكره وأحلامه، واستمرت مناضلة على طريقتها الخاصة تشاغب وتصنع مشهدها.
نضال الأشقر هي ابنة عائلة فكرية وسياسية، والدها أسد الأشقر كان ركناً أساساً من أركان الحزب السوري القومي، يبدو أنه طبع نضال بفكره وبحياته وبحكاياته حراً وسجيناً، كذلك إخوتها سلكوا الدرب نفسه. وإذا كان الولد سر أبيه كما يقال فالبنت أيضاً سر أبيها، فلقد اكتسبت منه خصال الحرية والاختلاف والجرأة والتمرد كما تقول، كذلك العناد والمثابرة. وكان من أوائل المشجعين لها على دراسة التمثيل والمسرح، فكيف بدأت تلك الرحلة؟
وربحت عمتها الرهان وطلع كتير أشياء من نضال ابنة ديك المحدي التي تعني بالسرياني التلة الجميلة، ولكن هناك حكاية أخرى عن اسم القرية. تقول: إن امرأة كانت تقتني ديكاً مشاكساً كان يقضي في كل صيف على موسم العنب في العريشة اليتيمة، فقررت المرأة حدي الديك وحدته كي لا يستطيع التسلق ثانية فربحت رهانها، وصارت تسمى القرية باسم ديكها المحدي، من هذه الحكايات جاءت نضال، جاءت من حياة عائلة تشتت في المهاجر، ومن حكاية الأب والعائلة التي كان لها أيضاً رهانات وأحلام.
على مدار ما يقارب النصف قرن راكمت نضال الأشقر تجربة غنية في المسرح والسينما والتلفزيون، وأيضاً في المهرجانات محلياً وعربياً، ارتبط اسمها في الستينات في محترف بيروت، حيث قدمت مع روجيه عساف العديد من الأعمال نذكر منها: المفتش العام، مجدلون، كارت بلوج، وإضراب الحرمية. وقد شكلت تلك المرحلة نقطة انطلاق أساسية لمسيرة تنوّعت وتشعبت على عشرات الأعمال تمثيلاً وإخراجاً وإعداداً. وإذا جاز اختصار تلك التجربة بمحطات أساسية يمكن البدء بمحترف بيروت، ثم بالإطلالة العربية عبر فرقة "الممثلون العرب" مع الطيب الصديقي وذلك بافتتاح مسرح المدينة بصيغتيه القديمة عام 1995 في كلمنصو والجديدة في السرولا عبر نصوص لسعد الله ونوس وأمين معلوف، وكان مسرح المدينة نقطة ضوء ساطعة على مدار خمسة عشر سنة صاخبة بالعمل والإنتاج. بالطبع إضافة إلى أعمال أخرى هامة منها تحت إدارة فؤاد نعيم مخرجاً في البكرة والمتمردة والحلبة، ومع ريمون جبارة وشكيب خوري وعشرات الأعمال التلفزيونية نذكر منها: نساء عاشقات، وتمارا، وزنوبيا، وشجرة الدر، والمعتمد بن عباد، وحرب البسوس وأعمال أخرى عديدة. نضال الأشقر في كل أحوالها وإنتاجها هي ابنة جيل أثرى الحياة المسرحية والثقافية في لبنان، مناخ الستينات، زمن الصعود، والأحلام، والأمل.
نضال الأشقر صنعت صورتها بمهارة ومثابرة وعناد. يبدو أنها كانت تعرف ماذا تريد وساهم المناخ والعائلة والحزب والأصدقاء في شحذ همتها ودفعها نحو الهدف، عندما يذكر اسمها تحضر صورتها صبية مشاكسة على أواسط ستينات القرن العشرين على خشبة مسرح بيروت في المحترف الذي أسسته روجيه عساف وشلة من أصدقاء ذلك الزمان، ثم ويكر شريط طويل من حضورها في شخصيات عديدة لعبتها. قد يختلف الرأي حول شخصيتها وأعمالها، ولكن لهذه السيدة تاريخ طويل وتجربة غنية مرفودة دائماً بالأمل وبالحيوية هي نضال الأشقر.
2012-02-04
شــهيد الصبــح يشــيع شــهيد المســاء
حملوا حجارة على ظهورهم عند الظهيرة،
بنوا سلما طويلا طويلا نحو الله،
صعدوا اليه واحدا واحدا،
مثلما قتلوا واحدا واحدا،
وسألوه بعتب:
الهي،
كيف تركتنا وحدنا نهبا للوحش في الغابة؟
وكنا عراة ننشد لهاء اسمك،
نرفع على أكفنا طفلا قتيلا وسحابة!
الهي، وكنا ذهبنا الى معرة النعمان، الى قبر سيدنا ابي العلاء لندفن في جواره قتلانا، وفي الدرب كنا نقرأ من سورك سورة الرحمن ورددنا:
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحكا من تزاحم الأضداد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد.
ثم وبكينا من وجد حين وقع الصمت علينا، مشينا الى ليل البيوت نستدل بنجم في قبتك، نجم غارب كالروح.
الهي،
كيف تركت أطفالا كتبوا اللعب على الجدار، أن تسحب أصابعهم من الرسغ وينتشي من صراخهم الجلاد،
وأنت الذي أشرت بسبابتك للكون كن فكان!!
وكان، قد رسموا ظلالهم على الضحى، تسلقوا الظهيرة ليصلوا الى البيت، شاغبوا وهربوا من صف النشيد.
الهي،
كيف تركت منشدا، اقتلعوا منه الحنجرة، كوتر يقطع عن صدر الكمان!
أرأيت إلهي قوسا ينشج دون وتر؟
من اين تخرج هاء اسمك، إن أراد مناجاتك القتيل على آخر الروح؟؟
من أين تخرج هاء اسمك كي تعلو نحوك في السماء؟
وأنت في سابق علمك، انها صرّة الحروف وسرّ الغناء،
هاؤ (ه) تشبه قطرة ماء أو دمعة كرجت على خد ملوح بشمسك!
قالوا: إن المطر الذي بلل خدّ امه يوم قتلوا صبي درعا ليس مطرا بل دمعك!!
وقالوا، بكيت وأجلت العقاب إلى يوم القيامة! هكذا قالوا عن تلك السحابة التي حامت فوق النعش، وعندما انتحبت الأم على التراب وارتمت على القبر، قرأوا في السحابة اسمك.
أما ذاك الصوت الذبيح الذي شج الليل، فهو آخر من أهلي كان عائدا بقطيعه على المساء... تسلوا بالبهائم، قتلوها قتلوها، فبكاها الراعي، وظل ينشج حتى جف ماء النهر.
الهي،
كيف تركت البهائم تقتل في عرائك؟
وهي، لا سبب لها
ولا نسب
ولا حسب
حسبي انت، كيف تركت وجهي يداس بالنعل؟ وانا عمري كله حاف... حاف... حاف من عتبة بيت أهلي حتى آخر الدرب!!
حاف كالخبز الذي أقتات به تحت سمائك،
يابس حلقي كقش الدغل وجسدي إناء.
كيف تركت وجهي يداس بالنعل؟
وملامح وجهي هي رسمك!
سوريون حملوا قتلاهم على ظهورهم عند الظهيرة،
مشوا الى العواصم سألوا أهلها، ألديكم مقبرة كي نخبئ قتلانا؟
فالبلاد حيث ولدنا وقتلنا صادرها الحزب، كلما دفنا واحدا منا على الصبح يعيدون قتله على المساء، فصار،
شهيد المساء يشيع شهيد الصبح، وشهيد الصبح يشيع شهيد المساء!!
سوريون،
جاؤوا بيروت، لفوا بخبزهم الحاف ما حملوه في زادهم من سهل حوران،
خبأوا تحت رموشهم، شيئا يشبه الحزن،
رأيتهم يرسـمون بجبينهم حدود الصبح، وفي ظهيرة التعب يبردون بعرقهم قرص الشمس.
وفي العشية يشعلون جمر الحنين،
بين حمص وحماه نعى غراب البين
يمي العمر غفلي متل رمشة العين
يا طير سلم عهلي حملهن دمعتين
دمعة عخدك حماه ودمعة لبعدين.
شهر آخر من القتل
لا اعرف ماذا سيحدث غداً أو بعد لحظة من انتهائي من هذا المقال الذي بدأته الساعة الخامسة بعد ظهر يوم السبت السادس من آب (أغسطس) 2011, لعلني كسائر الناس المعنيين بما يحدث في عالمهم أتابع على شــاشات التلفزة آخر العواجل. مجزرة في حماة وملــيون ونصــف مليون جائع في الصومال يتناقص بفعل الموت ويزيد بفعل تمادي الجوع في عالم ترمى أطنان من موائده الباذخة في مكبات النفايات في الأشهر الحرم ولعلها تتضاعف على مدار الشهور الأخرى لانتفاء الرادع! ومن العاجل أيضاً: مصير حزين ينتظر الأسد كلام منسوب إلى الرئيس الروسي وبيانات شجب هنا متأخرة ولغو وتردد... أما الصور التي يلتقطها بعض الناس في غفلة من القاتل فهي وصمة عار على هذه الصفحة من كتاب التاريخ وعلى جــبين العالم، القتلة يقطعون الأوكسيجين عن أجنة في المحاضن فيقضون اختناقا، يا إلهي. كيف يعود القاتل إلى مائدته والصامت إلى إفطاره وحليف القاتل إلى صلاته وتراويحه؟
لا أعرف. ربما يطلع الجيش في سورية ببلاغ رقم واحد، ويتحول من قاتل تديره عصابة إلى منقذ مثل شقيقه المصري والتونسي. هذا ممكن في الواقع وحدث في التاريخ، أما أن تمطر في الصومال ذهباً وخبزاً، وتنبت بمعجزة بساتين مثمرة وتتحول الأسرة الدولية إلى أسرة متحابة عادلة أصيبت بالرحمة فجأة ونبذت العنف واستأصلت أسبابه، واتفقت على توزيع ثروة الكوكب بالعدل على الناس، بالطبع هذا يأتي في باب الأمل، أمل إبليس بالجنة كما يقول المثل الشعبي، وهذا الإبليس لا يشبه إبليس صادق جلال العظم في كتابه «نقد الفكر الديني». وبالتالي هو أمل مَن مثلي أيضاً، أمل العاجز عن فعل شيء عملي في مواجهة القتل الذي يمارسه بشري له اسم رحيم لا يعكس فعل القتل، وآخر له اسم مرعب، الجوع، لذلك الجأ لأسباب العجز فقط إلى الكتابة كنوع رديء من المواجهة الشخصية مع من أذلني.
لا ادري ولست في الموقع الذي تتسرب إلي معلومات من الذين بيدهم مصير العالم ومصيري، والذين بغالبيتهم على ما يبدو لا يقيمون وزناً للموت الناجم عن القتل أو عن الجوع إلا في سياق حسابات تعني مصائر دولهم وشركاتهم. أنا شخصياً استطيع توصيفهم بما يليق بموقفهم، استطيع القول انهم فاقدو الأخلاق وبعضهم عراب للقتلة وبعضهم قاتل. أما هم في التداول اللفظي والكتابي فرؤساء وحكام ودول على هوامشها منظمات تجميلية لسلوكها، كمنظمة حقوق الإنسان وسواها. ليس هذا ما أريد الوصول إليه، الذي أريد قوله إن أشياء كثيرة قد تحدث وتتبدل وأنا بصدد هذه الكتابة: قتل إضافي ومجازر إضافية وكلام شجب إضافي وضغوط إضافية لعل الأمور تذهب إلى حيث يرغب القاتل في ان تصير، اقتتال الطوائف ليبرر أسلوبه في القمع مراهناً على وقت يكسبه للمزيد من الفتك، ما يضمن احتمال بقائه لانتقاء البديل. أشياء كثيرة لم تكن في الحسبان ممكن حدوثها ومواقف كثيرة قد تتبدل، ما عدا قناعتي بأن السجون التي بناها المستبد المدني بكل أشكالها، سيعيد بناءها مستبد ديني تسرب مع الثورات والذي بشكل ما هو من نتاج سلفه، أو على الأقل تعاظم شأنه في زمن سلفه كضحية من جملة الضحايا، أو جعله بمكر، نموذجاً معلباً ومضبوطاً كان يهدد به حين تلوح في الأفق بوادر تغيير يهدد بقاءه. وكان يظهره في مواجهات يفتعلها بخاصة في الحروب اللبنانية. إذاً هذه السجون سيعيد بناءها مستبد ديني إذا لم يتم الخروج من السجن القديم الذي لا نوافذ له سوى على الخرافة والغيب. هو سجن العقل الذي سجانه غير مرئي وإن تجلى بملتح هنا أو بعمم هناك. لذا التعامل معه يستدعي جرأة مضاعفة بالقياس إلى جرأة المنتفضين الذين يواجهون بلحمهم الحي الدبابات، هي جرأة العقل في التمرد على سجانه.
وعد العاملون في الكهنوت الناس بالجنة تعويضاً عن العوز المهين في الدنيا وارتضى بعضهم هذا الوعد إرضاء للرب في امتحانه لعبده. وحين جاء حزب البعث وعد الناس أو الجماهير في المصطلح الحزبي، بالجنة على الأرض مع مفعول رجعي لمن ينتسب. تأجل قيامها بفعل الانصراف القسري للقضية الكبرى تحرير فلسطين، وما يتبعها من منازلات مع الإمــبريالية العــالمية، وما يمليه ذلك من الانخراط في جبهات كجبهة الصمود والتصدي وصولاً إلى دول الممانعة وكلها تسميات تشبه الصفة المشبهة بالأفعال، لا فعل فيها سوى الاجترار. وارتضى الناس هذا التأجيل ليس إرضاء للحزب بل لأن كل معارض لأولوياته يصبح نزيلاً في اول صرح بناه في جنته الأرضية وهي أقبية التعذيب.
ولزمن طويل كان الناس ضحايا هذه الوعود، السماوي منها والأرضي، سلبوا أدنى حقوقهم في العيش، حتى في حدودها الدنيا. وهذا الصبر الذي بدوا عليه لنصف قرن، لم يكن سوى صمت من لا يجرؤ على الصراخ لإدراكه أن ثمن صراخه سيكون أكثر ألماً من الآم القهر. لكن هذا القهر الضاغط يومياً حتى الاختناق أدى إلى هذا الانفجار. وما حدث هو أشبه بجمر مدفون تحت الرماد توهج في العاصفة وأشعل الحرائق، وهذا يعني أن الخروج بدأ ولم يعد من خيار سوى مواصلة هذا الخروج من نفق طال المكوث به. وأيضاً لهذا الخروج أثمان باهظة، فالذي مكث في السجن خمسين سنة سيتعثر كثيراً في طريقه إلى الحرية وقد يخسر الكثير في رحلته هذه، ما عدا كرامته وأمله وانتصاره على الخوف.
كل هذا في باب الكلام الذي يسعى لمواكبة هذا الخروج العظيم من «الألكتراز» الذي سيكون ثمنه باهظاً لأن السجان سيذهب إلى آخر الاحتمالات الدموية كي لا يصبح هو السجين.
لذا ليس من خيار أمامه سوى الإمعان في القتل لأن القتل صار دفاعاً عن بقائه. كل الكلام عن تسوية أو إصلاح، أو حوار يشبه الرهان على الماء في السراب. فالسجن لا يصبح منتجعاً بعملية إصلاح يقوم بها السجان ولا هو يصبح مديراً لفندق بسبعة نجوم نتيجة لرغبة دولية أو إقليمية، ولا المــساجين سيصبحون وفداً سياحياًَ جاء للاستجمام. فالذي يراهن على ذلك أو يأمل بذلك هو تماماً يعطي فرصة إضافية للمزيد من القتل. انه كالذي يراهن على الماء في السراب، إلا إذا حدثت معجزة وتآخى الذئب والغنم، وهذا اقرب إلى الحدوث من الرهان على نظام لا نظام فيه سوى سلطة العنف، ولو كان هذا الخيار ممكناً لبقي الاتحاد السوفياتي حين بدأ غوربتشوف البيروسترايكا ودامت آجال أنظمة مشابهة.
نحن المراهنين على الأمل لا نعرف ماذا يجري في كواليس الدول وما هي لعبة الأمم التي غالباً لا تخضع لمعايير أخلاقية أو إنسانية. فحساباتها غير حسابات كاتب مثلي مدفوع بالألم وبعدم الرضا عن هذا الخلل المعيب، وإلا لما كانت تعاملت تلك الأمم مع هذا المستبد أو ذاك لخمسين سنة، واقتضت مصالحها الآن تحديداً أن يصبح مستبداً ومارقاً وقاتلاً وكل هذه النعوت كانت متوافرة فيه ولكن المصلحة كانت تقتضي أن لا ترى.
الآن، وبعد مرور شهر كامل أعود إلى هذا المقال، في تمام عصر الــسابع من أيلول (سبتمبر)، فكرت أن اعدل بعض التوقعات وأضيف بعض المعلومات فلم أجد ما يستحق التعديل أو الإضافة. كل ما استجد خلال شهر هو كما ذكرت، المزيد من القتل، المزيد من الموت والمزيد من إذلال الناس وابتكار وسائل جديدة للمهانة. الجوع يواصل اغتيالاته في الصومال والقتلة يواصلون القتل في سورية والقذافي يواصل عرضاً خفياً لمسرحية دموية دامت أربعين سنة وعلي عبد الله صالح يزاول نشاطه رئيساً أحترق جسده ولم تحترق شهوته للسلطة، والعالم يتفرج، يهمهم، يلغو، يجتر كلاماً فقد دلالته، بحيث يبدو ضحلاً ومفضوحاً أمام همجية القاتل واستبساله.
لا ادري ماذا يحــدث غــداً وماذا تحمل الأيام المقبلة. وماذا يرسم في كواليس الأمم. لست متيقناً من شيء سوى مزاولة احتجاجي ضد المستبد وضد أوهامه بكل أنواعها الأرضية والسماوية.
لم أتوقع شيئاً من العالم أكثر من ذلك ولكن كان من المجدي أن تحل الجامعة العربية نفسها وأن تصرف موازنتها لإنقاذ الجائعين في الصومال. وأن يفكر الشباب العرب بهيئة أخرى تفرق على الأقل بين القاتل والضحية. أظن أن كرامات الناس تستدعي هذا العاجل وترفض هذا المعيب. كيف تحاكم مصر نظامها ورموزه وتقبل بجامعة عربية على أرضها، هي صورة عن نظام عربي فاقد للشرعية!.
صمتكم يقتلنا
قالها الشعب السوري، قالها بكبرياء الفارس الجريح، المطعون في الظهر.
ليس أبلغ من هذا الوضوح، ليس أبلغ من هذا الاتهام. صمتكم يقتلنا. قالها الشعب السوري، اختصر كل ما نكتبه، اختصر كل الكلام الذي يبقى ناقصاً وفاقداً المعنى في هذا الوضوح، الكلام الكثير الذي لا يقول شيئاً.
اختصر الشعب السوري كل اللغة واتهم الناطقين فيها أولا، إنهم خذلوا دمه، خذلوا أصابع أطفال درعا، وحناجر اقتلعت لأنها هتفت للحرية.
صمتكم يقتلنا، نعم هو اتهام واضح، لأن الصمت شراكة في القتل، شراكة متوارية، ليس أقل، وقد تكون أكثر فتكاً وألماً لدى من يحمل قتيله ويلتفت إلى الوراء ويجد نفسه وحيداً يمشي في جنازة أخيه وصديقه وابنه.
قالها الشعب السوري وجاء ببرهانه، لكأنه يقول: هذا دمي اشهد هذا دمي، فمتى تشهد؟ إذا لم تشهد الآن ما معنى قلمك وشعرك وأدبك وتحليلك؟ ما الحاجة إلى سفاراتك وسفرائك وديبلوماسييك وجامعتك العربية التي هي الآن شاهد زور على دمي؟ إذا لم تشهد اليوم أنني أقتل فما حاجتك للغة؟ ألتمدحَ القاتل؟ ما حاجتك للكلام إذاً حين يطلب منك شهادة أنني أذبح وتخرج على الشاشة لتبرئة قاتلي؟ أنت الآخر الحداثي الذي صرفت أطناناً من الورق وأنت تنظّر للحداثة وكتبت البيانات لمناصرة شعوب الأرض، أليس التحرر من الاستبداد تجلياً من تجليات الحداثة؟ أنت الشاعر الذي استنزف اللغة لصورة بقيت رمادية في المعنى، ألا ترى أنه ليس من رمادي في الدم، وهذه هي القصيدة الآن؟ فمتى تشهد أننا نكتب الحرية كما الشعر بدم حقيقي، وليس بالحبر؟ وأنت أيها المقاوم الثوري وأيها المثقف الثوري ما الذي جعلك غريباً مني وعني؟ ما الذي جعلك في صف القاتل وكلانا القتيل وكلانا الشهيد، من زوّرك؟ لِمَ لا تشهد لشهادتي؟
نعم، أظن أن هذا هو التفسير الوحيد لهذا المبتدأ والخبر. صمتكم يقتلنا. وإذا لم تصدقوا اللغة، هذا دمنا في البلاد يوم أحد، وإذا لم تروا دمنا في يوم الأحد، اسمعوا، هذا صراخ قتلانا يوم جمعة والسبت للجنازات، وإذا لم تسمعوا فهذا الساخن على جبينك هو دم وليس مطرَ آب، وإذا لم تحسه، فاعذرني لم أنتبه أنك ميت، انتبهت أنك ميت من نتانة صمتك!
تمتمات كأنها تأتي من الغيب هنا، ونصف صوت، أو موقف هناك. كله يأتي في الصمت، وكله يؤسس للقتل وهذا ليس بحاجة لتحليل لأن البرهان واضح بوضوح الجملة التي لا تؤوّل ولا تحتاج لفقهاء أو ألسنيين. فالصمت على القتل هو تشريع له وللهمجية، هذا ما قاله المشرعون لحقوق الإنسان وهذا ما قاله المشيعون الذين يودعون في الجنازات الجماعية قتلاهم. وهذا ما تقوله الأمهات اللواتي ينظمن للأبناء مواقيت النزول إلى التظاهر وفي كل يوم واحد من أفراد العائلة، حتى إذا ما عاد أحدهم قتيلاً يبقى في البيت من يحرس الأيام المقبلة، يبقى من يأتي بالخبز. وهذا ما أتخيله من حوار بين الأمهات وهن يرجون الأبناء أن لا يخرجوا إلى القاتل، لكأنها القصيدة التي كتبها حسن عبدالله عن أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهداً، أظن أن حسن كتب للأمهات اللواتي انتظرن عودة الأبناء من جبهات المقاومة مع إسرائيل. ترى ما الفرق بين قاتل وقاتل؟ بين شهيد وشـــهيد؟ هل اللغة تحدث فرقاً؟ هل القتل بيد تكتب لغتي هو نوع من التأنيب لا يستدعي شهادة ما تأتي في الشعر أو في التحليل أو في الفكر؟ والقتل بيد تكـــتب لغة أخرى هو فعل همجي؟ هنا أسال الشعر والشعراء والمثقفين والحداثيين والتراثيين الذين أفنوا أعمارهم في البحث عن معنى، عن خروج من فكرة الكتاب الواحد والحزب الواحد والزعيم الواحد. أليست هذه الثورات بداية الخروج من هذا النفق؟ لكأن بعضهم في غيبوبة وبعضهم في غياب، وبعضهم يقوم في مهمته مثفقاً للسلطان وهذا أوضحهم... هذا ما يقوله القتيل، صمتكم يقتلنا.
أما في الكلام عن المستبد، فيبدو أن المستبد دائماً يخطئ الهدف، ويظن أنه هو الاستثناء، لكنه في زمن سقوطه يكرر خطأ شبيهه في كل مكان، يتهم شعبه بالتآمر حين يخرج شعبه مطالباً بكرامته، وبحريته، ويحشد الكتبة والمثقفين المقاولين و بعض مطربي المطاعم والمدّاحين والكوميديين إلى ما هنالك من كومبارس لتصوير «الفيلم» حيث يبدو فيه كأنه غرامشي، ويصوره بعضهم إسرافاً
في التماهي مع الدور، ضحية، ثم يمضي هذا الضحية إلى المهمة الوحيدة التي يتقنها بمهارة عالية هي الاستبداد بدءاً من إخفاء الصوت الآخر إلى القتل وإخفاء الجثة.
و كثيراً ما تكتب فيه القصائد، أكثر من الشهداء، وتكتب في فكره أطنان من الكتب، وبعضهم من غيرة أو طموح مفرط، يعلن نفسه شاعراً أو روائياً أو مفكراً وتعقد من أجل إبداعه الندوات والمؤتمرات... وحين يصبح في المأزق وفي الحفرة، أو تضاف عليه صفة ما، كالرئيس الهارب أو الرئيس المخلوع أو الرئيس المحروق أو الرئيس المختفي أو الرئيس المشنوق، والحبل على الجرار، كما أشار القذافي مرة في الجامعة العربية. يوم أعدم الرئيس صدام حسين شنقاً، قال القذافي: بكرا الدور جايي عليكم، وأشار إلى الرؤساء، واستثنى نفسه لأنه كما ذكرت، المستبد يعتبر نفسه دائماً مختلفاً عن الآخرين ولا يصيبه ما قد يصيبهم لأنه الأعدل وفق ظنه والأذكى والأثقف والأكثر شعبية وحباً من الجماهير. وهذه للآسف تضاف إلى جملة أوهام يعيشها المستبد الذي حين يصبح في الحفرة أو ما شابهها من مصير يختفي هؤلاء المدّاحون والمثقفون أو يلبسون دور الضحية التي أجبرت على أداء هذا الدور أو ذاك، ويعتبرون أنفسهم خارج دائرة الاتهام وغير معنيين بصرخة القتيل أو بعتابه: صمتكم يقتلنا. على كل حال، التاريخ هو العدل الذي يحكم، أما الصوت الذي سيبقى يتردد صداه لأجيال فهو هذا الواضح من ألم وعتاب ولوم للذين يشاركون بصمتهم في الجريمة.
2011-12-15
النلس نيام فإذا ماتوا انتبهوا
سيدي الرئيس، تلتبس السيادة في نهاية اللعبة، ويلتبس المعنى. أليس من الأجدى لك لو انتبهت الى ان كل شيء محكوم بالنهايات، وغالباً النهايات تقع في المأساة؟
ما الذي جعلك في غفلة؟
ما الذي جعلك في الغياب والغفلة؟ الاستئناس بما أنت عليه؟ والخوف من الشعور بالحسرة في ما لو تخليت لغيرك؟
لكأنك لا تصدق أن أشياء أخرى غير العمر تأكل من الحضور، وهي أشد فتكاً من لعبة الزمن في حال كان المرء في موقع يستدعي شيئاً من العدل والحكمة والتبصر، هي نفاد صبرالناس على فقدان هذه القيم واستفحال نقيضها.
لا أعلم ما الذي ينتظره الحاكم من شعب حوّله إلى قطيع أو أراده كذلك، ومن دون مرعى، وجعله في العوز والظلم، وقاده بأجهزة وظيفتها الأساسية إبقاء القطيع مطيعاً ومنتظماً في عرائه، وكل من يطل برأسه محتجاً تدبر له نهاية عاجلة لإسكاته. ماذا يتوقع في نهاية اللعبة؟
هل يتوقع ان تأتيه الناس بالزهور وتنشد له في عيد مولده أو عيد توليه ما يجعله في نشوة إضافية؟ او إنهم سيطالبون في حال إصابته بالزهايمر نتيجة العمر المديد باستنساخ بديل أو توريث البكر؟
ما الذي يتوقعه رجل أعلن نفسه قائداً ذات يوم بانقلاب أو ما شابه منذ عقود، وجعل شعباً بكامله في الأمية وتوج نفسه عبقرياً ونابغة وباركته فصائل من الكتاب والكتبة والمصفقين، وأمعن في شد الوجه ومقارعة الشيب واعطاب الترهل، حتى ظن مراراً، كما تروي الحاشية، انه التبس على نفسه وظنها آخر متآمراً جاء لينقلب عليه، فسدد مرة صوب المرآة مسدسه وأطلق، فتشظى الوجه في المرآة. هكذا هرع الحرس وساد الهرج والذعر قبل ان يبادرهم بالقول انه ظن نفسه في المرآة رجلاً يريد قتله فعاجله وأعجب البعض بسرعة الرمي والمباغتة؟
ولشدة ما يطول بهم المقام ولفرط العمر الذي أمعنوا في التوغل به، يظنون أن الناس هم الذين تدخلوا لإطالة الإقامة والعمر. الإطالة الأولى هي في نتائج الانتخابات التي تجعلها الأجهزة في منتهى الوفاء والنزاهة! والإطالة الثانية في العمر هي نتيجة تدخل الناس لدى الله بالدعاء المتواصل والصلاة كي يطيل من عمره لأن البدائل معدومة، وبغيابه ستذهب البلاد إلى الخراب العميم. والعجب أن معظم هؤلاء الحكام يعلنون نيتهم بدء الإصلاحات في نهايات أعمارهم وسلطتهم وكأن كل السنين التي أمضوها في الحكم كانت سنوات عدل ورخاء ورفاهية وفيض من الحريات العامة وانتظام العمل المؤسساتي بأداء مذهل، وأنها لا تستدعي أي إصلاح او حتى تقويم. والأعجب انهم في نهايات أعمارهم في السلطة وفي الدنيا، يحددون مهلاً بالأيام لتحقيق مطالب عمرها عشرات السنين ويعدون بتنفيذها العاجل ويتوعدون من يتأخر في تنفيذها بالمحاسبة الشديدة والعقاب. ترى، أين كانوا قبل وقوع المأساة التي غالباً تذهب بهم الى المهانة والذل كما حدث في العراق وتونس و...؟
ولماذا لم يبدأوا ما وجدوه محقاً وضرورة للاستقرار، قبل فوات الأوان؟ هل هم فعلاً في غفلة؟ أم إنهم يظنون ان تجويع الناس وقمعهم يجعلانهم أكثر رضوخاً وإذعاناً وطوعاً وتبعية؟! وهل يعقل ان يصدقوا هذه الأفكار البائدة؟ ام انهم اصبحوا في حالة مرضية تجعلهم في حالة من الهلع والتيه عندما يفكرون، ولو من باب التفكير فقط، انهم سيغادرون مواقعهم ذات يوم فيزداد تمسكهم بها، ويرتفع منسوب الرعب كلما شعروا ان اجل المغادرة قد حان، وهذا ما يجعلهم في حال من الاستماتة في الحفاظ على الحال، حتى لو اقتضى الأمر بعد تجريب اساليب التحايل وتمرير الوقت، القمع الدموي وحرق لبلاد بأهلها ووضعها في المجهول... والتاريخ الحديث مليء بهذه النماذج الدموية؟ وهنا لم يكن من باب الصدفة اوالإجحاف ان تحدد ولاية الرئاسة في البلدان الديموقراطية بمهل لا تسمح للاستئناس الطويل بالمنصب وتحد من من إمكانية الوقوع في حالة مرضية او من احتمال العدوى بها. سنوات قليلة لا تجعله في أسف أو حسرة أو مرارة...
أما غالبية هؤلاء فتتدرج في سلوكها نحو الألوهية حتى تتماهى بالإله وتظن أن غالبية الناس لا تعلم! لذا تنتشر صورها وأقوالها كالقديسين والأنبياء، وتأتيها التقارير من أرض الناس إلى كراسيها العالية في سمواتها الموهومة ان الشعب يسرف في الصلاة من أجلها لما هي عليه من رخاء وعزة وفائض في الحرية!
اما في احوال الشعب أو ما يسمى بالجماهير في قواميس الأحزاب االثورية، فتراها يوماً بعد آخر خلال سنوات الظلم، منهم يذهب الى اليأس بعد اكتشافه خواء الشعارات، والبعض يزج به في السجن إذا تمادى في إطالة اللسان وفي الاحتجاج، هذا إذا لم يقطع لسانه كما فعل الكثيرون من قادة الأمة بقطع الألسنة المشاغبة على صفاء الحكم والمعكرة له، والبعض يتوجه الى المنافي إذا توافرت له الإمكانية ووجد سبيلاً للخروج، والغالبية تلجأ إلى الله، وينتبه اليها من وظف الله من أجل مشروعه السياسي فينهال عليها بوعود الدنيا والآخرة... وهل من أحد لا يصدق وعود الله (وطبعاً على لسان ممثليه على الأرض) التي تصبح هي الشعارات البديلة، تصبح هي الخبز والحرية والعدالة.
وهنا في نهاية اللعبة تختلط الأمور في اللحظة التي يخرج فيها الناس من حالة الغياب أو الصمت أو الخوف، أو أي سبب آخر، في حال فكرنا في المؤامرة. وينتبه الحكام إلى أن سفينتهم جنحت في الأمواج فيلجأون إلى الحلول الأخيرة حتى لو اقتضى الأمر التخفيف من الحمولة، والحمولة في سفن الحكام هي من البشر، مثلما فعل أيضاً بعض «قادة الأمة».
والسؤال الذي في منتهى البساطة: ألم يكن بالإمكان التعلم من دروس التاريخ؟ ام ان الناس تعلموا من التاريخ ألا يتعلموا؟!
2011-07-28
يوسف العاني
الطحان يوسف هو يوسف العاني ابن أرض السواد، وحسب ما يُروى في العراق ولد سنة 1927، جاء من مصدر تواشج أعراق النخيل والشجر، وهذا فعلٌ سمّاه المؤرخون العراق، مثلما سمى يوسف نفسه في حكايته الأولى الطحان يوسف، والتي توالدت حكايات وحكايات ودار رحى الطحان الصغير لأكثر من 70 سنة، كم أنت جميلٌ أيها الطحان الذي على ما يبدو ما استطاع رحى الدهر والحروب والأيام أن يغلب قامة المبدع الذي فيك، بل نما.. نما كبذرةٍ زُرعت في أرض البيت العتيق، ونمت نخلةً باسقة تظللت لاحقاً بسعفها، هناك.. هناك يروى أنك ولدت ذات صيف على سطح تلك الدار بعد أن حملت فيك الوالدة 11 شهراً، هناك وسط مدينة الفلوجة التي يجرشها رحى الحروب، وفي بيتٍ متواضعٍ بسيطٍ ولدت ذات صيفٍ من عام 1927 مهيّأً لولادات أخرى ربما لانتباهك إلى اختلافٍ أصابك أو رغبة غامضة ألا وهي الموهبة التي سيّجتها وحميتها وسقيتها سنةً سنة وحصنتها بالمعرفة لتسعفك على الاحتجاج وربما على الخلاص من التيه، فخشبة المسرح فضاءٌ آخر للحرية، وربما أدركت ذلك مبكراً فذهبت إلى الناس في أحيائهم البائسة لتسعفهم على الفرح قليلاً وتخفّف من شقائهم وبؤسهم قليلاً.
لقد ذهبتْ الحرب بأشياء كثيرة بالبشر والحجر ولم تُبقِ على شيء حتى على الذاكرة أحياناً، وعندما سألت يوسف العاني عن صرخة احتجاجه اليوم ضد هذا الموت، روى لي أنه خلال الحرب فقد من جملة الأشياء الحميمة دفتر يومياته والذي بدأ بتدوينه منذ عام 1948 سنة نكبة فلسطين، لقد احترقت، هكذا قيل له في دائرة السينما والمسرح حيث كان مديراً لها، احترقت الدائرة كما الكثير من المؤسسات الرسمية وسواها وضاع دفتر اليوميات، وذات يوم بعد سقوط بغداد جاءه مخرج شاب، وطلب منه المشاركة في فيلمٍ وثائقي عن الحرب ليلعب فيه دور الراوي أبو شاكر، وخلال تصوير الدمار كانت تجول الكاميرا هنا وهناك لتلتقط مشاهد الخراب، فبان في زاويةٍ من زاويا مكتب يوسف العاني وفي بقايا الخراب دفترٌ أسود كتب عليه: أيامي يوسف العاني 1948، كان ذلك بالنسبة ليوسف أثمن من كنز، أو هو الكنز المفقود الذي عَثر عليه، أما صرخة احتجاجه كما قال كانت في الفيلم الذي وثّق للهمجية والخراب والقتل.
يقول (حميد المطبعي) في موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين وفي جزءٍ خصصه عن يوسف العاني يقول: حينما وقف يوسف العاني في مهرجان قرطاج المسرحي سنة 1985 ليتوّج رائداً من رواد المسرح العربي والأفريقي بكى من فرح ماضيه، إذ تداعت أمامه وفي لحظةٍ عابرة صور الماضي كلها، كيف نسج من ماضي الشعب قصة كفاحه الطويل، قصةً بدأها منذ منتصف الأربعينات من مسرح الأزقة إلى مسرح القاعة فإلى مسرح الإذاعة والتلفزيون حتى غدا يوسف نفسه دراما شعبية تُذكرنا بتاريخنا كله في الأربعينيات والخمسينات، وهو في نظر المنصف من النقاد فنانٌ يحترم ماضيه وحاضره، وفي نظر جمهوره إنسانٌ وطنيٌّ، فنانٌ وإنسانٌ يحترم سيرته وتراثه وكل عطائه، عرفوه فمنحوه لقب الرائد، كان هو وقليلون يبنون مسرحاً نظيفاً في شوارع مكتظة بالبؤساء، وفي مدارس وكليات تزدحم بشعارات الوطن والتحرير والمقاومة، يحرّضون وينتقدون ويعرضون صور الحال، وكان مسرحهم ينبض بالفعل والحركة، وبينهم يوسف يمدّ عنقه إلى أمام دون وجل، لأنه كان مؤمناً بقضيةٍ كان عليه أن يؤدي دوراً مزدوجاً ورائعاً، دور الممثل الفنان ودور السياسي الفنان، وفي مهمةٍ واحدة أن يكون دمه ثمن الحرية.
هذا الرجل المكلل بالشيب والسنين، قد يكون من أكثر الفنانين غزارةً وعطاءً والأكثر التصاقاً بهموم الناس وحياتهم والأكثر وفاءً، وربما انحيازه المبكر إلى الطبقات البائسة في الحياة جعله يفكر بدايةً أن يصبح طبيباً لتخفيف آلام الآخرين وأحزانهم، فالتحق بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، لكنه فشل في ذلك فذهب إلى الحقوق وبالهاجس نفسه برغبة المرافعة عن المظلومين والمضطهدين في الحياة وتجريم الظالم، نجح في القانون لكنه لم يمضِ في طريق المحاماة كخيار وحيد وأخير للمرافعة ضد الظلم وربما المنصة الأكثر عمقاً في التأثير والفعل وجدها في المسرح حيث كانت بالنسبة له المختبر الحيوي الأكيد فاختار هذه المنصة لمرافعات من نوع خاص جداً تجسدت في عشرات الأعمال الإبداعية وكانت أكثر فعالية وأكثر تأثيراً وعلى ما يبدو فاز بها بامتياز مما جعله جزءاً من ذاكرة العراق وواحداً من أبرز الممثلين والمسرحيين العرب.
المحامي الشاب في مطلع الخمسينات عرف أنه خُلق لمهمة المرافعة وعلى طريقته الخاصة فقط، وهي: محاولة إسعاد الناس وتطوير وعيهم عن طريق المسرح، فأن تُضحك الناس وأنت تدلّهم على سبب الجرح، يكون ذلك أفضل علاج يقوم به المرء وربما أجمل مرافعة، وهكذا منذ عام 1944 وحتى سنة 2004 ستون سنة لم يترجل العاني عن خشبته ولم يغبْ مرة عن دوره الذي يعتبره من المهام النبيلة التي يقوم بها الإنسان، فإن غادرها لوقت ذهب إلى الكتابة بشقّيها الإبداعي والنقدي، وله في هذا السياق حوالي 40 نصاً مسرحياً والعديد العديد الآخر من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، والكثير من الزوايا في الصحف اليومية فمن لا يعثر على العاني على خشبته أو على الشاشة يقرؤه كتاباً أو مقالاً أو ذاكرة، ويوسف العاني الذي وقف على الخشبة منذ عام: 1944م شغل بالإضافة إلى مهمته في المسرح مواقع إدارية منها: مدير عام مؤسسة السينما والمسرح، فكيف أجرى تلك المصالحة بين المبدع الذي فيه وبين الموظف؟
من غير الممكن اختزال حياة وتجربة يوسف العاني بهذه العجالة، فحياته بمستوىً من مستوياتها هي فصل من رواية ملحمية كبرى اسمها: "العراق" بين ثلاثينات القرن العشرين وبدايات هذا القرن، فإذا أردنا تبيان سيرة هذا المكلّل بالسنين والشيب والعاثر دائماً على الطريق المؤدي إلى عراقه يلزمنا الكثير من الوقت، لقد تُوّج رائداً للمسرح العربي والأفريقي منذ عشرين سنة، لكنه حتى الآن ما زال يُتوّج بنفسه المسرح العراقي والعربي بحضوره الدفّاق وثراء شخصيته وحبه ووفائه.
اكتشف المزيد عن سيرة يوسف العاني في الملف "حوار مع يوسف العاني"
2011-05-19
بأي يد أكتب يا أمي؟
بأي يد أكتب يا أمي؟ اليد التي كنت أكتب بها اقتلعوا أجزاء من أصابعها، والأصابع يا أمي، لاتعار ولا ترد، كما الأقلام! ليت أحداً يا أمي يردُّ لي ما اقتلعوا من أصابعي، وأعيره كلَّ أقلامي…
لا أعلم ماذا قال الولد لأمه عندما اقتلعوا أصابعه، لا أدري، ربما أكون أعتدي عليه في السماح لنفسي أن أتخيل حواراً دار بينه وبين أمه بعدما عاد إليها بيد ناقصة، وألم فائض، ودموع كثيرة تستقبل هذا الجسد الطري.
ماذا يمكن ان يُكتب بعد؟ ماذا يمكن ان نكتب، بعد ان اقتلعوا اصابع اطفال كتبوا على الجدار ما كتبوا، ربما كتبوا أنهم غير سعداء في هذا العالم، أو في هذا الزمن الجائر، كلام يردده الكبار عن جَوْر الحكّام كتبه الصغار على جدار... ماذا يمكن ان نكتب أيها الحِبْر؟ ايها القلم، يا يد!! من اين يبدأ الكلام؟ من أي هامش؟ اذا كان المتن لا ابيض فيه. لعلني اذا استعنت بهذا المطلع من نص للطاهر لبيب في استنباط معنى من النارالتي أكلت جسد البوعزيزي الشاب، الذي أحرق نفسه احتجاجاً على الظلم، قد أجد معنى ان أكتب عن يد عادت ناقصة إلى أقلامها! يقول الطاهر: «إلهي، إذا كان في سابق علمك ان يوجد الجحيم، فعَظِّمْ خَلْقي فيه حتى لا يَسَعَ معي غيري. قال البسطامي فيضَ مناجاة فاستجاب البوعزيزي فعلَ معاناة. ما شيَّعَ الصوفيُّ نحو السماء ردَّه البوعزيزي إلى الأرض. لم يقبل التأجيلَ إلى يوم القيامة. كان يعلم علم المعيش، ان الجحيم في الأرض، غطاه بجسده، احترق، فأخمد النار بالنار، كان هذا مُضْمَرَ فعله، لا جحيم أزلياً».
لا أدري ما الذي جرَّني الى هذا النص، ولا أدري إلى أين أصل، انما الواضح أمامي انني ابحث عن معنى، فعداني الطاهر لبيب بلغته، وكأن مفردات اللغة ينادي بعضها بعضاً، كما الطير في الشجر، لتتلقح. أو أنه اصابني بلهب ما، فاحترق العقل شوقاً للتحليق عالياً، أبعد من السموات وأقرب إلى الأرض، لملامسة رماد جسد، أو قطرة دم تيبست على رصيف سقطت من إصبع ولد ما، توقَّع أن التأنيب على ما كتبه يكون باقتلاع أجزاء من الأصابع، لأن هذا لم يحدث، ولم يَرِدْ مرة في تاريخ التأنيب المدرسي، حسب علمه، والولد ما كان يعلم ان هناك مدرسة أخرى تخرِّج نوعاً من صنف البشر لهذه الغايات الهمجية، يظنون ان الكلام يمحوه ويبطل مفاعيله بترالأصابع.
ما قرأته، وما سمعته، وما شاهدته كأنه شيء وقع في اللغة نفسِها فبعثرها وبدَّدها، لشدة ما كان كان صاعقاً وقوياً. تخيلْ فقط، نقطةَ دم نزفت مما تبقى من إصبعِ ولدٍ كَتب على الجدار شيئاً لم يعنه مباشرة، وظن ان هذا يأتي في باب اللعب، او هو شغب طفيف لا عقاب عليه، وبالتالي لم يكن بمقدور الصبي الإدراك أن الزمن الذي يعيش فيه ترقَّتْ فيه الهمجية لتعاقب الأطفال!! هذا لم يكن في علمه، ولم يكن في سابق علمه أيضاً ان أصابعه التي اقتُلعت أجزاءُ منها ستبدأ، بما تبقى فيها، بكتابة التاريخ!
تلك الصورة في قسوتها المريعة، تشبه إلى حد ما هذا الشيء الغامض الذي وقع في وعاء اللغة، فتشظت ولم يعد هناك من كلام، لم يعد هناك من مخزون كاف لوصف ذلك الذي حدث، لوصف رجل أحرق جسده لأن جحيم الارض يحتاج إلى حريق مضاد لإطفائه، أو لوصف يد تتهجى الأصابع لتعيد اليها القلم، لوصف طفل عاد إلى أمه من دون اصابع، وليس من دون أقلام...
صديقي عمر. ماذا اقول في هذا الربيع العربي؟
شيء وقع هنا وهناك، في اللغة وخارجها، لكأن له صدى في أودية البلاد، يستدعي للوهلة الأولى صراخاً جريحاً في ليل لا قمر فيه...
شيء يرسم ملامح، أو ظلالاً، وكان خروجاً عظيماً وهائلاً، تم باتجاه الضوء، ودفعة واحدة، بعد مكوث طويل في العتمة. وفي هذا الوهج، ظن الولد أنه إذا كتب على الجدار في هذا الخروج العظيم من العتمة والسكون والخوف، سيكافَأ بعلامات إضافية على درس الحساب ودرس القراءة، وليس له من العمر والتجربة ما يخوله القراءة في أحوال الحكام، وفي أمزجتهم وهم على حافة الهاوية، يمارسون كل شيء ما عدا الحكم بالعدل، ولو قليل، وتتفنن عصاباتهم في القتل والتنكيل... هو خرج في التوهج، في الربيع، كما فعل الكبار، ولو بحذر، وظن ان الورد كثير، وإنْ كان شوكُه دامياً، وما حسب ان العودة إلى البيت ستكون بأصابع ناقصة وبألم كثير.
ولعل البوعزيزي على الضفة المقابلة، حين خرج بجسده وأحرقه تحت قبة السماء، أراد ان يبعث برسالة الى الله أيضاً، وليس الى الحكام فقط، وربما إلى ما تبقى في اللغة، ليشحنها بغير معنى، وهذا أيضاً مضمرُ فعْلِه، لكنه ما ظنَّ، او توقع ان هناك متحدثاً سيفتي في تفسير قدومه على إحراق نفسه أنه حرام، ثم يسرع هذا المتحدث في الوقت نفسِه لاستثمار نتائج هذا الحرام، بالتحاقه بالثورة التي اشعلتها نار جسد البوعزيزي، اي «الفعل الحرام»، فراح يؤم المصلين في ساحات الحرية، التي ما كانت لتتسع لأحد لولا احتجاجه المطلق على الجحيم الأرضي! فكان البوعزيزي بإحراق نفسه، يطفئ النار بالنار، ومن دون سابق علمه، كما وجد الطاهر لبيب في تفسيره لذلك، اما الولد الذي اقتُلعت أجزاءُ من اصابعه بعد ان كتب على الجدار كلاماً ضد الحاكم، فسيشير - ولو بعد حين - بيده الناقصة إلى لغتنا الناقصة! أو أنه اشار وما انتبه أحد منا...
لا أظن أن هذا الولد ولا ذاك الشاب، يعلمان ان على هذا الكوكب كائنات لديها استثناء في القدرة على مزاولة العيش بهناءة وطمأنينة بعد أن تفتي بالحرام وتأكله، وتقطع اصابع الأطفال باعتبارها أصابع متآمرة!! هذه الهمجية ارتُكبت مراراً، ولكن في حق الكبار، مِن كتّاب وصحافيين ورجال فكر، وهم كثر، وتفننوا في تقطيع اطرافهم، ولكن ان تمارَس هذه الهمجية على ولد كتب اللعب على جدار عربي في ربيع عربي، فلا أعرف ما إذا كان كافياً ان نسمي هذا بـ «العار والهمجية»، أو أن شيئاً ما يتخطى هذا الكلام يجب ان يتألف...
أما العار، أو الذي يمكن ان نضعه في خانة العار، فهو ذلك الحِبر الغزير الذي يُهدر لتبرير هدر الدماء، ولوصف ما يحدث في هذه البلاد بأنه «مؤامرة».
وأما تلك الإطلالات على شاشات التلفزة لتزوير الواقع، فتستدعي الإشفاق أكثر من سواه، كيف لهذه الرؤوس ان تضع عقولها في التصرف أو في إجازات طويلة الأمد...
لا أدري إذا كان هؤلاء قرأوا أصابع الولد حين كانت تتهجأ الحروف الأولى لاسم البلاد، لا أدري إذا كانوا شاهدوا يداً اقتُلعت أجزاءُ من أصابعها وظلوا قادرين على حمل القلم والكتابة في وصف ما يحدث بالـ «مؤامرة»، او إذا كان ذلك المتحدث باسم الله يعلم أنه إذا سرق الثورة أو ركبها فهو كالذي يأكل مالاً حراماً، وهذا - وفق قاموسه وفتواه - باعتباره فعل البوعزيزي فعل حرام...
صديقي عمر أميرلاي.
هو الربيع العربي، إنما لا احد يعلم كم سيطول ليكتنز الزهر ويثمر، لإنه كما تعلم، هناك اختصاصيون في تقطيع الشجر وتجفيف المياه عن النبت. هذا الربيع ورده كثير، وشوكه نبال تُدْمِي، وهذا في الترميز، أما في الواقع، فهناك شراسة في القتل على هذه الجغرافيا العربية، التي تحكمها عقول عصابات هي في تماديها وشراستها لا توصف، وكأنها تظن أنها تؤبِّد نفسَها حين تباشر من دون تردد، قتْل كل من يحتج على تماديها في الفساد والاستبداد، فتراها تطارد الناس حتى غرف نومهم، ومن لا يُقتل يُساق الى أقبية التعذيب...
ماذا يمكن أن نكتب يا عمر، بعد ان اقتلعوا اصابع أطفال كتبوا على الجدار أنهم غير سعداء بحاكم جائر...؟
ماذا يمكن أن يَكتب الحبر، إذا لم تصبح اللغة في فعلها، أحياناً، متوهجةً كما النار التي أطفات الجحيم الأرضية في فعل البوعزيزي؟ أو إذا لم تلامس تلك الأصابع الطرية، التي تحتاج لألف ربيع عربي كي ينبت وردها؟ ماذا يمكن ان نكتب اذا لم نخلِّص اللغة نفسَها من الاستبداد التراثي والغيبي، الذي يتكاثر المتحدثون به، يجرِّدون الأفعال من معانيها الإنسانية، ويطلقون اللصوص الذين يختبئون تحت عباءتهم للسطو على انجازات العقل.
ماذا يمكن ان نكتب أيها الحبر؟
بأي يد أكتب دروسي يا أمي؟ عاد الولد وسأل أمه، وحين هَمَّ إلى القلم سقطت قطرة دم من سبابته التي بترت، على هذه الصفحة من التاريخ العربي.
2011-05-02
روافد مع الفنان يوسف عبدلكي
أحمد علي الزين: في باريس وفي كل مرة تأتيها زائراً أو مقيماً ولو لحين تعثر على مدينة ساحرة وعلى صديق، وقد تشتاق إليها وأنت ما زلت جالساً على كرسيك في مقهى الرصيف تنتظر أحداً وتتأمل تسكعات العابرين وغياباتهم نحو الغموض، وإن كنت مشّاءً تتورط أكثر في عشق هذه المدينة، فهي منبسطة أمامك تدعوك للتعرف على تاريخها وإبداعاتها، على معالمها، وهي بحد ذاتها بكلها معلم كوني، لكنه متعدد في وحدته كتعدد أهل المدينة وساكنيها في التنوع والمصادر، تدعوك لتناول فنجان قهوة في مقهى من مقاهي ساحاتها قبل أن تتوجه لساحة الباستين مثلاً حيث ينتظرك صديق يقيم في هذه المدينة منذ ربع قرن، وقد اعتاد أن يتناول قهوة الصباح قبالة النصب التاريخي الذي يذكره بسجون بلاده والذي يذكر الباريسيين بإنجازاتهم التاريخية أو أنهم اعتادوا على كونه نصب للحرية، لكنه بالنسبة له قد يذكره بوالده أيضاً وببلاده التي أقام لحريتها أنصاباً عديدة إنما على طريقته ويحبها على طريقته ويؤلفها أيضاً على طريقته، فهي المقيمة فيه عابراً لربع قرن في مدينة أخرى تكاد لم تحتويه رغم كل عمقها التاريخي واتساعها الإنساني، هو يوسف عبدلكي.
أحمد علي الزين: طبعاً أنت انقطعت عن دمشق مدة 25 سنة وفي أيار هذا العام 2005 عدت إلى دمشق بجواز سفرك طبعاً واحتفلت.. خلينا قول من احتفل بك بدمشق؟ ما بدي قول احتفلت بك دمشق، من الذين احتفلوا بك؟ واستقبلوا يوسف عبدلكي؟
يوسف عبدلكي: يعني احتفل فيني إذا جاز الكلام أصدقائي وأهلي ورفاقي السياسيين والمعتقلين السياسيين السابقين وناس كثير من جيل جديد أنا ما بعرفه الحقيقة بس يعرفوا بشكل أو بآخر شغلي، فبالتالي يعني هيك شريحة بشكل أو بآخر يعني متنوعة.
أحمد علي الزين: زرت القامشلي؟
يوسف عبدلكي: ما زرت القامشلي ولا أنوي أن أزورها.
أحمد علي الزين: ما ناوي تزورها، ما فيه حنين نحو هذا المكان اللي خلقت فيه؟
يوسف عبدلكي: في حنين أكيد قطعة..
أحمد علي الزين: شو السبب أنك ما بدك تزورها؟
يوسف عبدلكي: أحس أن القامشلي..
أحمد علي الزين: لم تعد كما كانت..
يوسف عبدلكي: لم تعد القامشلي، ففي بذهني صورة في منتهى الجمال عنها لا أريد تدمير هذه الصورة، أخاف أخشى.
أحمد علي الزين: حلو كثير، طيب وعندما ذهبت إلى دمشق في الفترة الأخيرة في أيار الماضي تعرضت لنوع من المضايقات؟
يوسف عبدلكي: بالحقيقة على خلاف.. أحمد علي الزين [ضاحكاً]: لاحظ إني عم أسأل مثل المحقق صرت؟ يوسف عبدلكي [ضاحكاً]: أنت لبناني كمان أخذت شوي منا خلال 26 سنة يعني، نسيت السؤال والله.
أحمد علي الزين: عم أسأل أنه أو ما بدك تجاوب، عم أسأل هل تعرضت لنوع من المضايقات أو طُرحت عليك أسئلة من قريب أو من بعيد بشكل أو بآخر؟
يوسف عبدلكي: بالحقيقة على خلاف المتوقع لم أُسأل في دخولي إلى دمشق من قبل أي جهاز أمني ولا في خروجي ولا أثناء إقامتي، وبالتالي كنت بشكل أو بآخر حُر في أن أتصرف وأقول ما أشاء لأنه بالحقيقة هذا مكان أتمناه وأسعى له أن أخرج كمواطن عادي وأقول كلامي بشكل عادي كما أؤمن فيه وكما أقتنع به.
أحمد علي الزين: بس هذا شيء إيجابي يعني؟
يوسف عبدلكي: هذا حصل وهذا شيء إيجابي، واللي لاحظته بالحقيقة واللي ربما أنا شجعني كثير على الكلام الواضح السياسي النقدي في دمشق أن الجو السياسي عند الناس اللي يشتغلوا في النطاق السياسي أو في النطاق الثقافي جو منفتح، هنيك فيه مساحة حرية منتزعينها، الناس يشتغلوا سياسة يشتغلوا ثقافة بسوريا، كاسرين تماماً جدار الخوف، ما فيه يُهاب السياسي اليوم في سوريا عند هالفئتين هذا واحد، الشيء الثاني: هنيك فيه مسافة كبيرة كثير بين ما يقوله ويصرح فيه السياسيون والمثقفون السوريون في حياته العامة أو في وسائل الإعلام وما يعيشه المواطن أو ما يلتزم فيه المواطن حتى الآن، لذلك قناعات الناس لما أنت تقعد معهن قناعتهم لا تختلف عن قناعاتك في حدتها ووضوحها.
أحمد علي الزين: بس لا يتجرؤون الحديث عنها..
يوسف عبدلكي: لكن تعبيراً عن ذلك وأمر آخر هو خطوة أخرى لا بد منها أعتقد حتى يحدث أي تغيير إيجابي في بلدنا.
أحمد علي الزين: خلف تلك الأشياء الصامتة ثمة صرخات، هذه الأشياء الهامشية ذات الطبيعة المحايدة الميتة كما تبدو ثمة حياة وذاكرة وخلف هذا الأسود والرمادي شكوك العقل في رحلة بحثه عن جوهر هذه الأشياء، لا يوجد بذخ ولا يوجد استعراض، فهناك نوع من التحدي بالغ الدقة أمام المساحة السوداء والتي كانت للتوّ مساحة بيضاء قبل أن تعالج بكيمياء الفحم، تبدو هينة وسهلة حين تشاهدها بعين نظارة نمطية ولكن حين تتأملها تتأمل آنية أو وردة مثلاً قد تعثر على شيء آخر رغم وضوح المشهد، قد ترى تجسيداً للعزلة أو للوحشة أو هي أطلال تذكّر بعبور ما، أو هي حياة أخرى لحياة كانت بقايا حياة، وهذا لا يرمي إليه إلا من به شغف الكشف عن جوهر الأشياء، ويوسف عبدلكي يبدو مصاباً بشقاء وعيه، فالذي يبدو مهملاً ومتروكاً لا فائدة منه ولا نفع ولا رجاء هو صيغة من صيغ الحياة، هو صيغة حياة أو معادلة من معادلة هذا الوجود الذي يبدع ويفني نفسه ويترك ترميزات للحادثات لكأنه.. لكأن يوسف يرسم أشياء عربون محبة لهذه الحياة.
أحمد علي الزين: بداية من يدخل إلى محترف يوسف عبدلكي يشعر كأنه دخل مهجع.. هاون لتجميع الأواني والأنتيكا وما إلى ذلك من هذه العناصر الصامتة، هل هي نوع من التعبير ربما عن شعور بالعزلة؟
يوسف عبدلكي: أعتقد أن الرسام عندما يعمل على موضوع فإنه لا يعمل على ما هو خارج الحياة، يعمل أيضاً على ما هو داخل بقدر ما يلمس شكل العناصر، بقدر ما يحاول أن يلمس شيء في داخله هو، بهذا المعنى بقدر ما تكون الأعمال التي اشتغل عليها تعيش في فراغ العزلة في اللوحة بقدر ما هي بالحقيقة بشكل أو بآخر تشكل انعكاساً لمجموعة ما أحسه في هذا البلد في فرنسا منذ ما يقارب ربع قرن، فما تتكلمه عن العزلة ليس بعيداً عن الحقيقة.
أحمد علي الزين: طيب بالنسبة للأسود والأبيض، طبعاً هذا السؤال طُرح عليك مراراً وربما أنت أيضاً طرحته مراراً على نفسك أكثر، اخترت الأسود والأبيض والتدرجات الرمادية للأسود طبعاً للتعبير، لماذا الأسود والأبيض فقط؟ هل لأننا قد ربما نسينا الألوان وتريدنا أن نتذكرها؟ أم أنت حاسم حتى في موقفك ورؤيتك للعالم بين الأسود والأبيض؟
يوسف عبدلكي: يعني أظن الأمر أسبق على مسألة التفكير والخيار، أظن الأمر يرجع في الأصل إلى أن الرسامين أو الفنانين الذين يتعاملون مع السطح إنما يتعاملون مع السطح بطريقتين: الطريقة الأولى هي: طريقة الملونين والذين يرون العالم من خلال تناقضات الألوان الحارة والألوان الباردة ويبنون اللوحة بلمسات الفرشاة الطرية، بينما الفئة الأخرى من المتعاملين مع السطح وهي فئة الغرافيكيين عموماً فإنهم يتعاملون مع تناقضات الأبيض والأسود وعلاقة الخط بالمساحة السوداء، وعادة ما تكون أدواتهم قاسية حادة في تلامسها مع السطح.
أحمد علي الزين: طيب هذا الأبيض والأسود من أين أتى؟
يوسف عبدلكي: يعني خلاف ما ذكرته وهو أعتقد الأساس أنا لا أرى أيضاً الأبيض والأسود باعتباره تلك الحدود الفاصمة والقاسمة بين إرجاعات تتعلق بالخير والشر إلى آخره، أرى أيضاً الأسود يتضمن كم غير محدود بحديقة من الألوان وكم غير محدود من المتعة والجمال البصري الممتع فعلاً، وبالتالي لا أنظر إلى الأبيض والأسود باعتباره خيار تراجيدي بحد ذاته، أنظر له باعتباره أداة ربما توصلني إلى خيارات تراجيدية في العمل.
أحمد علي الزين: يقول حسن سليمان الفنان المصري عن صديقه
يوسف عبدلكي: تحت وطأة ظروف وضغوط معينة سوّد عبدلكي هذه المساحات الكبيرة وليس باستطاعة أي رسام أن يسوّد مثل هذه المساحات العملاقة إلا بتعب وكد، فهي من الصعب تحقيقها فإن استطاعت هذه المساحات أن تحمل مضموناً يحتويك ويأخذ بتلابيبك بل قد يفزعك أحياناً يكون الرسام قد وضع إصبعه على الجرح، على جرح كل المنطقة التي كنا نظن أنها أصبحت ظلماء، أشكاله لا تمتّ إلى عالم الإنسان، وكأنه يقول لك: إنها عظامك أنت والحائط المسدود الذي أمامك هو الذي شلّك عن النفاذ منه، وكلما خضع عالمنا إلى تهديد كلما زاد عدد الكائنات الممسوخة حولنا مثل أسماك عبدلكي المتوحشة، إنها مخيفة فاغرة فاها على رغم أنها طفيلية وآنية وثنية قديمة، تضيع مع حائط مسدود كأنها تجبرك على العودة إلى الوثنية، تحال هذا العالم الذي عاد إلى عهوده القديمة الرجعية وحذاءٌ لا يصلح أن تلبسه امرأة لكنه يصلح لامرأة أسطورية تركته كي تشلّك إنه حذاء ميدوزا.
أحمد علي الزين: أيضاً أستاذ يوسف يلاحظ المتتبع لتجربتك أن هناك نوعاً من الألم الخفيّ في مراحل التجربة وفي اللوحات يعني، وهناك أيضاً نوع من العنف أحياناً في تناول الموضوعات القاسية يعني هيك وصعبة على العين، من أين جاء هذا الألم؟ هل هو نتيجة تطهر من الاستبداد الذي يعيشه مجتمعنا والذي عشته أنت أيضاً في السجون وعاشه الوالد؟
يوسف عبدلكي: أظن أننا نعيش في عالم معدومة فيه العدالة إلى درجة لا يمكن أن تخفي نفسها عن أحد.
أحمد علي الزين: لا توصف أيضاً.
يوسف عبدلكي: لا تُوصف، ولا أظن أن هناك أي إنسان مواطن فنان حساس إلى آخره إلا ويتحسس ذلك في حياته اليومية، يعني إذا واحد نظر إلى التجربة التراجيدية للشعب الفلسطيني أو الشعب العراقي بالسنوات الأخيرة يعني هناك مما يحرض طاقة الاحتجاج على الألم وطاقة الاحتجاج على ما يحدث لكثير من شعوب الأرض.
أحمد علي الزين: القليل يقارب حيرة الرسام الواقف أمام المساحة البيضاء، فهذه ليست فراغاً للإملاء، إنها فضاء من القلق، فضاء تتصارع عليه المعارف المحفوظة والاقتراحات غير الأكيدة، يمشي الرسام في الأمان عندما يحفظ نفسه يجترح الحلول التي سبق واختبرها، ويعطي النتائج التي يأملها وتُؤمل منه، لكنه عندما يصبح حرفياً بامتياز مطلقاً رصاصة الرحمة على الفنان الذي فيه.[فاصل إعلاني]
أحمد علي الزين: قبل أن يصل يوسف عبدلكي إلى مرحلة الاختزالات والتقشف في تناول الموضوعات ذات الطبيعة الساخنة الصامتة والبحث عن معنى لتلك الأشياء المستوحدة السابحة في فراغاتها الموحشة والمكشوفة عارية في عراء كامل، قبل ذلك كان قد عبّر بطريقة صاخبة وساخرة وساخطة ومنذ أواسط السبعينات عن موقفه تجاه مجتمع يعيش تحت رحى الاستبداد والظلم، فذهب إلى مسخ وتشويه شخصيات، شخصيات صاحبة نفوذ مستبدة تمارس النفاق وتبني سلطتها وأمجادها الزائفة على مفارقة إذلال الآخرين، فتلك التشويهات التي اتبعها يوسف عبدلكي لشخصيات سلطوية هي ناتجة عن وعيه الشقي وعن إحساسه العميق بالمرارة والاضطهاد، فجاءت تلك اللوحات التي استخدم بها الحفر تعبيراً عن حس نقدي نافذ مدفوع بالمرارة والقهر، فرأى تلك الوجوه والقامات مشوهة وممسوخة خالية من الرحمة ومن إنسانيتها، رآها كما هي من الداخل، الداخل المركب من ادعاءات وزيف وشهوات مرضية وهي في نهاية الأمر تبدو خرقاء بامتياز وهشة استخدمت صلابتها المؤقتة من موقعها ومن العزف وسحق الآخرين.
يوسف عبدلكي: مجموعة الأشخاص التي اشتغلت عليها بالفترة الواقعة بين 1989 إلى 1995 أظن أنها بشكل أو بآخر يمكن أنا أقول أنها تصفية حساب مع فترة السجن، أنا اعتقلت سنتين وخلال سنتين تقريباً لم أرسم أي قطعة لا في السجن ولا حتى بعد السجن تتعلق فعلاً بهذا الموضوع بشكل المباشر، أظن أن الموضوع تراكم في داخلي على مدى سنوات وبدأ يظهر في نهاية الثمانينات، المجموعة التي اشتغلت عليها بالحفر واشتغلت عليها بقطع الكولاج وبالغواش إلى آخره، أما الدخول في التفصيلات فهي بالحقيقة تحولت من كونها لحظة احتجاج إلى أن تصبح لحظة احتجاج ولحظة أيضاً لممارسة الحرية في استعراض تشويه هؤلاء الأشخاص، وبالتالي هي أنا أعتبرها أكثر لحظة حرّرتني على مستوى الشكل في كل عملية. تجربة السجن والتجربة السياسية
أحمد علي الزين: طبعاً بدنا نحن نتحدث عن تجربة السجن والتجربة السياسية ولكن طالما هلأ أنت أتيت الذكر عليها أنك أنت سُجنت لسنتين أو أكثر قليلاً.
يوسف عبدلكي: أقل.
أحمد علي الزين: أو أقل قليلاً، يعني نحن كنا نتمنى ما تنسجن أبداً، طبعاً والوالد سجن أيضاً لمرات، شو كانت أسباب سجنك؟ ما هي الدوافع التي حملت تلك السلطات إلى القبض عليك؟
يوسف عبدلكي: في السبعينات أظن أنه نما تيار واسع جداً في كل البلاد العربية وربما على نطاق أوسع على مستوى العالم هو تيار ماركسي متجاوز ومختلف تماماً على الماركسية في طبعتها السوفيتية، لديه حس نقدي عالي، وضع نفسه بشكل مباشر في خانة المعارضة والمعارضين، وهذا التيار الحقيقة يمكن أن نراه من المغرب حتى البحرين في فترة السبعينات، في تلك الفترة كان الحامل لهذا الفكر حزب جديد اسمه الحزب العملي الشيوعي، وقتها كان اسمه رابطة العمل الشيوعي، فكنت منتمياً إلى هذا التيار وتم إلقاء القبض على مجموعة الكبيرة من المنتمين وعلى دفعات تقريباً كل سنة كان هناك حملة اعتقالات وجوقة جديدة من الناس عندما تدخل داخل الأحداث متى ستخرج.
أحمد علي الزين: وليش فتت على الحزب أنت؟ ما فتت على حزب آخر لا يقبض عليك، شو الله جابرك؟
يوسف عبدلكي: كان الأمر من الصعوبة بمكان أن أدخل على حزب آخر الحقيقة بسبب أني أنا ولدت في بيئة عائلية تتعاطى السياسة بشكلها العادي واليومي وكأن السياسة هي خبز الحياة اليومية بالحقيقة ومادتها الأثيرة، ووالدي بحكم انتمائه للحزب الشيوعي السوري اعتُقل بين الأربعينات وأول الخمسينات ما يقارب 12 مرة، بس 12 مرة أكثر رحمة بكثير من أي مرة يمكن يُعتقل فيها أي معارض في سوريا ، ذلك أن وقتها كان الحقيقة فيه هناك محاكمات والناس تدافع عن نفسها ولديها محامين، كان لحظة المحاكمة بحد ذاتها هي لحظة.
أحمد علي الزين: نوع من التعبير السياسي.
يوسف عبدلكي: لحظة تعبير سياسي، لحظة إيصال الخط السياسي للحزب للناس إلى آخره، فكان الناس يُحكم عليهم بأشهر شهرين، ثلاثة، أربعة، أما في الثمانينات فصار القاضي فايز النوري يحكم على الناس المختلفين بالرأي عن السلطة السياسية ببساطة 15 سنة ويذهب للنوم مرتاحاً في بيته!
أحمد علي الزين: وأنت فُرج عنك لاحقاً..
يوسف عبدلكي: فُرج عني الحقيقة في لحظة الاحتدام في الصراعات في نهاية السبعينات أول الثمانينات بين السلطات السورية وجماعة الإخوان المسلمين، وحاولت السلطات أن تقدم على مناورة وهي أن تفرج عن كل اليساريين في السجون لكي توسع نطاق المتحالفين بين قوسين معها، الذي حدث أن الناس بالحقيقة طلعوا من السجون ولم يتحالفوا معها، ظلوا على نفس موقفهم المعارض واعتبروا..
أحمد علي الزين: فمنهم عاد إلى السجون ومنهم خرج.
يوسف عبدلكي: ومنهم من عاد إلى السجون ومنهم من عاد إلى السجون ومنهم من عاد إلى السجون.
أحمد علي الزين: وأنت؟ أتيت باريس..
يوسف عبدلكي: أنا؟ كنت بالصدفة كنت أنا يُفترض قبل أصلاً سفري يُفترض أن أسافر إلى ألمانيا لأتابع دراستي، فبعد أن خرجت سافرت ورتّبت أمور دراستي في فرنسا.
أحمد علي الزين: من يتعرف على يوسف عبدلكي يكتشف مخزوناً من الحب والأمل والشوق إلى مطارح كما قال عنها في بداية الحوار أنه لم يتجرأ في تفقدها بعد غياب 25 سنة خشية أن تُدمَّر صورتها الأصل في ذاكرته، تلك الصورة عن مدينة كانت هادئة متعددة الأهواء والانتماءات هي القامشلي، هو هكذا يعيش على أمل الصورة المرتجاة لبلاد تسكنه، بلاد حملها معه إلى باريس منذ زمن، ورغم هذه السنوات الطوال يتكثف حضورها في وجدانه بدل أن يبرد فلم تستطع باريس أن تسرقه منها أو تسرقها منه لكأنه هنا يعيش محطة انتظار مؤقتة يعالج سأم الرتابة في صوغ معنى للذي يبدو لا معنى له، ويحفر حياته مثل ما يحفر لوحاته ويزاوي حبه للأصدقاء ورسم غصن منسي على قارعة الطريق.
أحمد علي الزين: لم يسبق لي أن التقيت يوسف عبدلكي أو عرفته عن قرب، كنا نتفق على موعد مؤجل كما أحلامه المؤجلة، ربما كان ينبغي أن ألتقيه في دمشق في أيار من هذا العام 2005 حين عاد للمرة الأولى بعد غياب 25 سنة، أظن أنني خسرت عيش لحظة لقاء نادرة لعاشق دمشقي لمطارح هواه وبوجوه صحبه وأهله، ولكن لم أخسر لقاءه في باريس حيث تحدث يوسف عن ذلك اللقاء الذي ما زال عطره فوّاحاً وروى عن بعض ملامح تجربته ومحفّزاتها بخاصة منها تلك التي مثّلت له نوعاً من تصفية حساب مع مرحلة السجن والتي تفجرت بعد مرور سنوات عبر أعمال صاخبة في التهكم حادة مدفوعة بموقف ساخر من مظاهر الاستبداد ورموزه، وفي باريس دائماً الفضاء أكثر رحابة للبوح وللخلق ومؤاتياً للتسكع والتجوال، ويوسف مشاء أحياناً يستهويه قطع المسافات مستعيناً بوقود الذاكرة وبرغبة الاكتشاف، فصبي القامشلي الذي حضنته باريس طالباً في هذه الجامعة بوزار ثم مبدعاً هو مفتون بصورة قديمة عن مدينته القديمة القامشلي، فماذا عن تلك الصورة المحفورة في باله؟
يوسف عبدلكي: القامشلي الحقيقة مدينة تماماً خاصة في سوريا، ربما يكون أهم شيء يميزها هو كونها مدينة عم يتعايش فيها كل الأقليات الموجودة في سوريا بشكل بسيط جداً بمنتهى السلاسة بما يتجاوز الحقيقة قدرة أي دولة على تنظيمه فكان في المدينة في العرب والأكراد السريان والأرمن واليزيديين وإلى آخره، وكانت الحياة بسيطة وسلسلة بينهم..
أحمد علي الزين: هينة وفيها هناءة.
يوسف عبدلكي: بدون أي تعقيدات وبدون أي مشاكل، لها طابع لا قومي ولا ديني ولا أي شيء، فأظن كنت محظوظاً كثيراً عيش بهذه المدينة اللي عم يتعايشوا فيها كل الناس ببساطة.
أحمد علي الزين: طيب فنياً لا نعلم كيف جئت إلى الرسم، ولكن سياسياً ربما لك علاقة بجو البيت أو جو الوالد اللي هو كما تفضلت سُجن 12 مرة تقريباً؟
يوسف عبدلكي: الحقيقة جو البيت كان جواً سياسياً وكان والدي شخص تماماً معجون بالسياسة وكل علاقاته وأصدقائه مع ناس مهتمين بالسياسة أو يشتغلون بالسياسة وحواراته مع الناس دائماً في هذا النطاق، فبالتالي شي كان طبيعي بالحقيقة أهتم بالسياسة بجو من هذا النوع مثل ما يقول بيكاسو أني رحت على السياسة كمن يذهب إلى النبع، فشيء كان أكثر من العادي الحقيقة لأن جو البيت هو هيك.
أحمد علي الزين: هذا على مستوى السياسة أن والدك هو اللي حطك بهذا المناخ إذا صح التعبير، ولكن ما هي الغوايات التي دفعتك نحو التعبير بالقلم وبالرصاص؟
يوسف عبدلكي: هذه واحدة من المشاكل أو من القضايا الأصح اللي حتى الآن أنا ما عم بقدر شوف لها بالحقيقة تفسير، لأنه لا في المحيط العائلي ولا في المحيط غير العائلي في هنيك ناس يشتغلوا بالفن، وبالتالي أنا أتذكر من السنة الثانية أو الثالثة للمدرسة الابتدائية، بدأت أعمل لحالي دفاتر وأطلب من نفسي نوع من الوظائف أعملها بشكل دائم وجدي وكأن الأمر يعني ما هو لعب طفولة يعني، وأنا بعمري 15 سنة كان بالنسبة لي أمر محسوم وغير وارد النقاش فيه أني أنا بدي أشتغل بالرسم، قصة مش واردة السؤال ولا لثانية، بس البداية حتى الآن بالنسبة لي الحقيقة سر.
أحمد علي الزين: طيب طالما نحن نحكي بالجو السياسي والرسم والفن الإبداعي، بشغلك خاصة بشغلك الأولاني فيه تلازم بين السياسي والإبداعي، بتقديرك هل السياسة تخسّر الشطحات عند المبدع؟ أم هي بالضرورة حتى يقدر يعبّر بطريقة أدق أو أوضح أو يقول رأيه يحتج بطريقة أنفذ؟
يوسف عبدلكي: يعني هنيك فيه رأي سائد عند المثقفين العرب عموماً وربما غير العرب كمان أن السياسة تضر العمل الفني وإلى آخره، يعني أنا أول شيء أنطلق من مسألة أساسية أن السياسة جزء أساسي من نسيج حياتنا، ما يقدر الواحد يطلع برّاها هذا واحد.
أحمد علي الزين: خلينا ما نقول السياسة، خلينا نقول: العمل الحزبي إذا واحد منخرط بالعمل.
يوسف عبدلكي: لأ عم نحكي عن السياسة مش عم نحكي عن العمل الحزبي، العمل الحزبي أمر آخر الحقيقة هذا يدخل بتكنيك التعبير عن السياسة، السياسة لا تخسرك أنت بالحقيقة فنياً إذا كنت عم تجيد التعبير عن هذا الهم العام بشغلك، يعني وحدة من أهم اللوحات ربما تكون أهمها على الإطلاق في كل تاريخ القرن العشرين هي لوحة الغورنيكالية احتجاج من بيكاسو على قصف اللازين الذي احتل قرية الغورنيكال الإسبانية أيام الحرب الأهلية، طيب هذا موضوع سياسي بكل معنى الكلمة، لكن استطاع بيكاسو أن ينقله من كونه احتجاج على عمل محدود إلى أفق إنساني واسع كثير، بتشوف فعلاً شي جوهري وإنساني وعميق في هذه اللحظة التراجيدية والمأساوية.
أحمد علي الزين: يقول عادل السيوي عن تجربة
يوسف عبدلكي: زهرة تحاول بمفردها استدعاء المعنى كله، سمكة مندهشة، رأس لا نعرف إن كان مقتنعاً بانفصاله عن الجسد أم هو صرخة توقفت كحجر في الحلق، قدح يقف هناك وحده يحتضن فراغه الحميم ولا يبدو أنه قد امتلأ يوماً ما، أشياء متوحدة تبحث عن مبرر لوجودها، هنا والآن فهل هو عرض رصين للعزلة؟ أم إعلان صوفي عن رغبة الجزء في الرجوع إلى الكل؟ تلك المفردات الوحيدة في دائرة العين، هل تؤكد الغياب كما تستدعي محارة البحر ونتوهم في حذاء المرأة اكتمال حضورها الجسدي أم أنها أشياء تتجلى أمام أعيننا لآخر مرة كي نصبح شهوداً على تحللها النهائي؟ أين تستقر هذه الزهور والأحذية والأقداح؟ وهل يستريح رأس السمكة فوق غياب جسدها وتؤنس الظلال وحدها تلك الأشياء المقطوعة عن العالم؟ ألا تهب نسمة ما وتحمل لها أصوات صخبنا وتخترق ذلك الهواء الساكن الذي يلفها؟ أسئلة كثيرة تلاحقني وأنا أشاهد أعمال يوسف عبدلكي الأخيرة، أُدهش من قدرته على الاتزان فوق نصل البين بين، يتأرجح بين أناقة الأشياء وتواضعها المذل، بين الصراخ والغناء، بين الحضور البريء للشيء ووشاياته المتلاحقة.
يوسف عبدلكي: من حيث المبدأ شغلي على الطبيعة الصامتة فيه بالحقيقة أكثر من نقطة يمكن نتحدث عنها وحدة منها مسألة الفراغات.
أحمد علي الزين: البين بين كلمة طبيعة صامتة أنت توافق عليها؟
يوسف عبدلكي: أنا بشوف التعبير الأدق هو تعبير الطبيعة جامدة لأن الصمت الحقيقة يحط العناصر في موقع غير دقيق بمعنى أن كل العناصر التي أشتغل عليها هي عناصر.
أحمد علي الزين: صامتة بدك تقول.
يوسف عبدلكي: بشكل أو بآخر ناطقة من خلال قوتها التعبيرية بالحقيقة، والترجمة بالأصل هي ترجمة الطبيعة الميتة واللي هي طلعت يبدو عند المترجمين العرب بالأربعينات كثير كلمة بشعة مش حلوة، فحوّروها أنها طبيعة صامتة، فمسألة الفراغ هي وحدة من المسائل الأساسية التي عم أشتغل عليها واللي بشوف أنا إذا شفنا هيك كل تاريخ الحضارات بالحقيقة عند الصينيين أو عند الأوروبيين أو عند العرب نشوف كل في الحقيقة فترة تاريخية وكل شعب من الشعوب يتعامل مع مسألة الفراغ بطريقة مختلفة لأن كل شعب أصلاً عنده فلسفة تجاه..
أحمد علي الزين: معنى الفراغ.
يوسف عبدلكي: يعني اليابانيين مثلاً والصينيين يعتبروا الإنسان جزءاً صغيراً جداً من هذه الطبيعة، لذلك الفراغ الطبيعي الموجود في أعمالهم متسع شاسع، بينما الأوروبيون يعتبروا أن الإنسان هو الشيء الأساسي من عصرنا هذا وجاي في الحياة والفلسفة وإلى آخره فله موقع أكبر بكثير بفضاء اللوحة، العرب اللي كانوا بالنسبة لهم الفكرة التوحيدية هي فكرة أساسية فبالتالي كما أن فكرة الله موجودة في كل مكان أيضاً يُفترض العناصر تشغل كل مساحة لوحة وبالتالي ما في فراغ، فهذه مسألة حاولت أنا أتعاطى معها بطريقة أو بأخرى، شفت أن العنصر نفسه بقدر حطه بفراغ مختلف بيصير عنده ويأخذ معنى مختلف، وحدة من المسائل اللي عم أشتغل عليها كمان أن الخلفية ليست فراغاً إنما هو فضاء مشحون، هو فضاء فيه نوع من الحس الميتافيزيقي اللي يحط الأشكال كمان في موضع يعلو على مغزاه للمد المباشر، بالتالي لا تصبح الوردة وردة تصبح من معاني الحياة ولا تصبح السمكة سمكة تصبح نوع من شوق الاعتراض على الموت إلى آخره.
أحمد علي الزين: لو أردنا التحدث عن محطات في تجربة يوسف عبدلكي قد تكون دمشق هي المكون الأساسي الأكثر إلهاماً بالنسبة له كما يقول بعد القامشلي التي ولد فيها عام 1951 وحيث رسم صوره الأولى، في دمشق درس في معهد الفنون وأقام أول معارضه في قاعاتها وأكثر صداقاته الحميمة، في تلك المدينة صاغ ملامح أكيدة لشخصيته رساماً، شغله الهم السياسي والإنساني والاجتماعي بمقدار اشتغاله على لغته الفنية المعبرة عن ذلك، بالطبع باريس قد تكون محطة مثيرة بالنسبة له على المستوى الأكاديمي والمعرفي والثقافي من خلال معاهدها ومتاحفها، وبالتالي كفضاء آخر احتضنه كفنان مشاكس يغرد خارج السرب وأتاح له استكمال تجربته وتطويرها، لكن باريس لم تغويه بل كانت تلك المحطة التي انطلق منها إلى عواصم عديدة عبر عشرات المعارض الفردية والجماعية، من باريس كان يطل على دمشق وبيروت وعمان والقاهرة وعواصم أوروبا ويعود إليها عابراً، ورغم مرور كل هذه السنوات فلم يتقدم لنيل الجنسية كما يشتهي الكثيرون متمسكاً بقناعته الراسخة.
أحمد علي الزين: طيب أنت صار لك 25 سنة في باريس طبعاً يطلع لك جنسية مثلك مثل أي إنسان يقضي أكثر من 5 سنين يعني شروطه متكاملة، أنت شروطك متكاملة، وقبل الهوا أو من يومين ونحن عم نتحدث، قلت لك: ليش ما أخذت الجنسية؟ قلت لي: عناد، ليش معند؟
يوسف عبدلكي: بالحقيقة أنا توقف تجديد جواز سفري من سنة 1983 وظل الوضع هيك 5 سنوات، بعدين أعطوني جواز السفر لمدة سنتين، بعدين 1989 بطلوا يجددوا جواز سفري لمدة 11 سنة بعدين استعدته، خلال كل هذه الفترة كان ممكن بالحقيقة قدّم على الجنسية وآخذها وفي يومها شروط عديدة كالضرائب والإقامة الطويلة والدراسة وكذا كلها تساعد الواحد أن يأخذ جنسية بشكل عادي يعني، أنا كنت من اللحظة الأولى أعتبر أني أنا حقي في جنسيتي ليست ملك سلطة سياسية، ليست ملك أي ضابط أمن حتى يحرمني منا لأنه هو يعتبرني أنا أختلف عنه بالرأي وبالتالي هو يحق له ينتزع مني جنسيتي، انتمائي ما له رهن إشارته ولا رهن قراره، فالأمر هيك نوع من الموقف العادي من مسألة عادية تريد السلطات أو أجهزة الأمن أن تحطها في نطاق عادي وفي نطاق غير عادي وتصنع منا أداة للابتزاز أو أداة للضغط على البشر وعلى المواطنين فأنا رفضت كل المسألة هي وأصررت أني آخذ جواز سفري وما آخذ أي جواز سفر آخر حتى استعدته فعلاً.
أحمد علي الزين: كان هذا هو السبب يعني، طيب شعورك بالانتماء يعني أنت 25 سنة في باريس تشعر بالانتماء إلى هذه المدينة؟
يوسف عبدلكي: هلأ نرجع لباريس، باريس كمان محطة بالحقيقة كبيرة وفيها تشعبات لا تُعد ولا تُحصى يعني، يعني باريس أولاً كمدينة أنا عملت فيها دراستي الثانية وعملت فيها الدكتوراه بعدين وبالحقيقة على المستوى التقني البحت، من خلال دراستي في بوزار يعني ربما لم أستفد أي شيء من أستاذي، لكني استفدت من باريس شيء لا يمكن تقدير أهميته هو اطلاعي الدائم على المتاحف، على المعارض، زيارتي لمعارض الفنانين المعاصرين، باريس منحتني إمكانية أني أرى إنجازات الفنانين والشعوب على مدى قرون موجودة في متاحفها، أقدر شوف وهذا الشيء كان غير متاح أبداً في أي عاصمة عربية يعني، وبالتالي فضل باريس ليس فقط أنها خلتني أطلع على الفنون الأوروبية بشكل خاص من القرن الخامس عشر حتى الآن، لأ شيء يتجاوز تماماً حدود الجغرافيا وحدود التاريخ الحالي يعني، فبالتالي صقلي لشغلي جاء من هون أكثر مما هو عمل بالحقيقة لكلية النحاتين اللي كنت أشتغل فيها هذا واحد، من ناحية ثانية: هنيك فعلاً فيه فضاء من الحرية غير موجود في أي دولة عربية قطعاً، وبالتالي هذا كمان جعل مسألة الحرية بالنسبة لي أكثر رسوخاً وأقوى في معرفتي بالدفاع عنها والدفاع عن حريتي في أن أقول رأيي السياسي لما أرسم للصحافة. [فاصل إعلاني]
أحمد علي الزين: لكأن يوسف عبدلكي لا يشبه لوحاته، لكأنه فرّغ نزعات العنف في عملية الحفر وتصفّى من كل ما يجعله حاداً وشفّ، ولو كنت لا تعرف نتاجه مسبقاً تظنه ملوناً رومانسياً يراوده قوس قزح في سهول ماطرة، هو يقول عن نفسه: عقلاني، وهذه صفة من صفات الحفارين ورسامي الفحم والغرافيكيين ولكن حين تشاهد وردة أو غصناً في آنية سريالية تسأل: من أين جاء هذا العقلاني بهذه العاطفة الجياشة أو هذا الحزن المكثف في عزلة هذه الطبيعة المستوحدة؟ وحين تشاهد رأس سمكة تسأل عن مخزون العنف الذي سُكب فيه عنوةً وفرّغه احتجاجاً على عالم فادح في ظلمه وفي نقصان العدالة.
أحمد علي الزين: طيب خلينا نرجع شوي لتجربتك الفرنسية، ضمّنت سؤالي القديم سؤال عن كيف استقبلتك فرنسا كمبدع؟ أو كيف تستقبلك الآن يعني وسواها من أوروبا؟ هل النقد هو عادل مع يوسف عبدلكي كفنان مشرقي مقيم في باريس؟
يوسف عبدلكي: يعني أولاً أنا عرضي في فرنسا عملت عروضاً قليلة جداً، وبالتالي كمان النقد تناول الشغل تبعي كمان بشكل قليل جداً، اهتمامي الأكبر هو بالحقيقة بلبنان العربية بتونس بمصر بالبحرين بسوريا بلبنان بالأردن إلى آخره.
أحمد علي الزين: بس في بعض المتاحف بأوروبا تقتني لوحات لك يعني.
يوسف عبدلكي: اقتنت لوحات وأقمت معارض عديدة وإلى آخره، بس قصدي أنا حجم التركيز والاهتمام هو بالحقيقة على الضفة الثانية من المتوسط.
أحمد علي الزين: اللي أنت تراهن عليها وبالعودة..
يوسف عبدلكي: وأنا بالحقيقة بشكل أو بآخر أعتبر أنه أصلاً هي العصب تبع الشغل تبعي من جهة والشيء الطبيعي أني أهتم أني أعرض أعمالي بهديك الجهة.
أحمد علي الزين: يعني أنت وكأن هذا المكان هي محطة عابرة حتى لو طال الزمن فيها؟
يوسف عبدلكي: هي محطة عابرة، هي من اللحظة الأولى اللي أجيت أنا فيها أجيت للدراسة واضطررت للإقامة فيها بحكم الضرورة يعني لأنه ما عاد أقدر سافر وما عاد عندي جواز سفر لكني من اللحظة الأولى وحتى هذه اللحظة أعتبرها لحظة مؤقتة.
أحمد علي الزين: حتى لو صارت 25 - 30 سنة.
يوسف عبدلكي: طبعاً.
أحمد علي الزين: يعني يتهيأ لك بعدك شب أنت؟
يوسف عبدلكي: الجمهوريون اللي انهزموا في الحرب الأهلية الإسبانية عندي أكثر من صديق من أبنائهم يحكوا لي كيف أن آباءهم وأمهاتهم كانوا ضابين ثيابهن في حقائب ويسكنوا في أوتيلات في غرفة في أوتيل يعني عائلة كلها تسكن في غرفة في أوتيل، وضابين ثيابهن في حقائب بانتظار أنهم يرجعوا بكرة، ظلوا هيك 30 - 35 سنة.
أحمد علي الزين: وقاعدين مكانهم.
يوسف عبدلكي: وهن قاعدين، بس الحقيقة القرار هو الأساس، وأنت كيف إحساسك تجاه المكان مش جاي من برّة جاي أنت كيف عم تعيش بهذا المكان؟ وكيف أنت مخطط لحياتك في هذا المكان أو في مكان آخر؟ فأنت مقرر أنك أنت تنتمي إلى بلد آخر وإلى ثقافة أخرى وشيء طبيعي أنك تمارس حياتك وعملك في مكان آخر، شيء طبيعي أن تكون بهذا المكان عندك إحساس أنك أنت بالحقيقة في رحلة في محطة مؤقتة.
أحمد علي الزين: لمين تشتاق بدمشق؟ ولا الشوق خفّ بعد رحلة أيار؟
يوسف عبدلكي: في دمشق، لا والله، مشتاق لوالدتي مشتاق أني إذا رجعت أقدر شوفه لجميل حتمت مثلاً، مشتاق لكل الأصدقاء.
أحمد علي الزين: يقول الشاعر نزيه أبو عفش عن يوسف عبدلكي: عرفت يوسف منذ أكثر من ثلاثين سنة وكان مجرد هاوي رسم مفتون بقوة الأمل، وكنت مجرد هاوي كلمات أبشّر بخيبته، على هذه المائدة الملتبسة التقينا وعلى طرفيها قامت أجمل ولائم الصداقة، ومنذ ذلك الحين رغم جميع الخيبات والمحن والكوارث والأعطاب الروحية التي تخلّفها عقائد الاستبداد والمطاردات والسجون المعاهد الوطنية لتأهيل الخارجين على الصراط الرسمي للعقيدة ويوسف عبدلكي ما يزال يأمل، يأمل بريشته ويأمل بقلبه ويواصل رحلته السيزيفية الآملة إلى أعالي الهاوية هاوية الإنسان، روحٌ غير قابلة للهدم، ذلك مكانه يوسف عبدلكي وذلك ما سوف يبقاه إنسان يأمل وعلى اللقمة المريرة لذلك الأمل الضاري كان يتغذى ويواصل حياكة حلم حياته بالأسود والأبيض حيناً وبالأسود والأسود حيناً وبإيمان من يكابد ويأمل ويثق في جميع الأحيان.
يوسف عبدلكي: وحدة من الأشياء اللي ربما أفتقدها أنا أنه ما في طفل جوّاتي، فيه واحد كثير هيك صاحي وبشكل أو بآخر يعني عم يشوف شو عم يصير حوله، لذلك أحسد أنا بشكل حقيقي رسام مثلاً مثل جورج بهجوري اللي هلأ عمره يمكن 70 أو 72 سنة واللي تحسه فعلاً طفل بالمعنى الحقيقي، بأي معنى كمان جورج أكيد يعرف شو عم يصير حوله تماماً وبوعي كثير كبير، لكنه بمعنى أنه لما يمسك القلم ويحطه على الورقة ينسى كل شيء تعلمه، ويستعيد قدرته على اللعب غير المضبوط، اللعب اللي فيه هيك جمال وفيه حرية.
أحمد علي الزين: طيب أديش كان حضور المرأة بحياتك يعني مفيد أو غير مفيد؟ تجاربك بالحياة مع المرأة يعني كانت عاطيتك زخم إبداعي؟ ولاّ أنت متزوج ما تسترجي تجاوب على هذا السؤال؟
يوسف عبدلكي: بسترجي، أنا تصوري العمل الفني وقبله الفنان وقبله البني آدم بدون لحظة الحب بالحقيقة تصير حياته صحراء حقيقية، أتصور أكثر لحظة بشوف الإنسان فيها إنسانيته فعلاً هو بالحقيقة مع هذه المرأة التي فعلاً يحبها يلي تماماً يكسر كل الحواجز بينه وبينها، يكسر كل ما هو مصنع ومفتعل ومفكر فيه مع كل الآخرين يعني، فالذي صار لذلك أتصور أن لحظة الحب هي لحظة الحقيقة بالنسبة للبني آدم، لذلك كل الناس أحسهم مشدودين شداً فظيعاً لهذه اللحظة لأنهم يعرفون إلى أي مدى هي في الحقيقة لحظة جوهرية بحياتهم، من دونها فيه شيء خلل أساسي بتكوينهم وبحياتهم وباستمرارهم كبشر.



